من هو صريع الغواني؟

غلاف «العرب والحب»
غلاف «العرب والحب»
TT

من هو صريع الغواني؟

غلاف «العرب والحب»
غلاف «العرب والحب»

لاحظت مؤخراً أن بعض العقول أصبحت جافة، والقلوب ناشفة أكثر من اللزوم. ولذلك لا بد من ترطيب الأجواء عن طريق بعض القصص والأشعار. ولنتحدث عن صريع الغواني.
فمن هو هذا الشاعر غريب الشكل يا ترى؟ لقد جذبني إليه منذ البداية اسمه أو بالأحرى لقبه: «صريع الغواني»! وأعجبت بهذا الاسم أيما إعجاب. ثم غبطته عليه، بل وحسدته كل الحسد، وإن كان الحسد ليس من شيمي. على أي حال رحت أتساءل بيني وبين نفسي: كيف حظي بهذا الاسم الساحر دون سواه؟ والأنكى من ذلك أنه بعد الاطلاع المفصل على سيرته الذاتية وجدت أن الرجل كان خاشعاً وقوراً على عكس ما نتوقع. ولم يكن صريع الغواني إلى الحد الذي نتصوره. فمسلم ابن الوليد، وهذا هو اسمه الحقيقي، لم يكن أبا نواس! ومعلوم أنه كان معاصراً له وللعباس بن الأحنف وبشار بن برد وأبي العتاهية إلخ... فمن أين جاءه هذا الاسم يا ترى؟ كيف لصقت به هذه التهمة التي يُحسد عليها؟ يقال بأنه ألقى مرة قصيدة يمدح فيها الخليفة هارون الرشيد، وقد ورد فيها هذا البيت:
وما العيش إلا أن تروح مع الصبا
صريع حميَا الكأس والأعين النجل
فقال له الخليفة على الفور: أنت صريع الغواني! فذهبت مثلاً ولصقت به. وهذا يعني أن الخليفة كان ذواقة للشعر العربي. كيف لا وهو هارون الرشيد؟
ولكن يقال بأن هناك سبباً آخر لتلقيبه بذلك هو أبياته التي يقول فيها صراحة:
إن ورد الخدود والحدق النجل
وما في الثغور من أقحوان
واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد
وما في الصدور من رمان
تركتني بين الغواني صريعاً
فلهذا أدعى صريع الغواني
تلاحظون أن كلمة الأعين النجل وردت أكثر من مرة لديه. فما معنى ذلك يا ترى؟ معناه: الأعين الواسعة الجميلة التي تدوخ العقل. وأكاد أقول الأعين الكحلاء من دون كحل. إضافة من عندي وأنا بها فخور. وربما كانت صحيحة. ولا تسألوني عن معنى هذه العبارة الفاتنة: «واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد»، فهي أعلى مني ومنكم بألف مرة! كلمة اعوجاج قد تغشكم وتوهمكم أنها كانت تعاني من تشوه في ظاهر الخد، ولكن العكس هو الصحيح. «الاعوجاج» هنا قيمة جمالية من أعلى طراز.
ويقال بأنه تنسك في أواخر حياته وزهد. بل وعاش حياة عائلية مستقرة وهادئة حتى وفاة زوجته التي رثاها بكل حرارة وحرقة. وبكاها بكاءً مراً مثلما فعل جرير من قبله. فكيف يمكن لشخص عاقل ومحترم كهذا أن يدعى صريع الغواني؟
ثم هل نسيتم قصيدة جرير في زوجته وتلك الأبيات التي لا تنسى:
لولا الحياء لهاجني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولهت قلبي إذ علتني كبرة
وذوو التمائم من بنيك صغار إلخ...
كم أكبرت جرير بسبب ذلك؟ كم زاد عندي قيمة وأهمية بل وعظمة. كنت أحسبه فقط هجاء ضد الفرزدق، فإذا به شخص آخر. لاحظوا كيف يتفجع عليها تفجعاً. نقول ذلك، بخاصة أنها ذهبت شابة، وخلفت وراءها أطفالاً صغاراً... تحية للأمهات اللواتي يذهبن شابات، مبكرات، قبل الأوان. ألف تحية. وبضعة آلاف من الحسرات! ولكن هذا قضاء الله وقدره. لا راد لمشيئته. ويبدو أنه كان من أوائل من تجرأوا على البكاء على الزوجة، ورثائها، لأن ذلك غير مستحب عند العرب أو غير مألوف، بل إنه مستهجن ومستنكر جداً. ماذا؟ أرجل يبكي على زوجته؟ أعوذ بالله، لا يليق. أولاً الرجال لا تبكي. وثانياً لا تبكي على النساء! عيب. فضيحة.
إذن الرجل لا يبكي على المرأة، حتى ولو كانت زوجته وأم أطفاله، بل ولا يليق به أن يزور قبرها! أما هي فتزور قبره كل يوم جمعة. لحسن الحظ، فإن الأمور تغيرت واستعادت المرأة العربية أخيراً كرامتها في عصر الحداثة والتقدم والتطور.
بالمناسبة جرير كان أيضاً صريع الغواني. أليس هو القائل:
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
وهن أضعف خلق الله إنسانا
في الواقع كلنا صريع الغواني بشكل أو بآخر... وبالتالي فهذا المصطلح الرفيع يخترق الشعر العربي كله من أوله إلى آخره: من امرئ القيس إلى نزار قباني.
ألم يقل امرؤ القيس:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي
وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وماذا عن ابن زيدون الذي لوعته تلك اللعوب الفاتنة ولادة بنت المستكفي، وأذلته حتى مسحت به الأرض؟ لاحظ كيف يستعطفها، كيف يستجديها، كيف يبوس الأرض من تحت قدميها لكي تعود ولكن هيهات...
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً منكم
ولا انصرفت عنكم أمانينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إلى آخر تلك الأبيات الخالدة..
بل وراح يطمع برؤيتها فيما وراء الضباب... راح يلاحقها إلى عالم الماورائيات الميتافيزيقية... فإذا كانت قد أفلتت منه في هذا العالم، فإنها لن تفلت في العالم الآخر:
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء بكم
في موقف الحشر نلقاكم وتلقونا
حب حتى الموت، بل وما بعد الموت: حب أقوى من الموت!
تحية لابن زيدون وألف تحية...
ثم تضيف الروايات: صحيح أنه أقبل على اللهو واللذة والطرب في بداية شبابه. ولكنه لم ينغمس في المجون انغماس أبي نواس وبشار بن برد وابن الضحاك الخليع وسواهم. وفي أواخر حياته نهر أحدهم قائلاً: «لا تدعني صريع الغواني أرجوك: فأنا لست كذلك». وكان يلقب بهذا اللقب وكان له كارهاً. ويقال بأنه قذف بشعره السابق في البحر عندما كان يتغزل أكثر من اللزوم.
وهكذا خسرنا قسماً كبيراً من غزلياته وأشعاره الأولى. لقد أراد أن يكفر عن ذنوبه، ويفكر في آخرته بعد أن كبر وتقدم في السن. ولكن لحسن الحظ بقي منه شيء كثير ومنه هذان البيتان:
نقاتل أبطال الوغى فنبيدهم
ويقتلنا في السلم لحظُ الكواعب
وليست سيوف الهند تفني نفوسنا
ولكن سهام فُوقت بالحواجب
والغريب العجيب هو أنه لم يكن أول من لقب بصريع الغواني. فقد سبقه إلى ذلك الشاعر القطامي المتوفى سنة 747 ميلادية، أي قبل ولادته بعشر سنوات. وسبب اللقب هو أنه قال:
صريعُ غوانٍ راقهن ورقنه
لدنْ شبَ حتى شاب سودُ الذوائب
وهو بيت من قصيدة مطلعها:
نأتك بليلى نية لم تقارب
وما حب ليلى من فؤادي بذاهب
دوخناكم بالشعر! وبعض الشعر يدوخ، سامحونا! لا تنسوا: أنتم الآن في أحضان الشعر العربي وبساتينه الغناء ورياضه الفيحاء. وهي بساتين معشوشبة، مخضوضرة: المياه تسقسق، والطيور تغرد، والربيع منتشر على مد النظر.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فدعوني أروي لكم هذه النادرة الجميلة التي تعبر عن شخصية العرب في العمق. أولاً أطرح عليكم هذا السؤال: من قائل هذه الأبيات:
نحن قوم تذيبنا الأعينُ النجلُ
على أننا نذيب الحديدا
وترانا يوم الكريهة أحراراً
وفي السلم للغواني عبيدا
نأسر الأُسد ثم تأسرنا الغيد
المصونات أعيناً وخدودا
إنه الفارس البطل أبو فراس الحمداني. القصة وما فيها هي أنه كان يحاصر إحدى مدن الروم في بعض غزواته. فعرضت عليه فتاة باهرة الجمال نفسها مقابل أن يفك الحصار عن أهلها ومدينتها. فأرجعها إلى أهلها سالمة وفك الحصار دون أي مقابل. ولكن هناك رواية أخرى أكثر زركشة وجمالاً تقول: عندما حاصر أبو فراس المدينة كانت فيها امرأة ذات حسن وجمال.
فقالت لأهلها: أنا أكفيكم أمره. فتبرقعت وخرجت نحو العسكر، وقالت: أبلغوني الأمير. فأبلغوها إليه، فقالت: ألست أنت القائل: نحن قوم تذيبنا الأعين النجل إلخ..؟ فقال نعم: فنزعت البرقع عن وجهها، وقالت: أحُسْناً ترى أم قبحاً؟ فقال: والله لا أرى إلا الجمال. فقالت: ما حق المولى على عبده؟ فقال: السمع والطاعة. فقالت: ارحل عنا وانصرف راشداً. ففك الحصار فوراً، وأمر جنوده بالعودة إلى الوراء سر.
فقالوا له: يا أمير المدينة في أيدينا تقريباً! لماذا تريدنا أن ننصرف بعد أن أوشكنا على أخذها؟ دعنا نفتحها. فقال لهم: لا مجال للبقاء ساعة واحدة هنا. لقد أعطيت كلمتي بعد أن أفحمتني هذه الغادة الحسناء. والله لن أتراجع عن قراري.
ويبدو أنه وقع في حبها حتى الموت. ثم وصل إليها لاحقاً، وخطبها، وتزوجها، وعاش معها حتى فرق بينهما غراب البين. وعندما طلع الصباح سكتت شهرزاد عن الكلام المباح.
وفي رواية أخرى أيضاً: عندما نزعت البرقع عن وجهها، صعق فوراً، فداخ، فانهار، فوقع مغشياً عليه...
أخيراً قد تتساءلون: من هو إذن صريع الغواني الحقيقي في الآداب العربية كلها؟ بصراحة لا أرى أحداً اللهم إلا عمر بن أبي ربيعة، ولكن مع فارق أساسي: وهو أنه كان صارع الغواني لا صريعهن. نقطة على السطر! حتى في موسم الحج كان يترصد لهن. وأحياناً في أمسيات الصيف المنارة بضوء القمر كان يصطاد إحداهن فتقع المسكينة في الفخ، كما لو غصباً عنها.
يعيش الشعر العربي.



احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
TT

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

احتفى الجمهور المصري بعودة الفنانة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة، ابتعدت خلالها عن الظهور الفني والإعلامي، حيث شاركت الفنانة المصرية في إعلان ترويجي رمضاني لإحدى شركات الاتصالات بمصر، وتصدر اسمها «التريند» على موقع «غوغل» الخميس، عقب نشر الإعلان على حسابات الشركة الرسمية، وعرضه على عدد من القنوات التلفزيونية.

وشارك مع عبلة كامل في الإعلان الرمضاني «يا واحشني»، الذي حقق نسبة مشاهدة عالية على المنصات «السوشيالية» المختلفة، عدد كبير من الفنانين من بينهم، منة شلبي، وياسمين عبد العزيز، ومحمد منير، محمد ممدوح، وأمير عيد، ومصطفى غريب.

وأشاد الناس في تعليقات ومشاركات بمواقع التواصل الاجتماعي بالإعلان ونجومه، وظهور عبلة كامل بالإطلالة التي اعتادوا عليها بأعمالها الفنية، وحرصها على عدم استخدام مستحضرات التجميل بشكل مبالغ فيه، كما وصفوا اللقطات التي جمعتها بالفنانتين ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي، بأنها كانت مليئة بالحب والحنان والأمومة.

وأثار الإعلان ردود فعل إيجابية رحبت بعودة عبلة كامل للساحة بعد غياب لسنوات، كما استعاد البعض مشاهد من أعمال فنية شهدت على مشاركة ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي مع عبلة كامل في بدايتهن الفنية، حيث جمع مسلسل «امرأة من زمن الحب»، بينها وبين ياسمين عبد العزيز قبل 28 عاماً، فيما جمعها مسلسل «أين قلبي»، مع منة شلبي قبل 24 عاماً.

واحتفى أيضاً عدد من الفنانين والإعلاميين في مصر بعودة عبلة كامل، وذلك عبر حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم ريهام عبد الغفور، وحسن الرداد، ورامي رضوان، وفاء عامر، وغيرهم.

وكسرت عبلة كامل ابتعادها التام عن الأضواء برسالة صوتية تمت إذاعتها عبر برنامج الإعلامية لميس الحديدي قبل أكثر من شهرين، وقدمت الشكر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقب قراره بعلاج كبار الفنانين على نفقة الدولة، واصفة القرار بأنه «لفتة كريمة وحنونة».

وأعلنت عبلة كامل حينها، عن خضوعها لعمليات جراحية على نفقتها الخاصة، كما عاتبت من انتقدوا قرار علاجها على نفقة الدولة.

وعن رأيه في الاحتفاء الجماهيري بعودة عبلة كامل للأضواء بعد غياب طويل، أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، «أن الناس تنتظر ظهور عبلة كامل بفارغ الصبر منذ ابتعادها عن الساحة الفنية، وخصوصاً بعد تأكيدها أخيراً مرورها بأزمة صحية».

قريبة من الجمهور

وأضاف النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن عبلة كامل فنانة قريبة من الناس لذلك فأي ظهور أو خبر عنها يخطف اهتمامهم، مؤكداً أن «الإعلان الترويجي الذي ظهرت فيه وبرغم تكرار فكرته هو الأهم والأضخم والأبرز في موسم رمضان، بل وفي تاريخ الإعلانات المصرية».

وأشاد النجار بفكرة اجتماع عدد كبير من النجوم من أجيال مختلفة بالإعلان، مؤكداً أن «تحقيق الإعلان لمشاهدات مليونية خلال ساعات أمر لم يحدث في أي مصنف فني، وأن وجود عبلة كامل هو السبب في هذا النجاح البارز».

عبلة كامل في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

وبرغم تصدر الإعلان، ورغبة الناس في عودة عبلة كامل للتمثيل، فإن الناقد الفني يستبعد عودتها للفن بعد ظهورها لثوانٍ معدودة وهي جالسة ولم تتحرك مطلقاً، موضحاً أن «التمثيل يحتاج لمجهود، ومن الصعب الاستمرار إذا كانت حالتها الصحية لا تسمح».

بدأت عبلة كامل مسيرتها الفنية في ثمانينات القرن الماضي، وقدمت شخصيات فنية بارزة تنوعت بين الاجتماعي والكوميدي، من بينها مسلسلات «ليالي الحلمية»، و«ضمير أبلة حكمت»، و«المال والبنون»، و«أبناء ولكن»، و«لن أعيش في جلباب أبي»، و«هوانم جاردن سيتي»، و«امرأة من زمن الحب»، و«حديث الصباح والمساء»، و«أين قلبي»، و«عيش أيامك»، و«ريا وسكينة»، و«العندليب».

وشاركت في أفلام، «سيداتي آنساتي»، و«الستات»، و«مرسيدس»، و«سواق الهانم»، و«قشر البندق»، و«اللمبي»، و«اللي بالي بالك»، و«خالتي فرنسا»، و«سيد العاطفي»، و«عودة الندلة»، و«بلطية العايمة»، بينما شهد الجزء الـ5 من مسلسل «سلسال الدم»، قبل 8 سنوات على آخر ظهور فني لها، وعقب ذلك فضّلت عبلة كامل الابتعاد عن الأضواء، ورفض الظهور في أي مهرجانات فنية، برغم عدم إعلانها اعتزال الفن نهائياً.


 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
TT

 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

في ليلة الرؤية، تتعلّق أعين المصريين بالسماء، وقلوبهم تترقب الخبر الذي سيخرج من «مرصد حلوان»، يقفون على تخوم عبارتين؛ «تم رصد الهلال» أو «تعذّرت رؤيته»، فبين الجملتين تتحدد ملامح الغد، فتبدأ بشائر رمضان أو يُرجأ انتظاره يوماً آخر، غير أن قصة هذا المرصد تمتد جذورها إلى ما هو أوسع من هذا الطقس الموسمي الذي يتكرر كل عام.

تعود بدايات الرصد الفلكي المؤسسي في مصر إلى عام 1839 - 1840، حين أُنشئت «الرصدخانة» في بولاق بأمر من محمد علي باشا، وتطورت لاحقاً في عهد الخديوي إسماعيل، ثم نُقلت إلى العباسية بسبب مشروعات السكك الحديدية وتأثير الاهتزازات على دقة الرصد، ومع اتساع العمران وزيادة التلوث الضوئي، اتُّخذ القرار بإنشاء مرصد جديد في حلوان (جنوب القاهرة) عام 1903، بعيداً عن صخب المدينة، ليبدأ ما يُعرف اليوم بمرصد حلوان، الذي حمل آنذاك اسم «المرصد الملكي».

صورة أرشيفية توثق عملية رصد فلكي في مرصد حلوان خلال الحقبة الملكية (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

حسب الدكتور أشرف شاكر، أستاذ ورئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، فإن مرصد حلوان «ليس مجرد موقع أثري علمي، بل نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث في المنطقة»، مؤكداً أنه «قيمته لا تكمن في قدمه فقط، بل في إسهامه الفعلي في إنتاج معرفة فلكية مبكرة سبقت كثيراً من التصنيفات العالمية».

ويضيف شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن «نقل المرصد إلى حلوان مطلع القرن العشرين جاء استجابة لاعتبارات علمية دقيقة؛ فالموقع المرتفع وهواء حلوان النقي آنذاك جعلاه مثالياً للرصد، وبعد انتقاله، أصبح وجهة لعدد من العلماء الأجانب، وشارك في أرصاد دولية مهمة، منها مهام مرتبطة برصد أجرام سماوية بعيدة ضمن مشروعات تعاون دولي في بدايات القرن العشرين، وهي أرصاد وضعت اسم حلوان مبكراً على خريطة البحث الفلكي العالمي».

ويحتفظ مرصد حلوان في ذاكرته، بالتلسكوب التاريخي الذي أهداه له الفلكي البريطاني جون هنري رينولدز، بقطر 30 بوصة، الذي كان الأكبر في أفريقيا والعالم العربي آنذاك، ما مكّن العلماء من تصوير أجرام سماوية بعيدة لم تكن تُرى بوضوح من قبل، وأسهم في أبحاث فتحت آفاقاً جديدة لفهم الكون في ذلك الوقت.

معمل أبحاث الشمس بمرصد حلوان (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ويؤكد شاكر أن «أرشيف المرصد موثّق دولياً، ومحفوظ في سجلات علمية عالمية، ومُدرج ضمن أرشيفات بحثية كبرى».

أما عن دور المرصد في عملية تحرّي الهلال، فيلفت رئيس قسم الفلك إلى أن «هذا الدور لا يتم بمعزل عن الإطار الشرعي الذي يتولاه المصريون منذ عقود، موضحاً أن المعهد القومي للبحوث الفلكية الذي ينتمي إليه المرصد، يعمل بتنسيق مباشر مع دار الإفتاء المصرية ولجان علمية وشرعية معتمدة لتحديد بداية الأشهر الهجرية، في كل ليلة رؤية، تُرسل نتائج الرصد الفلكي إلى هذه اللجان التي تضم علماء دين وعلماء فلك معاً، ليُرفع بعدها تقرير موثق إلى مفتي الجمهورية لإعلان الموعد الرسمي لبداية شهر رمضان أو غيره من الشهور».

جانب من مرصد حلوان التاريخي (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ولا يقتصر دور المرصد، حسب شاكر، على الحسابات المرتبطة برؤية الهلال، بل يمتد إلى تطبيقات عملية في الاتصالات، وتتبع المواقع، والملاحة، وتتبع الأقمار الاصطناعية، وحسابات التوقيت.

ويحتضن مبنى مرصد حلوان، متحفاً يوثّق تاريخ أدوات الرصد، والخرائط، وسجلات علمية تعود لأكثر من قرن، من بينها أرصاد مبكرة لمذنب هالي عام 1909، ووثائق كثيرة توثّق ظواهر فلكية كبرى، وهو ما يضيف للمرصد مكانة بحثية علمية، وذاكرة معرفية واسعة.


التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
TT

التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)

أظهرت دراسة أميركية أن الأطفال الذين يتعرّضون للتنمّر يواجهون خطراً متزايداً للإصابة بالسمنة، ضمن إطار ما يُعرف بـ«التجارب السلبية في الطفولة» التي تشمل أيضاً الطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والإهمال.

وأوضح الباحثون من جامعة جورجيا أن هذه التجارب ليست مجرّد عوامل نفسية، إذ تؤثّر بيولوجياً وصحياً على الأطفال، خصوصاً بما يتعلّق بزيادة خطر السمنة. ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «جاما نتوورك أوبن».

وتُعدّ السمنة لدى الأطفال مشكلة صحية متزايدة على مستوى العالم، تؤثّر على النمو البدني والصحة النفسية على السواء. وتنشأ عادة عن توازن سلبي بين السعرات الحرارية المستهلكة ومستوى النشاط البدني، إضافة إلى عوامل بيئية وغذائية ونمط الحياة. وقد تؤدّي السمنة في الطفولة إلى مضاعفات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم، ومقاومة الإنسولين، ومشكلات القلب، كما يمكن أن تؤثّر على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية للأطفال.

وخلال الدراسة، حلَّل الفريق بيانات أكثر من 5400 طفل تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ضمن دراسة التطوّر المعرفي للأطفال والمراهقين، وهي أكبر دراسة طويلة الأمد حول صحة الأطفال وتطوّر الدماغ.

وأظهرت النتائج أن كل زيادة بمقدار تجربتين سلبيتين تقريباً، بما في ذلك التنمُّر، ترتبط بارتفاع مؤشّر كتلة الجسم بنحو نصف نقطة. وأكد الباحثون أن التجارب السلبية في الطفولة، مثل التعرُّض للإساءة الجسدية أو الجنسية، والطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والتنمُّر، قد تزيد من خطر السمنة، من خلال تأثيرها البيولوجي والهرموني في الجسم، ما يزيد من احتمالية اكتساب الوزن.

وأضاف الفريق أن هناك عدداً من العوامل التي تؤثّر في زيادة وزن الطفل، لكن الدراسة تُظهر أن الضغوط والتجارب الصادمة يمكن أن تعزز هذا الخطر، خصوصاً خلال مرحلة المراهقة الحرجة.

بيئة داعمة

وفي المقابل، وجد الباحثون أن وجود بيئة داعمة يمكن أن يُخفف من التأثيرات الصحية لهذه التجارب؛ إذ إن الأطفال الذين يمتلكون مهارات مواجهة صحية أو لديهم شخص بالغ داعم في حياتهم أظهروا مؤشرات كتلة جسم أقل، حتى عند تعرّضهم لمستويات عالية من التجارب السلبية.

وأشار الفريق إلى أن الشخص الداعم قد لا يكون الوالد أو مقدّم الرعاية بالضرورة، فقد يكون معلِّماً أو مدرِّباً أو أي شخص مستقرّ وداعم في حياة الطفل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز أهمية الدعم الاجتماعي وتنمية المهارات الذاتية وسيلةً فعّالةً لتخفيف الآثار السلبية للتجارب الصادمة على الوزن والصحة العامة.

كما تُشير إلى ضرورة فحص التجارب السلبية ضمن الفحوص الطبية الروتينية للأطفال، ما يتيح التدخُّل المبكر وتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل، ويساعد في توجيه السياسات الصحية والتربوية لدعم الأطفال الأكثر عرضة لهذه التجارب.