من هو صريع الغواني؟

غلاف «العرب والحب»
غلاف «العرب والحب»
TT

من هو صريع الغواني؟

غلاف «العرب والحب»
غلاف «العرب والحب»

لاحظت مؤخراً أن بعض العقول أصبحت جافة، والقلوب ناشفة أكثر من اللزوم. ولذلك لا بد من ترطيب الأجواء عن طريق بعض القصص والأشعار. ولنتحدث عن صريع الغواني.
فمن هو هذا الشاعر غريب الشكل يا ترى؟ لقد جذبني إليه منذ البداية اسمه أو بالأحرى لقبه: «صريع الغواني»! وأعجبت بهذا الاسم أيما إعجاب. ثم غبطته عليه، بل وحسدته كل الحسد، وإن كان الحسد ليس من شيمي. على أي حال رحت أتساءل بيني وبين نفسي: كيف حظي بهذا الاسم الساحر دون سواه؟ والأنكى من ذلك أنه بعد الاطلاع المفصل على سيرته الذاتية وجدت أن الرجل كان خاشعاً وقوراً على عكس ما نتوقع. ولم يكن صريع الغواني إلى الحد الذي نتصوره. فمسلم ابن الوليد، وهذا هو اسمه الحقيقي، لم يكن أبا نواس! ومعلوم أنه كان معاصراً له وللعباس بن الأحنف وبشار بن برد وأبي العتاهية إلخ... فمن أين جاءه هذا الاسم يا ترى؟ كيف لصقت به هذه التهمة التي يُحسد عليها؟ يقال بأنه ألقى مرة قصيدة يمدح فيها الخليفة هارون الرشيد، وقد ورد فيها هذا البيت:
وما العيش إلا أن تروح مع الصبا
صريع حميَا الكأس والأعين النجل
فقال له الخليفة على الفور: أنت صريع الغواني! فذهبت مثلاً ولصقت به. وهذا يعني أن الخليفة كان ذواقة للشعر العربي. كيف لا وهو هارون الرشيد؟
ولكن يقال بأن هناك سبباً آخر لتلقيبه بذلك هو أبياته التي يقول فيها صراحة:
إن ورد الخدود والحدق النجل
وما في الثغور من أقحوان
واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد
وما في الصدور من رمان
تركتني بين الغواني صريعاً
فلهذا أدعى صريع الغواني
تلاحظون أن كلمة الأعين النجل وردت أكثر من مرة لديه. فما معنى ذلك يا ترى؟ معناه: الأعين الواسعة الجميلة التي تدوخ العقل. وأكاد أقول الأعين الكحلاء من دون كحل. إضافة من عندي وأنا بها فخور. وربما كانت صحيحة. ولا تسألوني عن معنى هذه العبارة الفاتنة: «واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد»، فهي أعلى مني ومنكم بألف مرة! كلمة اعوجاج قد تغشكم وتوهمكم أنها كانت تعاني من تشوه في ظاهر الخد، ولكن العكس هو الصحيح. «الاعوجاج» هنا قيمة جمالية من أعلى طراز.
ويقال بأنه تنسك في أواخر حياته وزهد. بل وعاش حياة عائلية مستقرة وهادئة حتى وفاة زوجته التي رثاها بكل حرارة وحرقة. وبكاها بكاءً مراً مثلما فعل جرير من قبله. فكيف يمكن لشخص عاقل ومحترم كهذا أن يدعى صريع الغواني؟
ثم هل نسيتم قصيدة جرير في زوجته وتلك الأبيات التي لا تنسى:
لولا الحياء لهاجني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولهت قلبي إذ علتني كبرة
وذوو التمائم من بنيك صغار إلخ...
كم أكبرت جرير بسبب ذلك؟ كم زاد عندي قيمة وأهمية بل وعظمة. كنت أحسبه فقط هجاء ضد الفرزدق، فإذا به شخص آخر. لاحظوا كيف يتفجع عليها تفجعاً. نقول ذلك، بخاصة أنها ذهبت شابة، وخلفت وراءها أطفالاً صغاراً... تحية للأمهات اللواتي يذهبن شابات، مبكرات، قبل الأوان. ألف تحية. وبضعة آلاف من الحسرات! ولكن هذا قضاء الله وقدره. لا راد لمشيئته. ويبدو أنه كان من أوائل من تجرأوا على البكاء على الزوجة، ورثائها، لأن ذلك غير مستحب عند العرب أو غير مألوف، بل إنه مستهجن ومستنكر جداً. ماذا؟ أرجل يبكي على زوجته؟ أعوذ بالله، لا يليق. أولاً الرجال لا تبكي. وثانياً لا تبكي على النساء! عيب. فضيحة.
إذن الرجل لا يبكي على المرأة، حتى ولو كانت زوجته وأم أطفاله، بل ولا يليق به أن يزور قبرها! أما هي فتزور قبره كل يوم جمعة. لحسن الحظ، فإن الأمور تغيرت واستعادت المرأة العربية أخيراً كرامتها في عصر الحداثة والتقدم والتطور.
بالمناسبة جرير كان أيضاً صريع الغواني. أليس هو القائل:
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
وهن أضعف خلق الله إنسانا
في الواقع كلنا صريع الغواني بشكل أو بآخر... وبالتالي فهذا المصطلح الرفيع يخترق الشعر العربي كله من أوله إلى آخره: من امرئ القيس إلى نزار قباني.
ألم يقل امرؤ القيس:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي
وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وماذا عن ابن زيدون الذي لوعته تلك اللعوب الفاتنة ولادة بنت المستكفي، وأذلته حتى مسحت به الأرض؟ لاحظ كيف يستعطفها، كيف يستجديها، كيف يبوس الأرض من تحت قدميها لكي تعود ولكن هيهات...
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً منكم
ولا انصرفت عنكم أمانينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
إلى آخر تلك الأبيات الخالدة..
بل وراح يطمع برؤيتها فيما وراء الضباب... راح يلاحقها إلى عالم الماورائيات الميتافيزيقية... فإذا كانت قد أفلتت منه في هذا العالم، فإنها لن تفلت في العالم الآخر:
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء بكم
في موقف الحشر نلقاكم وتلقونا
حب حتى الموت، بل وما بعد الموت: حب أقوى من الموت!
تحية لابن زيدون وألف تحية...
ثم تضيف الروايات: صحيح أنه أقبل على اللهو واللذة والطرب في بداية شبابه. ولكنه لم ينغمس في المجون انغماس أبي نواس وبشار بن برد وابن الضحاك الخليع وسواهم. وفي أواخر حياته نهر أحدهم قائلاً: «لا تدعني صريع الغواني أرجوك: فأنا لست كذلك». وكان يلقب بهذا اللقب وكان له كارهاً. ويقال بأنه قذف بشعره السابق في البحر عندما كان يتغزل أكثر من اللزوم.
وهكذا خسرنا قسماً كبيراً من غزلياته وأشعاره الأولى. لقد أراد أن يكفر عن ذنوبه، ويفكر في آخرته بعد أن كبر وتقدم في السن. ولكن لحسن الحظ بقي منه شيء كثير ومنه هذان البيتان:
نقاتل أبطال الوغى فنبيدهم
ويقتلنا في السلم لحظُ الكواعب
وليست سيوف الهند تفني نفوسنا
ولكن سهام فُوقت بالحواجب
والغريب العجيب هو أنه لم يكن أول من لقب بصريع الغواني. فقد سبقه إلى ذلك الشاعر القطامي المتوفى سنة 747 ميلادية، أي قبل ولادته بعشر سنوات. وسبب اللقب هو أنه قال:
صريعُ غوانٍ راقهن ورقنه
لدنْ شبَ حتى شاب سودُ الذوائب
وهو بيت من قصيدة مطلعها:
نأتك بليلى نية لم تقارب
وما حب ليلى من فؤادي بذاهب
دوخناكم بالشعر! وبعض الشعر يدوخ، سامحونا! لا تنسوا: أنتم الآن في أحضان الشعر العربي وبساتينه الغناء ورياضه الفيحاء. وهي بساتين معشوشبة، مخضوضرة: المياه تسقسق، والطيور تغرد، والربيع منتشر على مد النظر.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فدعوني أروي لكم هذه النادرة الجميلة التي تعبر عن شخصية العرب في العمق. أولاً أطرح عليكم هذا السؤال: من قائل هذه الأبيات:
نحن قوم تذيبنا الأعينُ النجلُ
على أننا نذيب الحديدا
وترانا يوم الكريهة أحراراً
وفي السلم للغواني عبيدا
نأسر الأُسد ثم تأسرنا الغيد
المصونات أعيناً وخدودا
إنه الفارس البطل أبو فراس الحمداني. القصة وما فيها هي أنه كان يحاصر إحدى مدن الروم في بعض غزواته. فعرضت عليه فتاة باهرة الجمال نفسها مقابل أن يفك الحصار عن أهلها ومدينتها. فأرجعها إلى أهلها سالمة وفك الحصار دون أي مقابل. ولكن هناك رواية أخرى أكثر زركشة وجمالاً تقول: عندما حاصر أبو فراس المدينة كانت فيها امرأة ذات حسن وجمال.
فقالت لأهلها: أنا أكفيكم أمره. فتبرقعت وخرجت نحو العسكر، وقالت: أبلغوني الأمير. فأبلغوها إليه، فقالت: ألست أنت القائل: نحن قوم تذيبنا الأعين النجل إلخ..؟ فقال نعم: فنزعت البرقع عن وجهها، وقالت: أحُسْناً ترى أم قبحاً؟ فقال: والله لا أرى إلا الجمال. فقالت: ما حق المولى على عبده؟ فقال: السمع والطاعة. فقالت: ارحل عنا وانصرف راشداً. ففك الحصار فوراً، وأمر جنوده بالعودة إلى الوراء سر.
فقالوا له: يا أمير المدينة في أيدينا تقريباً! لماذا تريدنا أن ننصرف بعد أن أوشكنا على أخذها؟ دعنا نفتحها. فقال لهم: لا مجال للبقاء ساعة واحدة هنا. لقد أعطيت كلمتي بعد أن أفحمتني هذه الغادة الحسناء. والله لن أتراجع عن قراري.
ويبدو أنه وقع في حبها حتى الموت. ثم وصل إليها لاحقاً، وخطبها، وتزوجها، وعاش معها حتى فرق بينهما غراب البين. وعندما طلع الصباح سكتت شهرزاد عن الكلام المباح.
وفي رواية أخرى أيضاً: عندما نزعت البرقع عن وجهها، صعق فوراً، فداخ، فانهار، فوقع مغشياً عليه...
أخيراً قد تتساءلون: من هو إذن صريع الغواني الحقيقي في الآداب العربية كلها؟ بصراحة لا أرى أحداً اللهم إلا عمر بن أبي ربيعة، ولكن مع فارق أساسي: وهو أنه كان صارع الغواني لا صريعهن. نقطة على السطر! حتى في موسم الحج كان يترصد لهن. وأحياناً في أمسيات الصيف المنارة بضوء القمر كان يصطاد إحداهن فتقع المسكينة في الفخ، كما لو غصباً عنها.
يعيش الشعر العربي.



وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
TT

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)
التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

لم يكن «كلود» كثير الكلام، وكان بالكاد يتحرّك، ولم يرتدِ قط أزياء لإغراء جمهوره، لكن يوم الأحد تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

وبوجود فرقة نحاسية على طراز نيو أورلينز، وخبز أبيض مُنكَّه بطول 8 أقدام على شكل تمساح، وجلسة حكايات قدّمها مؤدّو «دراغ كوين»، وحتى شارع يحمل اسمه رسمياً «كلود ذا أليغاتور واي»، جاء هذا التكريم فريداً من نوعه، وفق «بي بي سي».

من المؤكّد أن هذا الزاحف فاز بمحبة ملايين القلوب عندما كان على قيد الحياة، لكنه اشتهر أيضاً بحادثة سرق فيها حذاء باليه لفتاة تبلغ 12 عاماً.

يتذكّر بارت شيبرد، من أكاديمية كاليفورنيا للعلوم التي كانت موطن «كلود» لمدة 17 عاماً قبل نفوقه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنّ التمساح الأبيض، البالغ طوله 10 أقدام ويزن 300 رطل، وله عيون وردية وبصر ضعيف، سرق ذات مرة حذاء الباليه الخاص بالفتاة ثم التهمه.

قال شيبرد لجمهور من معجبي «كلود» في «غولدن غيت بارك»: «إن استخراج حذاء من تمساح ليس بالأمر اليسير».

استلزم الأمر كثيراً من التخدير، وأدوات متخصّصة، وعدداً من الأطباء البيطريين والموظفين لاستخراج الحذاء من داخل «كلود»، وهي مهمّة أُنجزت بنجاح، رغم انطلاق إنذار الحريق في جميع أنحاء المبنى خلال ذلك الوقت، وفق شيبرد.

من جهتها، قالت مديرة الاتصالات في الأكاديمية جانيت بيتش: «كان من المشجّع حقاً رؤية سان فرانسيسكو تخرج للاحتفال بهذه الأيقونة المحبوبة في أرجاء المدينة كافّة».

وأضافت أنّ أحد أسباب محبة الناس لـ«كلود» هو أنه «يجسّد ما نعدّه مثالاً حقيقياً لسان فرانسيسكو، وهو ليس فقط قبول الناس على اختلافاتهم، وإنما الترحيب بهم».

وأوضحت أنّ البهاق الذي كان يعانيه «كلود»، وهو أمر نادر جداً في التماسيح، منح رؤية واضحة للأشخاص الذين يشعرون بأنهم منبوذون بعض الشيء.

ثم قالت: «ها هو هذا الحيوان الرائع الذي يختلف بعض الشيء عن بقية أفراد جنسه، لكنه محبوب ومقدَّر وله قيمة».

وكتبت الأكاديمية على موقعها الإلكتروني أن «كلود» قد «أسعد وألهم قلوب أكثر من 22 مليون زائر، وأظهر لنا قوة الحيوانات السفيرة في ربط الناس بالطبيعة والعلوم».

وكان هذا الزاحف الذي نفق بسبب سرطان الكبد عن 30 عاماً، قد وُلد عام 1995 في مزرعة تماسيح في لويزيانا، قبل أن يأتي للعيش في معرض المستنقعات التابع للأكاديمية عام 2008.

ومنذ نفوقه، تلقّت الأكاديمية آلاف الرسائل من معجبي «كلود»، يكتبون فيها عن مدى أهمية هذا التمساح بالنسبة إليهم.

كتب أحد زوار كلود في رسالة: «شكراً لك على إلهامك لعدد من الصغار على مرّ السنوات. لقد ذكّرتنا بأن اختلافاتنا هي ما تجعلنا فريدين ومميّزين، وأنها شيء يستحق الاحتفاء به».

وكتب آخر: «ستبقى في قلبي إلى الأبد. سأفتقدك كثيراً وأشكرك على كونك جزءاً من طفولتي».

بدورها، قالت الطبيبة البيطرية الرئيسية في الأكاديمية، لانا كرول، إنّ «كلود» كان «الأكثر هدوءاً» من بين جميع التماسيح التي عملت معها.

وختمت: «أستطيع القول بثقة إنني لن ألتقي تمساحاً آخر مثل (كلود) في حياتي. سأفتقده بشدة».


لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
TT

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)
الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لا يحبّذ أحد أن يفعل الأشياء أو المَهمّات التي لا تروق له. فكثيرون منا يحاولون تأجيل أداء المَهمّات الثقيلة على النفس، مثل تنفيذ تكليف صعب في إطار الوظيفة، أو بذل مجهود بدني شاق، أو خوض مناقشة مضنية. ولعلّ السبب الذي يدفعنا إلى التسويف عندما نجابه هذه النوعية من المَهمّات لا يتعلّق –فحسب- بافتقار العزيمة أو الإرادة الحقيقية للتحرُّك، وإنما ثمة أسباب علمية يمكن تفسيرها في إطار علوم الطبيعة المعنيّة بدراسة الجهاز العصبي للجسم.

ويرى العلماء أنّ الحافز هو القوّة التي تحرّك الكائنات الحيّة للإتيان بسلوكيات معيّنة لتحقيق أهداف تصبّ في مصلحتها. وفي الحياة اليومية، تتأثّر هذه السلوكيات بمؤثّرات أخرى قويّة، مثل الشعور بالنفور من عمل ما.

ورغم أنّ النظريات الكلاسيكية في مجال علم النفس تؤكّد أهمية «الهدف» في تعزيز الحافز لدى الإنسان، فإنّ بحوثاً حديثة تعتمد على نماذج حسابية ترى أنّ التحرك للإتيان بسلوك بعينه يتأثّر بآليات أخرى بعيدة عن قيمة الهدف في ذاته، ولا سيما في المواقف السلبية التي قد يترتّب عليها أن يتكبّد الشخص تكلفة إضافية نظير هذا السلوك، مثل المجهود الزائد، سواءً أكان عضلياً أم ذهنياً أم نفسياً، وهو ما قد يدفعه إلى التأجيل أو التسويف أو التأخّر في تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

وفي إطار دراسة نقلتها «وكالة الأنباء الألمانية» عن الدورية العلمية «البيولوجيا المعاصرة»، المعنيّة بالبحوث العلمية في مجال الأحياء، توصّل فريق بحثي ياباني إلى وجود دائرة عصبية في أمخاخ قرود المكاك تؤدّي دور «مكابح التحفيز»، وأنّ هذا الاكتشاف قد يضيء على الأسباب التي تدفع البعض إلى التردّد قبل اتخاذ قرارات معيّنة.

ويقول الباحث كين إيشي أميموري -وهو أستاذ مساعد في معهد البحوث المتقدّمة في مجال بيولوجيا الإنسان، التابع لجامعة كيوتو اليابانية، وأحد المشاركين في الدراسة- في تصريحات نقلها موقع علمي: «استطعنا الربط بين مسار عصبي معيّن داخل المخ وبين تقييد التحفيز لدى البشر، عندما يواجهون مَهمّات لا يفضّلون القيام بها في الحياة اليومية».

وخلال الدراسة، كان الباحثون يكلّفون القرود بأداء مَهمّات معيّنة، مع إعطائها مكافآت في حال إنجاز العمل، إلى جانب توجيه نفثة مزعجة من الهواء إلى وجوهها. ولاحظ الفريق البحثي أنّ القرود تستغرق وقتاً أطول في أداء المَهمّات التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة الهواء. وأُجريت سلسلة التجارب في أماكن معزولة صوتياً ومظلمة، لتقليل تأثير الضوضاء الخارجية والمؤثّرات البصرية في النتائج. ودرَّب الباحثون القرود على إمعان النظر في مكعّبات تظهر في منتصف شاشة، وكلّما زادت مدّة نظر القرود إلى الأشكال التي تظهر على الشاشة، والتي تختلف من تجربة إلى أخرى، ازداد حجم المكافأة التي تحصل عليها. وبعد حصول القرد على المكافأة التي تتباين ما بين الماء ومشروبات رياضية محلَّاة، كانت تُوجَّه نفثة من الهواء إلى وجه القرد وفق قراراته خلال التجربة. وفي المرّات التي كان يمتنع فيها عن خوض التجربة، كان الباحثون يحرصون على إعطائه مكافأة أقلّ قيمة، حتى لا يفقد اهتمامه بالمشاركة من الأساس.

وعن طريق علوم الكيمياء الوراثية، استخدم الباحثون مواد دوائية معيّنة للتحكّم في خلايا محدّدة في أمخاخ القرود، من أجل كبح المسارات العصبية التي تربط بين جزأين من المخ، وهما «المخطّط البطني» و«الجسم البطني الشاحب»، وكلاهما يقع في منطقة العقد القاعدية بالدماغ، ويلعب دوراً رئيسياً في آليات التحفيز والمكافآت لدى الحيوانات التي تنتمي إلى عائلة الرئيسيات.

وتوصَّل الباحثون -بعد دراسات تشريحية على المخ- إلى أنّ المخطّط البطني يبعث بإشارات عصبية ترتبط بآليات الحافز والمكافأة إلى الجسم البطني الشاحب، وأنّ التدخّل في المسارات العصبية بين الجزأين يترتّب عليه تغيّرات سلوكية تتعلّق بفتور أو تعزيز الإرادة نحو القيام بمَهمّات معيّنة.

واختبر الباحثون في إطار التجربة ما إذا كان من الممكن وقف الشعور بالنفور أو الرغبة في التسويف تجاه عمل ما، عن طريق تعطيل هذا المسار العصبي. ونجحوا -باستخدام أدوية بعينها- في تعطيل تلك الإشارات العصبية خلال تكليف القرود بأداء مَهمّات معيّنة لا ترغب في تنفيذها. ووجدوا أنه في حال تعطيل عمل الدائرة العصبية، تُبدي القرود تردّداً أقلّ في أداء المَهمّات المطلوبة منها، بما في ذلك التي يترتّب عليها التعرّض لنفثة هواء مزعجة. وبمعنى آخر، نجح الفريق البحثي في تعطيل تلك المكابح التي تؤثّر في التحفيز لدى الحيوانات.

ويقول الباحث أميموري: «نأمل أن تسهم هذه الدراسة في تعزيز فهمنا لمفهوم الحافز، في المجتمعات العصرية التي تنطوي على صعوبات». ويأمل الفريق البحثي أن تساعد هذه النتائج يوماً ما في ابتكار أدوية لبعض المشكلات النفسية والعقلية المرتبطة بالتحفيز، مثل الاكتئاب والفصام. ويرى أميموري ضرورة التعامل بحذر مع آليات التدخّل التي تستهدف إضعاف «مكابح التحفيز»؛ لأن هذا التدخّل قد يأتي بنتائج عكسية، مثل دفع الشخص إلى الاتجاه المعاكس، وتحفيزه على القيام بأفعال غير آمنة تنطوي على خطورة.


«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
TT

«فاجعة بنها» تجدد مطالبات مصرية بالتصدي لحوادث تسرب الغاز

جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)
جانب من جنازة الأشقاء الخمسة ببنها (الشرق الأوسط)

جددت فاجعة وفاة 5 أشقاء نتيجة انفجار سخان الغاز وحدوث تسريب بمنزل في إحدى قرى مدينة بنها (شمال القاهرة)، الحديث عن ضرورة التصدي لحوادث تسرب الغاز، في وقت شُيّع فيه الأشقاء الخمسة في جنازة حاشدة، الأحد، بعد تصريح النيابة بدفن الجثامين عقب الانتهاء من التحقيقات في الواقعة.

وحظيت عائلة الأشقاء الخمسة بتعاطف كبير بعد وقت قصير من الإعلان عن الحادث الذي عرف إعلامياً بـ«فاجعة بنها»، بعدما انفجر سخان الغاز خلال استحمام إحدى الفتيات بالمنزل وانفجار السخان بها، بينما توفي باقي الأشقاء نتيجة الاختناق بالغاز.

الأشقاء الذين يقيمون في الشقة بمفردهم لسفر والدَيهم للعمل بالخارج، تتراوح أعمارهم بين 8 و15 عاماً فيما كانت ترعاهم خالتهم المقيمة بالعقار نفسه، والتي أبلغت عن الحادث وتعرضت للاختناق ونقلت للمستشفى لتلقي العلاج.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يؤدي فيها انفجار الغاز بالمنازل لوفيات وإصابات، فسبق أن انهار عقار في منطقة إمبابة بالجيزة الشهر الماضي، بعد انفجار غاز، مما أدى لوفاة شخص وسقوط 3 مصابين آخرين، بينما توفي شقيقان الأسبوع الماضي، بعد تسرب الغاز داخل المنزل خلال نومهما بمنطقة أبو النمرس، فيما توفي شخصان آخران بعدها بساعات قليلة نتيجة تسرب غاز في المنزل بمنطقة العمرانية بالجيزة أيضاً.

سخانات مياه تعمل بالغاز تسببت في حدوث فواجع بمصر (الشرق الأوسط)

وأطلقت «الشركة القابضة للغازات الطبيعية» المسؤولة بشكل أساسي عن توصيل الغاز الطبيعي في الجزء الأكبر من المنازل الشهر الماضي، حملة إرشادية متضمنة إرشادات لتجنب عمليات التسريب، مع التأكيد على أن مواسير شبكات الغاز الطبيعي المنفذة من جانب الشركات المختلفة، تطابق اشتراطات الأمان والمواصفات القياسية، بما يجعلها تتحمل ضغوط تشغيلية كبيرة.

وحذرت الحملة التي تضمنت فيديوهات ومنشورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من العبث أو التعديل في المواسير بالاستعانة بأشخاص غير مؤهلين، بالإضافة إلى ترك الموقد وشعلة الغاز سهواً مفتوحين دون اشتعال، مؤكدة أن التسريب ينتج عنه تجمع خليط من الهواء مع الغاز في المكان، وإذ وجدت شرارة أو مصدر اشتعال تحدث موجة انفجارية لحظية تختلف شدتها حسب كمية الغاز المسرب.

آثار انفجار الغاز على المنازل المحيطة بالمنزل المنهار في إمبابة - محافظة الجيزة

وطالب عضو مجلس النواب (البرلمان) عمرو درويش عبر حسابه على «إكس»، شركات الغاز، بتركيب «جهاز ذاتي الغلق نتيجة استشعار خطورة تسرب الغاز»، مؤكداً اعتزامه التقدم بطلب إحاطة لإلزام الوزارات المعنية بتركيب هذه المنظمات عند تركيب العدادات المنزلية والخدمية، للحد من تسرب الغاز سواء في المنازل أو الأماكن العامة، مع تحويل الأمر ليكون بشكل إلزامي.

وأكد خبير الحماية المدنية أيمن سيد الأهل، لـ«الشرق الأوسط»، ضرورة العمل من أجل نشر ثقافة الوعي بالمخاطر، للتعامل مع أخطار حوادث الغاز التي تحدث عادة بسبب غياب منافذ التهوية السليمة، واستخدام وصلات أو قطع غيار غير مطابقة للمواصفات، مشيراً إلى أن هذا الأمر يتطلب إنشاء هيئة وطنية للسلامة تتواصل مع مختلف الجهات وتضع المعايير اللازمة، لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

وأضاف أن احتمالات الوفاة تزيد عند حدوث التسريب أثناء النوم لعدم شعور النائمين بتسريب الغاز، مما يؤدي إلى حدوث عملية استنشاق تزيد من ترجيح حالات الوفاة على خلفية تشديد إغلاق النوافذ، خصوصاً في فصل الشتاء وعدم وجود مجال لخروج الغاز المسرب خارج المنزل.

وأوضح أن لجوء بعض الفنيين لاستخدام وصلات وقطع غير مطابقة للمواصفات لانخفاض سعرها، أحد أسباب المشكلة بشكل أساسي، معتبراً أن التساهل لتوفير مبالغ مالية محدودة قد يؤدي إلى كارثة تودي بحياة عائلات بأكملها.