حركات أصولية تستغل «النقاب» في إندونيسيا

طالبات منتقبات في ميدان الرماية بشرق جزيرة جاوه في إندونيسيا (نيويورك تايمز)
طالبات منتقبات في ميدان الرماية بشرق جزيرة جاوه في إندونيسيا (نيويورك تايمز)
TT

حركات أصولية تستغل «النقاب» في إندونيسيا

طالبات منتقبات في ميدان الرماية بشرق جزيرة جاوه في إندونيسيا (نيويورك تايمز)
طالبات منتقبات في ميدان الرماية بشرق جزيرة جاوه في إندونيسيا (نيويورك تايمز)

«لم تظهر سوى عيون الفارسة من خلف وجهها المستتر خلف حجاب أسود. وبقوس في يدها اليسرى وسهم في يمينها، اعتلت صهوة جوادها نحو الهدف، وانطلقت تسابق الريح، أطلقت السهم لتصيب الهدف بدقة».
وأفادت الفارسة إيدانور، التي تستخدم اسماً واحداً شأن العديد من الإندونيسيات وتبلغ من العمر 31 عاماً وتعمل معلمة بمدرسة إسلامية في «جاوة الشرقية»، بأن إطلاق السهام من فوق صهوة الخيل أثناء ارتدائها النقاب يزيد من فرص فوزها بالجنة.
إيدانور عضو في حركة متنامية وسلمية للنساء المسلمات اللواتي يعتقدن أنهن يمكنهن الحصول على الثواب من الله من خلال الأنشطة الإسلامية، مثل ارتداء النقاب وممارسة الرياضة التي يعتقد أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قد مارسها بها. يقول الكثيرون أيضاً إن الحجاب يوفر الحماية من أعين المتطفلين والمتحرشين من الرجال في بلد بات فيه الاختلاط أمرا شائعا، بحسب تقرير لـ«نيويورك تايمز» أمس.
ولدى إيدانور المعلمة بمدرسة «الفتح الداخلية» في مدينة «تمبورو» التابعة لـ«جماعة التبليغ» الأصولية، جواب للإندونيسيين الذين يخشون من أن يكون اللباس المحافظ خطوة مقلقة تجاه التطرف وتهميش النساء. وتتلخص إجابتها في أنه «رغم أننا نرتدي نقاب كهذا، فإن هذا لا يعني أننا أصبحنا مسلمات ضعيفات. يمكننا أن نصبح مسلمات قويات من خلال المشاركة في نشاطات الرماية وركوب الخيل».
اجتمعت النساء السبت الماضي لممارسة ركوب الخيل والرماية - التي قيل إن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قد استمتع بممارستها - وجرى ذلك في ناد رياضي في مجمع مدرسة إسلامية في «ديبوك»، بالقرب من جاكرتا.
تعتبر إندونيسيا دولة ديمقراطية تضم أكبر عدد من المسلمين في العالم، وهي رسميا علمانية ومعروفة منذ فترة طويلة بالتسامح، لكن خلال 22 عاماً منذ الإطاحة بالديكتاتور سوهارتو، تحولت البلاد بشكل متزايد نحو إسلام أكثر محافظة.
حصل رجال الدين المحافظون مثل نائب رئيس إندونيسيا معروف أمين على دور أكثر بروزاً في الحياة العامة. وقد سنت الحكومات المحلية أكثر من 600 إجراء لفرض تعاليم الشريعة، بما في ذلك إلزام النساء بارتداء الحجاب لإخفاء شعرهن. وكانت أقلية صغيرة من المسلمين تبنت وجهات نظر متطرفة ونفذ بعضها تفجيرات قاتلة، بما في ذلك هجوم كنيسة «سورابايا» عام 2018 الذي أودى بحياة عشرات المارة. كان من ضمن الانتحاريين امرأة، مما دفع بالعديد من الإندونيسيين إلى الحذر من النساء اللواتي يرتدين النقاب الذي يخفي كامل الجسد بما في ذلك الوجه.
ودفعت المخاوف من ارتباط النقاب بالإرهاب وزير الشؤون الدينية الإندونيسي فخرول الرازي، وهو جنرال سابق بالجيش، إلى الدعوة إلى حظر ارتداء النقاب للموظفين والزائرين في المباني الحكومية.
وتخشى الحكومة من انجذاب بعض موظفي الدولة إلى الفكر المتطرف وترى النقاب علامة على بداية التطرف، غير أن اللوائح في هذا الشأن لم تصدر بعد استمرار حظر النقاب عام 2018 في جامعة بمدينة «جاوة الوسطى» أسبوعاً واحداً فقط قبل أن تجبر المعارضة الجامعة على إلغاء القرار. لكن سيدني جونز، الخبير البارز في شؤون الإرهاب في جنوب شرقي آسيا، قال إنه من المهم التمييز بين المتطرفين الذين يشكلون تهديدا وأتباع الجماعات الإسلامية المحافظة التي تروج لأسلوب حياة إسلامي تقليدي، مثل «جماعة التبليغ». وقال جونز، مدير معهد تحليل السياسات للنزاع ومقره جاكرتا: «يجري الخلط بينهم وبين المتطرفين بسبب ملابسهم. لكنهم ضد العنف، فهم مثال لكيف يمكن أن يكون اللباس مضللاً».
وخلافا لمدرسة «الفتح» التي يسيطر عليها الذكور، حيث يُطلب من النساء والفتيات في سن الخامسة ارتداء النقاب، يتمتع الآلاف من النساء من الطبقة المتوسطة في المناطق الحضرية بحرية اختيار اللباس لأنفسهن. أسست مصممة الأزياء إندردري مندريناتي جمعية «فرقة النقاب» قبل أربع سنوات للترويج لارتداء الحجاب، ولديها الآن ما يقرب من 6000 عضو في فروع جمعيتها في إندونيسيا وماليزيا وتايوان.
وقالت إندردري خلال أحد دروس الفروسية والرماية بالقرب من جاكرتا: «نريد أن نفوذ بالجنة، ولذا فإننا نضحي. جزء من تضحياتنا ألا نظهر جمالنا ونغطي أجسادنا بطريقة إسلامية». ويتنبي كثير من أتباع حركة «الهجرة» منهج تحسين الذات من خلال تبني أسلوب حياة تقليدي. ويجري مؤخرا الترويج عبر وسائل التواصل الاجتماعي لحركة «الهجرة»، في إشارة إلى هجرة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة المنورة في القرن السابع الميلادي، حيث ينشر الممثلون والممثلات والمشاهير تغريدات عن انضمامهم إلى مجموعات لدراسة القرآن وللحث على المزيد من التدين في حياتهم اليومية. كذلك تدعو «جماعة التبليغ»، إلى تعميم حجاب الوجه، لكنها لا تتبع كيانا بعينه. وتقوم إندردري بتصميم أنماط من النقاب المألوف والملابس الإسلامية الأخرى للنساء، غالباً تتضمن خطوطا بيضاء أو منقطة ذات أشكال مميزة. وأفادت بأنها عندما تصادف أشخاصا خائفين منها، فإنها تتعمد المبالغة في التعامل معهم بلطف زائد.

وتتذكر قائلة: «في البداية، كانت عائلتي خائفة. وقالت: «سيعتقد الناس أنك متطرفة. سيعتقدون أنك عضوة بطائفة متشددة. لكنني أقنعتهم بأن الناس ستتفهم مع مرور الوقت. وشرحت لهم أن جميع زوجات النبي ارتدين النقاب».لقد بات واضحا كيف أن الحركة الإسلامية التي ولدت في إندونيسيا قد عاودت الظهور مرة أخرى في بلدة «تمبورو» الساخنة والمضطربة الواقعة على بعد 330 ميلاً شرق جاكرتا. وتسيطر مدرسة «الفتح» على ثماني مدارس تضم 25000 طالب من الصف الأول حتى الجامعة. وفي وقت خروج الطلاب من الفصول الدراسية، تمتلئ الشوارع بالآلاف من الشباب الذين يرتدون الزي الإسلامي التقليدي - الرجال والأولاد في أردية فضفاضة، ونساء وفتيات يرتدين أثواباً بلا شكل، وأوشحة للرأس ونقابا.

* خدمة {نيويورك تايمز}



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended