قانون الجنسية في الهند يقسم الإعلام ويكشف أجندات متناقضة

المتظاهرون يبدون تفضيلهم مجموعات معينة من الصحافيين والمؤسسات

سكان دلهي يعدّون التلفزيون الأكثر استحقاقاً للثقة تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (غيتي)
سكان دلهي يعدّون التلفزيون الأكثر استحقاقاً للثقة تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (غيتي)
TT

قانون الجنسية في الهند يقسم الإعلام ويكشف أجندات متناقضة

سكان دلهي يعدّون التلفزيون الأكثر استحقاقاً للثقة تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (غيتي)
سكان دلهي يعدّون التلفزيون الأكثر استحقاقاً للثقة تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (غيتي)

على امتداد الأشهر الثلاثة الماضية، أظهرت وسائل إعلام هندية تحيزات علنية في خضم موجة المظاهرات العارمة التي اجتاحت البلاد اعتراضاً على قانون الجنسية الجديد الذي من شأنه منح الجنسية لأتباع المعتقدات الهندوسية والمسيحية والبوذية والسيخية والبارسية والجاينية الذين عانوا من الاضطهاد في باكستان وبنغلاديش المجاورتين ويقيمون في الهند منذ ما قبل عام 2014.
وبذلك؛ لا يتضمن تعديل قانون الجنسية المسلمين، وتتمثل الحجة الرسمية المبررة لذلك في أن الدولتين المذكورتين مسلمتان، فكيف إذن يتعرض المسلمون لاضطهاد داخلهما؟ في المقابل، يعارض هنود مسلمون وبعض النشطاء في الهند التشريع الجديد، مطالبين الحكومة إما بسحبه أو تضمين المسلمين المضطهدين في القائمة.
والملاحظ أن المظاهرات التي اشتعلت اعتراضاً على القانون اتخذ بعضها منحى عنيفاً واندلعت أعمال شغب وعنف طائفي بين هندوس ومسلمين داخل العاصمة الهندية دلهي، في الوقت الذي بدأت فيه وسائل إعلام تكشف عن تحيزات واضحة، وتسلط الضوء على عدد من القصص والأحداث المنتقاة.

الصحافيون كنشطاء
في الوقت الحالي، بدأ الصحافيون يعملون على نحو أقرب إلى النشطاء. وقد انعكس ذلك عندما أجرت الصحافية تانوشري باندي، التي تعمل لدى قناة «إنديا توداي»، في وقت قريب مقابلة مع متظاهرين ضد قانون الجنسية الجديد ورصدتها الكاميرا وهي «تدرب» الشخص الذي من المقرر أن تسأله عن رأيه أمام الكاميرا بعد لحظات. وشوهدت وهي تتواطأ مع متظاهرين تعمدوا التشويش على عمل مراسلين تابعين لقناة «ريببليك تي في» أثناء تغطيتهم المظاهرات ذاتها.
وعندما حاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع باندي، قوبل طلبها بالرفض وتواترت أنباء عن فتح القناة التي تعمل لديها تحقيقاً حول الأمر.
من جهته، شدد راش بال، الذي يعمل لدى مؤسسة إعلامية أجنبية على أن «الصحافيين ليسوا نشطاء. ربما نشعر بحماس تجاه قضية بعينها، لكن تظل مهمتنا تتبع الحقائق أينما تقودنا. ولا يمكننا تجاهل شيء يترك أصداء سلبية فيما يتعلق بقضية نبيلة ـ الناشط ربما يفعل ذلك، لكن ليس الصحافي. ينبغي لنا الاهتمام بالوسيلة قدر اهتمامنا بالغاية؛ لأن واجبنا البحث عن الحقيقة كاملة».
اللافت أنه حتى المتظاهرين أنفسهم أصبحت لديهم مجموعات مفضلة من الصحافيين. على سبيل المثال، رحب المتظاهرون بالصحافيين العاملين لدى «إن دي تي في» و«ذي واير» و«ذي برينت» و«ذي كوينت» لما عدّوها تغطية إيجابية من جانب هذه المؤسسات الإعلامية لصالح المتظاهرين المعترضين على قانون الجنسية الجديد. على الجانب المقابل، تعرض صحافيون آخرون للمنع من دخول أماكن المظاهرات أو للتشويش عليهم أثناء عملهم وأخذت هواتفهم الجوالة أو الكاميرات التي كانوا يحملونها عنوة منهم في الوقت الذي سمح فيه لصحافيين آخرين بالاضطلاع بعملهم في تغطية المظاهرات بيسر وسلاسة. ويبدي المتظاهرون تفضيلهم مجموعات بعينها من الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.
وفي الفترة الأخيرة، تعرض الصحافي ومذيع الأخبار التلفزيونية أرناب غوسوامي لاعتداء وقح من جانب الممثل الكوميدي كونال كامرا الذي تصادف وجوده معه على متن إحدى الطائرات. وأثناء الاعتداء الذي صوره كامرا بأكمله ونشره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كال الممثل الانتقادات إلى غوسوامي بسبب تغطيته الصحافية للمظاهرات ووصفه بـ«الجبان»؛ من بين أوصاف أخرى.
في شاهين باغ، تعرض ديباك تشوراسيا لاعتداء من قبل متظاهرين معترضين على قانون الجنسية الجديد. ونشر فيديو يوثق الاعتداء عليه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وقال: «نسمع أن الدستور في خطر، ونسمع أن ثمة كفاحاً الآن لإنقاذ الديمقراطية! لكن عندما وصلت منطقة شاهين باغ لنقل أصوات المتظاهرين إلى باقي أرجاء البلاد، لم أجد سوى اعتداءات هوجاء من جانب مجموعة من الرعاع!».
وجاء الفيديو الذي نشره تشوراسيا صادماً وظهرت فيه مجموعة من الأشخاص يكادون يقتلون تشوراسيا. وتعرض الصحافي المصور المرافق لتشوراسيا لاعتداء هو الآخر وتعرضت الكاميرا التي يحملها للتدمير. وذكر أنه لم يكن هناك وجود للشرطة في المكان.
ورغم أن الغالبية أعربت عن صدمتها ونددت بشدة بالعنف الذي تعرض له تشوراسيا من جانب متظاهرين في شاهين باغ، اختار البعض تبرير الاعتداءات التي شنها بعض الدهماء.
على سبيل المثال، قالت المحررة السياسية لدى قناة «سي إن إن نيوز 18»، ماريا شاكيل، إنه يجب على «الصحافيين» التفكير لماذا أصبح يجري النظر إلى الميكروفون الذي من المفترض أنه يعطي صوتاً لمن لا صوت له، الآن على أنه أداة تخويف للناس، ولماذا لا يثق الناس في وسائل الإعلام. وقالت كذلك إن وسائل الإعلام تحولت إلى طرف في «جدال خطير واستقطابي».
من ناحية أخرى، تعرض الصحافي بيوش ميشرا لاعتداء هو الآخر من جانب حشد من المتظاهرين داخل الحرم الجامعي لجامعة جواهر لال نهرو. وقال ميشرا: «تعرضت للدفع والاعتداء بمجرد أن بدأت في تغطية ما يحدث داخل موقع التظاهر في الجامعة». وقد تقدم ميشرا بشكوى لدى «رابطة المحررين الهنود».
في السياق ذاته، قالت المراسلة فاطمة خان: «كان هناك أشخاص يجرون وهم حاملون عصي، ولم يسمحوا بأي نوع من تصوير الفيديو أو التصوير الفوتوغرافي. وبدا واضحاً أن الحشود ستسمح لك كصحافي بالمضي قدماً في عملك حسب اسمك والمؤسسة التي تعمل لديها وإذا ما كان باستطاعتهم الوثوق بك». وقال المصور المخضرم برافين جين إن حشود المتظاهرين استهدفت من يحملون الكاميرات خلال الموجة الحالية من المظاهرات وأعمال الشغب أكثر من أي موجة سابقة.

التحيز العلني
من جانبهم، لم يعبأ بعض الصحافيين وكتاب الرأي بمحاولة إخفاء ميولهم السياسية. وساد بوجه عام أسلوب تفكير يقوم على فكرة أنك «إما معنا أو ضدنا»، ولم يعد هناك محايد. أما إذا تولينا تقسيم وسائل الإعلام تبعاً لهذا التفكير، فسنجد أن قناتي «إن دي تي في» وإنديا توداي تي في» مناهضتان لمودي وحزب «بهاراتيا جاناتا، بينما تميل كل من «ريببليك تي في» و«زي نيوز» و«تايمز ناو» إلى الجانب الآخر. أما «سي إن إن نيوز 18» فتقف عند نقطة ما بالمنتصف، متأرجحة بين الحين والآخر بين الطرفين المتقابلين.
وكثيراً ما ينتقد رافيش كوما من قناة «إن دي تي في» الحائز جائزة «رومان ماغيساساي» أي قرار تصدره حكومة مودي. في المقابل، فإن القرار ذاته يلقى ترحيباً شبه فوري من جانب أرناب غوسوامي بقناة «رببليك تي في» أو نافيكا كومار من «تايمز ناو» بوصفه «قراراً عبقرياً». وكثيراً ما توجه البرامج الحوارية في «ريببليك تي في» أو «آج تاك» أو «نيوز نيشن» انتقادات إلى الصحافيين على الطرف المقابل. أما المشاهد والقارئ فيقف متحيراً بين الطرفين كأنه يتابع مباراة حامية الوطيس. في بعض الأحيان، يحدث الاستقطاب داخل المؤسسة الإعلامية ذاتها. مثلاً، نجد أنه داخل قناة «إنديا توداي»، يقف رادجيب سارديساي على جانب، بينما يقف زميلهما غوراف ساوانت على الجانب المقابل.
ويطلق كل جانب على الجانب المقابل أقذع التشبيهات والأوصاف، مثل رافيش كومار من «إن دي تي في» الذي أطلق تعبير «غودي ميديا» لوصف الأصوات الإعلامية المؤيدة لمودي على طول الخط. في المقابل، وصف سودهير تشودهري في «زي نيوز» وأرناب غوسوامي في «ريببليك تي في» منتقدي القانون الجديد بأنهم يمارسون «دعارة صحافية». وهناك فريق ثالث من الصحافيين يتمثل في الصفوة منهم والذين يكنون كراهية شديدة تجاه مودي. من بين هؤلاء الصحافية البارزة تافلين سينغ التي كانت مؤيدة لحكومة مودي بادئ الأمر حتى صدر قرار بتجريد ابنها الكاتب أتيش تاسير من وضع «مواطن يعيش بالخارج».
من ناحيتها، أعربت الصحافية التلفزيونية والمذيعة بركه دوت أن مثل هذه الحالات من الاستقطاب الحاد تخلق ضغوطاً على وسائل الإعلام، وليس على السياسيين فحسب. وقالت إنه يتعين على الصحافيين الإنصات لجميع الآراء لأن القصة الواحدة ربما يكون لها أكثر من بعد واحد. وأضافت: «أنا من ناحيتي أَعُدّ نفسي مفكرة حرة ولا أنتمي لأي عقيدة أو فكر محدد. وليس لزاماً على المرء اتخاذ مواقف متطرفة، وإنما تبقى هناك دوماً طريق وسطى».
السؤال: لماذا أصبحت وسائل الإعلام الهندية على هذه الدرجة الكبيرة من الاستقطاب؟ وما دلالات ذلك بخصوص أساليب العمل الصحافي؟ هل يمسك رؤساء التحرير بزمام صالات التحرير، أم إن المحررين يصيغون التقارير الإخبارية حسب أهوائهم؟ وما الذي يمكن أن يصيب الحقيقة في ظل هذه الظروف العصيبة؟
من جهته، أعرب ديباك تشوراسيا عن اعتقاده بأن «حيادية وسائل الإعلام خرافة. أعلم كثيراً من الصحافيين الذين فقدوا وظائفهم أو حرموا من إمكانية التواصل مع وزارات بعينها بسبب انتقادهم سونيا غاندي أو قيادات أخرى في حزب المؤتمر... لماذا لم تثر آنذاك التساؤلات حول استقطاب وسائل الإعلام؟».
من ناحية أخرى، تكشف استطلاعات الرأي أن سكان دلهي يعدّون التلفزيون الوسيط الإعلامي الأكثر استحقاقاً للثقة (63 في المائة) فيما يخص الأخبار، تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (16 في المائة). وبينما أشارت أعداد أكبر من المشاركين الأصغر سناً في الاستطلاع إلى شبكات التواصل الاجتماعي بوصفها جديرة بالثقة؛ مقارنة بالفئات العمرية الأخرى، ارتفعت معدلات الثقة في الصحف والقنوات التلفزيونية مع ارتفاع أعمار المشاركين.



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».