قانون الجنسية في الهند يقسم الإعلام ويكشف أجندات متناقضة

المتظاهرون يبدون تفضيلهم مجموعات معينة من الصحافيين والمؤسسات

سكان دلهي يعدّون التلفزيون الأكثر استحقاقاً للثقة تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (غيتي)
سكان دلهي يعدّون التلفزيون الأكثر استحقاقاً للثقة تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (غيتي)
TT

قانون الجنسية في الهند يقسم الإعلام ويكشف أجندات متناقضة

سكان دلهي يعدّون التلفزيون الأكثر استحقاقاً للثقة تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (غيتي)
سكان دلهي يعدّون التلفزيون الأكثر استحقاقاً للثقة تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (غيتي)

على امتداد الأشهر الثلاثة الماضية، أظهرت وسائل إعلام هندية تحيزات علنية في خضم موجة المظاهرات العارمة التي اجتاحت البلاد اعتراضاً على قانون الجنسية الجديد الذي من شأنه منح الجنسية لأتباع المعتقدات الهندوسية والمسيحية والبوذية والسيخية والبارسية والجاينية الذين عانوا من الاضطهاد في باكستان وبنغلاديش المجاورتين ويقيمون في الهند منذ ما قبل عام 2014.
وبذلك؛ لا يتضمن تعديل قانون الجنسية المسلمين، وتتمثل الحجة الرسمية المبررة لذلك في أن الدولتين المذكورتين مسلمتان، فكيف إذن يتعرض المسلمون لاضطهاد داخلهما؟ في المقابل، يعارض هنود مسلمون وبعض النشطاء في الهند التشريع الجديد، مطالبين الحكومة إما بسحبه أو تضمين المسلمين المضطهدين في القائمة.
والملاحظ أن المظاهرات التي اشتعلت اعتراضاً على القانون اتخذ بعضها منحى عنيفاً واندلعت أعمال شغب وعنف طائفي بين هندوس ومسلمين داخل العاصمة الهندية دلهي، في الوقت الذي بدأت فيه وسائل إعلام تكشف عن تحيزات واضحة، وتسلط الضوء على عدد من القصص والأحداث المنتقاة.

الصحافيون كنشطاء
في الوقت الحالي، بدأ الصحافيون يعملون على نحو أقرب إلى النشطاء. وقد انعكس ذلك عندما أجرت الصحافية تانوشري باندي، التي تعمل لدى قناة «إنديا توداي»، في وقت قريب مقابلة مع متظاهرين ضد قانون الجنسية الجديد ورصدتها الكاميرا وهي «تدرب» الشخص الذي من المقرر أن تسأله عن رأيه أمام الكاميرا بعد لحظات. وشوهدت وهي تتواطأ مع متظاهرين تعمدوا التشويش على عمل مراسلين تابعين لقناة «ريببليك تي في» أثناء تغطيتهم المظاهرات ذاتها.
وعندما حاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع باندي، قوبل طلبها بالرفض وتواترت أنباء عن فتح القناة التي تعمل لديها تحقيقاً حول الأمر.
من جهته، شدد راش بال، الذي يعمل لدى مؤسسة إعلامية أجنبية على أن «الصحافيين ليسوا نشطاء. ربما نشعر بحماس تجاه قضية بعينها، لكن تظل مهمتنا تتبع الحقائق أينما تقودنا. ولا يمكننا تجاهل شيء يترك أصداء سلبية فيما يتعلق بقضية نبيلة ـ الناشط ربما يفعل ذلك، لكن ليس الصحافي. ينبغي لنا الاهتمام بالوسيلة قدر اهتمامنا بالغاية؛ لأن واجبنا البحث عن الحقيقة كاملة».
اللافت أنه حتى المتظاهرين أنفسهم أصبحت لديهم مجموعات مفضلة من الصحافيين. على سبيل المثال، رحب المتظاهرون بالصحافيين العاملين لدى «إن دي تي في» و«ذي واير» و«ذي برينت» و«ذي كوينت» لما عدّوها تغطية إيجابية من جانب هذه المؤسسات الإعلامية لصالح المتظاهرين المعترضين على قانون الجنسية الجديد. على الجانب المقابل، تعرض صحافيون آخرون للمنع من دخول أماكن المظاهرات أو للتشويش عليهم أثناء عملهم وأخذت هواتفهم الجوالة أو الكاميرات التي كانوا يحملونها عنوة منهم في الوقت الذي سمح فيه لصحافيين آخرين بالاضطلاع بعملهم في تغطية المظاهرات بيسر وسلاسة. ويبدي المتظاهرون تفضيلهم مجموعات بعينها من الصحافيين والمؤسسات الإعلامية.
وفي الفترة الأخيرة، تعرض الصحافي ومذيع الأخبار التلفزيونية أرناب غوسوامي لاعتداء وقح من جانب الممثل الكوميدي كونال كامرا الذي تصادف وجوده معه على متن إحدى الطائرات. وأثناء الاعتداء الذي صوره كامرا بأكمله ونشره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كال الممثل الانتقادات إلى غوسوامي بسبب تغطيته الصحافية للمظاهرات ووصفه بـ«الجبان»؛ من بين أوصاف أخرى.
في شاهين باغ، تعرض ديباك تشوراسيا لاعتداء من قبل متظاهرين معترضين على قانون الجنسية الجديد. ونشر فيديو يوثق الاعتداء عليه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وقال: «نسمع أن الدستور في خطر، ونسمع أن ثمة كفاحاً الآن لإنقاذ الديمقراطية! لكن عندما وصلت منطقة شاهين باغ لنقل أصوات المتظاهرين إلى باقي أرجاء البلاد، لم أجد سوى اعتداءات هوجاء من جانب مجموعة من الرعاع!».
وجاء الفيديو الذي نشره تشوراسيا صادماً وظهرت فيه مجموعة من الأشخاص يكادون يقتلون تشوراسيا. وتعرض الصحافي المصور المرافق لتشوراسيا لاعتداء هو الآخر وتعرضت الكاميرا التي يحملها للتدمير. وذكر أنه لم يكن هناك وجود للشرطة في المكان.
ورغم أن الغالبية أعربت عن صدمتها ونددت بشدة بالعنف الذي تعرض له تشوراسيا من جانب متظاهرين في شاهين باغ، اختار البعض تبرير الاعتداءات التي شنها بعض الدهماء.
على سبيل المثال، قالت المحررة السياسية لدى قناة «سي إن إن نيوز 18»، ماريا شاكيل، إنه يجب على «الصحافيين» التفكير لماذا أصبح يجري النظر إلى الميكروفون الذي من المفترض أنه يعطي صوتاً لمن لا صوت له، الآن على أنه أداة تخويف للناس، ولماذا لا يثق الناس في وسائل الإعلام. وقالت كذلك إن وسائل الإعلام تحولت إلى طرف في «جدال خطير واستقطابي».
من ناحية أخرى، تعرض الصحافي بيوش ميشرا لاعتداء هو الآخر من جانب حشد من المتظاهرين داخل الحرم الجامعي لجامعة جواهر لال نهرو. وقال ميشرا: «تعرضت للدفع والاعتداء بمجرد أن بدأت في تغطية ما يحدث داخل موقع التظاهر في الجامعة». وقد تقدم ميشرا بشكوى لدى «رابطة المحررين الهنود».
في السياق ذاته، قالت المراسلة فاطمة خان: «كان هناك أشخاص يجرون وهم حاملون عصي، ولم يسمحوا بأي نوع من تصوير الفيديو أو التصوير الفوتوغرافي. وبدا واضحاً أن الحشود ستسمح لك كصحافي بالمضي قدماً في عملك حسب اسمك والمؤسسة التي تعمل لديها وإذا ما كان باستطاعتهم الوثوق بك». وقال المصور المخضرم برافين جين إن حشود المتظاهرين استهدفت من يحملون الكاميرات خلال الموجة الحالية من المظاهرات وأعمال الشغب أكثر من أي موجة سابقة.

التحيز العلني
من جانبهم، لم يعبأ بعض الصحافيين وكتاب الرأي بمحاولة إخفاء ميولهم السياسية. وساد بوجه عام أسلوب تفكير يقوم على فكرة أنك «إما معنا أو ضدنا»، ولم يعد هناك محايد. أما إذا تولينا تقسيم وسائل الإعلام تبعاً لهذا التفكير، فسنجد أن قناتي «إن دي تي في» وإنديا توداي تي في» مناهضتان لمودي وحزب «بهاراتيا جاناتا، بينما تميل كل من «ريببليك تي في» و«زي نيوز» و«تايمز ناو» إلى الجانب الآخر. أما «سي إن إن نيوز 18» فتقف عند نقطة ما بالمنتصف، متأرجحة بين الحين والآخر بين الطرفين المتقابلين.
وكثيراً ما ينتقد رافيش كوما من قناة «إن دي تي في» الحائز جائزة «رومان ماغيساساي» أي قرار تصدره حكومة مودي. في المقابل، فإن القرار ذاته يلقى ترحيباً شبه فوري من جانب أرناب غوسوامي بقناة «رببليك تي في» أو نافيكا كومار من «تايمز ناو» بوصفه «قراراً عبقرياً». وكثيراً ما توجه البرامج الحوارية في «ريببليك تي في» أو «آج تاك» أو «نيوز نيشن» انتقادات إلى الصحافيين على الطرف المقابل. أما المشاهد والقارئ فيقف متحيراً بين الطرفين كأنه يتابع مباراة حامية الوطيس. في بعض الأحيان، يحدث الاستقطاب داخل المؤسسة الإعلامية ذاتها. مثلاً، نجد أنه داخل قناة «إنديا توداي»، يقف رادجيب سارديساي على جانب، بينما يقف زميلهما غوراف ساوانت على الجانب المقابل.
ويطلق كل جانب على الجانب المقابل أقذع التشبيهات والأوصاف، مثل رافيش كومار من «إن دي تي في» الذي أطلق تعبير «غودي ميديا» لوصف الأصوات الإعلامية المؤيدة لمودي على طول الخط. في المقابل، وصف سودهير تشودهري في «زي نيوز» وأرناب غوسوامي في «ريببليك تي في» منتقدي القانون الجديد بأنهم يمارسون «دعارة صحافية». وهناك فريق ثالث من الصحافيين يتمثل في الصفوة منهم والذين يكنون كراهية شديدة تجاه مودي. من بين هؤلاء الصحافية البارزة تافلين سينغ التي كانت مؤيدة لحكومة مودي بادئ الأمر حتى صدر قرار بتجريد ابنها الكاتب أتيش تاسير من وضع «مواطن يعيش بالخارج».
من ناحيتها، أعربت الصحافية التلفزيونية والمذيعة بركه دوت أن مثل هذه الحالات من الاستقطاب الحاد تخلق ضغوطاً على وسائل الإعلام، وليس على السياسيين فحسب. وقالت إنه يتعين على الصحافيين الإنصات لجميع الآراء لأن القصة الواحدة ربما يكون لها أكثر من بعد واحد. وأضافت: «أنا من ناحيتي أَعُدّ نفسي مفكرة حرة ولا أنتمي لأي عقيدة أو فكر محدد. وليس لزاماً على المرء اتخاذ مواقف متطرفة، وإنما تبقى هناك دوماً طريق وسطى».
السؤال: لماذا أصبحت وسائل الإعلام الهندية على هذه الدرجة الكبيرة من الاستقطاب؟ وما دلالات ذلك بخصوص أساليب العمل الصحافي؟ هل يمسك رؤساء التحرير بزمام صالات التحرير، أم إن المحررين يصيغون التقارير الإخبارية حسب أهوائهم؟ وما الذي يمكن أن يصيب الحقيقة في ظل هذه الظروف العصيبة؟
من جهته، أعرب ديباك تشوراسيا عن اعتقاده بأن «حيادية وسائل الإعلام خرافة. أعلم كثيراً من الصحافيين الذين فقدوا وظائفهم أو حرموا من إمكانية التواصل مع وزارات بعينها بسبب انتقادهم سونيا غاندي أو قيادات أخرى في حزب المؤتمر... لماذا لم تثر آنذاك التساؤلات حول استقطاب وسائل الإعلام؟».
من ناحية أخرى، تكشف استطلاعات الرأي أن سكان دلهي يعدّون التلفزيون الوسيط الإعلامي الأكثر استحقاقاً للثقة (63 في المائة) فيما يخص الأخبار، تليه الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي (16 في المائة). وبينما أشارت أعداد أكبر من المشاركين الأصغر سناً في الاستطلاع إلى شبكات التواصل الاجتماعي بوصفها جديرة بالثقة؛ مقارنة بالفئات العمرية الأخرى، ارتفعت معدلات الثقة في الصحف والقنوات التلفزيونية مع ارتفاع أعمار المشاركين.



حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».