أمين ألبرت الريحاني: الأديب العربي مهمّش لأنه بات كسولاً وقابلاً بصومعته

ثمانون عاماً على رحيل «فيلسوف الفريكة»... لكنه لا يزال حياً

أمين الريحاني
أمين الريحاني
TT

أمين ألبرت الريحاني: الأديب العربي مهمّش لأنه بات كسولاً وقابلاً بصومعته

أمين الريحاني
أمين الريحاني

يصادف هذا العام مرور 80 عاماً على وفاة الأديب والمفكر الكبير أمين الريحاني. وهو مع ذلك لا يزال حياً، ويعاد إصدار كتبه، وتقام حولها الندوات وتكتب الرسائل الجامعية، كما صدرت أعماله الكاملة قبل سنتين، وترجمات مؤلفاته إلى لغات مختلفة لا تزال متواصلة. أمين الريحاني لم يمت والفضل الأكبر لابن شقيقة الشاعر والباحث الأكاديمي أمين ألبرت الريحاني، الذي يحمل اسم عمه وعبء إرثه الأدبي منذ عقود، وهو الذي يعنى بمتحفه الجميل في مسقط رأسه في الفريكة.
عمل أمين ألبرت الريحاني نائباً لرئيس الشؤون الأكاديميّة في «جامعة اللويزة» في لبنان. وهو حالياً رئيس «مؤسسة الفكر اللبناني» في الجامعة نفسها، له دواوين ودراسات عديدة، وعشق في متابعة مسار الأعلام، وعلى رأسهم عمه وإرثه الذي يعنى به منذ عقود. وهو بمناسبة ثمانين المفكر أمين الريحاني يحدثنا عن رؤيته إلى دور الأدباء المغيب هذه الأيام، رغم الأحداث الجسام التي تمر بها مجتمعاتنا، وتصوره لما يجب أن يكون عليه التعاطي مع تركات الكتّاب التي غالباً ما تهمل حد النسيان. وكيف تمكّن هو بشغف وصبر وعناد من إبقاء أمين الريحاني حياً في الذاكرة.
هنا حوار معه:
تهميش الأديب الكاتب نابعٌ من عدم أخذه مأخذَ الجِدّ. فمن جهة يكتفي الأديب بأن يكون أديباً جماليّاً بعيداً عن الشأن الفكري الذي يُفتَرَض أن يشَكِّلَ مدخلاً لانخراطه بهموم المجتمع، وباباً لالتزامه بقضايا الناس والوطن؛ ومن جهة أخرى يرتضي الأديب بأن يبقى داخل الإطار التقليدي، إطار القضبان المنعزلة عن الصفحات الثقافيّة والمنابر والمؤسسات والأندية مما يعزّز النظرة الخاطئة بأن الأديب كائن مُنزوٍ يهتم بشؤون اللغة والمادة المعجميّة والموسوعيّة والتاريخيّة، وإن ذهب بعيداً فهو يهتمّ بصياغة العبارة الجميلة بعيداً عن مشاكل الناس وهمومهم اليوميّة والمصيريّة. من هنا فإن الأديب بات منعزلاً في مكتبه أو منزله، مستقيلاً من دَور استنهاض المجتمع وإيقاظ المواطنين نحو مسارهم المستقبليّ. وهذا ما جعل الكاتب قابلاً بصومعته، كَسولاً رافعاً عن كَتِفَيه عبءَ القيادة الفكريّة والدور الطليعي والعمل على تكوين الرؤيا المستقبليّة التي تُشَكِّلُ دافعاً للتطوّر والتقدّم.
وهذا الواقع المؤلم، أدّى إلى تراجعه والاكتفاء بخطوات صغيرة أوّليّة كنشر مؤلّفاته نشراً تجاريّاً عشوائيّاً بعيداً عن الخطوات الجادّة التي تشمل التحقيق والتدقيق والتقديم والتوثيق في كلِّ عملٍ كتابي يقومُ به من أجل وضع نتاجه موضع المرجعيّة العلميّة المطلوبة. لذا أجدني في ملامة مباشرة للأديب الكاتب قبل أن أكون في ملامة للآخرين. يعني أن الأديب، هو المسؤول، بالدرجة الأولى عن تهميش المجتمع له وإبعاده وإهماله.
كذلك فإن إهمال الكاتب لدَورِه ونتاجِه يُشَكِّلُ سبباً رئيسياً لإهمال البرامج المدرسيّة للكُتّاب والأدباء ودَورِهم الاجتماعي والوطنيّ. وتصحيحاً لهذا المسار الخاطئ تبدأ من صاحب العلاقة المباشرة قبل الانتقال إلى خطوات أخرى منتظرة من الآخرين، وتحديداً من المدارس وبرامجها، والجامعات ومناهجها، والمجالس والجمعيّات والأندية ونشاطاتها الثقافيّة المختلفة.
> من تجربتك كأكاديمي، هل تُعطي المناهج الجامعيّة ما يكفي من زاد لجعل الطالب قادراً على اكتشاف ذاته وتراثه، وتعويض النقص المدرسي إن كان موجوداً؟
- التقصير الجامعي لا يقلّ عن التقصير المدرسي. لكنه أفدح، نظراً للتوقُّعات الكبرى من الجامعات. وذلك يعود إلى السبب الأوّل، أي تقصير الكاتب، أو المهتمين بإرثه من بعده، تجاه أعماله ونتاجه. وأكبر مثل على ذلك أن إصدار الأعمال الأدبيّة الكاملة لكاتب ما، قليلاً بل نادراً ما يأتي نتيجة جهد أكاديمي متواصل ومعزّز بالتوثيق والتدقيق والتحقيق والتقديم المدروس، إلى جانب تعزيزه بالفهارس والمسارد المطلوبة. عندئذ تجد الجامعات نفسها أمام حدث أدبي وفكري رصين لا يمكن تجاهله أو إهماله.
هل نعلم مثلاً أنّ غبريال غارسيا ماركيز يُعِدُّ العدّة لكتاب جديد له قبل ستة أشهرٍ من صدوره، والحملة تشمل النشر الموضوعي العلمي والإخراج المتقن، والاتصالات الإعلاميّة وتوثيق شبكة المدارس والجامعات، فيأتي الإصدار الجديد حدثاً قائماً بذاته ونتيجة جهد متكامل مع فريق مختص للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد والمؤسسات والمنابر الإعلاميّة.
> قد يعترض البعض بحجّة أنّ ما ينطبق على أديبٍ عالمي، بقدرات ماديّة ومعنويّة فائقة، لا ينطبق على أدباء محلّيين، لا حولَ لهم ولا قوّة.
- قد يكون ذلك صحيحاً، إنما المقصود من هذا المثل لا علاقة له بالقدرات الماديّة والمعنويّة بل بالاستعداد للقيام بمِثْلِ هذه الحملات التي يجب تنظيمُها على المستوى المحلّي أولاً، وذلك ضمن نطاق لجان مصغّرة تضم المؤلف والناشر والموزّع وبعض الأصدقاء للقيام بهذا العمل الضروري والمُجدي.
بالمقابل أرى أنّه آن الأوان للجامعات في أن تعيد النظر ببرامجها ومناهجها المتعلقة بتدريس الأدب، فتدريس مقرّر «التذوّق الأدبي» لطلاب السنة الأولى الجامعية، أو السنة الثانية، لم يعد يلبّي طموحات الطلاب واهتماماتهم الفكريّة والأدبيّة. وقد يكون المقرّر الجديد حول موضوع «دَور الأديب في الحياة العربيّة» أقرب إلى رغبة الشباب الجامعي في اكتشاف ذاتهم الصغرى أوّلاً تمهيداً لاكتشاف ذاتهم الكبرى ثانياً. فمعرفة الذات شرط لمعرفة الوطن، ودَور الأديب مسألة حاسمة في هذا السياق، ودراسة معنى هذا الدَور ومضمونَه ومواقفَه من شأنه أن يساعد الطالب الجامعي على بلورة فهمِه لدَورِ الكاتب في المجتمع، وبالتالي على تعزيز اهتمامه بكُتّاب وطنه وحقيقة دورهم في استنهاض الهِمم وتكوين رؤيا جماعيّة وطنيّة مطلوبة لمواجهة الحاضر والتخطيط للمستقبل القريب والبعيد.
> ما هي السبُل لملء الثغرات؟
- ثمّة خطوات عدّة لا بد من اتخاذها كي يستعيد الأديب دورَه في المجتمع، في وطنه، منها ما هو مُلقَى على عاتق الكاتب نفسه، وبينها: 1) العمل على نشر مؤلّفاته نشراً علميّاً موضوعيّا موثَقاً. 2) تنظيم حملة توعية حول موضوع كتابه وأهميّة هذا الموضوع في استنهاض المجتمع في سبيل التقدّم والتطوّر. 3) العمل مع المدارس والجامعات لتنظيم حركة تواصل ثقافي مع الكاتب والأديب وتنظيم لقاءات معه يستكمل التلميذ فيها مطالعاته حول هذا الكاتب أو ذاك. 4) العمل على حركة إعلامية تتناول الكتاب الجديد ومؤلِّف هذا الكتاب من خلال ندوات تسلّط الضوء على مواقف هذا الكاتب وعلى أبرز خصائصه الكتابيّة ودَوره في الحياة الاجتماعيّة والوطنيّة. 5) صوتُ الكاتب في طرح القضايا الاجتماعيّة والوطنيّة لا يجوز أن يخفُت أو أن يتراجع. بل على العكس، إذ إن المطلوب من الكاتب أن يبقى محتفظاً بمكانته القياديّة الطليعيّة، وأن يستعيد إضرامها إن خفتَتْ وإلا فقد دَوراً لا يجوز التنازل عنه إن آمنّا أنّ الكاتب صاحبُ الموقع الأوّل في التوجيه والاستنهاض على المستويين الاجتماعي والوطنيّ.
> أنت تهتم منذ عقود بالحفاظ على إرث أمين الريحاني، ما الصعوبات التي واجهَتْكَ وأنت تحاول إحياء هذه التركة الثقافية الكبيرة؟
- كلّ أديب متشعّب الاهتمامات والأغراض الأدبيّة ويكتب بأكثر من لغة واحدة يواجه خطر عدم الاستيعاب الكلّي، وبالتالي يصعب فَهمُه ككُلٍّ متكامل. وقد لاحظت تدريجيّاً أن كثيراً من الباحثين أخذوا يتخصّصون في منحى واحدٍ من المناحي الفكريّة المتعدّدة والمتشعّبة لدى الرَّيحاني. وكانت النتيجة أنّ من يعرفه ككاتب مقالات لا يعرفه كقاص وروائي، ومن يعرفه كاتب قصص ورواية ومسرح، لا يعرفه ناقداً صاحب رؤية حيوية معاصرة للأدب، بل أكثر من ذلك، فمن يعرفه أديباً مُتحرّراً لا يعرفه مناضلاً سياسياً، وإن صدف وعرفه في الأدب والسياسة فهو لا يعرفه فيلسوفاً. وفي معظم الأحيان من يعرف فيلسوف الفريكة كاتباً باللغة العربيّة نادراً ما كان ليعرفه كاتباً وشاعراً باللغة الإنجليزيّة.
وإثر مراجعتي لمؤلّفاته العربيّة والإنجليزيّة لاحظْتُ أنّ قلّة منها تأتي على ذكر سائر مؤلّفاته العربيّة، والمسألة عينُها وجدتها في أعماله الإنجليزية. ففي مثل هذه الحال يصبح الكاتب مُوَزَّعاً مُشَرْذماً، بل مُشتّتاً مُبَعثراً بين جميع أغراضه الأدبيّة والفكريّة، وبين اللغتين الموزَّعتَين على مداد قلمه.
> وما كانت الوسيلة لجمع هذا الشتات؟
- سرعان ما أدركتُ أن الحل يبدأ مع مُحَقِّقي ودارسي مؤلّفات الرَّيحاني. وقد عمَدْتُ على توسيع الدراسات الرَّيحانيّة بحيث ألفتُ انتباه الباحثين والمُحَقِّقين، أو مَن ينشغِلُ بكتابة رسالة ماجستير أو ينشغِلُ بأطروحة دكتوراه في ناحية من نواحي الدراسة حول الرَّيحاني أن يوسعَ ملاحظاته وهوامشه لتشمل مجمل نتاج الكاتب في طبعة جديدة من كتبه أو في رسالة ماجستير جديدة، أو في أطروحة دكتوراه حديثة. وقد بدأَتْ ثمار هذا المشروع الجديد تَينَع.
وكان من أبرزها مشروع المؤلّفات العربيّة الكاملة للرَّيحاني حيث أدخلْتُ في المقدّمة، والهوامش، والإحالات، والمسارد، والفهارس كل ما يمكن مقارنته من الوجوه المختلفة، الفكرية والأدبيّة والفنيّة والسياسيّة والفلسفيّة، وباللغتين العربيّة والإنجليزيّة، عند الأديب الذي تمّ جمع نتاجه بلغة واحدة من لُغَتَيه تمهيداً لجمع مؤلّفاته التي تركها بلغة ثانية.
هكذا بدأ الدارسون يطرحون، لا غرضاً واحداً، بل ثيمائيّة واحدة يتابعون دراستها في مختلف الأغراض التي عالجها الأديب باللغتين العربيّة والإنجليزيّة. فالناقد الأدبي لا يستقيم أمره من دون الناقد الفنيّ، والشاعر بلغة معيّنة لا تكتملُ صورته من دون شِعره باللغة الأخرى. والفلسفة الصوفيّة كما عالجها في كتاباته العربيّة النثريّة لا تكتملُ صورتُها من دون الفلسفة الصوفيّة كما عالجها في شِعره الإنجليزي. ومفهوم «المدينة العظمى» كما تناولها في كتابه «الرَّيحانيّات» بالعربيّة تبقى ناقصة من دون العودة إلى «المدينة العظمى» وإنسانها المتفوّق كما ناقشها في كتاب «خالد»، روايته الفلسفيّة بالإنجليزيّة... ونزعته القوميّة العربيّة لا تقتصر على كتابه «القوميّات» إن لم نتابع تردداتها وصداها في كتابه «ملوك العرب».
> ألا تعتقد أن كثيراً من الأدباء في لبنان والمنطقة العربية، لم يكن لهم حظّ الرَّيحاني، وكيف لنا أن نعيد لهم هذا الحضور؟
- يمكن للجواب أن يكون على مستوَيين: الأوّل بالنسبة للأديب نفسه، والثاني بالنسبة للمؤسسات الثقافيّة ومراكز الأبحاث. فالأديب الكاتب يُتوقَّع منه أن يعزّز حضوره الأدبي ودَوره القيادي في المجتمع، بمعنى أن يكون ناشطاً أدبيّاً مماثلاً لما يُعرَف بالناشط السياسي والناشط البيئي والناشط الاجتماعي... فيشكّل حضوراً متواصلاً ومستداماً من خلال نشر المقالات أو المقابلات أو سائر الأغراض الأدبيّة مُرَكِّزاً على فكرة مكانة الكاتب ودَورِه في مجتمعه، خاصّة حين يواجه مجتمعه تحديّات صعبة على مستويات مختلفة، وجميعها يحتاج إلى رأي الكاتب وحضوره وتفاعله مع بيئته ومع ما يعانيه المواطنون اجتماعيّاً وسياسياً.
أمّا المؤسسات الثقافيّة ومراكز الأبحاث فيمكن لها أن تباشر بمشروع مماثل لما نقوم به نحن في «مؤسسة الفكر اللبنانيّ» في «جامعة اللويزة». بدأنا بدراسة أوّليّة لكل شخصيّة من كُتّاب لبنان وأدبائه منذ القرن السابع عشر حتى اليوم، هؤلاء الذين اعتبرهم عبد الرحمن بدوي طليعة الفلسفة العربيّة المعاصرة وطليعة الاستشراق في أوروبا، وبالتالي المؤسسين لحركة النهضة العربيّة.
هؤلاء الذين نعرف أسماء العَلَم لدى كُلٍّ منهم ولا نعرف أكثر من الاسم. انكببنا على مراجعة ما أنجزه كلُّ عَلَم من هؤلاء الأعلام المنسيين وانتهينا بسبعة فصول مخصصة لكلّ كاتب من هؤلاء الكتاب. والفصول السبعة تتوزع على المواضيع الآتية: 1) السيرة المفصّلة مع التدقيق بكلّ المعلومات السابقة وتصحيح الأخطاء التاريخية واللغويّة السابقة؛ 2) إعداد ثبت كامل بكلّ مؤلّفاته مع تصنيفها وتبويبها وضمّ كلّ المخطوطات والأعمال غير المكتملة بحيث يأتي الثبت كاملاً وشاملاً ليُشَكِّلَ مرجعاً موضوعيّاً لمؤلّفاته الكاملة بلغاتها الموضوعة المختلفة؛ 3) وضع ثبت كامل بالترجمات المختلفة التي قام بها، ثمّ ما تُرجِمَ له من مؤلّفات فتكتملُ بذلك حركة التأليف والترجمة لكلّ ما ترك من أعمال أدبيّة وفلسفيّة وتاريخيّة ولاهوتيّة وفقهيّة... 4) بيبليوغرافية شاملة، قدر المستطاع، حول كلّ ما كُتِب عنه من كتب وأطروحات ورسائل وفصول من كتب، ودراسات ومقالات بمختلف اللغات التي يمكن الوصول إليها؛ 5) نماذج من كتاباته بمعدّل ثلاثة فصول أو مقالات مختارة من مؤلّفاته؛ 6) أبرز ما قيل عنه بلغات مختلفة؛ 7) جدول إحصائي بمؤلّفاته؛ 8) جدول إحصائي بالمراجع عنه؛ 9) لائحة بالمراجع التي اعتمدناها في إعداد هذه الفصول.
> كيف يمكن الاطلاع على نتاج هذا المشروع؟
- شملَ المشروع حتى اليوم نحو خمسٍ وعشرين شخصيّة من كبار أدباء لبنان وكُتّابه، من القرن السابع عشر حتى اليوم، ونُشِرَت تلك الفصول لكلٍّ من هؤلاء على موقع إلكتروني باسم المؤسسة، باللغتَين العربيّة والإنجليزيّة. وسنباشر بنشرها أيضاً بالفرنسيّة في شهر أبريل (نيسان) المقبل، ثم بالإسبانية مع مطلع الصيف المقبل. هكذا نكون قد أعدنا الاعتبار إلى الكاتب والأديب في لبنان، ولو بصورة جزئية، تمهيداً لاستعادة مكانته ودَوره في مجتمعه وفي وطنه وفي الحياة العربيّة على السواء.



وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
TT

وثائق جمالية تستعيد ذاكرة الشرق

لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".
لوحة بريدجمان: " في قرية الأبيار، الجزائر".

بينما كانت أجراس فعاليات لندن الربيعية تعلن عن انطلاق أسبوع الفن في قلب مايفير، وفي ظل صخب شارع «نيو بوند ستريت» الذي لا يهدأ، هيأت دار «سوذبيز» العريقة ردهاتها لاستقبال نوع مختلف من الضوء؛ ضوء الشرق الذي أسَرَ مخيلة الرحالة الغربيين قبل قرنين من الزمان، ويعود اليوم ليأسر قلوب كبار المقتنين في مزاد «فن الاستشراق» لموسم ربيع 2026. لم يكن المعرض الذي افتتح أبوابه للجمهور قبل موعد المزاد مجرد عرض لمقتنيات فنية عابرة، بل كان أشبه باستعادة بصرية لذاكرة جغرافية وتاريخية تشكل وجدان المنطقة الممتدة من ضفاف النيل إلى أسوار القسطنطينية.

في هذه النسخة من المزاد، تبدو الأعمال المختارة، وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق، بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة. نحن أمام مشهد يتسم بنضج استثماري لافت؛ حيث لم يعد المقتني العربي أو العالمي يبحث عن الغرائبية فحسب، بل ينشد الأصالة والدقة التاريخية التي برع فيها فنانون من طراز جان ليون جيروم ولودفيك دويتشه. كما أن الأعمال المعروضة تؤكد أن فن الاستشراق لم يعد مجرد صنف منسيّ في تاريخ الفن، بل هو عملة ثقافية صعبة تزداد قيمتها كلما زاد الحنين إلى الجذور.

لوحة" المستعمون" لنصرالدين دينيه

عبقرية الظل والضوء

تتصدر مشهد المزاد لوحة الفنان الأميركي فريدريك آرثر بريدغمان (1847 - 1928) المعنونة بـ«في قرية الأبيار الجزائر» (In a Village at El Biar, Algiers)، والأبيار إحدى ضواحي الجزائر كانت ملاذاً للفنانين بسبب إطلالتها وهوائها العليل، وكان بريدغمان مفتوناً ببيوتها المترابطة. وهي عمل يجسد ذروة النضج في أسلوب بريدغمان الاستشراقي. في هذه اللوحة، لا يكتفي الفنان بنقل مشهد مكاني، بل يحبس أنفاس الزمن في لحظة جزائرية خالصة.

تتجلى عبقرية بريدغمان في تعامله مع «الضوء المتوسطي الساطع»؛ حيث تضرب أشعة الشمس الجدران البيضاء لقرية الأبيار، لتعكس وهجاً يكاد يشعر المشاهد بحرارته. لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في التباين الدرامي بين هذا البياض الناصع وظلال الزقاق الضيق التي تمنح اللوحة عمقاً هندسياً مذهلاً.

بالنظر إلى التفاصيل الدقيقة، يبدو أن بريدغمان رسم الشخوص بلمسة إثنوغرافية غاية في الأمانة؛ من طيات الملابس التقليدية إلى حركة أيدي النساء وتموجات المياه في بركة الحوش، مما يمنح العمل قيمة توثيقية تتجاوز البعد الجمالي. إن اختيار «سوذبيز» لهذه القطعة تحديداً يعكس ذكاءً في تقدير ذائقة المقتني المعاصر، الذي يبحث عن أعمال بريدغمان ليس فقط لجماليتها، بل لقدرتها على نقل روح المكان وهدوء الحياة اليومية بعيداً عن التكلف أو المبالغة الدرامية. ومن المتوقع أن تشهد هذه اللوحة منافسة شرسة (القيمة التقديرية للوحة بين 150 - 200 ألف جنيه إسترليني)، نظراً لندرة أعمال بريدغمان التي تتميز بهذا المستوى من الحيوية في الألوان والتماسك في التكوين. هذا التقدير المرتفع لا يعكس فقط براعة بريدغمان التقنية، بل يشير إلى ندرة وجود أعمال بهذا الحجم والجودة في السوق حالياً. إن تجاوز حاجز الـ150 ألف باوند كقيمة افتتاحية يبعث برسالة واضحة للمقتنين: «نحن أمام قطعة ليست للعرض الجمالي فحسب، بل هي استثمار تاريخي رصين في أحد أكثر فصول الفن الاستشراقي صدقاً وعمقاً».

تبدو الأعمال المختارة وكأنها تتجاوز الجدل التقليدي حول الاستشراق بوصفه نظرة خارجية، لتتحول إلى وثائق جمالية بالغة الدقة

عمالقة الاستشراق والقيمة التجارية

لا يقتصر زخم مزاد «سوذبيز» لهذا الموسم على لوحة بعينها، بل يمتد ليشمل كوكبة من «أساطير الاستشراق» الذين جابوا الشرق بحثاً عن الضوء والحقيقة. يتصدر المشهد رواد المدرسة الفرنسية والنمساوية والأميركية، حيث تُعرض أعمال لأسماء لا تخطئها عين المقتني المحترف، مثل جان ليون جيروم ولودفيج دويتشه ورودولف إرنست ونصر الدين دينيه (اسمه الأصلي ألفونس). وتتراوح القيم التقديرية لهذه الأعمال في المزاد الحالي ما بين خمسين ألف جنيه إسترليني للتخطيطات والدراسات الزيتية الصغيرة، وصولاً إلى أرقام تتجاوز 300 ألف جنيه إسترليني للوحات الزيتية الكبيرة التي تتميز بتفاصيل معمارية معقدة. هذا التنوع في الأسعار والمستويات الفنية يعكس استراتيجية «سوذبيز» في استقطاب شريحتين من المقتنين: «المستثمر الجديد» الذي يبحث عن موطئ قدم في عالم الفن، و«المقتني النخبوي» الذي يطارد القطع المتحفية النادرة التي قلما تظهر في الأسواق، مما يجعل القيمة الإجمالية للمزاد تُقدر بملايين الجنيهات الإسترلينية.

استعادة الشرق بريشة الحداثة

يظل السؤال القائم في أروقة «سوذبيز» يتجاوز حدود الأرقام القياسية والمنافسات المالية؛ هل ما زال فن الاستشراق قادراً على محاورة إنسان القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة تكمن في تلك التفاصيل التي خلدها فنانون مثل بريدغمان وإرنست؛ فهي ليست مجرد توثيق لزمن مضى، بل هي استعادة لجماليات كادت تمحوها الحداثة المتسارعة. إن الاهتمام المتزايد من قبل المقتنين والمؤسسات الثقافية في منطقة الخليج والعالم العربي بهذه الأعمال، يحولها من «نظرة غربية للشرق» إلى «إرث شرقي مستعاد» تُعاد قراءته اليوم بعيون أصحاب الأرض أنفسهم.

في نهاية المطاف، سيهدأ ضجيج المزايدات وتستقر لوحة «في قرية الأبيار» وغيرها في مجموعات خاصة أو متاحف عالمية، لكن القيمة الحقيقية لهذا المزاد تظل في قدرته على مد الجسور بين ضفتي المتوسط، وفي تذكيرنا بأن الفن هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتنقل سحر الضوء الجزائري أو روحانية جوامع القاهرة إلى قلب لندن. وبغض النظر عن أسعار المزاد، يبقى اليقين الوحيد هو أن الشرق بروعته وتفاصيله سيظل دائماً بوصلة الجمال التي لا تخطئ في سوق الفن العالمي.

 


نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
TT

نصب ملكي لهشام بن عبد الملك من قصر الحير الغربي

 نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي
نصب من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدره قصر الحير الغربي

يشكل النقش التصويري ركناً أساسياً من مكوّنات الفن الأموي المدني، وتشهد لذلك مجموعات من اللقى الأثرية، عُثر عليها بين أطلال منشآت عمرانية تتوزّع على صحاري بلاد الشام، وتُعرف بـ«قصور البادية». تبرز في هذا الميدان مجموعة كبيرة تتميّز بثرائها وتنوّعها، خرجت من قصر يقع جنوب غرب تدمر، أطلق عليه علماء الآثار اسم «قصر الحير الغربي». تحوي هذه المجموعة قطعاً متعدّدة الأحجام، أكبرها قطعة على شكل نصب آدمي يحاكي ارتفاعه طول قامة الإنسان، تمثل صورة لصاحب القصر، الخليفة هشام بن عبد الملك.

وصلت هذه القامة المنحوتة مهشّمة ومجزّأة، وباتت ثلاث قطع منفصلة، منها قطعة تمثّل الرأس، وقطعة تمثّل الجزء الأعلى من الصدر، وقطعة تمثّل الساقين. تمّ وصل الرأس بأعلى الصدر من خلال عنق مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للطرق العلميّة المتبعة، وشكّل هذا الوصل تمثالاً نصفياً يمثّل الجزء الأعلى من هذه القامة. في المقابل، بقيت كتلة الساقين على حالها، نظراً لغياب القطعة التي تمثّل الجزء الأسفل من الصدر. هكذا يحضر هذا النصب في قطعتين متجاورتين عمودياً، ويُعرض ضمن جناح من المتحف الوطني في دمشق، خُصّص بأكمله لأهم القطع الأثرية التي خرجت من قصر الحير الغربي.

تبدو هذه القطعة المنحوتة للوهلة الأولى أشبه بتمثال ثلاثي الأبعاد، غير أن ظهرها أملس ومسطّح، ويخلو من أي نقش، ممّا يعني أنّها صُنعت لتُثبّت على جدار، وتعتمد طرازاً من طرز النقش الناتئ، يُقارب النحت بنتوئه الشديد. يعود موقع هذا المجسّم الضخم في الأصل إلى واجهة قصر الحير الغربي، حيث ثُبّت على سطح القوصرة المقوّسة التي تعلو باب مدخل القصر الكائن في وسط القسم الأسفل من هذه الواجهة، على ما افترض دانيال شلومبرجير، الخبير الذي قاد البعثة الفرنسية التي استكشفت هذا الموقع الأموي بين عام 1936 وعام 1938. حسب هذه القراءة، حظي هذا النصب بموقع رئيسي في الحلة الزخرفية التي كست هذه الواجهة، ويشير طرازه الملكي التقليدي إلى أنّه يمثّل صاحب البناء، وهو حسب نقش عُثر عليه في الموقع «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي الخليفة هشام بن عبد الملك.

اعتُمدت هذه القراءة بشكل واسع في الأوساط العلميّة، غير أنّ تحديد هوّية صورتها فنياً بشكل جازم وقاطع ظلّ موضع بحث، وذلك بسبب انتهاجها أسلوباً يبتعد عن محاكاة المثال الشخصي الفردي، وتبنّيها مثالاً نموذجياً جامعاً. في الخلاصة، يشكّل هذا النصب صورة نموذجية مثالية للخليفة هشام بن عبد الملك، كما يشكّل صورة رمزية تختزل مقام هذه الخلافة فحسب. يحلّ رأس هذا المجسّم في كتلة بيضاوية سقط منها الجزء الأسفل للأسف، وما بقي منه يشير إلى لحية مستديرة تتّصل بشاربين طويلين. انمحت العين اليمنى، وسلمت العين اليسرى، وهي لوزية، ويعلوها حاجب مقوّس، وفي وسطها بؤبؤ طُلي باللون الأسود. الأنف عريض وناتئ. الأذن اليسرى ظاهرة، وتتميّز بحلق دائري يتدلّى من طرفها الأسفل. الشعر كثيف، وما بقي منه يشير إلى خصل تلتف حول الوجه، يعلوها تاج يحدّه إكليل مكوّن من شريطَين رفيعَين متلاصقَين. يكشف رداء الصدر عن ثوب فضفاض ذي ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط شريط عمودي عريض، زُيّن بسلسلة من الأقراص الدائرية الصغيرة.

تتّضح هوية هذا اللباس في الجزء الأسفل من المجسّم، وهو الجزء الخاص بالساقين. يظهر الملك في وضعيّة الجلوس، ويرتدي بزّة طويلة تلتف حول الركبتين المتباعدتين، تزيّنها كذلك ثنايا مقوّسة متجانسة، يفصل بينها في الوسط خيط عمودي، مستقيم وغائر. تحت هذه البزّة سروال فضفاض، يحدّ كلّ طرف من طرفيه شريط عمودي مزخرف، يماثل في زخرفته الشريط الذي يتوسط البزّة. تأخذ الساقان المتباعدتان والمتواجهتان شكل مثلث تدلّى منه طرف القدم اليسرى. يتبنّى هذا المجسّم الأموي في الواقع نموذجاً ملكياً تقليدياً خاصاً، عُرف به أكاسرة الفرس الساسانيون. دخل هذا النموذج العالم المتوسّطي بشكل واسع، وانتقل إلى العالم الأموي حيث تبنّته الخلافة التي ورثت مجد الأكاسرة، وفقاً لرؤية حضارية، اختزلها قول مأثور اشتهر به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان».

يظهر الخليفة الأموي في هذا المجسمّ الضخم مرتدياً حلّة كسرى الفرس، ويظهر كما يبدو مرتدياً حلّة قيصر الروم في قطعة أخرى من قطع قصر الحير الغربي، ضاع منها النصف الأعلى للأسف. دخلت هذه القطعة متحف دمشق الوطني، وتشكّل في الأصل جزءاً من زينة البهو الداخلي للقصر. تتبع هذه القطعة تقنية النقش الناتئ التقليدية، ويبلغ طول ما تبقّى منها نحو متر، ممّا يوحي بأنها كانت تحاكي في الأصل حجم الإنسان. يمثّل هذا النقش شخصاً يجلس على عرش ملكي، مرتدياً معطفاً يعلو رداءً طويلاً ينسدل حتى أسفل القدمين، كاشفاً عن قدمين تستقران فوق قاعدة فخمة تحدّها سلسلة من العواميد المرصوصة.

شاع هذا النموذج في العالم الروماني، وعُرف باسم «العرش الإمبراطوري»، وهو العرش الذي جعل منه الفن البيزنطي عرشاً للمسيح. ودخل هذا العرش قاموس الفن الأموي، كما يشهد هذا النقش بشكل جليّ. تقابل هذه الصورة المنحوتة لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن، تحضر في الركن المعروف بـ«ركن العرش»، وفيها يظهر «ولي عهد المسلمين والمسلمات» متربّعاً على مقعده الوثير، كما تقول الكتابة المرافقة. وهذا الولي هو الوليد بن يزيد، كما تؤكد كتابة ترافق جدارية أخرى من جداريات هذا القصير.


العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.