أمين ألبرت الريحاني: الأديب العربي مهمّش لأنه بات كسولاً وقابلاً بصومعته

ثمانون عاماً على رحيل «فيلسوف الفريكة»... لكنه لا يزال حياً

أمين الريحاني
أمين الريحاني
TT

أمين ألبرت الريحاني: الأديب العربي مهمّش لأنه بات كسولاً وقابلاً بصومعته

أمين الريحاني
أمين الريحاني

يصادف هذا العام مرور 80 عاماً على وفاة الأديب والمفكر الكبير أمين الريحاني. وهو مع ذلك لا يزال حياً، ويعاد إصدار كتبه، وتقام حولها الندوات وتكتب الرسائل الجامعية، كما صدرت أعماله الكاملة قبل سنتين، وترجمات مؤلفاته إلى لغات مختلفة لا تزال متواصلة. أمين الريحاني لم يمت والفضل الأكبر لابن شقيقة الشاعر والباحث الأكاديمي أمين ألبرت الريحاني، الذي يحمل اسم عمه وعبء إرثه الأدبي منذ عقود، وهو الذي يعنى بمتحفه الجميل في مسقط رأسه في الفريكة.
عمل أمين ألبرت الريحاني نائباً لرئيس الشؤون الأكاديميّة في «جامعة اللويزة» في لبنان. وهو حالياً رئيس «مؤسسة الفكر اللبناني» في الجامعة نفسها، له دواوين ودراسات عديدة، وعشق في متابعة مسار الأعلام، وعلى رأسهم عمه وإرثه الذي يعنى به منذ عقود. وهو بمناسبة ثمانين المفكر أمين الريحاني يحدثنا عن رؤيته إلى دور الأدباء المغيب هذه الأيام، رغم الأحداث الجسام التي تمر بها مجتمعاتنا، وتصوره لما يجب أن يكون عليه التعاطي مع تركات الكتّاب التي غالباً ما تهمل حد النسيان. وكيف تمكّن هو بشغف وصبر وعناد من إبقاء أمين الريحاني حياً في الذاكرة.
هنا حوار معه:
تهميش الأديب الكاتب نابعٌ من عدم أخذه مأخذَ الجِدّ. فمن جهة يكتفي الأديب بأن يكون أديباً جماليّاً بعيداً عن الشأن الفكري الذي يُفتَرَض أن يشَكِّلَ مدخلاً لانخراطه بهموم المجتمع، وباباً لالتزامه بقضايا الناس والوطن؛ ومن جهة أخرى يرتضي الأديب بأن يبقى داخل الإطار التقليدي، إطار القضبان المنعزلة عن الصفحات الثقافيّة والمنابر والمؤسسات والأندية مما يعزّز النظرة الخاطئة بأن الأديب كائن مُنزوٍ يهتم بشؤون اللغة والمادة المعجميّة والموسوعيّة والتاريخيّة، وإن ذهب بعيداً فهو يهتمّ بصياغة العبارة الجميلة بعيداً عن مشاكل الناس وهمومهم اليوميّة والمصيريّة. من هنا فإن الأديب بات منعزلاً في مكتبه أو منزله، مستقيلاً من دَور استنهاض المجتمع وإيقاظ المواطنين نحو مسارهم المستقبليّ. وهذا ما جعل الكاتب قابلاً بصومعته، كَسولاً رافعاً عن كَتِفَيه عبءَ القيادة الفكريّة والدور الطليعي والعمل على تكوين الرؤيا المستقبليّة التي تُشَكِّلُ دافعاً للتطوّر والتقدّم.
وهذا الواقع المؤلم، أدّى إلى تراجعه والاكتفاء بخطوات صغيرة أوّليّة كنشر مؤلّفاته نشراً تجاريّاً عشوائيّاً بعيداً عن الخطوات الجادّة التي تشمل التحقيق والتدقيق والتقديم والتوثيق في كلِّ عملٍ كتابي يقومُ به من أجل وضع نتاجه موضع المرجعيّة العلميّة المطلوبة. لذا أجدني في ملامة مباشرة للأديب الكاتب قبل أن أكون في ملامة للآخرين. يعني أن الأديب، هو المسؤول، بالدرجة الأولى عن تهميش المجتمع له وإبعاده وإهماله.
كذلك فإن إهمال الكاتب لدَورِه ونتاجِه يُشَكِّلُ سبباً رئيسياً لإهمال البرامج المدرسيّة للكُتّاب والأدباء ودَورِهم الاجتماعي والوطنيّ. وتصحيحاً لهذا المسار الخاطئ تبدأ من صاحب العلاقة المباشرة قبل الانتقال إلى خطوات أخرى منتظرة من الآخرين، وتحديداً من المدارس وبرامجها، والجامعات ومناهجها، والمجالس والجمعيّات والأندية ونشاطاتها الثقافيّة المختلفة.
> من تجربتك كأكاديمي، هل تُعطي المناهج الجامعيّة ما يكفي من زاد لجعل الطالب قادراً على اكتشاف ذاته وتراثه، وتعويض النقص المدرسي إن كان موجوداً؟
- التقصير الجامعي لا يقلّ عن التقصير المدرسي. لكنه أفدح، نظراً للتوقُّعات الكبرى من الجامعات. وذلك يعود إلى السبب الأوّل، أي تقصير الكاتب، أو المهتمين بإرثه من بعده، تجاه أعماله ونتاجه. وأكبر مثل على ذلك أن إصدار الأعمال الأدبيّة الكاملة لكاتب ما، قليلاً بل نادراً ما يأتي نتيجة جهد أكاديمي متواصل ومعزّز بالتوثيق والتدقيق والتحقيق والتقديم المدروس، إلى جانب تعزيزه بالفهارس والمسارد المطلوبة. عندئذ تجد الجامعات نفسها أمام حدث أدبي وفكري رصين لا يمكن تجاهله أو إهماله.
هل نعلم مثلاً أنّ غبريال غارسيا ماركيز يُعِدُّ العدّة لكتاب جديد له قبل ستة أشهرٍ من صدوره، والحملة تشمل النشر الموضوعي العلمي والإخراج المتقن، والاتصالات الإعلاميّة وتوثيق شبكة المدارس والجامعات، فيأتي الإصدار الجديد حدثاً قائماً بذاته ونتيجة جهد متكامل مع فريق مختص للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد والمؤسسات والمنابر الإعلاميّة.
> قد يعترض البعض بحجّة أنّ ما ينطبق على أديبٍ عالمي، بقدرات ماديّة ومعنويّة فائقة، لا ينطبق على أدباء محلّيين، لا حولَ لهم ولا قوّة.
- قد يكون ذلك صحيحاً، إنما المقصود من هذا المثل لا علاقة له بالقدرات الماديّة والمعنويّة بل بالاستعداد للقيام بمِثْلِ هذه الحملات التي يجب تنظيمُها على المستوى المحلّي أولاً، وذلك ضمن نطاق لجان مصغّرة تضم المؤلف والناشر والموزّع وبعض الأصدقاء للقيام بهذا العمل الضروري والمُجدي.
بالمقابل أرى أنّه آن الأوان للجامعات في أن تعيد النظر ببرامجها ومناهجها المتعلقة بتدريس الأدب، فتدريس مقرّر «التذوّق الأدبي» لطلاب السنة الأولى الجامعية، أو السنة الثانية، لم يعد يلبّي طموحات الطلاب واهتماماتهم الفكريّة والأدبيّة. وقد يكون المقرّر الجديد حول موضوع «دَور الأديب في الحياة العربيّة» أقرب إلى رغبة الشباب الجامعي في اكتشاف ذاتهم الصغرى أوّلاً تمهيداً لاكتشاف ذاتهم الكبرى ثانياً. فمعرفة الذات شرط لمعرفة الوطن، ودَور الأديب مسألة حاسمة في هذا السياق، ودراسة معنى هذا الدَور ومضمونَه ومواقفَه من شأنه أن يساعد الطالب الجامعي على بلورة فهمِه لدَورِ الكاتب في المجتمع، وبالتالي على تعزيز اهتمامه بكُتّاب وطنه وحقيقة دورهم في استنهاض الهِمم وتكوين رؤيا جماعيّة وطنيّة مطلوبة لمواجهة الحاضر والتخطيط للمستقبل القريب والبعيد.
> ما هي السبُل لملء الثغرات؟
- ثمّة خطوات عدّة لا بد من اتخاذها كي يستعيد الأديب دورَه في المجتمع، في وطنه، منها ما هو مُلقَى على عاتق الكاتب نفسه، وبينها: 1) العمل على نشر مؤلّفاته نشراً علميّاً موضوعيّا موثَقاً. 2) تنظيم حملة توعية حول موضوع كتابه وأهميّة هذا الموضوع في استنهاض المجتمع في سبيل التقدّم والتطوّر. 3) العمل مع المدارس والجامعات لتنظيم حركة تواصل ثقافي مع الكاتب والأديب وتنظيم لقاءات معه يستكمل التلميذ فيها مطالعاته حول هذا الكاتب أو ذاك. 4) العمل على حركة إعلامية تتناول الكتاب الجديد ومؤلِّف هذا الكتاب من خلال ندوات تسلّط الضوء على مواقف هذا الكاتب وعلى أبرز خصائصه الكتابيّة ودَوره في الحياة الاجتماعيّة والوطنيّة. 5) صوتُ الكاتب في طرح القضايا الاجتماعيّة والوطنيّة لا يجوز أن يخفُت أو أن يتراجع. بل على العكس، إذ إن المطلوب من الكاتب أن يبقى محتفظاً بمكانته القياديّة الطليعيّة، وأن يستعيد إضرامها إن خفتَتْ وإلا فقد دَوراً لا يجوز التنازل عنه إن آمنّا أنّ الكاتب صاحبُ الموقع الأوّل في التوجيه والاستنهاض على المستويين الاجتماعي والوطنيّ.
> أنت تهتم منذ عقود بالحفاظ على إرث أمين الريحاني، ما الصعوبات التي واجهَتْكَ وأنت تحاول إحياء هذه التركة الثقافية الكبيرة؟
- كلّ أديب متشعّب الاهتمامات والأغراض الأدبيّة ويكتب بأكثر من لغة واحدة يواجه خطر عدم الاستيعاب الكلّي، وبالتالي يصعب فَهمُه ككُلٍّ متكامل. وقد لاحظت تدريجيّاً أن كثيراً من الباحثين أخذوا يتخصّصون في منحى واحدٍ من المناحي الفكريّة المتعدّدة والمتشعّبة لدى الرَّيحاني. وكانت النتيجة أنّ من يعرفه ككاتب مقالات لا يعرفه كقاص وروائي، ومن يعرفه كاتب قصص ورواية ومسرح، لا يعرفه ناقداً صاحب رؤية حيوية معاصرة للأدب، بل أكثر من ذلك، فمن يعرفه أديباً مُتحرّراً لا يعرفه مناضلاً سياسياً، وإن صدف وعرفه في الأدب والسياسة فهو لا يعرفه فيلسوفاً. وفي معظم الأحيان من يعرف فيلسوف الفريكة كاتباً باللغة العربيّة نادراً ما كان ليعرفه كاتباً وشاعراً باللغة الإنجليزيّة.
وإثر مراجعتي لمؤلّفاته العربيّة والإنجليزيّة لاحظْتُ أنّ قلّة منها تأتي على ذكر سائر مؤلّفاته العربيّة، والمسألة عينُها وجدتها في أعماله الإنجليزية. ففي مثل هذه الحال يصبح الكاتب مُوَزَّعاً مُشَرْذماً، بل مُشتّتاً مُبَعثراً بين جميع أغراضه الأدبيّة والفكريّة، وبين اللغتين الموزَّعتَين على مداد قلمه.
> وما كانت الوسيلة لجمع هذا الشتات؟
- سرعان ما أدركتُ أن الحل يبدأ مع مُحَقِّقي ودارسي مؤلّفات الرَّيحاني. وقد عمَدْتُ على توسيع الدراسات الرَّيحانيّة بحيث ألفتُ انتباه الباحثين والمُحَقِّقين، أو مَن ينشغِلُ بكتابة رسالة ماجستير أو ينشغِلُ بأطروحة دكتوراه في ناحية من نواحي الدراسة حول الرَّيحاني أن يوسعَ ملاحظاته وهوامشه لتشمل مجمل نتاج الكاتب في طبعة جديدة من كتبه أو في رسالة ماجستير جديدة، أو في أطروحة دكتوراه حديثة. وقد بدأَتْ ثمار هذا المشروع الجديد تَينَع.
وكان من أبرزها مشروع المؤلّفات العربيّة الكاملة للرَّيحاني حيث أدخلْتُ في المقدّمة، والهوامش، والإحالات، والمسارد، والفهارس كل ما يمكن مقارنته من الوجوه المختلفة، الفكرية والأدبيّة والفنيّة والسياسيّة والفلسفيّة، وباللغتين العربيّة والإنجليزيّة، عند الأديب الذي تمّ جمع نتاجه بلغة واحدة من لُغَتَيه تمهيداً لجمع مؤلّفاته التي تركها بلغة ثانية.
هكذا بدأ الدارسون يطرحون، لا غرضاً واحداً، بل ثيمائيّة واحدة يتابعون دراستها في مختلف الأغراض التي عالجها الأديب باللغتين العربيّة والإنجليزيّة. فالناقد الأدبي لا يستقيم أمره من دون الناقد الفنيّ، والشاعر بلغة معيّنة لا تكتملُ صورته من دون شِعره باللغة الأخرى. والفلسفة الصوفيّة كما عالجها في كتاباته العربيّة النثريّة لا تكتملُ صورتُها من دون الفلسفة الصوفيّة كما عالجها في شِعره الإنجليزي. ومفهوم «المدينة العظمى» كما تناولها في كتابه «الرَّيحانيّات» بالعربيّة تبقى ناقصة من دون العودة إلى «المدينة العظمى» وإنسانها المتفوّق كما ناقشها في كتاب «خالد»، روايته الفلسفيّة بالإنجليزيّة... ونزعته القوميّة العربيّة لا تقتصر على كتابه «القوميّات» إن لم نتابع تردداتها وصداها في كتابه «ملوك العرب».
> ألا تعتقد أن كثيراً من الأدباء في لبنان والمنطقة العربية، لم يكن لهم حظّ الرَّيحاني، وكيف لنا أن نعيد لهم هذا الحضور؟
- يمكن للجواب أن يكون على مستوَيين: الأوّل بالنسبة للأديب نفسه، والثاني بالنسبة للمؤسسات الثقافيّة ومراكز الأبحاث. فالأديب الكاتب يُتوقَّع منه أن يعزّز حضوره الأدبي ودَوره القيادي في المجتمع، بمعنى أن يكون ناشطاً أدبيّاً مماثلاً لما يُعرَف بالناشط السياسي والناشط البيئي والناشط الاجتماعي... فيشكّل حضوراً متواصلاً ومستداماً من خلال نشر المقالات أو المقابلات أو سائر الأغراض الأدبيّة مُرَكِّزاً على فكرة مكانة الكاتب ودَورِه في مجتمعه، خاصّة حين يواجه مجتمعه تحديّات صعبة على مستويات مختلفة، وجميعها يحتاج إلى رأي الكاتب وحضوره وتفاعله مع بيئته ومع ما يعانيه المواطنون اجتماعيّاً وسياسياً.
أمّا المؤسسات الثقافيّة ومراكز الأبحاث فيمكن لها أن تباشر بمشروع مماثل لما نقوم به نحن في «مؤسسة الفكر اللبنانيّ» في «جامعة اللويزة». بدأنا بدراسة أوّليّة لكل شخصيّة من كُتّاب لبنان وأدبائه منذ القرن السابع عشر حتى اليوم، هؤلاء الذين اعتبرهم عبد الرحمن بدوي طليعة الفلسفة العربيّة المعاصرة وطليعة الاستشراق في أوروبا، وبالتالي المؤسسين لحركة النهضة العربيّة.
هؤلاء الذين نعرف أسماء العَلَم لدى كُلٍّ منهم ولا نعرف أكثر من الاسم. انكببنا على مراجعة ما أنجزه كلُّ عَلَم من هؤلاء الأعلام المنسيين وانتهينا بسبعة فصول مخصصة لكلّ كاتب من هؤلاء الكتاب. والفصول السبعة تتوزع على المواضيع الآتية: 1) السيرة المفصّلة مع التدقيق بكلّ المعلومات السابقة وتصحيح الأخطاء التاريخية واللغويّة السابقة؛ 2) إعداد ثبت كامل بكلّ مؤلّفاته مع تصنيفها وتبويبها وضمّ كلّ المخطوطات والأعمال غير المكتملة بحيث يأتي الثبت كاملاً وشاملاً ليُشَكِّلَ مرجعاً موضوعيّاً لمؤلّفاته الكاملة بلغاتها الموضوعة المختلفة؛ 3) وضع ثبت كامل بالترجمات المختلفة التي قام بها، ثمّ ما تُرجِمَ له من مؤلّفات فتكتملُ بذلك حركة التأليف والترجمة لكلّ ما ترك من أعمال أدبيّة وفلسفيّة وتاريخيّة ولاهوتيّة وفقهيّة... 4) بيبليوغرافية شاملة، قدر المستطاع، حول كلّ ما كُتِب عنه من كتب وأطروحات ورسائل وفصول من كتب، ودراسات ومقالات بمختلف اللغات التي يمكن الوصول إليها؛ 5) نماذج من كتاباته بمعدّل ثلاثة فصول أو مقالات مختارة من مؤلّفاته؛ 6) أبرز ما قيل عنه بلغات مختلفة؛ 7) جدول إحصائي بمؤلّفاته؛ 8) جدول إحصائي بالمراجع عنه؛ 9) لائحة بالمراجع التي اعتمدناها في إعداد هذه الفصول.
> كيف يمكن الاطلاع على نتاج هذا المشروع؟
- شملَ المشروع حتى اليوم نحو خمسٍ وعشرين شخصيّة من كبار أدباء لبنان وكُتّابه، من القرن السابع عشر حتى اليوم، ونُشِرَت تلك الفصول لكلٍّ من هؤلاء على موقع إلكتروني باسم المؤسسة، باللغتَين العربيّة والإنجليزيّة. وسنباشر بنشرها أيضاً بالفرنسيّة في شهر أبريل (نيسان) المقبل، ثم بالإسبانية مع مطلع الصيف المقبل. هكذا نكون قد أعدنا الاعتبار إلى الكاتب والأديب في لبنان، ولو بصورة جزئية، تمهيداً لاستعادة مكانته ودَوره في مجتمعه وفي وطنه وفي الحياة العربيّة على السواء.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.