صحافيات العالم العربي... تحديات ومعوّقات أمنية وجندريّة

«صناعة الإعلام» اختبرت المرأة كناشرة ومؤسسة مجلات

الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك
الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك
TT

صحافيات العالم العربي... تحديات ومعوّقات أمنية وجندريّة

الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك
الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك

منذ انزلقت سوريا إلى الحرب الأهلية قبل ثماني سنوات، أصبح الجانب الرقابي الأمني هو أحد أبرز التحديات والمخاطر التي تواجه الإعلاميات والإعلاميين طوال فترات عملهم، وخاصة أنه تعزز بشكل أكبر بعد 2011.
فالمشاق التي تواجه العاملات في مجال الإعلام متعددة وصعبة إلى درجة أن الصحافة وصفته بأنه «مهنة المتاعب»، ويجد معظم العاملين في المهنة أن الوصول إلى قمة الهرم الوظيفي الإعلامي مهمة شبه مستحيلة لا يبلغها إلا القليلون، ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجهها المرأة في مجال العمل الإعلامي تتضاعف أحياناً فوق تلك التي يواجهها الرجال؛ الأمر الذي أوصل عدداً قليلاً فقط من النساء إلى المراكز القيادية الإعلامية حتى في الدول الغربية. هذا ليس حال الصحافيات السوريات فقط، بل أخريات في مناطق النزاع كالصحافيات الفلسطينيات. قد تختلف معاناة صحافيات سوريا عن تلك في مصر، على سبيل المثال، إلا أن التحديات لا تزال موجودة وتشكل عوائق على النساء في مهنة المتاعب، أكثر من الرجال.
في عام 2018 وعندما كانت الإعلامية السورية لجين حاج يوسف تغطي قضايا النساء المهاجرات من دول الشرق الأوسط والتحرش الجنسي الذي طال قريناتها النساء السوريات، لم تكن تعلم أنها ستحصل على جائزة «الإعلام المعني بالهجرة» نهاية العام نفسه لتغطيتها الصحافية، وهي مكافأة التميز للأهمية الإخبارية بدعم من الاتحاد الأوروبي. تعمل لجين خبيرة جندرية وقامت بعدد من الدورات الصحافية المختصة بقضايا المرأة والتمكين المجتمعي، وشاركت مع منظمة اليونيسكو التابعة لهيئة الأمم المتحدة في ورشات لصياغة النظام الداخلي المراعية للنوع الاجتماعي بالمؤسسات الإعلامية، إلى جانب صياغة السياسات الإعلامية المتخصصة في شؤون الهجرة بدعم من مفوضية الاتحاد الأوروبي و«المركز الإعلامي المفتوح».
لدى حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، وعن أهمية تغطية قضايا مثل هذه في ظل استمرار الحرب في بلدها ودول الشرق الأوسط، قالت: «من المعروف أن النساء والأطفال من أكثر الفئات هشاشة في البلدان التي تعاني من النزاعات، مما يجعل اهتمام الإعلام بقضاياهم أمراً ملحاً بالدرجة الأولى»، لكنها أشارت بأن النساء: «أقوياء ولديهنّ شجاعة وشخصية وقدرة على تحمل أحلك الظروف، لكن الحروب نالت من قدرتها، سيما النزاع السوري الذي دخل عامه العاشر».
لجين المتحدرة من العاصمة السورية دمشق، حاصلة على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة دمشق، عملت قبل 2011 كمعدة ومقدمة برامج في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون السوري الحكومي. وتشغل اليوم منصب رئيس التحرير في «مؤسسة روزنة للإعلام» منذ عام 2014. كما أسست مع الفريق التحريري أول غرفة أخبار مدمجة في الإعلام لكادر موزع بين ثلاث دول: الداخل السوري وتركيا وفرنسا، وتدير حالياً مشروع المرأة المدعوم من برنامج المرأة - الأمم المتحدة منذ بداية عام 2019.
مؤسسة روزنة تحمل شعار «إذاعة حرة... مهنية عالية»، انطلقت منتصف عام 2012 لتبث أثيرها عبر موقعها الإلكتروني بالعام نفسه، وفي يونيو (حزيران) 2013 افتتحت استوديو في العاصمة الفرنسية باريس، وفرعاً ثانياً في مدينة غازي عنتاب التركية في الأول من يناير (كانون الثاني) 2014، وتعمل لجين ولينا الشواف مدير تنفيذي وميس قات مديرة الميديا الرقمية في قيادة مؤسسة سورية إعلامية.
وعن تجربة «روزنة» تابعت لجين حديثها قائلة: «في روزنة كان الإصرار على وجود النساء في غرفة الأخبار والإدارة على أساس الكفاءة، اليوم تحقق بوجود خبرات من الصحافيات المتميزات واستطعنا تحقيق هذا التوازن»، فالحرب رغم تأثيراتها السلبية خلقت فرصة لإفساح المجال للصحافيات في التغطية الإعلامية داخل مناطق الصراع وعلى خطوط التماس، «يمكن القول إن تجربة المواطن الصحافي التي تعززت بسوريا كان لها أثر كبير في انخراط العديد من النساء ضمن المجال الإعلامي، وبالمقارنة قبل 2011 يمكن ملاحظة هذا الأثر بشكل واضح».
وترى أن وجود نساء إعلاميات ومراسلات يعملنّ في التغطية الميدانية، ساهم في إيصال واقع إيجابي داعم للنساء على الأرض، بدلاً من تقديم صور الانتهاكات المستمرة ضدهن بشكل نمطي، «فحساسية النساء تجاه الخبر ونقله له ميزة أخرى لأنها أكثر فهماً بما تعانيه من كافة النواحي»، وتتبنى مؤسستها «روزنة إف إم» استراتيجية وسياسية تحرير حيادية وتبتعد عن الأخبار المزيفة، وأضافت: «الخبز الصحيح ومن مصادر متطابقة شعار وهوية للعمل، بدل أخبار عاجلة التي يمكن أن تكلف المؤسسة سمعتها».
واختتمت لجين حاج يوسف حديثها لتقول: «بعد 2020 تحول الإعلام إلى (إعلام رقمي): لكن سيزداد التحدي الذي يواجه المؤسسات مع التحول نحو الإعلام الرقمي، وهو تحدٍ كبير سيواجه المؤسسات الكبيرة قبل الصغيرة»، ويضعها أمام تحديات على مستويات مختلفة: «سواء كانت متعلقة بالمحتوى أو التمويل أو الوصول للجمهور أو الكفاءات الإعلامية»، على حد تعبيرها.

بين فكي الاحتلال والانقسام
عام 2014 وخلال ذروة أجواء العدوان الإسرائيلي التي كان يعيشها قطاع غزة، بدأت الصحافية الشابّة نفين إسليم عملها كمراسلة تلفزيونية من قلب الأحداث الساخنة. ومنذ ذلك الحين أدركت أنّ عليها تحمل الكثير من التحديات، لتكون قادرة على إثبات وجودها في ساحة عملٍ مجتمعها «محافظ»، وتضج دائماً بالأحداث المتوترة.
تقول في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر بداية ساهم في إكسابي قدرات خاصّة، مكنتني من تجاوز العقبات، ودفعتني نحو الاستمرار في الظهور ضمن التغطيات الساخنة التالية للعدوان إلى أن وصلت لمسيرات العودة التي اندلعت على حدود غزة، واستمرت لأكثر من عام ونصف، وقمعتها إسرائيل بوسائل مختلفة»، شارحة أنّ الأخطار التي تواجهها كصحافية تتعدى الاحتلال، وتصل لحالة الانقسام الداخلي، الذي يزيد من الانتهاكات الميدانية، التي تطال حرية العمل والرأي، على حد وصفها.
وعلى صعيدها الشخصي، تسرد إسليم التي تعمل في فضائية «الغد» أنّها واجهت صعوبات أخرى تتمثل، بنظرة المجتمع الذي يستنكر أحياناً فكرة غياب الصحافية عن البيت لأيامٍ طويلة خلال الأوقات الساخنة، ويرفض كذلك أمر وجودها في أماكن الخطر والنزاعات، وتروي أنّها تعاني أيضاً من الحالة النفسية الصعبة التي تمرّ بها، كلما تعايشت مع أجواء القصص الإنسانية الصعبة، التي تحرص دائماً على أن تُفرد لها مساحات خاصّة، في أصول عملها.
«في التقارير التلفزيونية التي أعدها، أحاول دائماً أن أمنح مساحة خاصّة للنساء، لأتمكن من إبراز جوانب حيواتهنَ المتنوعة»، تردف، مبيّنة أنّه ورغم ذلك، فهي ترى أنّ الإعلام الفلسطيني بشكلٍ عام ما زال مقصراً في اهتمامه بالقضايا النسوية، حيث تبرز المرأة في تغطيته ضمن تواريخ ومناسبات محددة.
الصحافية في «شبكة نوى النسوية» آلاء أبو عيشة، توضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ الصحافيات الفلسطينيات، عانينَ على مدار سنوات طويلة، من الانتهاكات الإسرائيلية المختلفة، التي ترمي للنيل من الرسالة الإعلامية الوطنية تماماً كما عانى زملاؤهم الصحافيون الرجال، قائلة: «رغم تلك المعيقات، فإنّ الصحافيات بشكلٍ عام، أبدين في المناسبات المختلفة وأوقات الأزمات، أداءً مميزاً شمل تغطية كلّ تفاصيل الأحداث، من مواقعها الأكثر سخونة وتوتراً، وأيضاً أظهرن تميزاً كبيراً في إيصال الرسالة الإعلامية بعيداً عن القوالب الإخبارية الجامدة، وكتبن عن فلسطين ومأساتها: شهداؤها وأسراها وجرحاها، بأساليب إنسانية استقطبت التعاطف الدولي».
ومضت تحكي عن المكانة التي تحظى بها الصحافيات في الوسطين المحلي والعربي، فقالت: «كثيرات هن الزميلات اللاتي استطعن إيجاد موطئ قدمٍ لهن في إدارات بعض الوسائل الإعلامية، ذلك رغم الثقافة الذكورية التي تمنح الرجال غالباً نصيباً أكبر لدى الحديث عن المناصب الإدارية وأماكن صنع القرار في المؤسسات الإعلامية»، مطالبة بإعطاء الصحافيات فرصة أكبر في إطار قيادة المشهد الإعلامي الفلسطيني وإثبات جدارتهن في ذلك.

التنميط والتهميش...
أجمع خبراء إعلام في مصر على أن «التنميط، والتهميش، والأمومة، تحديات غير مهنية تواجه الصحافيات المصريات»، مؤكدين أن «المرأة مُنفذ جيد للسياسات الإعلامية؛ لكنها حتى الآن ليست راسمة لها»؛ إلا أنهم في الوقت نفسه أشاروا إلى «وجود نماذج جديدة وتجارب ناجحة لنساء في الإعلام حالياً، لكن تحتاج لتسليط الضوء عليها».
فعلى مدار ما يقرب من قرن اختبرت صناعة الصحافة والإعلام بمصر المرأة، كناشرة، ومؤسسة صحف ومجلات، ورئيسة للتلفزيون والإذاعة، حتى وصلت لمنصب وزير الإعلام؛ لكن تراجع دور الإعلام، ومعه تراجع دور المرأة في قيادته.
«تجربة المرأة المصرية في مجال الإعلام والصحافة (ميزتها) عن باقي الدول العربية، ودول العالم»، على حد قول الإعلامية، منى سلمان، إن «مصر عرفت القيادة النسائية في مجال الإعلام منذ بدايات القرن الماضي، فكان بمصر مجلة سياسية مهمة أنشأتها فاطمة اليوسف عام 1925 (وهي مجلة روز اليوسف بمصر)، وأيضاً هناك درية شفيق التي قدمت مفهوماً مختلفاً وسابقاً للصحافة النسائية في الأربعينيات من القرن الماضي، وكانت قيادات التلفزيون منذ إنشائه عام 1960 نسائية، وتعد تماضر توفيق، أول رئيسة للتلفزيون»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «التلفزيون كان نموذجاً، وحالة مختلفة لقياداته النسائية على مدى عقود».
«ورغم الدور القيادي للمرأة المصرية في الإعلام سابقاً؛ فإن المجتمع الآن أصبح أقل ليبرالية عما كان عليه في بداية القرن العشرين»، بحسب الدكتور أيمن منصور ندا، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما حدث في بداية القرن العشرين لم يكن استثناء، فمجلة (روز اليوسف) نشأت مع ظهور الحركة النسوية، وتوافقت مع الفترة الليبرالية بمصر (1919 - 1952)، وكانت هناك نماذج مماثلة لريادة المرأة في المسرح والسينما والأدب والثقافة وغيرها»، مضيفاً: أن «المجتمع الآن (متحفظ) أكثر مما كان عليه من 100 سنة، ونظرة المثقفين للمرأة أقل ليبرالية عما كانت عليه، لذلك لا نتوقع بروز دور القيادات النسائية في ظل مجتمع لا يؤمن بهذا الدور أصلاً - على حد قوله -»، مشيراً إلى أن «وضع المرأة لم ولن يتغير، ما لم تتغير الصورة الذهنية عن دورها في الإعلام، فحتى الآن المرأة متلقٍ في مجال الإعلام». فيما تؤكد منى سلمان «تراجع دور المرأة المصرية في الإعلام مقارنة بدورها قبل 100 عام».
على أرض الواقع يهيمن الرجل على المشهد الإعلامي المصري، وعلى مستوى الصحف اليومية القومية والخاصة، باستثناء رئاسة المرأة لتحرير بعض المجلات والإصدارات الخاصة بالمرأة في بعض المجلات، والدوريات ربع السنوية، وبعض المواقع الإلكترونية الخاصة مثل «ولاد البلد» و«المنصة»، رغم أن المرأة استطاعت في السابق الوصول لمنصب وزير الإعلام، الذي تولته الدكتورة درية شرف الدين من منتصف 2013 ولمدة عام.
فاطمة فرج، مؤسس موقع «ولاد البلد»، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم وجود المرأة في غرف الأخبار؛ فإن وجودها القيادي ضعيف، ويحتاج لتوازن أفضل»، مشيرة إلى أن «هناك نماذج جديدة وتجارب ناجحة لنساء في الإعلام حالياً؛ لكنها تحتاج لتسليط الضوء عليها، وعدم الاكتفاء بالاحتفاء بالماضي».
وعلى مدار عقود كانت هناك محاولات لتنميط دور المرأة، وقصره على المهام والموضوعات الخاصة بالمرأة والطفل، فإن الإعلامية المصرية كانت دائماً ما تسعى لكسر هذه القوالب، وهو ما فعلته الصحافية الاستقصائية صفاء صالح، التي غطت الحروب والنزاعات الأخيرة في اليمن والعراق وليبيا وسوريا. وقالت صفاء صالح لـ«الشرق الأوسط» إنها «كانت تواجه نظرات دهشة من زملائها الذكور لتغطيتها مناطق نزاعات خطرة؛ لكن على الأرض كونها امرأة كان يحقق لها ميزة في بعض المجتمعات القبلية التي تشعر بالتعاطف معها وتحاول مساعدتها».
في السياق نفسه، ترى فاطمة فرج أن «محاولات كسر الصورة النمطية ترتبط بتوفر الميزانيات، والأمر ينطبق على الرجال والنساء معاً، في ظل ضعف الميزانيات المخصصة للتطوير، ولإرسال مراسلين حربيين مثلاً»، مشيرة إلى أن «تعزيز دور المرأة مرتبط بمناقشتها القضايا العامة لتقديم نفسها كإعلامية وليس كناشطة نسوية».
وتنقل منى سلمان، عن رئيسة تحرير إحدى الصحف الغربية، قولها إنه «إذا كان المطلوب من رئيس التحرير الرجل، أن يصدر الصحيفة بشكل يومي، فالمطلوب مني كامرأة أن أنقذ مهنة الصحافة»، موضحة أن «المرأة مطالبة بأن تثبت أنها (خارقة) في العمل والمنزل كأم، وهذا يأتي على حساب صحتها واستقرارها النفسي».



حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».