صحافيات العالم العربي... تحديات ومعوّقات أمنية وجندريّة

«صناعة الإعلام» اختبرت المرأة كناشرة ومؤسسة مجلات

الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك
الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك
TT

صحافيات العالم العربي... تحديات ومعوّقات أمنية وجندريّة

الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك
الصحافية المصرية صفاء صالح وهي تغطي المعارك

منذ انزلقت سوريا إلى الحرب الأهلية قبل ثماني سنوات، أصبح الجانب الرقابي الأمني هو أحد أبرز التحديات والمخاطر التي تواجه الإعلاميات والإعلاميين طوال فترات عملهم، وخاصة أنه تعزز بشكل أكبر بعد 2011.
فالمشاق التي تواجه العاملات في مجال الإعلام متعددة وصعبة إلى درجة أن الصحافة وصفته بأنه «مهنة المتاعب»، ويجد معظم العاملين في المهنة أن الوصول إلى قمة الهرم الوظيفي الإعلامي مهمة شبه مستحيلة لا يبلغها إلا القليلون، ومع ذلك، فإن التحديات التي تواجهها المرأة في مجال العمل الإعلامي تتضاعف أحياناً فوق تلك التي يواجهها الرجال؛ الأمر الذي أوصل عدداً قليلاً فقط من النساء إلى المراكز القيادية الإعلامية حتى في الدول الغربية. هذا ليس حال الصحافيات السوريات فقط، بل أخريات في مناطق النزاع كالصحافيات الفلسطينيات. قد تختلف معاناة صحافيات سوريا عن تلك في مصر، على سبيل المثال، إلا أن التحديات لا تزال موجودة وتشكل عوائق على النساء في مهنة المتاعب، أكثر من الرجال.
في عام 2018 وعندما كانت الإعلامية السورية لجين حاج يوسف تغطي قضايا النساء المهاجرات من دول الشرق الأوسط والتحرش الجنسي الذي طال قريناتها النساء السوريات، لم تكن تعلم أنها ستحصل على جائزة «الإعلام المعني بالهجرة» نهاية العام نفسه لتغطيتها الصحافية، وهي مكافأة التميز للأهمية الإخبارية بدعم من الاتحاد الأوروبي. تعمل لجين خبيرة جندرية وقامت بعدد من الدورات الصحافية المختصة بقضايا المرأة والتمكين المجتمعي، وشاركت مع منظمة اليونيسكو التابعة لهيئة الأمم المتحدة في ورشات لصياغة النظام الداخلي المراعية للنوع الاجتماعي بالمؤسسات الإعلامية، إلى جانب صياغة السياسات الإعلامية المتخصصة في شؤون الهجرة بدعم من مفوضية الاتحاد الأوروبي و«المركز الإعلامي المفتوح».
لدى حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، وعن أهمية تغطية قضايا مثل هذه في ظل استمرار الحرب في بلدها ودول الشرق الأوسط، قالت: «من المعروف أن النساء والأطفال من أكثر الفئات هشاشة في البلدان التي تعاني من النزاعات، مما يجعل اهتمام الإعلام بقضاياهم أمراً ملحاً بالدرجة الأولى»، لكنها أشارت بأن النساء: «أقوياء ولديهنّ شجاعة وشخصية وقدرة على تحمل أحلك الظروف، لكن الحروب نالت من قدرتها، سيما النزاع السوري الذي دخل عامه العاشر».
لجين المتحدرة من العاصمة السورية دمشق، حاصلة على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة من جامعة دمشق، عملت قبل 2011 كمعدة ومقدمة برامج في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون السوري الحكومي. وتشغل اليوم منصب رئيس التحرير في «مؤسسة روزنة للإعلام» منذ عام 2014. كما أسست مع الفريق التحريري أول غرفة أخبار مدمجة في الإعلام لكادر موزع بين ثلاث دول: الداخل السوري وتركيا وفرنسا، وتدير حالياً مشروع المرأة المدعوم من برنامج المرأة - الأمم المتحدة منذ بداية عام 2019.
مؤسسة روزنة تحمل شعار «إذاعة حرة... مهنية عالية»، انطلقت منتصف عام 2012 لتبث أثيرها عبر موقعها الإلكتروني بالعام نفسه، وفي يونيو (حزيران) 2013 افتتحت استوديو في العاصمة الفرنسية باريس، وفرعاً ثانياً في مدينة غازي عنتاب التركية في الأول من يناير (كانون الثاني) 2014، وتعمل لجين ولينا الشواف مدير تنفيذي وميس قات مديرة الميديا الرقمية في قيادة مؤسسة سورية إعلامية.
وعن تجربة «روزنة» تابعت لجين حديثها قائلة: «في روزنة كان الإصرار على وجود النساء في غرفة الأخبار والإدارة على أساس الكفاءة، اليوم تحقق بوجود خبرات من الصحافيات المتميزات واستطعنا تحقيق هذا التوازن»، فالحرب رغم تأثيراتها السلبية خلقت فرصة لإفساح المجال للصحافيات في التغطية الإعلامية داخل مناطق الصراع وعلى خطوط التماس، «يمكن القول إن تجربة المواطن الصحافي التي تعززت بسوريا كان لها أثر كبير في انخراط العديد من النساء ضمن المجال الإعلامي، وبالمقارنة قبل 2011 يمكن ملاحظة هذا الأثر بشكل واضح».
وترى أن وجود نساء إعلاميات ومراسلات يعملنّ في التغطية الميدانية، ساهم في إيصال واقع إيجابي داعم للنساء على الأرض، بدلاً من تقديم صور الانتهاكات المستمرة ضدهن بشكل نمطي، «فحساسية النساء تجاه الخبر ونقله له ميزة أخرى لأنها أكثر فهماً بما تعانيه من كافة النواحي»، وتتبنى مؤسستها «روزنة إف إم» استراتيجية وسياسية تحرير حيادية وتبتعد عن الأخبار المزيفة، وأضافت: «الخبز الصحيح ومن مصادر متطابقة شعار وهوية للعمل، بدل أخبار عاجلة التي يمكن أن تكلف المؤسسة سمعتها».
واختتمت لجين حاج يوسف حديثها لتقول: «بعد 2020 تحول الإعلام إلى (إعلام رقمي): لكن سيزداد التحدي الذي يواجه المؤسسات مع التحول نحو الإعلام الرقمي، وهو تحدٍ كبير سيواجه المؤسسات الكبيرة قبل الصغيرة»، ويضعها أمام تحديات على مستويات مختلفة: «سواء كانت متعلقة بالمحتوى أو التمويل أو الوصول للجمهور أو الكفاءات الإعلامية»، على حد تعبيرها.

بين فكي الاحتلال والانقسام
عام 2014 وخلال ذروة أجواء العدوان الإسرائيلي التي كان يعيشها قطاع غزة، بدأت الصحافية الشابّة نفين إسليم عملها كمراسلة تلفزيونية من قلب الأحداث الساخنة. ومنذ ذلك الحين أدركت أنّ عليها تحمل الكثير من التحديات، لتكون قادرة على إثبات وجودها في ساحة عملٍ مجتمعها «محافظ»، وتضج دائماً بالأحداث المتوترة.
تقول في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»: «الأمر بداية ساهم في إكسابي قدرات خاصّة، مكنتني من تجاوز العقبات، ودفعتني نحو الاستمرار في الظهور ضمن التغطيات الساخنة التالية للعدوان إلى أن وصلت لمسيرات العودة التي اندلعت على حدود غزة، واستمرت لأكثر من عام ونصف، وقمعتها إسرائيل بوسائل مختلفة»، شارحة أنّ الأخطار التي تواجهها كصحافية تتعدى الاحتلال، وتصل لحالة الانقسام الداخلي، الذي يزيد من الانتهاكات الميدانية، التي تطال حرية العمل والرأي، على حد وصفها.
وعلى صعيدها الشخصي، تسرد إسليم التي تعمل في فضائية «الغد» أنّها واجهت صعوبات أخرى تتمثل، بنظرة المجتمع الذي يستنكر أحياناً فكرة غياب الصحافية عن البيت لأيامٍ طويلة خلال الأوقات الساخنة، ويرفض كذلك أمر وجودها في أماكن الخطر والنزاعات، وتروي أنّها تعاني أيضاً من الحالة النفسية الصعبة التي تمرّ بها، كلما تعايشت مع أجواء القصص الإنسانية الصعبة، التي تحرص دائماً على أن تُفرد لها مساحات خاصّة، في أصول عملها.
«في التقارير التلفزيونية التي أعدها، أحاول دائماً أن أمنح مساحة خاصّة للنساء، لأتمكن من إبراز جوانب حيواتهنَ المتنوعة»، تردف، مبيّنة أنّه ورغم ذلك، فهي ترى أنّ الإعلام الفلسطيني بشكلٍ عام ما زال مقصراً في اهتمامه بالقضايا النسوية، حيث تبرز المرأة في تغطيته ضمن تواريخ ومناسبات محددة.
الصحافية في «شبكة نوى النسوية» آلاء أبو عيشة، توضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ الصحافيات الفلسطينيات، عانينَ على مدار سنوات طويلة، من الانتهاكات الإسرائيلية المختلفة، التي ترمي للنيل من الرسالة الإعلامية الوطنية تماماً كما عانى زملاؤهم الصحافيون الرجال، قائلة: «رغم تلك المعيقات، فإنّ الصحافيات بشكلٍ عام، أبدين في المناسبات المختلفة وأوقات الأزمات، أداءً مميزاً شمل تغطية كلّ تفاصيل الأحداث، من مواقعها الأكثر سخونة وتوتراً، وأيضاً أظهرن تميزاً كبيراً في إيصال الرسالة الإعلامية بعيداً عن القوالب الإخبارية الجامدة، وكتبن عن فلسطين ومأساتها: شهداؤها وأسراها وجرحاها، بأساليب إنسانية استقطبت التعاطف الدولي».
ومضت تحكي عن المكانة التي تحظى بها الصحافيات في الوسطين المحلي والعربي، فقالت: «كثيرات هن الزميلات اللاتي استطعن إيجاد موطئ قدمٍ لهن في إدارات بعض الوسائل الإعلامية، ذلك رغم الثقافة الذكورية التي تمنح الرجال غالباً نصيباً أكبر لدى الحديث عن المناصب الإدارية وأماكن صنع القرار في المؤسسات الإعلامية»، مطالبة بإعطاء الصحافيات فرصة أكبر في إطار قيادة المشهد الإعلامي الفلسطيني وإثبات جدارتهن في ذلك.

التنميط والتهميش...
أجمع خبراء إعلام في مصر على أن «التنميط، والتهميش، والأمومة، تحديات غير مهنية تواجه الصحافيات المصريات»، مؤكدين أن «المرأة مُنفذ جيد للسياسات الإعلامية؛ لكنها حتى الآن ليست راسمة لها»؛ إلا أنهم في الوقت نفسه أشاروا إلى «وجود نماذج جديدة وتجارب ناجحة لنساء في الإعلام حالياً، لكن تحتاج لتسليط الضوء عليها».
فعلى مدار ما يقرب من قرن اختبرت صناعة الصحافة والإعلام بمصر المرأة، كناشرة، ومؤسسة صحف ومجلات، ورئيسة للتلفزيون والإذاعة، حتى وصلت لمنصب وزير الإعلام؛ لكن تراجع دور الإعلام، ومعه تراجع دور المرأة في قيادته.
«تجربة المرأة المصرية في مجال الإعلام والصحافة (ميزتها) عن باقي الدول العربية، ودول العالم»، على حد قول الإعلامية، منى سلمان، إن «مصر عرفت القيادة النسائية في مجال الإعلام منذ بدايات القرن الماضي، فكان بمصر مجلة سياسية مهمة أنشأتها فاطمة اليوسف عام 1925 (وهي مجلة روز اليوسف بمصر)، وأيضاً هناك درية شفيق التي قدمت مفهوماً مختلفاً وسابقاً للصحافة النسائية في الأربعينيات من القرن الماضي، وكانت قيادات التلفزيون منذ إنشائه عام 1960 نسائية، وتعد تماضر توفيق، أول رئيسة للتلفزيون»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «التلفزيون كان نموذجاً، وحالة مختلفة لقياداته النسائية على مدى عقود».
«ورغم الدور القيادي للمرأة المصرية في الإعلام سابقاً؛ فإن المجتمع الآن أصبح أقل ليبرالية عما كان عليه في بداية القرن العشرين»، بحسب الدكتور أيمن منصور ندا، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام جامعة القاهرة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما حدث في بداية القرن العشرين لم يكن استثناء، فمجلة (روز اليوسف) نشأت مع ظهور الحركة النسوية، وتوافقت مع الفترة الليبرالية بمصر (1919 - 1952)، وكانت هناك نماذج مماثلة لريادة المرأة في المسرح والسينما والأدب والثقافة وغيرها»، مضيفاً: أن «المجتمع الآن (متحفظ) أكثر مما كان عليه من 100 سنة، ونظرة المثقفين للمرأة أقل ليبرالية عما كانت عليه، لذلك لا نتوقع بروز دور القيادات النسائية في ظل مجتمع لا يؤمن بهذا الدور أصلاً - على حد قوله -»، مشيراً إلى أن «وضع المرأة لم ولن يتغير، ما لم تتغير الصورة الذهنية عن دورها في الإعلام، فحتى الآن المرأة متلقٍ في مجال الإعلام». فيما تؤكد منى سلمان «تراجع دور المرأة المصرية في الإعلام مقارنة بدورها قبل 100 عام».
على أرض الواقع يهيمن الرجل على المشهد الإعلامي المصري، وعلى مستوى الصحف اليومية القومية والخاصة، باستثناء رئاسة المرأة لتحرير بعض المجلات والإصدارات الخاصة بالمرأة في بعض المجلات، والدوريات ربع السنوية، وبعض المواقع الإلكترونية الخاصة مثل «ولاد البلد» و«المنصة»، رغم أن المرأة استطاعت في السابق الوصول لمنصب وزير الإعلام، الذي تولته الدكتورة درية شرف الدين من منتصف 2013 ولمدة عام.
فاطمة فرج، مؤسس موقع «ولاد البلد»، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم وجود المرأة في غرف الأخبار؛ فإن وجودها القيادي ضعيف، ويحتاج لتوازن أفضل»، مشيرة إلى أن «هناك نماذج جديدة وتجارب ناجحة لنساء في الإعلام حالياً؛ لكنها تحتاج لتسليط الضوء عليها، وعدم الاكتفاء بالاحتفاء بالماضي».
وعلى مدار عقود كانت هناك محاولات لتنميط دور المرأة، وقصره على المهام والموضوعات الخاصة بالمرأة والطفل، فإن الإعلامية المصرية كانت دائماً ما تسعى لكسر هذه القوالب، وهو ما فعلته الصحافية الاستقصائية صفاء صالح، التي غطت الحروب والنزاعات الأخيرة في اليمن والعراق وليبيا وسوريا. وقالت صفاء صالح لـ«الشرق الأوسط» إنها «كانت تواجه نظرات دهشة من زملائها الذكور لتغطيتها مناطق نزاعات خطرة؛ لكن على الأرض كونها امرأة كان يحقق لها ميزة في بعض المجتمعات القبلية التي تشعر بالتعاطف معها وتحاول مساعدتها».
في السياق نفسه، ترى فاطمة فرج أن «محاولات كسر الصورة النمطية ترتبط بتوفر الميزانيات، والأمر ينطبق على الرجال والنساء معاً، في ظل ضعف الميزانيات المخصصة للتطوير، ولإرسال مراسلين حربيين مثلاً»، مشيرة إلى أن «تعزيز دور المرأة مرتبط بمناقشتها القضايا العامة لتقديم نفسها كإعلامية وليس كناشطة نسوية».
وتنقل منى سلمان، عن رئيسة تحرير إحدى الصحف الغربية، قولها إنه «إذا كان المطلوب من رئيس التحرير الرجل، أن يصدر الصحيفة بشكل يومي، فالمطلوب مني كامرأة أن أنقذ مهنة الصحافة»، موضحة أن «المرأة مطالبة بأن تثبت أنها (خارقة) في العمل والمنزل كأم، وهذا يأتي على حساب صحتها واستقرارها النفسي».



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».