رحيل ماكس فون سيدو... وجه السينما السويدية الأول

عكس الطيبة والشر بعفوية مرعبة

ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»
ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»
TT

رحيل ماكس فون سيدو... وجه السينما السويدية الأول

ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»
ماكس فون سيدو في «3 أيام من الكوندور»

لم يحظ ماكس فون سيدو الذي توفي يوم الأحد الماضي عن 90 سنة، بالقدر الذي يستحقه بين روّاد وهواة السينما في العالم العربي، وفي بعض أنحاء العالم المحيط أيضاً. لكن من واكب أعماله في أفلام إنغمار برغمن، أو في أفلامه الأميركية وجد نفسه أمام ممثل ليس من السهل مقارنته بسواه.
كان سيستقبل عاماً جديداً من حياته في العاشر من أبريل (نيسان) لو عاش، لكنه إذ مضى فإن ما خلفه من أعمال (123 أداء في السينما و36 دوراً على شاشة التلفزيون) يبقى دلالة على موهبة جذبت إليه جمهوراً غربياً كبيراً تابعه من مرحلة إلى أخرى من دون كلل، وصولاً إلى السنوات القريبة الأخيرة، حيث شاهدناه في جولة من الأفلام الشائعة مثل «ستار وورز: القوّة تستيقظ»، و«فلاش غوردون»، و(المسلسل التلفزيوني) «لعبة العروش».
بعضنا يستغرب كيف يمكن لممثل بقيمة من أبدع تحت مظلة المخرج السويدي الكبير إنغمار برغمن أن يلجأ إلى أدوار في أفلام ليست من الركب ذاته، لكن فون سيدو كان نوعاً من التأكيد على أن الممثل هو بجودة ما يؤديه وليس مسؤولاً عن جودة العمل الذي يشترك فيه.

ملحمة
لم يولد هذا الممثل السويدي وفي فمه ملعقة الفن، لكنه انجذب إليه في سنوات المراهقة واعتلى منصة المسرح أولاً خلال وبعد دراسة التمثيل في مطلع الأربعينات.
بدأ التمثيل للسينما بفيلمين من إخراج ألف سيوبيرغ (أحد كبار مخرجي السينما السويدية في فترة ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية)، هما «الأم فقط» (1949) و«مس جولي» (1951). وبعد ثلاثة أفلام أخرى وجد نفسه يقود بطولة فيلم «الختم السابع» الذي كان أول تعاون له مع إنغمار برغمن. الأول من بين أحد عشر فيلماً معاً جعلته وبرغمن كما لو كانا توأمين بملامح مختلفة. واحد وراء الكاميرا والآخر أمامها، وكل منهما يتمم الآخر.
في تجربته الأولى تلك تحت إدارة برغمن مثّل فون سيدو شخصية رجل يبحث عن إجابات وجودية وروحانية في زمن انتشر فيه وباء الطاعون. يلاعب ملك الموت (قام به بنت إكروت) الشطرنج لعله يربح جولته ضده. طريقة تجسيده الشخصية بمشاعر داكنة تلتقي مع تصوير الفيلم بالأبيض والأسود.
في العام ذاته ظهر في Wild Strawberries إلى جانب بيبي أندرسن وإنغريد ثولين، ممثلتان ظهرا معه لاحقاً أكثر من مرّة. له دور صغير هنا لأن الشخصية المحورية لسواه. لكن فون سيدو عاد لدور البطولة في لقائه الثالث مع برغمن سنة 1958 في فيلم «الساحر» (The Magician) ، حيث لعب شخصية ساحر مسرحي جوّال مع فرقته يدخل في أزمة مع السلطات (في القرن التاسع عشر) ويعرف كيف يخرج منها منتصراً.
في العام نفسه قدّم برغمن فيلماً آخر هو «حافة حياة» مع بيبي أندرسن وإيفا دولبك وإنغريد ثولين في البطولة (كون الفيلم يتحدث عنهن). سيدو هو زوج ثولين في هذا الفيلم.
أفلامه اللاحقة قرّبته أكثر فأكثر إلى هاجس الأدوار المتميّزة بحضوره. هذا بدأ فعلياً بفيلم عنوانه «ساعة الذئب» واستمر ممعناً في تجسيده الشخصيات الصعبة التي تعاني من هواجسها المتعددة في «عار» (Shame) و«شغف آنا» (The Passion of Anna) و«اللمسة» (The Touch) الذي كان، في سنة 1971. آخر عناقيد تلك المرحلة.

بين قارّتين
لكن لم يكن كل شيء في عالمه هو برغمني التوجه والبذل. صحيح أنه، ومنذ بدايته في التمثيل للسينما وحتى سنة 1965، رفض عروضاً أميركية وجهها إليه عدد من المخرجين الذين رغبوا في إسناد أدوار مخصصة له، إلا أن الرجل عاد فقرر التوقف عن الممانعة والانتقال بموهبته من تحت مظلة برغمن ذات المشاهد الممعنة بالحوار الداخلي، إلى تلك التي تتطلب نوعاً آخر من الجهد مساق ضمن خيارات سردية عديدة ومعالجات أكثر عدداً.
وجده المخرجون الذين رغبوا فيه بأفلامهم الممثل الذي يستطيع بنظرة واحدة وبكلمات قليلة منح الفيلم الذي يقوم بتمثيله قيمة إضافية، كما الوجه الذي يستطيع أن يعكس الخير والشر بمستوى جيد واحد. في عام 1965 وافق على التمثيل في فيلم أميركي لأول مرّة.
هذا الفيلم كان ملحمة دينية من إخراج جورج ستيڤنز بعنوان «أعظم قصة رُويت» (The Greatest Story Ever Told) ، حيث مثل شخصية المسيح.
الفيلم الأميركي الثاني له جاء بعد عام واحد كما لو أنه اكتشف رغبة دفينة في التنويع. «هاواي» لجورج روي هيل (الذي لديه أفلام أشهر من بينها The Sting وButch Cassidy and the Sundance Kidd) كان عملاً جيداً بحد ذاته ولو لم يلق النجاح الذي كان يستحقه ودور فون سيدو فيه من أبرز معالمه: هو مبشر يصل وزوجته إلى هاواي في قرن مبكر مضى لكي ينشر الديانة المسيحية هناك، لكن الأحداث التي تقع لهما توعز له أن المسألة لا تُبنى على النوايا وحدها.
‫بعد ذلك شوهد في «رسالة الكرملين» (1970) لجون هيوستون لاعباً دور كولونيل روسي، وبعد ثلاث سنوات وجد نفسه يعالج الأبدان التي «تلبّسها» الشيطان في فيلم ويليام فرديكن «طارد الأرواح» (The Exorcist) المنتمي بطلاقة إلى أفلام الرعب. ‬
العديد من نقاد الغرب وجدوا أن فيلم فريدكن نجح بسبب خدع بصرية للفتاة التي تتحدث بصوت ليس صوتها وتستطيع أن تلف رأسها بـ360 درجة، وترتفع من دون حبال أفقياً إلى سقف الغرفة. لكن الواقع أن شخصية فون سيدو، كراهب لديه شكوكه حول ما يؤمن به، هي التي تمنح الفيلم عمقه الوحيد.
كان الدور صعباً على معظم الممثلين ومنحه فون سيدو حضوره السابق في أفلام تطلبت منه لقاءً مع المكوّنات الروحية كما في أفلامه السابقة مع برغمن مثل «الختم السابع» و«ساعة الذئب». لكن الرعب الذي وفره فون سيدو في «ساعة الذئب» يختلف عن ذاك الذي وفره في «طارد الأرواح» اختلاف ما هو جوّاني عميق عما هو حضور ظاهر. ليس أن فون سيدو افتقد موهبته في الفيلم الأميركي، لكنه مارس ما قد يمارسه ممثل جيد آخر من أداء، في حين أنه جسد الشخصيات التي أداها تحت إدارة برغمن على نحو أكثر عمقاً وصدقاً.
الفيلم الأميركي الذي كان أفضل من سواه بالنسبة لهذا الناقد هو «ثلاثة أيام من الكوندور» لسيدني بولاك (1975) لم يكن دوره كبيراً على الإطلاق في هذا الفيلم الذي قام روبرت ردفورد ببطولته، لكن ظهوره كان طاغياً في دور قاتل يمزج الرقّة بالعنف. في المشهد الأول من ظهوره ينظر إلى امرأة من أصول جنوب - شرق آسيوية، ويقول لها بصوت هادئ ونبرة صادقة «آسف»، ثم يطلق النار عليها.
رغم ذلك، فإن من يرد البحث عن فون سيدو فعليه أن يعيد اكتشاف أفلامه السويدية وليس الأميركية. عن دوره في «نور شتوي» كرجل قليل الثقافة تائه بين خيالاته وفي «ربيع العذراء» حول الأب الذي يبحث عن وسيلة انتقام وفي «عار» عن الرجل الذي وجد نفسه فجأة بلا تلك الأخلاقيات التي اعتقد أنها موجودة في داخله ولا أحد يستطيع تغييرها.
بالنسبة لممثل لم يرد أن يفعل أي شيء آخر له علاقة بالسينما سوى التمثيل، فإن ما قدّمه طوال نحو سبعين سنة، فإن فون سيدو أنجز نجاحات لم ينجزها ممثل أوروبي آخر بصرف النظر عن العدد الكبير من المواهب الأوروبية في مجال التمثيل. وخلال أكثر من مائة فيلم تحت إبطه، برهن على أنه من السهل عنده أن يكون ممثلاً ملائكياً هنا وشريراً هناك. يعاني من آلام البحث عن معنى الحياة في فيلم ويؤدي شخصية من يملك السُلطة القاضية في فيلم آخر، وكل ذلك بمستوى مبهر واحد.
انطلق فون سيدو من أفلام برغمن وخاض أفلام هوليوود، لكنه حافظ على خطوط التواصل مع السويد مفتوحة، ولنا أن نتابع ما تركه من أرث هنا أو هناك.



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً