من الصعب احتواء موجة كساد اقتصادي بسبب «كورونا»... لماذا؟

السياسات المالية والنقدية قد تكون حجراً صحياً محتملاً

ضرب الفيروس قطاع الطيران في مقتل وبالتالي قطاع السياحة (نيويورك تايمز)
ضرب الفيروس قطاع الطيران في مقتل وبالتالي قطاع السياحة (نيويورك تايمز)
TT

من الصعب احتواء موجة كساد اقتصادي بسبب «كورونا»... لماذا؟

ضرب الفيروس قطاع الطيران في مقتل وبالتالي قطاع السياحة (نيويورك تايمز)
ضرب الفيروس قطاع الطيران في مقتل وبالتالي قطاع السياحة (نيويورك تايمز)

بمرور الوقت تزداد احتمالات أن يتسبب تفشي النمط الجديد من فيروس «كورونا» في أضرار اقتصادية ملموسة للولايات المتحدة. ويوحي الوضع العام على صعيد أسعار الأسهم والسندات بالفعل، أن تفشي فيروس «كورونا» من الممكن أن يوقف أطول فترة توسع اقتصادي مسجلة في تاريخ البلاد؛ بل وقد يدفع الاقتصاد نحو حالة من الركود.
وتبدو المخاطر أكبر عند النظر إلى حقيقة أن هذه الأزمة على وجه التحديد لا تبدو متوافقة مع أي من الأدوات المعتادة التي تستخدمها الحكومة في تحقيق استقرار على الصعيد الاقتصادي. وإذا حدث ركود فمن المحتمل أن يأتي نتيجة التنافر بين التأثيرات الاقتصادية للوباء المحتمل، والآليات التي تستخدمها الحكومة في إطار محاولاتها الحفاظ على استمرار النمو الاقتصادي.
ورغم أنه بإمكان التخفيضات التي أعلنها بنك الاحتياطي الفيدرالي في معدلات الفائدة - والتي تبدو أكثر احتمالاً الجمعة بعد البيان الذي أصدره رئيس البنك، جيروم باول - تقليص تكاليف الاقتراض ورفع أسعار الأسهم، فإنه ليس باستطاعتها استبدال السلع التي تنتجها مصانع أغلقت أبوابها الآن للحيلولة دون إصابة عامليها بفيروس «كورونا» الجديد أو «كوفيد - 19»، وما يسببه من مرض خطير في الجهاز التنفسي. ويمكن أن تحاول الحكومة ضخ مزيد من الأموال في جيوب الناس مباشرة، عبر أدوات مثل الخصومات الضريبية؛ لكن المال وحده عاجز عن ملء رفوف المتاجر الخالية.
وبخلاف القيود الطبيعية التي تواجهها أي سياسة ترمي إلى تخفيف أثر ضرر ما، ثمة خلفية اقتصادية وسياسية للحظة الراهنة: نحن أمام احتياطي فيدرالي لا يحظى بمساحة كبيرة لتقليص معدلات فائدة منخفضة بالفعل، وكونغرس منقسم على نفسه تبعاً لتحيزات حزبية، في وقت يسعى فيه رئيس إلى الفوز بإعادة انتخابه.
وإذا تخيلنا الانحسار الاقتصادي المحتمل نيراناً، فإن مكافحي هذا الانحسار يبدون كفرقة مطافئ تعاني نقصاً في الإمدادات، ويتقاتل أفرادها فيما بينهم، وربما يفتقرون إلى الكيماويات المناسبة لإطفاء النيران من الأساس.
في هذا الصدد، قال جوزيف بروسيلاس، كبير الخبراء الاقتصاديين لدى شركة «آر إس إم» للمحاسبة: «أنظر إلى مزيج من السياسات المالية والنقدية باعتبارها حجراً صحياً محتملاً، فكل ما بمقدورها فعله حقاً تخفيف أثر الصدمة على سلاسل الإمداد وتقليص التداعيات».
جدير بالذكر أن الركود الذي يجري تعريفه باعتباره تراجعاً كبيراً في النشاطات الاقتصادية يستمر لأكثر من بضعة شهور، لم يحدث في الولايات المتحدة منذ ما يزيد على 10 سنوات. وإذا حدث ركود الآن، فإن هذا يعني ارتفاع معدلات البطالة وتضاؤل الدخول. وستكون تلك فترة انحسار اقتصادي مختلفة عن جميع الفترات التي وقعت في السنوات الأخيرة.
الواضح أن لب المشكلة الاقتصادية الناجمة عن فيروس «كورونا» يتمثل في حدوث صدمة على جانب العرض أو الإمداد، بمعنى انخفاض قدرة الاقتصاد على صنع الأشياء. المعروف أن الشركات الموجودة في الصين أغلقت أبوابها لخضوع العاملين فيها إلى حجر طبي، وبالتالي فإنهم لا يصنعون سلعاً. وقد يعني ذلك نهاية الأمر حدوث نقص في مواد بعينها لا تتوفر لها سوى مصادر قليلة للغاية بمناطق أخرى من العالم.
جدير بالذكر أن الشركات متعددة الجنسيات عادة ما تعتمد على سلاسل إمداد معقدة، مع مخزونات هزيلة، وعادة ما تصل السلع الأساسية في اللحظات الأخيرة. ويعني ذلك أن الشركات الأميركية المعتمدة بشدة على جهات إمداد صينية ربما تواجه نقصاً في سلع أساسية خلال الأسابيع القادمة، حسبما ذكرت ندا ساندرز، بروفسورة إدارة سلاسل الإمداد لدى «نورث إيسترن يونيفرستي».
وأضافت: «أعتقد أننا سنكابد نقصاً هائلاً في السلع. منذ أسبوعين أخبرت الناس أن هذا الأمر سيحدث. وكانت المشكلة الكبرى أن خبراء اقتصاديين لا يدركون كيفية عمل سلاسل الإمداد العالمية، وكيف تتداخل وتتصل بعضها ببعض». وقالت إن هذه المشكلة ستؤثر على نحو خاص على قطاعي الدواء والأجهزة الإلكترونية.
من ناحية أخرى، ليس بمقدور السياسات الاقتصادية الشاملة فعل أي شيء حيال صدمات إمداد كتلك؛ لكن من الممكن أن تسفر صدمات العرض عن صدمات على جانب الطلب، وهنا يمكن للسياسات الاقتصادية المساعدة.
من ناحيتها، تشبِّه تارا سنكلير التي تدرس دورات النشاط التجاري بجامعة «جورج واشنطن»، الأمر بمتجر بقالة، فالمتجر الذي تظهر رفوفه خالية من السلع يعاني مشكلة إمداد أو عرض، بينما المتجر الذي تمتلئ رفوفه بالسلع لكن لا يوجد به عملاء يعاني مشكلة طلب. وبوجه عام، من الأسهل تعزيز الطلب على المدى القصير عن العرض على المدى القصير؛ إلا أن مشكلات العرض من الممكن أن تمتد وتصبح مشكلات طلب، والعكس صحيح.
عن هذا، قالت سنكلير: «إذا كان المتجر خالياً من المنتجات، فإن الناس لن يرتادوا المتاجر بعد ذلك، وسيخسرون وظائفهم، ويعجزون عن شراء أي شيء. هذا هو موطن المخاطرة هنا».
على سبيل المثال، في بعض أجزاء إيطاليا التي تفشى فيها الوباء، تعطلت مظاهر الحياة اليومية، وتباطأت وتيرة السياحة، وأصبحت المطاعم والمتاجر خالية مع سعي الناس لتجنب التعرض للفيروس. ومن الممكن أن يسفر ذلك عن تراجع دخول العاملين في مثل تلك المطاعم والمتاجر، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى مزيد من التراجع في الطلب على جميع المنتجات، ليلحق بذلك الضعف بالاقتصاد بوجه عام.
وبالمثل، يمكن أن تصاب الشركات بالإفلاس إذا ما تجمدت الحركة داخل الأسواق المالية، ويتعذر على الشركات الحصول على اعتمادات، ما يعني أن الشركات القوية ربما ينتهي بها الحال إلى تسريح عمالة أو إغلاق أبوابها.
في هذه الحالة، لن تكون مهمة السياسات الاقتصادية حل الصدمة التي أصابت جانب العرض أو الإمداد، وإنما محاولة الحيلولة دون تحول هذه الصدمة الأولية في جانب العرض إلى صدمة أخرى على جانب الطلب.
وعليه، فإنه على سبيل المثال يمكن أن تعرض الحكومات تخفيضات ضريبية واسعة النطاق، أو مدفوعات مباشرة للعمال الذين يعانون البطالة. وبإمكان الاحتياطي الفيدرالي في ظل انخفاض معدلات الفائدة، العمل على ضمان استمرار تدفق التمويل. ومن الممكن أن تتيح هذه الإجراءات للمستهلكين والشركات المساحة اللازمة للتفكير في كيفية التصرف، رغم المشكلات التي يواجهونها.
إلا أن هذا لا يشكل التحدي الوحيد، ذلك أنه إذا انتشر فيروس «كورونا» على نطاق واسع في الولايات المتحدة، وقرر المسؤولون فرض مناطق حجر صحي، فإن التأثير الاقتصادي المترتب على ذلك سيكون من الصعب على الخبراء الاقتصاديين إيجاد سبيل لمواجهته ـ فما الذي يمكن أن يحدث لاقتصاد خدمي إذا عجز الناس عن التنقل أو التسوق، أو حتى الذهاب إلى العمل بسلامة وأمان؟ الإجابة: لا أحد يعلم على وجه اليقين.
وربما تكون المقاربة الأقرب هنا ما حدث في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية، عندما تعطل الطيران الجوي على نحو مؤقت، ومع هذا لم يمنع الغالبية العظمى من الأميركيين من الذهاب إلى أعمالهم. أما في ظل مثل تلك السيناريوهات الأشد قتامة، تبقى حقيقة ما سيحدث على أرض الواقع مفتوحة على شتى الاحتمالات.
من ناحيتها، قالت سنكلير: «هناك كثير من الأسباب التي تدعو للاعتقاد بأننا لا نملك كثيراً من الأدوات في مواجهة هذا الأمر. إنها قضية تتعلق أكثر بجانب العرض، وليس بإمكاننا فعل الكثير لتحفيز العرض. وإذا ما امتدت إلى جانب الطلب، فسيصبح هذا اختباراً حقيقياً لما إذا كان لدى الاحتياطي الفيدرالي أي قوة حقيقية باقية، وما إذا كانت لدينا شهية تجاه نمط المحفزات المالية المؤثرة». بمعنى آخر: سيكون هذا اختباراً لمدى قدرات السلطات المعنية بالصحة العامة على احتواء الفيروس؛ بحيث لا نفرض على المؤسسات الاقتصادية عبئاً مفرطاً.
- خدمة «نيويورك تايمز»



ماليزيا ترفع حجم الدعم الحكومي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط

منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
TT

ماليزيا ترفع حجم الدعم الحكومي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط

منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)
منظر عام لناطحات سحاب في العاصمة الماليزية كوالالمبور (رويترز)

أعلن رئيس وزراء ماليزيا، أنور إبراهيم، الأحد، أن الحكومة رفعت حجم الدعم المالي من نحو 700 مليون رينغيت (177.7 مليون دولار) إلى 3.2 مليار رينغيت (0.81 مليار دولار) خلال أقل من أسبوع، في أعقاب الارتفاع الكبير بأسعار النفط العالمية الناجم عن الصراع في غرب آسيا.

وقال أنور إبراهيم: «إن حماية رفاهية المواطنين والتجار تبقى أولوية للحكومة في ظل حالة عدم اليقين»، مبيناً أن الدعم يتيح للماليزيين دفع أقل من أسعار السوق الكاملة.

وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط مرتبط بتعطل مضيق هرمز، وهو من الطرق الرئيسية لنقل النفط العالمي، مشيراً إلى أن ماليزيا - رغم أنها دولة منتجة للنفط - تتأثر بالأزمة؛ لأنها تستورد كميات نفط أكبر مما تصدر.


العالم يواجه أزمة حادة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الخليجية

حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
TT

العالم يواجه أزمة حادة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الخليجية

حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)
حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)

تمرُّ سوق الطاقة العالمية بلحظة فارقة، حيث تشير التقارير إلى أنَّ الدول المستورِدة للغاز الطبيعي المسال ستواجه فراغاً حاداً في الإمدادات خلال الأيام الـ10 المقبلة. هذا التاريخ يمثل الموعد النهائي لوصول آخر الناقلات التي غادرت المواني الخليجية قبل اندلاع العمليات العسكرية وإغلاق مضيق هرمز، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز». ومع وصول هذه الشحنات المتبقية إلى وجهاتها، ستنقطع الصلة تماماً بقطر التي تمد العالم بنحو خُمس احتياجاته من الغاز، مما يضع الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد أمام خيارات صعبة ومكلفة للغاية لتأمين احتياجاتها الأساسية.

فقد اضطرت قطر، التي تنتج خُمس إنتاج العالم من الغاز الطبيعي المسال، إلى وقف صادراتها بعد أن فرضت إيران حصاراً على مضيق هرمز عند مدخل الخليج، في الأيام الأولى من النزاع. ومنذ ذلك الحين، تكبَّدت قطر أضراراً جسيمة في محطة رأس لفان العملاقة للغاز الطبيعي المسال، التي تعرَّضت لهجوم صاروخي إيراني هذا الأسبوع؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في آسيا وأوروبا بشكلٍ حاد.

لكن وفقاً لتحليل أجرته شركة الوساطة البحرية المستقلة «أفينيتي»، فإن كثيراً من ناقلات الغاز الطبيعي المسال التي حمَّلت حمولتها في قطر والإمارات كانت في طريقها إلى وجهاتها قبل بدء الحرب، ما يعني أن بعض العملاء على وشك الشعور بأثر انقطاع الإمدادات.

وستضطر الدول التي تعتمد على الواردات لتشغيل اقتصاداتها إلى دفع أسعار باهظة للتنافس على إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وغيرها، أو التحوُّل إلى أنواع وقود أخرى، أو إجبار الأسر والشركات على ترشيد الاستهلاك، وفق تقرير «فاينانشال تايمز».

وقد فرضت كثير من الدول الآسيوية الفقيرة بالنفط والغاز إجراءات لتجنب النقص، مثل تطبيق نظام العمل 4 أيام في الأسبوع.

ولا تزال شحنة واحدة فقط من الغاز الطبيعي المسال من الخليج من المُقرر وصولها إلى آسيا، التي تستورد نحو 90 في المائة من إنتاج المنطقة، وفقاً لبيانات تتبع السفن. كما لا تزال 6 شحنات من الغاز الطبيعي المسال من المُقرر وصولها إلى أوروبا.

أسعار الوقود معروضة في محطة وقود بمدينة أتلانتا بولاية جورجيا (رويترز)

باكستان من بين الأكثر تضرراً

تُعدُّ باكستان اليوم في واجهة الدول الأكثر تضرراً وهشاشة أمام هذه الأزمة، حيث كانت تعتمد في العام الماضي بنسبة تصل إلى 99 في المائة على واردات الغاز الطبيعي المسال المقبلة من قطر وحدها. ومع اندلاع الصراع، وصلت آخر الشحنات المقبلة من مجمع رأس لفان في اليومين الثاني والثالث من الحرب، لتبدأ بعدها مرحلة العد التنازلي القاسية؛ إذ اضطرت محطات الاستيراد في البلاد إلى خفض عملياتها إلى سُدس مستوياتها الطبيعية، وسط توقعات بتوقف ضخ الغاز تماماً بنهاية الشهر الحالي، وفقاً لمصادر مطلعة على الوضع الميداني لـ«فاينانشال تايمز».

ويزداد المشهد قتامةً مع تصريحات رئيس مجلس إدارة شركة «باكستان غاز بورت» إقبال أحمد، الذي أكد أن إحدى المحطتين الرئيسيَّتين ستنفد تماماً من الغاز المخصص للمعالجة خلال الأيام القليلة المقبلة، محذراً من حالة «جفاف» كاملة في الإمدادات دون أي رؤية واضحة لموعد وصول شحنات جديدة.

ومن المفارقات المؤلمة أن إسلام آباد كانت، قبيل الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، تواجه فائضاً في الإمدادات، لدرجة أنَّها طلبت من شركتَي «قطر للطاقة»، و«إيني» الإيطالية إعادة توجيه عشرات الشحنات التي كانت مجدولة للوصول هذا العام.

ومع اندلاع الحرب وانعكاس الآية من الفائض إلى العجز الحاد، حاولت شركة الغاز الباكستانية الحكومية استعادة تلك الشحنات أو التواصل مع مورِّدين وتجار في عمان وأذربيجان وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة، إلا أنَّ كل تلك الجهود باءت بالفشل نتيجة الأسعار الفلكية التي عرضها المورِّدون، والتي تجاوزت قدرة الاقتصاد الباكستاني على الاحتمال. فقد تضاعفت أسعار الغاز في آسيا وفق مؤشر «بلاتس جي كي إم» لتصل إلى 23 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، يضاف إليها الارتفاع الحاد في تكاليف الشحن وتأمين المسارات الطويلة البديلة، مما جعل الشراء من السوق الفورية خياراً شبه مستحيل لباكستان في ظلِّ ظروفها الراهنة.

شخص يمر أمام لافتة تعرض أسعار الوقود في سان سلفادور (إ.ب.أ)

بنغلاديش تعيش حالة مشابهة

أما بنغلاديش، فهي تعيش حالة مشابهة من الهشاشة وإن كانت بدرجة أقل حدة بقليل، نظراً لامتلاكها بعض مصادر التوريد من خارج منطقة الخليج. ومع ذلك، تجد الحكومة نفسها اليوم في مواجهة عجز مالي خانق يمنعها من سداد الأسعار الجنونية المطلوبة لتأمين بدائل للغاز الخليجي المفقود، خصوصاً في ظلِّ افتقارها للوقود البديل. وقد دفعت هذه الأزمة السلطات إلى اتخاذ تدابير قاسية لترشيد الاستهلاك وتقنين توزيع الغاز، وصل صداها إلى القطاع التعليمي بقرارات شملت إغلاق الجامعات لمحاولة السيطرة على العجز المتفاقم.

وفي شرق آسيا، تبرز تايوان من أكبر المتضررين بصفتها من كبار مشتري الغاز الخليجي، حيث تجد نفسها اليوم في مأزق ناتج عن استراتيجيتها السابقة بالتحول من الفحم إلى الغاز النظيف بالتزامن مع التخلص التدريجي من الطاقة النووية. ورغم تحركها السريع لتأمين 22 شحنة بديلة فور اندلاع الحرب لضمان استقرار الإمدادات حتى نهاية أبريل (نيسان)، فإنَّ القلق الحقيقي يكمن في فصل الصيف؛ حيث يرتفع الطلب على الكهرباء بشكل حاد، مما يضع البلاد أمام خطر حدوث نقص حاد في الطاقة إذا استمرَّ إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول.

الصين والسيادة الطاقية

تتعامل الصين مع أزمة انقطاع إمدادات الخليج من موقع القوة النسبية مقارنة بجيرانها، رغم أنها تستورد نحو 30 في المائة من حاجتها من الغاز المسال عبر مضيق هرمز. وتعتمد بكين في مواجهة هذا النقص على قاعدة إنتاج محلية صلبة؛ حيث نجحت في رفع وتيرة استخراج الغاز الطبيعي من حقولها الداخلية لتغطي أكثر من نصف استهلاكها الإجمالي. هذا الاكتفاء الذاتي الجزئي يمنح الحكومة الصينية هامش مناورة واسعاً، ويجنبها الاضطرار للدخول في سباق محموم على الشحنات الفورية بأسعارها الفلكية التي ترهق ميزانيات الدول النامية.

علاوة على ذلك، تستفيد الصين من شبكة أنابيب برية عملاقة تربطها بروسيا ودول آسيا الوسطى، وهي مسارات إمداد تقع تماماً خارج نطاق التوترات البحرية في الخليج العربي. وفي حال تفاقم العجز، تمتلك بكين خياراً استراتيجياً جاهزاً يتمثل في العودة السريعة والواسعة لمحطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم، مفضلةً تأمين استقرار التيار الكهربائي والمصانع على الالتزامات البيئية المؤقتة، مما يجعل اقتصادها الأكثر مرونة في وجه «حافة الهاوية» التي يواجهها قطاع الغاز العالمي.

شخص يملأ خزان وقود دراجته النارية في محطة وقود بمدينة سان سلفادور (إ.ب.أ)

المناورة اليابانية

أما في اليابان، التي تُعدُّ ثاني أكبر مستورِد للغاز المسال في العالم، فإنَّ الموقف يدار بحذر شديد وضبط دقيق للتكاليف. ورغم أنَّ نسبة ضئيلة نسبياً (نحو 6 في المائة) من إمدادات الغاز اليابانية تمرُّ عبر مضيق هرمز، فإن الحساسية العالية للاقتصاد الياباني تجاه أسعار الطاقة العالمية جعلت الحكومة تسرع في تفعيل بدائل استراتيجية. وقد برزت الطاقة النووية بوصفها طوق نجاة رئيسيّاً؛ حيث تزامن اندلاع الأزمة مع إعادة تشغيل عمليات في أكبر محطة نووية في العالم بمحافظة «نييغاتا»، وهي خطوة وفَّرت لليابان ملايين الأطنان من الغاز المسال التي كانت ستضطر لشرائها بأسعار مضاعفة.

وفي غضون ذلك، تتبنى شركات المرافق والتجار في اليابان استراتيجية «الانتظار والترقب»، معتمدين على المخزونات الاستراتيجية التي تمَّ تأمينها مسبقاً. وبدلاً من الاندفاع نحو السوق الفورية المشتعلة، بدأت اليابان بالفعل في زيادة الاعتماد على محطات الفحم لضمان استمرارية الطاقة بأسعار معقولة. هذا التوجُّه الحذر يهدف إلى حماية المستهلكين من تضخم فواتير الكهرباء والحفاظ على استقرار الين الياباني، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تطورات في الممرات الملاحية الدولية.

علاوة على القلق اللحظي من توقف الملاحة، تواجه سوق الطاقة العالمية آفاقاً قاتمةً تمتد لسنوات، حيث تُرهَن عودة الاستقرار بفتح مضيق هرمز من جهة، وبقدرة المنشآت الإنتاجية على التعافي من جهة أخرى. وحتى في حال السماح للسفن بالمرور مجدداً، سيبقى المعروض العالمي من الغاز المسال محدوداً ومضغوطاً بشكل كبير؛ وذلك نتيجة الأضرار الهيكلية الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية القطرية، والتي أخرجت جزءاً أصيلاً من الإمدادات العالمية عن دائرة الخدمة.

وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري سعد الكعبي (أرشيفية - رويترز)

وقد جاءت تصريحات وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، سعد الكعبي، لتعمِّق هذه المخاوف، حيث كشف عن أن نحو 17 في المائة من طاقة قطر الإنتاجية للغاز المسال ستظل متوقفةً لفترة تتراوح بين 3 و5 سنوات؛ نتيجة الهجمات التي استهدفت مجمع رأس لفان. هذا الانقطاع الطويل الأمد يعني أن السوق لن تستعيد توازنها بمجرد انتهاء الصراع العسكري، بل ستعاني من فجوة مزمنة في الإمدادات تفرض واقعاً جديداً على الدول المستهلكة التي كانت تعتمد على العقود القطرية المستقرة.

وفي ظلِّ هذه الظروف القسرية، أكد الكعبي أن الدوحة ستجد نفسها مضطرةً لإعلان حالة «القوة القاهرة» على بعض عقود توريد الغاز المسال طويلة الأجل لمدة قد تصل إلى 5 سنوات. هذا الإجراء القانوني يعفي المورد من التزاماته التعاقدية؛ بسبب ظروف خارجة عن إرادته، ولكنه يترك المشترين حول العالم في مواجهة مباشرة مع أسواق فورية متقلبة وأسعار مرتفعة، مما يعيد صياغة أمن الطاقة العالمي ويجعل من البحث عن بدائل دائمة أمراً لا مفر منه للاستقرار الاقتصادي.


«إسكوا»: الحرب تهدّد المنطقة العربية بخسارة 150 مليار دولار

ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)
ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)
TT

«إسكوا»: الحرب تهدّد المنطقة العربية بخسارة 150 مليار دولار

ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)
ناقلة النفط «راريتي» ترسو في ميناء السلطان قابوس بمسقط (رويترز)

أطلقت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، صرخة تحذير مدوية، كاشفةً عن فاتورة اقتصادية باهظة تتصاعد وتيرتها في المنطقة العربية بشكل غير مسبوق. ففي غضون أسبوعين فقط، تبخَّر نحو 63 مليار دولار من الناتج المحلي للمنطقة (1.6 في المائة)، وسط اضطرابات عاصفة ضربت أسواق الطاقة وممرات التجارة الدولية والملاحة الجوية؛ مما يضع الدول الـ21 الأعضاء في اللجنة أمام أحد أعنف الاختبارات الاقتصادية في تاريخها الحديث.

ويذهب تقرير «إسكوا» تحت عنوان «الصراع وتداعياته: تصاعد حدة الأزمة في المنطقة العربية»، والمبني على تحليل دقيق للسيناريوهات، أبعد من ذلك في حال طالت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران واستمرَّت شهراً واحداً فقط. إذ إن خسائر المنطقة قد تقفز، وفق تقديراتها، إلى 150 مليار دولار، ما يعادل 3.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة؛ مما يحول الصدمات العابرة إلى أزمات هيكلية مزمنة.

وتضم «إسكوا» في عضويتها 21 دولة عربية هي: الأردن، والإمارات، والبحرين، وتونس، والجزائر، وجيبوتي، والسعودية، والسودان، وسوريا، والصومال، والعراق، وعمان، وفلسطين، وقطر، والكويت، ولبنان، وليبيا، ومصر، والمغرب، وموريتانيا، واليمن.

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

دول الخليج في عين العاصفة

أكد التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي تتحمل العبء الأكبر من الخسائر المالية المباشرة. فعلى الرغم من المتانة الهيكلية لهذه الاقتصادات، فإن الصراع أدى إلى نزف في القيمة السوقية للبورصات المحلية، مع اتساع ملحوظ في فروقات العائد السيادي، وهو ما يعكس قفزة في تقييم المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية.

وعلى صعيد قطاع الطاقة، استندت تقديرات «إسكوا» إلى فرضية انخفاض حاد في إنتاج النفط بالدول المتضررة بمعدل 20 مليون برميل يومياً خلال الأسبوعين الأولين؛ نتيجة الشلل اللوجيستي الذي أصاب ممرات التصدير. كما برزت حالة الارتباك في إمدادات الغاز المسال، لا سيما من قطر التي تؤمِّن 19 في المائة من احتياجات العالم؛ إذ تسببت تحديات الشحن والتصدير في قفزة جنونية بأسعار الغاز في أوروبا بنسبة 80 في المائة، مدفوعةً بمخاوف دولية من انقطاع طويل الأمد لسلاسل التوريد الحيوية.

مضيق هرمز... شلل في شريان التجارة العالمية

وثَّقت «إسكوا» تراجعاً تاريخياً في حركة الشحن عبر مضيق هرمز بنسبة وصلت إلى 97 في المائة؛ إذ انخفض عدد السفن التي تصل إلى مواني المنطقة من 137 سفينة يومياً إلى 5 سفن فقط. هذا التعطُّل الاستراتيجي أدى إلى توقف تدفق بضائع تقدَّر قيمتها بنحو 2.4 مليار دولار يومياً، وارتفاع خيالي في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب. وخلال الأسبوعين الأولين فقط، بلغت الخسائر التجارية المتراكمة نحو 30 مليار دولار، وهو رقم مرشح للوصول إلى 60 مليار دولار في حال استمرَّ التصعيد لشهر كامل، وفق التقرير.

حاويات على متن سفينة شحن في نهر باتابسكو (إ.ب.أ)

قطاع الطيران والسياحة

عدّ التقرير قطاع الملاحة الجوية والسياحة من أكثر القطاعات تأثراً بـ«الصدمات التشغيلية»؛ حيث تم إلغاء أكثر من 18400 رحلة جوية في 9 مطارات إقليمية رئيسية خلال 12 يوماً فقط. وقدَّرت «إسكوا» الخسائر الأولية لشركات الطيران بنحو 1.9 مليار دولار، مرشحة للوصول إلى 3.6 مليار دولار في حال استمرار الحرب لشهر. كما اضطرت الناقلات الكبرى لتغيير مساراتها، مما زاد من استهلاك الوقود وأطال أمد الرحلات، مسبباً «نزفاً تشغيلياً» حاداً، بينما تراوح الانخفاض في أعداد السياح بين 10 في المائة و95 في المائة بحسب الدولة.

مسافرون عند أكشاك تسجيل الوصول الذاتي بمكتب تذاكر الخطوط الجوية المتحدة داخل المطار الدولي في دنفر (أ.ب)

خريطة الضرر الإقليمي

لم تكن تداعيات الحرب الراهنة محصورةً في جبهات القتال، بل امتدت لتضرب العمقَين الاقتصادي والاجتماعي للدول الأعضاء في «إسكوا»:

  • لبنان: يبرز بوصفه أحد أكثر الدول تأثراً بالصدمات المباشرة، حيث يواجه البلد أزمةً إنسانيةً كارثيةً مع نزوح أكثر من 816 ألف شخص بحاجة ماسة للمساعدة. وتأتي هذه الحرب لتزيد من حدة الانهيار القائم، إذ انكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 40 في المائة منذ عام 2019، مما يضع البنى التحتية والخدمات الأساسية تحت ضغوط تفوق قدرة الدولة على الاحتمال.
  • مصر وتونس: تواجه الاقتصادات المُستورِدة للطاقة، وفي مقدمتها مصر وتونس، ضغوطاً ماليةً حادةً، وحالةً من التضخم المستمر. وكشف التقرير عن أن هذه الدول مُهدَّدة بارتفاع إجمالي فاتورة واردات الوقود في البلدين بنحو 6.8 مليار دولار سنوياً، وهي زيادة ضخمة تلتهم جزءاً كبيراً من الميزانيات الوطنية وتزيد من إجهاد الحيز المالي المحدود أصلاً، مما يهدد الاستقرار المعيشي للمواطنين.
  • فلسطين والسودان واليمن والصومال: باغتت الأزمة الجديدة دولاً تعاني أصلاً من نزاعات ممتدة وأوجه ضعف هيكلية؛ حيث سجَّلت فلسطين والصومال والسودان واليمن معدلات فقر وبطالة مرتفعة تاريخياً.

وحذَّر التقرير من أن تفاقم الاحتياجات الإنسانية في المنطقة العربية كلها بات يطال 82 مليون شخص بحاجة للمساعدة، في ظلِّ وجود 210 ملايين يعيشون في مناطق متضررة من النزاعات، مما يجعل قدرة هذه الدول على الصمود أمام الصدمات الاقتصادية الجديدة شبه مستحيلة.

منشآت الغاز الطبيعي المسال في مدينة رأس لفان الصناعية بقطر (إ.ب.أ)

من «أزمة الشهر» إلى «التعطل الاستراتيجي»

خلصت «إسكوا» إلى وضع سيناريوهين مرجعيَّين؛ الأول يفترض استمرار الحرب لـ30 يوماً، مؤديةً لقفزة في التضخم وتباطؤ القطاعات غير النفطية في الخليج. أما السيناريو الثاني (صدمة إقليمية شاملة لمدة عام)، فيعد «الأكثر قتامة»، حيث يُتوقَّع انقطاع سلاسل إمداد الطاقة العالمية وتقويض أهداف التنمية المستدامة، مما قد يعيد المنطقة عقوداً إلى الوراء على مستويات الفقر والتعليم.

ويخلص تقرير «إسكوا» إلى أنَّ احتمالات تحقق السيناريوهات الشاملة والمُدمِّرة، وإن كانت تبدو منخفضة حالياً، فإن تداعياتها تتطلب جهوزيةً إقليميةً عاليةً، وتنسيقاً دولياً عاجلاً للحدِّ من آثار هذا «التعطُّل الاستراتيجي» الذي يهدِّد استقرار النظام العالمي بأسره.