هل يحاول الإسلاميون مصادرة طه حسين بعد 41 عاما على رحيله؟

كتب ومقالات تتبارى في الدفاع عن صاحب {الأيام} وأخرى تهاجمه

غلاف كتاب محمد عمارة  -  طه حسين  -  فهمي هويدي  -  محمود الضبع  -  د. يسري عبد الله
غلاف كتاب محمد عمارة - طه حسين - فهمي هويدي - محمود الضبع - د. يسري عبد الله
TT

هل يحاول الإسلاميون مصادرة طه حسين بعد 41 عاما على رحيله؟

غلاف كتاب محمد عمارة  -  طه حسين  -  فهمي هويدي  -  محمود الضبع  -  د. يسري عبد الله
غلاف كتاب محمد عمارة - طه حسين - فهمي هويدي - محمود الضبع - د. يسري عبد الله

منذ أن نشر مصطفى صادق الرافعي كتابه «المعركة بين القديم والجديد» ردا على كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، لا يزال عميد الأدب العربي ومشروعه الفكري والعلمي محل اتهام! ويتجدد السجال مع ذكرى رحيل صاحب «الأيام» الـ41، إذ رحل في 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973. هذه المرة أثار الجدل كتاب جديد للدكتور محمد عمارة بعنوان «طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام»، وصدر مع مجلة «الأزهر» الشهرية، واعتبره مؤلفه محاولة لإنصاف طه حسين، وقسّم الكتاب التطور الفكري لطه حسين إلى 4 مراحل، مشيرا إلى أن المرحلة الأخيرة «الإياب والانتصار الحاسم للعروبة والإسلام» هي الأهم في مسيرته الفكرية، وأنها مرحلة عودته للإسلام.
تبع ذلك جدل في عدد من الصحف المصرية أثارته مقالات تحتفي بكتاب د. عمارة، منها مقالة «طه حسين أوابا» لفهمي هويدي، بجريدة «الشروق» المصرية، يشيد فيها بكتاب د. عمارة، مما أشعل الجدل حول محاولة تشويه المشروع الفكري التنويري لطه حسين.
وتشتبك «دار الهلال» وتدخل على خط السجال، إذ أصدرت كتاب «طه حسين.. لغو الصيف وجد الشتاء» للدكتور محمود الضبع، يمثل ردا مواجها لكتاب د. عمارة ويؤكد على أن طه حسين كان «حداثيا حقيقيا»، لأنه كان يدرك العلاقة بين الحاضر و«التراث». ويدافع د. الضبع عن طه حسين، مؤكدا أن كتاباته تنتمي إلى الفكر المتحرر من الحدود الزمانية والمكانية والسياقات التاريخية. وذكر المؤلف بالمعارك الفكرية التي خاضها طه حسين.
إلا أن المقالات استمرت في إشعال الجدل، ومنها مقال نشر في جريدة «الأهرام» للدكتور محمد عبد المطلب يشيد أيضا بكتاب د. عمارة، ويؤيده من خلال مرويات عن لسان د. مصطفى ناصف، مؤلف كتاب «طه حسين والتراث» أن أحد الصحافيين سأل طه حسين: «ما الحدث أو الواقعة التي أسفت عليها أشد الأسف في مسيرتك الحياتية والثقافية؟»، فأجاب: «يوم أن ألقيت عمامتي في البحر».
وجاء رد الناقد الأدبي د. يسري عبد الله في مقالة بجريدة «الأهرام» بعنوان «أسلمة طه حسين!»، يرفض فيه محاولات تشويه الأديب الكبير، ويقول د. يسرى لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة «محاولة من قبل التيارات المتشددة لاختطاف طه حسين، وصبغه برداء إسلامي، ولعل المقال الأخير الذي كتبه فهمي هويدي يأتي في هذا السياق، والذي حمل عنوانا صادما (طه حسين أوابا)، والذي قمت بالرد عليه في مقالي بـ(الأهرام)، فهناك محاولة عبثية من قبل أنصار التيار الإسلامي لإهالة التراب على المنجز التنويري الذي صنعه المفكر الدكتور طه حسين، وتصويره على أنه قد تراجع عن آرائه التقدمية في ما بعد لصالح الإسلاميات، أما الأكثر دهشة في الأمر فهو أن الإسلاميات ذاتها لم تنجُ من محاولات غير موضوعية للنيل منها ومن كاتبها. ولعل كتابات أنور الجندي شاهد على رفض الإسلاميين لما كتبه المفكر طه حسين في هذا السياق. وهو يرى أن الإسلاميين لم يقرأوا طه حسين أصلا، ولو قرأوه فإن قراءتهم لم تكن عميقة، لأنها خلت من معرفة كلية بالعالم، وهو جوهر المشروع الفكري لطه حسين الذي لا يمكن اختزاله في سياق بعينه، فهو نموذج للمثقف الموسوعي الذي يضرب بسهم في كل فرع من فروع المعرفة».
وحول تقسيم المراحل الفكرية لطه حسين، قال: «تقسيم تعسفي، ويتعامل بطريقة جزئية مع الرائد الكبير، أما ما لا يمكن قبوله فهو حالة العدوان الفكري على طه حسين، ومحاولة إخراجه من حيز الثقافة الطليعية التي يعد أحد أبرز مؤسسيها إلى خانة المفكر (الأواب)، الذي يتراجع عن آرائه التقدمية حتى يتحول إلى رجل «أواب» في عرف مفكري الإسلام السياسي وتنظيراتهم الميتافيزيقية».
ويشير عبد الله إلى «المفارقات الواردة في كتاب الدكتور عمارة ما سماه بـ(مرحلة الانبهار الشديد بالغرب)، واستمرار تصورات الإسلاميين التقليدية بشأن الكتاب الفارق في أعمال طه حسين (في الشعر الجاهلي)، الذي كان مثارا لجدل خلاق عرفه المجتمع آنذاك، وبرأته النيابة العامة وفق مذكرة بليغة، بعد أن لعبت القوى الرجعية دورا في حشد الرأي العام وتعبئته ضد أفكار طه حسين».
ولكن هل يحتاج طه حسين في ذكرى رحيله الـ41 إلى إنصاف من تهمة الردة عن الإسلام؟ يقول الناقد والمترجم السوري بدر الدين عرودكي، لـ«الشرق الأوسط»: «أعترف أنني لا أفهم كيف يمكن لأي إنسان في هذا العالم أن يزعم امتلاك الحق بتكفير الناس أو بمنحهم الغفران (لأنهم تابوا) أو لأنهم صاروا (أوابين). بتكليف ممّن؟ أو باسم مَن؟ لأقُل بوضوح: ليست محاولات الحديث عن (كفر) طه حسين ثم عن (عودته) للإيمان إلا جهودًا بائسة من أجل إقناع الناس بأنه تراجع عن آرائه وعن مشروعه الحقيقي الذي احتل بفضله مكانته الكبيرة، لا في قلوب العرب الذين لقبوه بالعميد فحسب، بل وفي التاريخ أيضًا، تاريخ العرب وتاريخ الإنسانية».
ويضيف: «بدلاً من مناقشة أفكاره مناقشة موضوعية وتفنيدها، ثم قبولها أو رفضها، كما هي التقاليد العريقة في النقاش الفكري والعقلي، يلجأ هؤلاء إلى مسألة لا علاقة لها على الإطلاق بما كتبه طه حسين طوال حياته، أعني مسألة كفر طه حسين أو إيمانه أو عودته إلى الإيمان التي هي مسألة شخصية محضة، وهم لا يتورعون عن استخدام كلمات ذات وقع خاص ومؤثر لدى عامة الناس من بسطاء المؤمنين من أجل التجريم: الردة، أو من أجل الغفران: أواب».
وحول اتهام طه حسين بتنكره للتراث الإسلامي وطعنه في الثوابت الدينية، يرى عرودكي أن «مشكلة التقسيم الذي يقيمه محمد عمارة لمشروع طه حسين الفكري أنه ينطلق من مقياس الاعتراف بحاكمية الإسلام أو ما يسميه (الرجوع عن الطعن في الثوابت الدينية). وذلك مقياس لا علاقة له البتة بمشروع طه حسين الفكري والثقافي. لم يكن هذا المشروع يقوم على فحص الثوابت الدينية كما لم يكن ذلك همّه، بل قام على إعادة قراءة التراث، كل التراث الأدبي والفكري العربي، قراءة عقلانية تعتمد التمحيص والدراسة وطرح الأسئلة على كل ما اعتبر خلال قرون مسلمات لا جدال فيها. ولم يكن من قبيل الصدفة أنه اختار موضوعًا لرسالة الدكتوراه في باريس أول مؤرخ واجتماعي بالمعنى الحديث للكلمة في تراثنا، وأعني ابن خلدون. كما أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن يكون الموضوع الذي اختاره لرسالة الدكتوراه الأولى في الجامعة المصرية يدور حول أبي العلاء المعري وذلك قبل أن يسافر إلى باريس وقبل أن يطلع على مبدعات الثقافة الغربية. هذا يعني أن المنهج العقلاني كان الطريق الذي اختاره طه حسين منذ أن كان على مقاعد الدراسة في الأزهر».
ويوضح: «لم يكن الإحجام عن منحه العالمية في الأزهر أو درجة الامتياز في الجامعة المصرية بسبب الكفر أو الردة أو الطعن في الدين أو في الثوابت الدينية، بل لأنه كان يقدم نموذجًا للباحث المفكر العقلاني الذي لم يكن مقبولاً آنذاك في المؤسسات العلمية والجامعية. هذا ما فعلوه بطه حسين قبل أن ينهل من الثقافة الغربية أو أن يطلع على المناهج الغربية في الدراسة وفي البحث. وسيتابعون ما فعلوه حين نشر كتابه في الشعر الجاهلي».
ويرد مترجم كتاب «معك» لسوزان طه حسين على الاتهامات بتأثيرها على عميد الأدب العربي قائلا: «كيف يمكن لعقل بسعة وصرامة عقل طه حسين أن تؤثر زوجته على قناعاته بحيث يؤدى ذلك إلى التأثير على مشروعه الفكري؟ أضحك كثيرًا كلما قرأت هذه المزاعم - التي لا يمكن أن تصدر إلا عن جاهل. لقد أحب طه حسين امرأة مثقفة وأحبته. وآية قصة حبهما الحقيقي والنادر - وهو ما لا قِبَل لمنتقديه أن يفهموه أو أن يستطيعوا استيعابه - أن كلاً منهما احترم دين الآخر وقناعاته العميقة، ذلك لأن علاقتهما كانت علاقة إنسانين ندَّين في الإنسانية لا علاقة تابع كما يفهم هؤلاء العلاقة الزوجية. لنلاحظ أنها كتبت كتابها الوحيد عنه تحت عنوان: (معك).. وفي هذا العنوان كل المعاني التي لا يفهمها هؤلاء!».
ويستنكر قائلا: «هؤلاء الذين أرادوا تكفيره ثم اتهامه بالردة ثم الحكم عليه بأنه آب إلى الإيمان هم أنفسهم من وصفوه بالمستشرق وبالبعد عن الحضارة العربية والإسلامية. ذلك لأنهم لم يمتلكوا ما امتلكه طه حسين من ثقافة جمعت إلى الثقافة الكلاسيكية العربية والإسلامية التي نهلها من الأزهر الثقافة الغربية الكلاسيكية والحديثة بعد أن تعلم وأتقن اللغتين اللتين كتبت بهما المصادر الأولى للتراث الثقافي الغربي القديم، وأعني اللغة اليونانية القديمة واللغة اللاتينية. وهي ثقافة سمحت له أن يطوف ويتجوّل بسهولة وبساطة في مبدعات الثقافتين، وأن يكتب بلغتيهما وأن يخاطب جمهوريهما بثقة وقدرة لم يضاهِه فيها أحد من المثقفين العرب بعده حتى الآن. وهو ما يفتقر إلى أقل من القليل منه أولئك الذين يجادلون في إيمانه وفي كفره أو في أوبته إلى الإيمان».
وهو يرى أن «مشروع طه حسين كان مشروعًا حضاريًّا ومستقبليًّا يطال مجال الفكر والعمل في آن واحد، وهو مشروع لا يزال علينا أن نستعيده للخروج من ظلمات هؤلاء الذين يريدون العودة بنا إلى الوراء باسم الدين تارة وباسم الثوابت الدينية تارة أخرى».



«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب
TT

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف ودوره عبر تمثيلات الإنتلجنسيا في السرد الروائي، متخذاً من إبداع الروائي المصري الراحل علاء الديب نموذجاً للرصد والتحليل والتطبيق، وفي ظلال رؤية نقدية كاشفة لطبيعة المثقف ووقوعه في حبال التناقض، ما بين أقصى المع والضد. لكن لماذا موت المثقف، وهو أمر يفضي إلى العدم، وليس انتحاره، باعتباره موقفاً رافضاً للحياة وعبثيتها؟ هل أحكمت دوائر الاغتراب والاستلاب على روحه وجسده فأصبح غريباً عن ذاته وواقعه وأحلامه في عالم تتعدد فيه المفاهيم والرؤى، وتتشابه النصوص وطرائق النسج، ويحتار الإنسان ثقافياً ومعرفياً في البحث عن بوصله توصله للحقيقة؟!

صدر الكتاب عن «بيت الحكمة» بالقاهرة، ويقع في 258 صفحة من القطع التوسط، ويستهله شهريار بمقدمة، يؤكد فيها أن المثقف شخصية إشكالية بطبيعتها، لافتاً إلى أن المثقف العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص، قد مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، زادت من همومه وإحساسه بالاغتراب وعدم التآلف مع كل المحيطين به، كما تعمق إحساسه بعدم قدرته على الاندماج مع المجتمع. ثم يناقش دور ومفهوم المثقف، في اللغة والثقافة، وفي أفكار وآراء كثير من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، مثل إدوارد سعيد، وبرهان غليون، ومحمد عابد الجابري، وعلى شريعتي، وغرامشي، ويرى أنهم جميعاً ينطلقون «تقريباً من الربط بين المثقف ودوره، وليس بما يمتلكه من معرفة، ومن ثم فإن المثقف يأخذ جدارته ووجوده من دوره النقدي المناوئ لكل ما هو تقليدي ومستقر». السؤال الذي يطرح نفسه هنا من باب التعليق على هذه الآراء: أَليس امتلاك المعرفة من أهم الأدوار والأسلحة التي تعزز دور المثقف، في مواجهة العسف والقمع والنفي؟! ثم إن المثقف لا يرتقي بأفكار الطبقة التي صعد إليها بحسب غرامشي، أياً كانت هويتها، وإنما يرتقي ويصعد بأفكاره هو، بما يحلم به، وما يريده لواقعه والعالم من حوله أن يكون. الثقافة ليست مرمية على قارعة الطريق، إنما هي علم ومعرفة وبناء، تصعد وترتقي بتراكم الخبرات والتجارب وتعدد زوايا النظر والرؤية.

ومن باب رصد أفعال الشخصية ومدى تفاعلاتها بأفكارها وعواطفها وواقعها سياسياً واجتماعياً، يدلف شهريار إلى صورة المثقف في إبداع علاء الديب، ويرى أن المثقف في أعماله الروائية ينتمي للطبقة المتوسطة بكل شرائحها، التي عصفت بأحلامها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عنيفة، شهدها الواقع المصري على مدار نحو نصف قرن، منذ حقبة الخمسينات، مروراً بهزيمة 67، مثل: منير عبد الحميد فكار في رواية «أطفال بلا دموع »، لافتاً إلى أن المثقف في ظل هذه الحقبة الممتدة حتى الثمانينات يظل حاضراً بوعيه وقدرته قادراً على رؤية المجتمع الذي يكتسحه الطوفان، لكنه غير قادر على الفعل، ما يضاعف من إحساسه بالعجز والهزيمة.

المثقف العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، مرّ بمراحل فارقة وتحولات حادة في النصف الثاني من القرن العشرين

يعاين المؤلف ردود فعل هذا العجز، من داخل طبيعة المثقف نفسه ليضعنا أمام أنماط متنوعة من النكوص تؤطر شخصيته، فهناك المثقف المنسحب، مثل: عبد الخالق المسيري بطل رواية «زهرة الليمون »، وهناك «المثقف الخائن» الذي يخون أفكاره وينفر من طبقته، ويتحين الفرصة للحاق بالطبقة الأعلى، وهناك «المثقف المستَلب» الذي يواجه إحساساً بالعجز والاغتراب عن الواقع ما يدفعه إلى الرضوخ والتعايش معه كأمر واقع، فوعيه يظل دائماً مستلباً بقوة اللامبالاة واللاشعور، مثل شخصية الدكتورة سناء فراج بطلة رواية «قمر على المستنقع» فهي تحكي الرواية كمونولوج طويل عن مشاعرها وانكسارها، وإحساسها الممض بالهزيمة. وهناك «المثقف المسخ» الذي يمثله ناصر منير فكار بطل وسارد رواية «عيون البنفسج»، فهو شخصية مشوهة شديدة التناقض، وبرغم كونه شاعراً ومثقفاً لا يستطيع أن يتجاوز تناقضاته، بدءاً من علاقته بزوجته المستَلبة وبالواقع والوطن، وهناك «المثقف المقاوم» الذي يحوّل ضعفه وانهزامه إلى قوة يواجه بها ما حوله من قبح وفوضى وعشوائية، ثم «المثقف المتمرد فردياً»، مثل فتحي بطل رواية «القاهرة»، فهو غير قادر على التواؤم مع ما يحيط به من أوضاع اجتماعية والتعايش معها، فظل في حالة اغتراب تام عن كل المحيطين به. ثم «المثقف المبعد» كما في شخصية أمين الألفي بطل رواية «أيام وردية» المؤمن بعدالة القضية الفلسطينية إلى حد القلق والأرق، وأخيراً «المثقف المهاجر» سواء من هاجر إلى الخليج المتباهي بأمواله والمنشغل بها دائماً، على عكس المهاجر إلى الغرب، الذي يجد نفسه أمام نموذج مجتمع حر، متقدم علمياً وإنسانياً.

ويرصد الكتاب في فصله الثالث علاقة المثقف والجماعة، عبر دوائر عدة، لافتاً إلى أنه لا يمكن فهم المثقف بمعزل عن هذه الدوائر، وفي مقدمتها طبقته، أو جماعة المثقفين التي ينتمي إليها، فهي تؤثر من بعيد أو قريب في موقفه ورؤيته لذاته وللعالم، ويرى أن هذا يتجلى ويتعمق في روايات علاء الديب، سواء في الحدث أو في بناء الشخصيات، وطرائق توظيف المكان والزمان، فالمثقف، في الغالب الأعم، يعاني حالة من عدم التآلف مع الجماعة، ومع الأمكنة والزمن، ثم إن ما يشهده العالم من تحولات يبدو أعنف وأكبر من قدرته على التكيف أو التعايش. ومن ثم يتكشف عبر هذه الروايات الانفصال والقطيعة بين أبطالها المثقفين وكل شخوص الرواية.

لكن هل للمثقف أمكنة تخصّه، وكيف يتم التعامل معها روائياً؟ في الفصل الرابع «أمكنة المثقف» يركز الكتاب على فاعلية المكان في السرد وتحريكه، وتهيئته للشخوص لتلعب أدوارها، بل تولد من رحمه أحياناً، لافتاً إلى أهمية المكان، ليس كخلفية للحدث، إنما كعنصر حكائي قائم بذاته، تربطه وشائج قوية بالزمن الروائي، وبقية العناصر الأخرى المكونة للفعل الروائي.

ويؤكد شهريار على ضرورة دراسة التشكيل الجمالي للمكان في روايات علاء الديب، لفهم شخصية المثقف التي تحتل مكانة مركزية، وكذلك معرفة مدى تناغم هذه الأمكنة مع التكوين النفسي لهذه الشخصية. فالمكان يعتبر تجسيداً مادياً للشخصية التي تسكنه. ويتطرق إلى الطبيعة المادية للأمكنة، وما تتميز به، وتتشابه من خلاله، فهناك المكان المقفل مثل البيت، والمفتوح كالشوارع والميادين، والمكان المؤقت كالمقاهي والبارات، والمكان الملاذ والأثر، والمكان المأمول والمستعاد وغيرها، مؤكداً أن الأماكن في أعمال علاء الديب واقعية، ولها وجود حقيقي عاينه المثقف، ورآه وعاش فيه يوماً ما، لكنها تتجاوز هذا الوجود الفيزيقي، إلى وجود ذهني، وظلت تسكنه أكثر مما يسكنها، فبخلاف بيت الطفولة ثمة أمكنة كثيرة في روايات الديب، يستعيدها أبطالها كذكرى بعيدة تركت آثاراً فيهم، كما تركوا آثارهم فيها، وعادة ما يكون هذا المكان مرتبطاً بالبحر وبالطبيعة، وأيضاً بحبّ قديم لم يزل يعيش عليه البطل. يقول على لسان البطل مستعيداً جماليات المكان والمشهد في رواية «زهرة الليمون»: «الماء أزرق والرمال بيضاء، أقدامه العارية، وأقدامها تتلاقيان في ماء دافئ، وجسدها القوي الحر المليء بالأسرار يبعث فيه نشوة وهدوءاً».


«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ
TT

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي، من خلال توظيف التاريخ مع حفريات الذاكرة الشعبيّة، ومن منظور وذاكرة تعدّدت فيهما مستويات السرد التي ارتكزت على تعدّد الرواة، ودفق الحكايات، والبؤر الثانويّة التي تنافذت وتضافرت مع الحكاية الإطارية، والمضمون المركزي الذي تصدّى لقصّة بناء سفينة القصب (دجلة) وتهيئتها إلى «الطيران»، ومن ثم تعرّضها للحرق على سواحل جيبوتي عام 1978، وما بين أيام البناء، وتحقيق كل المستلزمات من قبل عالم الأعراق والحضارات القديمة (تور هيرالد) وبمساعدة (الشيخ مسعد)، إلى اشتباكه مع العشائر والعمّال في منطقة القرنة.

تبدأ أحداث الرواية من سعي الشخصية المحورية (أحمد فؤاد فتاح) لنيل شهادة الدكتوراه حول هذه السفينة الفضائية العجائبيّة وكشف أسرارها وعلاقتها بأساليب الإبحار في الحضارات الرافدينية، وما دار حولها من حكايات ومرويّات وشخصيّات، وقد كلّفه أستاذه (أكرم مصطفى الشاوي) أستاذ الحضارات القديمة بقسم الأنثروبولوجيا المستحدث في الجامعة فضلاً، عن وصيّة الأب وتمنيّاته الشخصيّة في البحث عن الآثار والعلوم الإنسانية. وبذلك تبدأ مسيرة الرحلة المضنية والغامضة والعصيّة من قبل طالب الدكتوراه لسبر أغوار التاريخ والحوادث، والتقاط كلّ ما من شأنه أن يعمّق دراسته لنيل الشهادة. واقتضى منه الأمر القيام برحلة شائكة إلى مدينة البصرة للبحث عن شخصية الدكتور (عبد الغني مجيد) الذي يوجد في مقهى بمنطقة العشار: «هذا الرجل كان ظلاًّ لهيرالد وهو الكنز المدفون وعارفاً بأدق الأسرار، والكثير مما خُفي عن السفينة ورحلتها، والرجل كان محكوماً بالإعدام، والغريب في قصته أنّه خرج من السجن بعد سقوط النظام، وقبيل لحظة التنفيذ في أبريل (نيسان) 2003 ينجو من الموت بأعجوبة. ويحاول الدارس إقامة علاقة معه لفكّ أسرار هذه الرحلة» (الرواية: 28).

وقبل الخوض في البؤر والأبعاد والتقنيات والظواهر الفنيّة، يتوجّب التوقف عند دلالة العنوان «عين الهراتي»، وما ينطوي عليه من إشارات ودلالات، فهو عنوان متعدّد الدلالات ومفتوح على التأويل والإحالة، وقد وردت معانٍ مختلفة له في الرواية.

و«الهراتي» هو نوع من الديكة القوية، وثاقبة البصر يتم استخدامها في حلبات الصراع أو النزالات بين الديكة، بمراهنات اشتهرت بها أجواء المقاهي والأماكن الخاصة بهذا النوع الذي يعتمد على المقامرة والرهان، وما يحدث فيها من تنافس على الفوز وربح المال. و(زعبول الهراتي) هو الديك الذي كان يراهن به (سمير القاص) أو (صاحب الهراتي)، وهو مفتاح خزانة الأسرار لأنّه الأقرب إلى شخصيّة (عبد الغني)، ولا يمكن الوصول إليه إلّا من خلاله، فيما الديك الهراتي يمكن أن يرمز إلى فكرة المغامرة أو المقامرة التي قام بها عالم الأعراق النرويجي (تور هيرالد) في أجواء مشحونة وعوالم غائرة بشعبيتها وخرافاتها وأساطيرها، إذ تتفشّى التقاليد العشائرية الحاكمة والخرافة التي تحكم السلوكات والسحر والصراعات الاجتماعية.

وعلى وفق هذه الملامح فإنّ الرواية تمثّل نمطاً من السرد القائم على البحث والتحرّي، وسبر أغوار الألغاز والطلاسم والأسرار، وهي ثيمة شاعت في مثل هذا النوع من الروايات، وأصبحت ثيمة كونيّة كما حصل في رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو، والبحث عن أسرار الكهنة والدير والتحقيق في الجرائم التي ارتكبت فيه، ونجدها في رواية «الخيميائي» لكويلو، وعربياً نجدها في «الطريق» لنجيب محفوظ، و«المخاض» لغائب طعمة فرمان، إذ يبحث البطل في هذه الرواية عن أهله وتاريخه بعد ردح من الغربة.

ورواية البحث والتحرّي وكشف الأسرار تحقّق نوعاً من التشويق والإثارة، وتتّخذ من المهمّة طابعاً بوليسياً، وبؤرة للكشف عن المخفي، والمسكوت عنه والمدهش، ممّا ينتج طاقة لجذب استقطاب المتلقّي، وإسهامه ذهنياً في التشبّع، ومتعة الكشف عمّا خُفي من التاريخ. وهذه المعطيات تحمل كثيراً من المحمولات الجمالية والفكريّة والإحالات والإشارات المتعدّدة، أي توظيف الشكل البوليسي وشكل السرد القائم على التحرّي، وجعله فضاءً ومساحة يمرّر بها الكاتب كثيراً ممّا يرمي إليه من أفكار ورؤى، وكشف وإحالات، وبما يعزّز المعنى الكلي للعمل الروائي المؤطّر بهذا الشكل من البناء الفني القادر على التعبير عن التناقضات والثنائيات المتضادة. وذلك ما نجده قد تجلّى في رواية «عين الهراتي» من مفارقة الصدام بين «الخرافة والعلم» في مجتمع القرنة العشائري والشعبي، بين عالم الأعراق «تور هيرالد» وبين الصراع الاجتماعي القائم بين الشخصيّات داخل هذا المجتمع، وانتشار الحسد والسحر والانتقام الغريزي، وبين مهمة السفينة التي تسعى للبرهنة على التواصل بين الحضارات عبر التاريخ، والغوص في تاريخ الحضارات القديمة، وربطها بمنجزات العصر، واختيار علومها ومنجزاتها. ونلحظ من الخصائص الفنية في الرواية، ارتكازها على السرد الذاتي بصيغة ضمير المتكلّم، على لسان الشخصيّة (أحمد فؤاد فتاح) ووصف كلّ تفاصيل رحلة الاستكشاف في مجاهيل وحوادث قديمة وملتبسة.

وبحسب تصنيف «جيرالد جينيت» فإنّ بطل الرواية ينتمي إلى النمط المتماثل حكائياً أي السارد المشارك «الضمني» في أحداث ووقائع الرواية، غير أن لعبة السرد تنقلب فجأة حيث يتحوّل (أحمد فؤاد) إلى مرويّ له، من قبل سارد أو راوٍ جديد هو (سمير القاص) الذي يروي ويسرد الأحداث ويتعمق في سيرة (عبد الغني) وإيداعه في السجن والاعتقال بسبب رسالة وصلته من زوجة (تور هيرالد) تبلّغه بموت الأخير، ممّا جعل السلطات تتهمّه بالتجسس، ويحكم عليه بالإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد) الشخصيّة الدينية، وبإشراف الضابط المكلف بالإعدام (عبد المجيد مري).

يجسد (سمير القاص) نمطاً من الحكّاء الماهر المخاتل، وهو رمز للحقيقة المخاتلة وهشاشة المرويات، ويمكن الاستدلال على توصيف السرد داخل الرواية بأنه سرد يرتكز على استلهام تقنيّة النسق الكرنفالي، وذلك لميل الرواية إلى استثمار المفارقة الحادّة والدالة، بدءاً من التناقض بين المجتمع في القرنة، وبين شخصيّة القادم من النرويج، وتصادم البيئتين، والرواية تتعمّق في توليد سلسلة من المفارقات التي تتضمّن البعد الساخر عبر المفارقة، وقد تصل بحمولتها أحياناً إلى الكوميديا أو التهكم المرّ، لا سيما قصّة الحب والعشق بين الفتاة الريفية (غالية) وعشقها للعالم أو صانع السفينة (هيرالد) النرويجي، ومن ثم المرويات المتناقضة حول انتحارها حرقاً، أو أنّها وقعت ضحية «القيل والقال»، والمفارقة أنّ (أحمد فؤاد) يهدي جهده العلمي إلى روح (غالية)، وهي رمز الحقيقة التي يغتالها التناقض، أو يعبث بها الرواة الحّكاءون المهرة، فالإهداء يقول: «إلى روح (غالية) أنثى هذه الأطروحة، البنت التي ظلمها (القيل والقال)، أرفع لروحها الطاهرة أسمى آيات التقدير والتبجيل يوم ضاع دمها بين القبائل المتشاطئة ما بين نهري دجلة والفرات في مدينة القرنة، عند نقطة التقائهما، إذ حدث ما لا يصدّقه العقل، حتّى غدت البنت كبش فداء هذا العالم، لولاها لما توَصّلتُ إلى اكتشافات مهمّة حول سفينة بُنيت من قصب، وأبحرت على نحو من (عفو الخاطر) حتى أصبح للسفينة المعنى الجديد من أصل هذه الدراسة» (الرواية:7).

وتتولد أنساق المفارقة الكرنفالية أيضاً بإطلاق سراح (عبد الغني) من حبل المشنقة والإعدام مع (سرحان الماركسي) و(الحاج عبد)، وتلك هي مفارقة كرنفالية سوداء أخرى، عكست ذروة من الحدث الدرامي بين قرار الإعدام الذي أُلغي بسبب سقوط النظام، والهروب الفوضوي، وهو ما يرويه الضابط (عبد المجيد مرّي) حين اقتاد من تقرّر تنفيذ الإعدام بحقّهم إلى منطقة بعيدة على أطراف الفلّوجة لتنفيذ هذه المهمّة، ولعلّ المفارقة الكرنفالية والسخرية المرّة تكشف عنها «الرسائل» التي كانت السبب في اعتقالهم ومن ثمّ قرار الإعدام بحقّهم، وهذا يحيلنا إلى أنّ الرواية استثمرت ووظّفت جانباً من تقنية أو أسلوب (السرد الرسائلي)، وتجلَّت الرسائل التي أدت إلى الهاوية والإعدام على أنّها محركّات مركزيّة، وبؤرة دراميّة لصنع الحدث الفادح.


حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

حضور نوعي ومبادرات رائدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض

عادت العاصمة البريطانية لندن لتكون بوصلة النشر العالمي مع انطلاق دورة عام 2026 من معرض لندن الدولي للكتاب (LBF) في مركز «أولمبيا» العريق. هذا العام، لم يعد المعرض مجرد منصة لبيع وشراء حقوق النشر، بل هو مختبر حي لمناقشة مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي، ونافذة تطل منها الثقافات العالمية على بعضها البعض، وهو أيضاً ليس مجرد تجمع للناشرين، بل هو «غرفة عمليات» كبرى تقودها أضخم دور النشر في العالم.

وشهد المعرض هذا العام حضوراً لافتاً لمجموعات مثل (بلومزبري/ Bloomsbury) التي يقودها نايجل نيوتن، وبونيير بوكس، وغيرهما، بالإضافة إلى كبار النشر الأكاديمي والتعليمي مثل ويلي، ومطبعة جامعة برنستون. لا تكتفي هذه المؤسسات بعرض نماذج من إصداراتها فقط، بل تستخدم المعرض كمنصة لإعلان الاندماجات الكبرى، وتوقيع عقود عابرة للقارات، وتحديد «الترند» القادم في عالم القراءة، سواء كان ذلك في أدب الناشئين أو كتب تطوير الذات التي تعتمد على البيانات.

من الورق إلى الخوارزميات

يعمل المعرض كمحرك أساسي لتطوير صناعة الكتاب من خلال مسارات رئيسية هي:

> ثورة الذكاء الاصطناعي والتخصيص، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للكتابة، بل تحول في دورة 2026 إلى محرك لاكتشاف الكتب. وكالة «بوك ديسكفري»، مثلاً، ناقشت في جلسات المعرض كيف يمكن للخوارزميات مساعدة القراء في العثور على كتبهم المفضلة بعيداً عن تحيزات وإغراءات «الأكثر مبيعاً»، مما يمنح الكتاب المستقلين فرصة أكبر للوصول لقرائهم.

> استدامة سلاسل التوريد: في ظل الأزمات اللوجيستية العالمية والتوترات الإقليمية، ركز المعرض على تقنيات «الطباعة عند الطلب» (POD) والطباعة المحلية لتقليل التلوث الكربوني واحتراق الوقود الناتج عن الشحن الدولي، وهو ما يغير جذرياً نموذج العمل التقليدي الذي يعتمد على المخازن الضخمة.

> سوق الحقوق المتقاطعة (Cross-Format Rights): تطورت صناعة الكتب لتصبح صناعة محتوى، وليست صناعة ورق؛ حيث تم في المعرض التفاوض على تحويل الكتاب إلى بودكاست، أو مسلسل لمنصات البث الرقمي، أو حتى تجربة تفاعلية في «الميتافيرس»، مما يطيل عمر العمل الأدبي ويزيد من عوائده الاقتصادية.

> معايير الوصول العالمية (Accessibility): مع دخول قوانين تداول المطبوعات الأوروبية حيز التنفيذ، تحول المعرض إلى ورشة عمل كبرى لضمان أن تكون الكتب الإلكترونية (EPUB3) والصوتية متاحة للجميع، بما في ذلك لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يوسع قاعدة القراء عالمياً.

المشاركة العربية

شهد هذا العام حضوراً عربياً استثنائياً تميز بالانتقال من «العرض» إلى «التفاعل المباشر» مع سوق النشر العالمي، مما يشير أن الأدب العربي لم يعد معزولاً، بل أصبح شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل المعرفة. والنجاح الحقيقي للمشاركة العربية هذا العام يتجسد في تلك الجسور التي بُنيت بين الناشر العربي والوكيل الأدبي العالمي، مما يَعِد بوصول الصناعة الإبداعية العربية إلى أرفف المكتبات في كل مكان.

وشاركت المملكة العربية السعودية بقوة عبر هيئة الأدب والنشر والترجمة. وركز الجناح السعودي على بناء شراكات دولية لترجمة الأدب السعودي إلى لغات العالم.

كما شاركت جهات كبرى مثل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودارة الملك عبد العزيز، مما عكس تنوع المشهد الثقافي السعودي ضمن «رؤية 2030».