هل يحاول الإسلاميون مصادرة طه حسين بعد 41 عاما على رحيله؟

هل يحاول الإسلاميون مصادرة طه حسين بعد 41 عاما على رحيله؟

كتب ومقالات تتبارى في الدفاع عن صاحب {الأيام} وأخرى تهاجمه
الخميس - 13 محرم 1436 هـ - 06 نوفمبر 2014 مـ
غلاف كتاب محمد عمارة - طه حسين - فهمي هويدي - محمود الضبع - د. يسري عبد الله

منذ أن نشر مصطفى صادق الرافعي كتابه «المعركة بين القديم والجديد» ردا على كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، لا يزال عميد الأدب العربي ومشروعه الفكري والعلمي محل اتهام! ويتجدد السجال مع ذكرى رحيل صاحب «الأيام» الـ41، إذ رحل في 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973. هذه المرة أثار الجدل كتاب جديد للدكتور محمد عمارة بعنوان «طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام»، وصدر مع مجلة «الأزهر» الشهرية، واعتبره مؤلفه محاولة لإنصاف طه حسين، وقسّم الكتاب التطور الفكري لطه حسين إلى 4 مراحل، مشيرا إلى أن المرحلة الأخيرة «الإياب والانتصار الحاسم للعروبة والإسلام» هي الأهم في مسيرته الفكرية، وأنها مرحلة عودته للإسلام.

تبع ذلك جدل في عدد من الصحف المصرية أثارته مقالات تحتفي بكتاب د. عمارة، منها مقالة «طه حسين أوابا» لفهمي هويدي، بجريدة «الشروق» المصرية، يشيد فيها بكتاب د. عمارة، مما أشعل الجدل حول محاولة تشويه المشروع الفكري التنويري لطه حسين.

وتشتبك «دار الهلال» وتدخل على خط السجال، إذ أصدرت كتاب «طه حسين.. لغو الصيف وجد الشتاء» للدكتور محمود الضبع، يمثل ردا مواجها لكتاب د. عمارة ويؤكد على أن طه حسين كان «حداثيا حقيقيا»، لأنه كان يدرك العلاقة بين الحاضر و«التراث». ويدافع د. الضبع عن طه حسين، مؤكدا أن كتاباته تنتمي إلى الفكر المتحرر من الحدود الزمانية والمكانية والسياقات التاريخية. وذكر المؤلف بالمعارك الفكرية التي خاضها طه حسين.

إلا أن المقالات استمرت في إشعال الجدل، ومنها مقال نشر في جريدة «الأهرام» للدكتور محمد عبد المطلب يشيد أيضا بكتاب د. عمارة، ويؤيده من خلال مرويات عن لسان د. مصطفى ناصف، مؤلف كتاب «طه حسين والتراث» أن أحد الصحافيين سأل طه حسين: «ما الحدث أو الواقعة التي أسفت عليها أشد الأسف في مسيرتك الحياتية والثقافية؟»، فأجاب: «يوم أن ألقيت عمامتي في البحر».

وجاء رد الناقد الأدبي د. يسري عبد الله في مقالة بجريدة «الأهرام» بعنوان «أسلمة طه حسين!»، يرفض فيه محاولات تشويه الأديب الكبير، ويقول د. يسرى لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة «محاولة من قبل التيارات المتشددة لاختطاف طه حسين، وصبغه برداء إسلامي، ولعل المقال الأخير الذي كتبه فهمي هويدي يأتي في هذا السياق، والذي حمل عنوانا صادما (طه حسين أوابا)، والذي قمت بالرد عليه في مقالي بـ(الأهرام)، فهناك محاولة عبثية من قبل أنصار التيار الإسلامي لإهالة التراب على المنجز التنويري الذي صنعه المفكر الدكتور طه حسين، وتصويره على أنه قد تراجع عن آرائه التقدمية في ما بعد لصالح الإسلاميات، أما الأكثر دهشة في الأمر فهو أن الإسلاميات ذاتها لم تنجُ من محاولات غير موضوعية للنيل منها ومن كاتبها. ولعل كتابات أنور الجندي شاهد على رفض الإسلاميين لما كتبه المفكر طه حسين في هذا السياق. وهو يرى أن الإسلاميين لم يقرأوا طه حسين أصلا، ولو قرأوه فإن قراءتهم لم تكن عميقة، لأنها خلت من معرفة كلية بالعالم، وهو جوهر المشروع الفكري لطه حسين الذي لا يمكن اختزاله في سياق بعينه، فهو نموذج للمثقف الموسوعي الذي يضرب بسهم في كل فرع من فروع المعرفة».

وحول تقسيم المراحل الفكرية لطه حسين، قال: «تقسيم تعسفي، ويتعامل بطريقة جزئية مع الرائد الكبير، أما ما لا يمكن قبوله فهو حالة العدوان الفكري على طه حسين، ومحاولة إخراجه من حيز الثقافة الطليعية التي يعد أحد أبرز مؤسسيها إلى خانة المفكر (الأواب)، الذي يتراجع عن آرائه التقدمية حتى يتحول إلى رجل «أواب» في عرف مفكري الإسلام السياسي وتنظيراتهم الميتافيزيقية».

ويشير عبد الله إلى «المفارقات الواردة في كتاب الدكتور عمارة ما سماه بـ(مرحلة الانبهار الشديد بالغرب)، واستمرار تصورات الإسلاميين التقليدية بشأن الكتاب الفارق في أعمال طه حسين (في الشعر الجاهلي)، الذي كان مثارا لجدل خلاق عرفه المجتمع آنذاك، وبرأته النيابة العامة وفق مذكرة بليغة، بعد أن لعبت القوى الرجعية دورا في حشد الرأي العام وتعبئته ضد أفكار طه حسين».

ولكن هل يحتاج طه حسين في ذكرى رحيله الـ41 إلى إنصاف من تهمة الردة عن الإسلام؟ يقول الناقد والمترجم السوري بدر الدين عرودكي، لـ«الشرق الأوسط»: «أعترف أنني لا أفهم كيف يمكن لأي إنسان في هذا العالم أن يزعم امتلاك الحق بتكفير الناس أو بمنحهم الغفران (لأنهم تابوا) أو لأنهم صاروا (أوابين). بتكليف ممّن؟ أو باسم مَن؟ لأقُل بوضوح: ليست محاولات الحديث عن (كفر) طه حسين ثم عن (عودته) للإيمان إلا جهودًا بائسة من أجل إقناع الناس بأنه تراجع عن آرائه وعن مشروعه الحقيقي الذي احتل بفضله مكانته الكبيرة، لا في قلوب العرب الذين لقبوه بالعميد فحسب، بل وفي التاريخ أيضًا، تاريخ العرب وتاريخ الإنسانية».

ويضيف: «بدلاً من مناقشة أفكاره مناقشة موضوعية وتفنيدها، ثم قبولها أو رفضها، كما هي التقاليد العريقة في النقاش الفكري والعقلي، يلجأ هؤلاء إلى مسألة لا علاقة لها على الإطلاق بما كتبه طه حسين طوال حياته، أعني مسألة كفر طه حسين أو إيمانه أو عودته إلى الإيمان التي هي مسألة شخصية محضة، وهم لا يتورعون عن استخدام كلمات ذات وقع خاص ومؤثر لدى عامة الناس من بسطاء المؤمنين من أجل التجريم: الردة، أو من أجل الغفران: أواب».

وحول اتهام طه حسين بتنكره للتراث الإسلامي وطعنه في الثوابت الدينية، يرى عرودكي أن «مشكلة التقسيم الذي يقيمه محمد عمارة لمشروع طه حسين الفكري أنه ينطلق من مقياس الاعتراف بحاكمية الإسلام أو ما يسميه (الرجوع عن الطعن في الثوابت الدينية). وذلك مقياس لا علاقة له البتة بمشروع طه حسين الفكري والثقافي. لم يكن هذا المشروع يقوم على فحص الثوابت الدينية كما لم يكن ذلك همّه، بل قام على إعادة قراءة التراث، كل التراث الأدبي والفكري العربي، قراءة عقلانية تعتمد التمحيص والدراسة وطرح الأسئلة على كل ما اعتبر خلال قرون مسلمات لا جدال فيها. ولم يكن من قبيل الصدفة أنه اختار موضوعًا لرسالة الدكتوراه في باريس أول مؤرخ واجتماعي بالمعنى الحديث للكلمة في تراثنا، وأعني ابن خلدون. كما أنه لم يكن من قبيل الصدفة أن يكون الموضوع الذي اختاره لرسالة الدكتوراه الأولى في الجامعة المصرية يدور حول أبي العلاء المعري وذلك قبل أن يسافر إلى باريس وقبل أن يطلع على مبدعات الثقافة الغربية. هذا يعني أن المنهج العقلاني كان الطريق الذي اختاره طه حسين منذ أن كان على مقاعد الدراسة في الأزهر».

ويوضح: «لم يكن الإحجام عن منحه العالمية في الأزهر أو درجة الامتياز في الجامعة المصرية بسبب الكفر أو الردة أو الطعن في الدين أو في الثوابت الدينية، بل لأنه كان يقدم نموذجًا للباحث المفكر العقلاني الذي لم يكن مقبولاً آنذاك في المؤسسات العلمية والجامعية. هذا ما فعلوه بطه حسين قبل أن ينهل من الثقافة الغربية أو أن يطلع على المناهج الغربية في الدراسة وفي البحث. وسيتابعون ما فعلوه حين نشر كتابه في الشعر الجاهلي».

ويرد مترجم كتاب «معك» لسوزان طه حسين على الاتهامات بتأثيرها على عميد الأدب العربي قائلا: «كيف يمكن لعقل بسعة وصرامة عقل طه حسين أن تؤثر زوجته على قناعاته بحيث يؤدى ذلك إلى التأثير على مشروعه الفكري؟ أضحك كثيرًا كلما قرأت هذه المزاعم - التي لا يمكن أن تصدر إلا عن جاهل. لقد أحب طه حسين امرأة مثقفة وأحبته. وآية قصة حبهما الحقيقي والنادر - وهو ما لا قِبَل لمنتقديه أن يفهموه أو أن يستطيعوا استيعابه - أن كلاً منهما احترم دين الآخر وقناعاته العميقة، ذلك لأن علاقتهما كانت علاقة إنسانين ندَّين في الإنسانية لا علاقة تابع كما يفهم هؤلاء العلاقة الزوجية. لنلاحظ أنها كتبت كتابها الوحيد عنه تحت عنوان: (معك).. وفي هذا العنوان كل المعاني التي لا يفهمها هؤلاء!».

ويستنكر قائلا: «هؤلاء الذين أرادوا تكفيره ثم اتهامه بالردة ثم الحكم عليه بأنه آب إلى الإيمان هم أنفسهم من وصفوه بالمستشرق وبالبعد عن الحضارة العربية والإسلامية. ذلك لأنهم لم يمتلكوا ما امتلكه طه حسين من ثقافة جمعت إلى الثقافة الكلاسيكية العربية والإسلامية التي نهلها من الأزهر الثقافة الغربية الكلاسيكية والحديثة بعد أن تعلم وأتقن اللغتين اللتين كتبت بهما المصادر الأولى للتراث الثقافي الغربي القديم، وأعني اللغة اليونانية القديمة واللغة اللاتينية. وهي ثقافة سمحت له أن يطوف ويتجوّل بسهولة وبساطة في مبدعات الثقافتين، وأن يكتب بلغتيهما وأن يخاطب جمهوريهما بثقة وقدرة لم يضاهِه فيها أحد من المثقفين العرب بعده حتى الآن. وهو ما يفتقر إلى أقل من القليل منه أولئك الذين يجادلون في إيمانه وفي كفره أو في أوبته إلى الإيمان».

وهو يرى أن «مشروع طه حسين كان مشروعًا حضاريًّا ومستقبليًّا يطال مجال الفكر والعمل في آن واحد، وهو مشروع لا يزال علينا أن نستعيده للخروج من ظلمات هؤلاء الذين يريدون العودة بنا إلى الوراء باسم الدين تارة وباسم الثوابت الدينية تارة أخرى».


اختيارات المحرر

فيديو