بوتين وإردوغان في سوريا... محطات التعاون والطعنات

مقاتلون معارضون تدعمهم تركيا مع دباباتهم في سراقب بريف إدلب أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون معارضون تدعمهم تركيا مع دباباتهم في سراقب بريف إدلب أمس (أ.ف.ب)
TT

بوتين وإردوغان في سوريا... محطات التعاون والطعنات

مقاتلون معارضون تدعمهم تركيا مع دباباتهم في سراقب بريف إدلب أمس (أ.ف.ب)
مقاتلون معارضون تدعمهم تركيا مع دباباتهم في سراقب بريف إدلب أمس (أ.ف.ب)

المواجهة بين روسيا وتركيا في شمال سوريا تدخل في مرحلة جديدة أشبه بصدام بين الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان يهدد «زواج المصلحة» الذي نشأ بين «القيصر» و«السلطان» في شكل تراكمي بدءاً من نهاية 2015.
هذه المواجهة باتت تأخذ مستويات عدة: توتر في جلسات المفاوضات المتكررة بين دبلوماسيي ورجال الاستخبارات في البلدين. مواجهة ميدانية مباشرة، كان أحد تجلياتها أن دبابة تركيا كانت تلاحق أخرى روسية في ريف إدلب. في الأولى، فصائل محسوبة على أنقرة. في الثانية، عناصر تدعم الجيش الروسي. تبادل الاتهامات بين الطرفين. موسكو تتهم أنقرة بـ«عدم فصل المعتدلين عن الإرهابيين». أنقرة تتهم موسكو بعدم حماية النقاط التركية من قوات دمشق وبـ«قيادة» الجهوم على إدلب. إرسال تعزيزات وحشود عسكرية برية ومسيّرة وجوية إلى ساحة الصراع والاختبار. دبلوماسياً، انهيار محاولات عقد قمة «روسية - تركية - ألمانية – فرنسية» أو قمة «روسية - تركية – إيرانية» أو حتى لقاء بين بوتين وإردوغان.
دائماً، ما كانت تأتي المواقف من إردوغان نفسه ومن الكرملين ذاته. في ذلك، إشارة إلى مستوى التوتر والمكاسرة بين الرئيسين في حارات وقرى ريف إدلب. ومع اقتراب يوم السبت ونهاية المهلة - الإنذار تزداد صعوبة إمكانية «الحفاظ على ماء الوجه»؛ «السلطان» وضع «خطا أحمر». «القيصر» تعرض لضربة في ريف إدلب، هي الانتكاسة الرمزية الأولى له منذ التدخل العسكري المباشر في سبتمبر (أيلول) 2015.
اشتغل بوتين وإردوغان كثيراً على حياكة العلاقات الثنائية في بيئة إقليمية متحركة وساحة دولية متغيرة. كل منهما، كان يرى في هذا الاستثمار ما يخدم مصالحه. كل منهما يذهب بالاختبار إلى نهاياته ثم يعود بعد اكتشاف كل منهما مدى حيوية الآخر للمصالح الكبرى.
«طعنة بالظهر»
بعد أيام من إرسال بوتين قواته إلى قاعدة حميميم في سوريا، أسقطت مقاتلة تركية أخرى روسية من طراز «سوخوي 24» قرب الحدود السورية في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015. أراد بوتين اختبار مدى دعم حلفائه في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) ومدى جدية «القيصر» في العودة إلى الشرق الأوسط وحدود «ناتو». بوتين سارع إلى اعتبار الحادثة «طعنة في الظهر» أو «خيانة عثمانية». وقدم قائمة الطلبات من «السلطان». لم يكن من خيار أمام إردوغان سوى الاعتذار عن إسقاط الطائرة الروسية بعدما اكتشف أن الدعم «الأطلسي» لن يصل إلى حد تفعيل المادة الخامسة من ميثاقه بالدفاع عن الدول الأعضاء في الحلف. ومنذاك، راحت تركيا تغازل «الجار الروسي» الجديد على الحدود الجنوبية.
صائد الفرص
بوتين معروف بأنه صائد الفرص. كانت محاولة الانقلاب ضد إردوغان في منتصف يوليو (تموز) 2016 فرصة ذهبية لـ«القيصر». ميّز موقفه عن حلفاء إردوغان في «الأطلسي». سارع للاتصال بـصديقه الجديد للتعبير عن «رفض روسيا القاطع للأعمال غير الدستورية والعنف في حياة الدولة». قطف الثمار بأن انتقلت العلاقات بين موسكو وأنقرة من معالجة آثار إسقاط الطائرة والاعتذار إلى تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري بتوجيهات من رأس الهرم في دولتين مركزيتين. انتقلا من الشكوك إلى التعاون الحذر إلى محاولات التحالف. مشاريع استراتيجية عملاقة طُرحت بين البلدين. رفع ميزان التبادل التجاري. «السيل التركي» لنقل الغاز الروسي عبر البحر الأسود وصولاً إلى تدشينه في بداية 2020.
«إس 400»
هل يمكن أن تفوز روسيا استراتيجياً بتسليم منظومة صواريخ «إس 400» إلى دولة عضو في «حلف شمال الأطلسي»؟ نعم، نجح بوتين في بيع ثم تسليم ونشر وتشغيل هذه المنظومة في بلد يضم ثاني أكبر جيش في «ناتو» وتقع فيها قاعدتان للحلف، إحداهما تضم قنابل نووية يُفترض أن تكون موجّهة ضد روسيا حالياً والاتحاد السوفياتي سابقاً.
لم يمر هذا الاختراق من دون عقاب أميركي. عقوبات اقتصادية. تجميد مساهمة تركيا في برنامج تطوير درة الصناعة الجوية الأميركية «إف 35». وقف صفقة لتزويدها بهذا النوع من الطائرات. تجميد نشر قاعدة صواريخ «باترويت». التردد في تلبية مطالبة أنقرة بنشر هذه القواعد وتبادل الاتهامات عن الأسباب.
مقايضات سورية
وفّر التعاون الروسي - التركي في قضايا كبرى دولية وثنائية مساحة لمقايضات وتفاهمات على الأرض السورية. في نهاية 2016، دخلت قوات الحكومة إلى شرق حلب بعد خروج المعارضة. دخل الجيش التركي وفصائل موالية إلى «درع الفرات». الهدف فصل طرفي إقليم كردستان، الذي تعده مهدداً لأمنها القومي. في بداية 2018، خرجت فصائل معارضة من أرياف حمص ودمشق ودرعا بالتزامن مع دخول فصائل أخرى بدعم أنقرة إلى عفرين ضمن عملية «غصن الزيتون». الهدف منع وصول إقليم كردستان إلى البحر المتوسط. في خريف 2019، دخل الجيش التركي وفصائل موالية إلى شرق الفرات بين تل أبيض ورأس العين. عنوان الحملة «نبع السلام». الهدف، تفكيك كردستان شمال شرقي سوريا. بعدها سارت دوريات روسية وتركية لرسم مناطق النفوذ الثنائي ومع الأميركيين.
«ضامنو» إدلب
قادت موسكو عملية خلق منصة مختلفة عن مسار جنيف. أسست مسار آستانة في بداية 2017. طاولة يجتمع عليها اللاعبون الثلاثة (روسيا وتركيا وإيران) بعيداً من اللاعب الرابع، أي أميركا. اتفاقات لـ«خفض التصعيد» كانت ساحة لمقايضات وتفاهمات تنتهي بعودة هذه المناطق إلى دمشق. أيضاً، عملية آستانة أتاحت لـ«الضامنين» الثلاثة رعاية مسار سياسي بديل أو منافس لإطار جنيف برعاية أممية.
إدلب كانت إحدى مناطق «خفض التصعيد» برعاية «الضامنين» الثلاثة. وفي سبتمبر 2018، تحول إلى مسار ثنائي بين بوتين وإردوغان. اتفاق سوتشي، آلية روسية - تركية للتفاهم على إدلب، لم يوقف العمليات العسكرية. خلاصة الاتفاق أنه «موقّت» يتضمن وقفاً للنار وتبادلاً تجارياً وإقامة «منطقة عازلة» بين قوات الحكومة والمعارضة وفصل المتطرفين عن المعتدلين و«استعادة» طريقي «حلب – دمشق» و«حلب – اللاذقية». بوتين له تفسيره لهذا الاتفاق. تفاهم موقّت تمهيداً لـ«استعادة سيادة الدولة السورية على كامل الأراضي». مدخل لاستعادة أحياء اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق. لإردوغان، طموح وتفسير: مدخل للتمدد التركي شمال سوريا. جسر ربط بين «درع الفرات» و«غصن الزيتون» ولواء إسكندرون (هاتاي).
تنافس
في موازاة التعاون والاختبارات في إدلب، كان هناك صدام روسي - تركي في ساحات أخرى. في ليبيا، كل طرف يدعم طرفاً آخر. إردوغان مع حكومة فائز السراج. بوتين مع الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر. أيضاً، هنا تبادل الرئيسين الاتهامات وقيادة الانغماس في البحر الليبي. وفي أوكرانيا، يقف الزعيمان على طرفي نقيض. القرم في حضن روسيا. وأردوغان لا يكتفي بتعزيز علاقته مع كييف، بل بأنه «يتحدى» بوتين بقوله إنه لن يعترف بضم الجزيرة، التي احتضنها «القيصر».
توسيع الفجوة
مع مرور الوقت ذات الفجوة بين تفسيرين ومسارين ومقاربتين. المفاوضات كشفت عمق الفجوة. الميدان بات الميزان. بوتين عزز قواته وقاد هجوم دمشق على إدلب لتنفيذ تفسيره لسوتشي. إردوغان أرسل تعزيزات وقوات ومعدات لفرض تفسيره للاتفاق. على الأقل، منع دمشق وموسكو وطهران من فرض النسخة الروسية من «سوتشي».
إشارات انتهاء «شهر العسل»، التقطها مسؤولون أميركيون وأوروبيون. هناك استنفار لالتقاط حدود خلاف بوتين وإردوغان. هناك محاولة لطي التراكم الاستراتيجي. عندما تحصل مواجهة بين روسيا ودولة عضو في «ناتو»، تحاول دول أوروبية وأميركا التي تعاني من «تدخلات روسيا» في الانتخابات وتمدد النفوذ والصعود الدولي، للإفادة من مشكلات «زواج المصلحة» بين بوتين وإردوغان. تفصيلياً، إذا كان الخيار بين سيطرة دمشق وموسكو وطهران على إدلب وزيادة عدد النازحين واللاجئين على حدود أوروبا وما يعني ذلك من تهديدات إرهابية وبين توسيع النفوذ التركي في إدلب وبقاء نازحين ومدنيين، فإن الدول الغربية تدعم الخيار الثاني. هي مستعدة لتقديم الدعم الاستخباراتي والدبلوماسي والسياسي وكل أنواع الدعم باستثناء العسكري المباشر.
مرة أخرى، تشكل إدلب اختباراً لعلاقة بوتين وإردوغان. أيضاً، اختبار لمدى وحدة الموقف الأوروبي والموقف الأوروبي - الأميركي. حدود الدعم لدولة حليفة في «الأطلسي». مدى رهان أردوغان بالمغامرة بعلاقته مع بوتين مقابل «وعود أطلسية». موازنة بوتين بين أهمية إدلب لدمشق وله وبين أهمية أنقرة له وطموحاته الشرق أوسطية والدولية.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.