فصائل «حشدية» لجأت إلى الصدر صوناً للنفوذ الشيعي في العراق

فصائل «حشدية» لجأت إلى الصدر صوناً للنفوذ الشيعي في العراق

بتوجيه من إيران و«حزب الله» ومقابل منحه صلاحيات أوسع في تشكيل الحكومة الجديدة
الأربعاء - 3 رجب 1441 هـ - 26 فبراير 2020 مـ رقم العدد [ 15065]
صورة لمقتدى الصدر في معقل الحراك بساحة التحرير ببغداد (أ.ب)
بغداد: «الشرق الأوسط»

عندما لاح في الأفق احتمال تراخي قبضة الأحزاب والفصائل الشيعية في «الحشد الشعبي» المدعومة من إيران، على السلطة في العراق في أعقاب مقتل القائد الإيراني قاسم سليماني، لجأت تلك الأطراف إلى منافس لا يمكن التكهن بتحركاته.
وحسب تقرير لوكالة «رويترز»، فإنه في اجتماعات بمدينة قمّ الإيرانية المقدسة أبرمت هذه التكتلات اتفاقاً مع رجل الدين الشعبوي مقتدى الصدر الذي يأتمر بأمره ملايين العراقيين. ويقول مسؤولون عراقيون كبار وبعض العالمين ببواطن الأمور في الفصائل إن هذه الجماعات وعدت الصدر بصلاحيات أكبر في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وبدور موسع في القيادة الروحية للفصائل الشيعية المسلحة. وفي المقابل قالت المصادر إنه سيستعين بأتباعه في إضعاف المعارضة المناوئة للحكومة ولإيران، والتي تفجرت في الشوارع العراقية، ويعيد توجيه الاحتجاجات للتركيز على المطالبة بانسحاب القوات الأميركية من العراق. والهدف من هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه برعاية إيران و«حزب الله» اللبناني هو صيانة النفوذ الشيعي في العراق بالتوفيق بين الفصائل والجماعات المدعومة من إيران و«التيار الصدري» المنافس.
وكانت الغارة الجوية الأميركية التي قتل فيها سليماني وقائد الفصائل العراقية المسلحة أبو مهدي المهندس في 3 يناير (كانون الثاني) الماضي قد أوقعت الفصائل في حالة من البلبلة. وكان الصدر قد فقد أيضاً بعضاً من توازنه. فقد قاد احتجاجات مناوئة للحكومة في السنوات السابقة، لكنه لم يسيطر على الجولة الأخيرة من الغضب الذي تفجر في مظاهرات تلقائية بلا قيادة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وكان موجهاً للنخبة السياسية.
ويقول مسؤولون ونواب إن الصدر، المعروف باقتناص الفرص والذي سبق أن حارب الولايات المتحدة وندد بالتدخل الإيراني وأيد احتجاجات ثم تخلى عنها، أصبح بهذه الصفقة في وضع يهيئ له فيما يبدو نفوذاً كبيراً في الحكومة الجديدة. وكانت الحكومة السابقة قد استقالت تحت ضغط الاحتجاجات في العام الماضي.
وبعد مقتل سليماني أصدر مسؤولون من إيران و«حزب الله» تعليمات لقادة الفصائل الموالية لإيران لصرف النظر عن خلافاتها مع الصدر. وكان الجانبان قد اشتبكا في البرلمان واختلفا على مناصب حكومية في العام الماضي في صراع على السلطة في الصفوف الشيعية. والتقى الطرفان في قمّ مقر الصدر الجديد في إطار مواصلة دراساته الدينية. وقال أحد مساعدي الصدر ممن سافروا إلى قم، طالباً إخفاء هويته: «إيران رأت في الصدر الحل الوحيد لمنع انهيار النفوذ الشيعي تحت وطأة الاحتجاجات وإضعاف الفصائل التي تدعمها». وأضاف: «الصدر يملك القاعدة الشعبية التي يمكن له من خلالها أن يسيطر على الشارع. وأرادوا استغلال ذلك».
وأكدت مصادر عدة شبه عسكرية مطلعة على ما دار في الاجتماعات، أن الجانب الإيراني طلب من الصدر الذي ينتمي لعائلة صاحبة نفوذ من رجال الدين الشيعة ولها تاريخ في قيادة التمرد على الحكومة في عهد صدام حسين، استخدام أتباعه في السيطرة على المظاهرات. وفي المقابل طالب الصدر بحرية اختيار الحكومة المقبلة والقدرة على الاعتراض على تفضيلات الأطراف المدعومة من إيران. وقال معاون الصدر: «إيران لم تعارض ذلك».
وقال مصدران في الفصائل إن الصدر طالب بأن تكون له سيطرة على وزارتين في حكومة رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي الذي طلب من البرلمان اعتماد حكومته هذا الأسبوع. وأضاف المصدران أن الفصائل المسلحة وافقت على إمكانية أن يكون للصدر دور رمزي موسع في قيادتها في معارضة الولايات المتحدة.
وحسب نصر الشمري، المتحدث باسم «حركة النجباء» المنضوية تحت لواء «الحشد الشعبي» والخاضعة لعقوبات أميركية: «فصائل المقاومة وافقت على أن يكون الصدر الصوت الرئيسي في المقاومة. وستؤيد الفصائل في المقابل ما يتخذه من قرارات». وقال الشمري ومصدران آخران بالفصائل إن الفصائل ستدرس منح دور أكبر لـ«أبو دعاء العيساوي»، قائد «سرايا السلام» التابعة للصدر، في تنسيق استراتيجيتها العسكرية.
ويقول مسؤولون حكوميون ونواب إن الصدر سيكون له نفوذ كبير في تشكيل الحكومة المقترح من جانب علاوي. وكان رئيس الوزراء قال إن مرشحين مستقلين سيتولون الوزارات. وأوضح مسؤول حكومي: «إذا تمت الموافقة على هذه الحكومة، فسيكون ذلك في صالح الصدر. فهو يفضل المستقلين لأنهم ضعاف وبإمكانه استغلالهم لمصلحته، فلديه فصيل (مسلح) ويملك القدرة على ترهيب الناس». ويعارض ساسة من الأكراد والسنة التشكيل الذي يدفع به الصدر خشية فقدان السيطرة على بعض الحقائب الوزارية.
ربما يحقق الصدر مكاسب سياسية في الأجل القريب. غير أن الاتفاق مع الفصائل المدعومة من إيران أثار استياء كثيرين من أنصاره. وقال أحد المحتجين ويدعى مهدي عبد الزهرة وهو يراقب رجال الشرطة يطلقون النار على أصدقائه في بغداد: «سرقوا ثورتنا... الفصائل و(سرايا السلام)».
وانصرف أنصار الصدر، الذين سبق أن شاركوا في احتجاجات بل وحماية المتظاهرين في بعض الأحيان من عنف قوات الأمن والفصائل، عن خيام المحتجين بناء على تعليماته؛ بل واعتدوا عليهم لاحقاً. وكان الصدر قد هدد بالدعوة إلى «مليونية» جديدة للضغط على البرلمان للموافقة على الحكومة الجديدة في خطوة أخرى قد تغطي على المظاهرات الأصلية التي طالبت بسقوط النخبة الحاكمة في العراق بأسرها.
وأصدر الصدر سلسلة من البيانات المتضاربة في أوائل فبراير (شباط) الحالي. فقد دعت البيانات إلى احتجاج كبير للمطالبة بانسحاب القوات الأميركية، ثم طالبت أنصاره بالتخلي عن الاحتجاجات المناهضة للحكومة، ثم العودة للمشاركة فيها و«تطهيرها من المشروبات الكحولية وغيرها من مظاهر الرذيلة». وسيطر الأنصار على بعض مواقع الاحتجاج واشتبكوا مع المتظاهرين وقتلوا بعض الأفراد.
وقال الشيخ شياع البهادلي، وهو من القيادات العشائرية في مدينة الصدر ببغداد «رفضنا دعوة الصدر الأولى للانسحاب من الاحتجاجات وغضبنا منه».


العراق أخبار العراق

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة