«التتريك» في «درع الفرات» و«غصن الزيتون» يتجذر بفضل الاستقرار والأمان

«الشرق الأوسط» ترصد واقع التعليم والإنترنت والاقتصاد في منطقة نفوذ أنقرة

السوق الرئيسية في مدينة الباب في منطقة «درع الفرات» (الشرق الاوسط)
السوق الرئيسية في مدينة الباب في منطقة «درع الفرات» (الشرق الاوسط)
TT

«التتريك» في «درع الفرات» و«غصن الزيتون» يتجذر بفضل الاستقرار والأمان

السوق الرئيسية في مدينة الباب في منطقة «درع الفرات» (الشرق الاوسط)
السوق الرئيسية في مدينة الباب في منطقة «درع الفرات» (الشرق الاوسط)

باتت الحياة والعيش في مناطق «درع الفرات» و«غصن الزيتون» في عفرين وأعزاز والباب وجرابلس والقرى التابعة لها بريف حلب الشمالي والشرقي شمال سوريا، بالنسبة إلى السكان الأصليين والفارين من ويلات الحرب مثالاً من الاستقرار والهدوء النسبي وتوفُّر سبل العيش والخدمات فيها، بعد تحريرها من تنظيم «داعش» وإبعاد «وحدات حماية الشعب» الكردية، من قِبل «الجيش الوطني السوري» وتركيا قبل نحو عامين تقريباً، مقارنةً بالمناطق السورية الأخرى التي يسيطر عليها النظام بسبب تراجع الخدمات والفوضى وأخرى تشهد صراعاً بين قوات الأخير والفصائل المعارضة كإدلب وريف حلب حالياً.
وتعد مناطق «درع الفرات» و«غصن الزيتون» الطوق الشمالي والشرقي لمدينة حلب، التي تتربع على مساحة بنحو أربعة آلاف كيلومتر مربع، خاضعة للنفوذ التركي وإدارة أمنية وعسكرية من قبل «الجيش الوطني»، ووصل مؤخراً عدد السكان في هذه المناطق إلى نحو مليوني مدني من مختلف السوريين إلى جانب السكان المحليين الأصليين.
ويتهم مسؤولون أكراد أنقرة بـ«تطهير كردي» في مناطق خصوصاً في عفرين التي بدأت العملية العسكرية فيها بداية 2018، ويُعتقد أن أنقرة أرادت من عمليتي «غصن الزيتون» و«درع الفرات» منع قيام كيان كردي جنوب حدود تركيا. وكان هذا السبب وراء عملية «نبع السلام» بين بلدتي تل أبيض ورأس العين شرق الفرات.

جالت «الشرق الأوسط» في مناطق «غصن الزيتون» و«درع الفرات» ورصدت طبيعة الحياة بمختلف النواحي فيها، والتقت عدداً من السكان المحليين والوافدين من مناطق أخرى. ويصف محمود مرعي الوضع بأنه «هدوء واستقرار وأمان نسبي».
وكان مرعي قد جاء من منطقة سهل الغاب بريف حماة بحثاً عن الاستقرار في مدينة عفرين بعد أن قرر الإقامة بإحدى ضواحيها منذ عام، موضحاً أن الاستقرار «أسهم باستقطاب عدد لا بأس به من السوريين إلى مناطق درع الفرات وغصن الزيتون من مناطق مختلفة في سوريا، لأسباب عدة أهمها إما انعدام الاستقرار نظراً إلى العميات العسكرية المتواصلة للنظام واستهداف المدنيين والمنشآت أو خلافات فصائلية أو بحثاً عن عمل دائم أو وظيفة. أما هنا في مناطق درع الفرات فالاستقرار والهدوء سيد الموقف إلى حد بعيد لا سيما أنها مناطق باتت خاضعة تماماً للنفوذ التركي ولم يعد بمقدور النظام اقتحامها والسيطرة عليها كما يجري في مناطق أخرى من البلاد».
وأشار إلى أن هناك ثمة «منغصات عابرة تعكر صفو الناس في عفرين وأعزاز وغيرها من مناطق درع الفرات وغصن الزيتون تتمثل بانفجار العبوات الناسفة والسيارات المفخخة التي تستهدف الأسواق وبعض المناطق التي تشهد ازدحاماً للناس وغالباً ما توقِع هذه العمليات ضحايا أبرياء ودائماً تشير أصابع الاتهام إلى الوحدات الكردية، حسب المراكز الأمنية والتحقيقات، بهدف ضرب عامل الاستقرار والأمن»، علماً بأن «الوحدات» نفت ذلك.

- ازدهار التجارة والصناعة
محمود خيرو، من منطقة الدانا بريف إدلب صاحب معمل حلويات في عفرين، يقول: «بعدما بدأت مدينة عفرين وضواحيها تشهد حالة لا بأس بها من الاستقرار والأمان وازدهار الصناعة والتجارة وتوفر الماء والكهرباء على مدار الساعة، مقارنةً بمناطق إدلب التي بدأت تشهد تراجعاً اقتصادياً وتدني نسبة أرباح المعمل وقلة توفر المواد الأولية للكاتو، قررتُ نقل معملي إلى عفرين منذ ما يقارب ستة أشهر بعدما قمت باستئجار مستودع كبيرة بقيمة 400 دولار شهرياً، وتوفير 20 فرصة عمل في صناعة الكاتو وتوزيع المنتج على عدد كبير من محال بيع الحلويات في مدينة عفرين، ما أسهم بارتفاع نسبة أرباح المعمل».
محمود دالاتي، من ريف دمشق الذي يعمل في صناعة صابون الغار الشهير في سوريا، فضّل الإقامة في مدينة عفرين مستغلاً توفر مادة زيت الزيتون الذي تشتهر بزراعته مناطق عفرين وإنتاج الزيت عالي الجودة. وقال إنه بعد أن أُجبر على مغادرة منطقته في الغوطة الشرقية بريف دمشق قبل نحو عام ونصف العام قرر الإقامة في منطقة عفرين لـ«متابعة العمل» بمهنته التي ورثها عن أبيه وجده وافتتح مؤخراً ورشة صغيرة لصناعة وإنتاج صابون الغار وبيعه في أسواق مدن الباب وعفرين وأعزاز. ويضيف: «الحياة والعمل في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات باتت أفضل بكثير من مناطق سورية أخرى حيث الأسواق التي تضجّ بحركة الناس والبيع والشراء والتجارة لمختلف السلع المحلية والتركية والمجوهرات ومكاتب الصرافة وتحويل الأموال والمعامل والمصانع التي وفّرت فرص عمل كثيرة للسوريين فضلاً عن أن الحكومة التركية افتتحت 5 مراكز لمؤسسة البريد والبرق التركية (PTT) في أعزاز والباب وجرابلس والراعي لتسهيل استلام الموظفين في القطاعات والمؤسسات رواتبهم الشهرية وأجور عملهم بالليرة التركية فضلاً عن أن المجالس المحلية هنا قامت بإنشاء حدائق للأطفال كوسيلة ترفيه لهم».

- «انسجام» بين الأصليين والوافدين
أمين ناعسو كردي من منطقة جنديرس التابعة لعفرين، يقول إن «الحياة بيننا كأبناء منطقة أصليين والنازحين، قائمة على المحبة والاحترام المتبادل والتشارك بالهموم والأفراح ونحترم كل منا عادات وتقاليد الآخر بمختلفها، ولم نشعر يوماً بأنهم غرباء»، لافتاً إلى أن هذا «من العادات السورية المتجذرة فينا كسوريين منذ الأزل رغم اختلاف العادات والتقاليد والأديان والمعتقدات ونعد ذلك خصوصية يحترم بعضنا بعضاً فيها». ويضيف: «ثمة عامل زاد من المحبة والمودة بيننا كأبناء المنطقة الأصليين والوافدين إلينا هو الزواج المتبادل، وهناك أكثر من حالة زواج تمت في مدينتنا ولم يُنظر إلى الأمر من زاوية الطائفة أو العرق وقدم لهم الهدايا والمساعدة بالمهر والمنزل وغيره من مستلزمات الزواج».
كان مسؤولون أكراد قد اتهموا فصائل تدعمها أنقرة بـتهجير أهالي من عفرين إلى شرق الفرات.
صدام المحمد، مسؤول «جمعية عطاء»، يقول إنه «بالتنسيق مع المجالس المحلية ومنظمات دولية كـ(أفاد) التركية نقوم بتوزيع السلال الغذائية وغيرها من المستلزمات الإنسانية، ودعم المدارس والتعليم وتقديم القرطاسية وبعض الحاجيات اللازمة للتعليم في المدارس والتدفئة بإشراف الجهات التركية التي تتخذ دور المسؤول المباشر عن ذلك التي بدورها تقوم أيضاً بصيانة المدارس وتأهيلها لاستيعاب أكبر عدد من الطلاب». ويضيف: «حالياً يصب نشاط المنظمات والجمعيات الإنسانية والمجالس المحلية في دعم النازحين الجدد الذين وفدوا إلى منطقة عفرين (جنديرس راجو، وشران المعبطلي، والشيخ حديد، وبلبل) من مناطق إدلب وريف حلب مع مراعاة مواصلة دعم السكان المحليين والوافدين سابقاً على حد سواء دون تفريق، ما أسهم في تمتين العلاقات بين جميع مكونات السكان في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات».

- التعليم واللغات
جمعة كزكاز، مسؤول التعليم في منطقة الباب، ضمن مناطق «درع الفرات»، يقول: «طبعاً وضع التعليم في منطقة الباب والتي تعد من كبرى مدن درع الفرات شمال حلب شبه المستقرة، له أهميته وخصوصيته ومشكلاته أيضاً، وقطعنا شوطاً كبيراً من ناحية عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة بنسبة أكثر من 80% من الطلاب بعد صيانة وترميم وتأهيل عدد كبير من مدارس المدينة وريفها بصورة وبحالة جيدة من قِبل منظمات محلية ودولية ودائرة المعارف التركية التي أخذت على عاتقها دعم الجانب التعليمي في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، بدءاً من سد حاجة المدارس إلى مقاعد الدراسة والقرطاسية إلى تغطية نفقات ورواتب الكوادر التعليمية، من خلال صرف رواتب شهرية للمعلم بقيمة 750 ليرة تركية، التي تعد العملة المتداولة في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات».
ويتابع أن «التعليم في مدارسنا يعد أنموذجاً مثالياً يُحتذى به، من خلال المناهج التعليمية المعدّلة من الحكومة السورية المؤقتة، إلى جانب اللغة الإنجليزية والتركية التي يتم تعليمها للطلاب ضمن المنهاج، والأسلوب التعليمي من قبل المعلمين، لكن هناك ثمة مشكلة ما زالت بانتظار الحل وهي أن حجم الوافدين إلى مدينة الباب وريفها من مناطق سورية مختلفة يزيد من عدد الطلاب وذلك يشكّل حالة من الازدحام في قاعات التعليم بسبب نقص المدارس».
وقال مراقبون محليون إن مدينة الباب هي أيضاً تشهد حالة من الازدهار المعيشي والاقتصادي وتوفر بعض الخدمات المجانية فيها، لا سيما الصحية منها كمشفى الباب الذي بنته تركيا ويتسع لـ200 سرير و8 غرف عمليات، مما سهّل على المواطنين تحمل عبء تكاليف العلاج لمختلف الأمراض.
أما بالنسبة إلى مستوى الجريمة، فيقول الناشط مسعود الحموي، من ريف حماة ويقيم في منطقة بلبل بريف عفرين، إن «الأشهر الأولى على بسط النفوذ التركي والجيش الوطني سيطرتهما على مناطق درع الفرات وغصن الزيتون شهدت حالة من الانفلات الأمني وارتفاع مستوى الجريمة كالخطف والسرقة والقتل، حيث سجلت حينها عمليات سطو من قِبل مجهولين على محلات لبيع المجوهرات واختطاف مدنيين مقابل فدية مالية وصلت أحياناً إلى 20 مليون ليرة سورية، كما حصل مع عائلة من منطقة راجو بريف عفرين عندما اختطف مجهولون أحد أبنائها ولم يتم الإفراج عنه حتى تم دفع المبلغ حينها».
ويشير إلى أنه «بعد تشكيل المخافر والمراكز الأمنية في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، اتخذت قوى الأمن دورها بشكل صارم ضد المشتبه بهم والمتورطين بعمليات سرقة وخطف تراجعت نسبة الجريمة إلى أدنى مستوى». ويقول: «لا شك أن هناك بعض التجاوزات من قبل عناصر في الجيش الوطني المدعوم من تركيا كالاستيلاء على بعض البيوت عائدة ملكيتها لعناصر من وحدات حماية الشعب الكردية وحزب (بي يي دي) المحظور في تركيا، والتسلط من قِبل البعض على أملاك السكان المحليين، لكن في الآونة الأخيرة تم قمع هذه الظاهرة من المؤسسة العسكرية التي تتمثل بقيادة الجيش الوطني في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات، وبات بإمكان أي مواطن من السكان الأصليين تقديم شكوى بحق أي عنصر يقْدم على ارتكاب أدنى خطأ بحقه».




«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.