باحث فرنسي في الشؤون التركية: إردوغان يفتقر للرؤية خارجياً... ويتضاءل داخلياً

ديديه بيون قال لـ «الشرق الأوسط» إن الرئيس التركي وقع في فخ نصبه له بوتين في إدلب

باحث فرنسي في الشؤون التركية: إردوغان يفتقر للرؤية خارجياً... ويتضاءل داخلياً
TT

باحث فرنسي في الشؤون التركية: إردوغان يفتقر للرؤية خارجياً... ويتضاءل داخلياً

باحث فرنسي في الشؤون التركية: إردوغان يفتقر للرؤية خارجياً... ويتضاءل داخلياً

ديديه بيون أحد أهم المتخصصين الأكاديميين الفرنسيين في الشؤون التركية، وهو أستاذ جامعي ونائب رئيس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.
في الحديث الذي خص به «الشرق الأوسط» يحلل بيون سياسة الرئيس إردوغان الخارجية ويبرز أساسياتها، خصوصاً في ملفي سوريا وليبيا، وعلاقاته مع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والأميركي دونالد ترمب. يشدد بيون على الروابط بين هذه الملفات وبين الوضع السياسي التركي الداخلي وكيف يستخدمها لشد عصب محازبيه.
ويرى بيون، أن إردوغان «يفتقر للرؤية» في السياسة الخارجية؛ ما يجعله يتخبط هنا وهناك. وفي الملف السوري، يرسم الباحث الفرنسي، صورة ما يمكن أن يكون عليه الحال في المستقبل القريب من تفاهم روسي - تركي جديد من شأنه مساعدة إردوغان على الخروج من ملف إدلب مقابل تعهدات وضمانات روسية. وفيما يلي نص الحديث:
> ما هي في نظركم أهم ملامح المشهد السياسي التركي الداخلي اليوم؟ وكيف يتفاعل الداخل مع الخارج ويؤثر عليه؟
- علينا الإشارة أولاً إلى تراجع شعبية حزب «العدالة والتنمية»، وخسارته مدناً رئيسية في الانتخابات المحلية الأخيرة، منها إسطنبول وأنقرة، تبين أن جزءاً من ناخبي الطبقة المدنية التي دعمت إردوغان منذ سنوات تخلت عنه. وهذا يفسر إلى حد بعيد سبب الخسارة. لكن أريد أن أشير إلى أن الحزب المذكور حصل على 44 في المائة من الأصوات على المستوى العام «في كل تركيا»؛ ما يعني أنه ما زال يتمتع بقاعدة انتخابية مهمة. لكن اعتقادي أن إردوغان «أكل خبزه الأبيض»، وقوته السياسية إلى تراجع. ومن المؤشرات ذات الدلالة، أنه، في الأسابيع الأخيرة، وبمناسبة محاكمة مثقفين وفنانين وأدباء، كانت يد العدالة التركية أخف وطأة مما كانت عليه في السابق؛ ما يدل على تراجع سطوة الحزب الحاكم على الشأن العام.
كذلك، تتعين الإشارة إلى ولادة حزبين جديدين: الأول أنشأه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو. لكن نقطة ضعفه أن داود أوغلو لا يتمتع بقاعدة شعبية واسعة. وبعكس ذلك، هناك حزب آخر قيد الإنشاء سيقوده وزير المالية والاقتصاد السابق باباجان ويدعمه عبد الله غل، رئيس الوزراء الأسبق. وهذا الحزب يمكن أن يكون له تأثير على إردوغان؛ لأن فلسفته تقوم على العودة إلى أساسيات وثوابت «العدالة والتنمية» في صيغته الأولى.
لكن الظهور الفعلي لهذا الحزب أرجئ أكثر من مرة. بعضهم يفسر ذلك بالتحضير الجيد، لكن ثمة رأياً آخر يعتبر أن هناك ضغوطاً شديدة على المؤسسين وعلى الشخصيات التي يمكن أن تلتحق بهم. أما العنصر الأخير، فيتمثل في حالة الاقتصاد التركي الذي عانى من ضعف الأداء في السنوات الأخيرة، حيث تراجعت نسبة النمو إلى 2 في المائة مقابل 8 أو 9 في السنوات السابقة. ووفق الاقتصاديين، فإنه يتعين أن تحقق تركيا نمواً لا تقل نسبته عن 4 في المائة لمواجهة الضغوط الديموغرافية، وحتى لا يتراجع مستوى المعيشة للمواطنين.
خلاصتي، أن هذه العناصر كافة تساهم في إضعاف إردوغان وحزبه على السواء.
> هل يمكن الربط بين الوضع الداخلي وسياسة إردوغان الخارجية في سوريا، العراق وليبيا ومع روسيا والولايات المتحدة؟
- أحد المحددات التي تساعد على فهم سياسة إردوغان الخارجية يتمثل في رغبته في استخدام هذه السياسة للتأثير على الوضع الداخلي. علينا أن نرى كيف أن تصريحات إردوغان ووزرائه وقادة حزبه وحلفائه تعمل على تعبئة الرأي العام الداخلي، وهذا كان واضحاً للغاية بمناسبة العملية العسكرية التي قام بها الجيش التركي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي شمال شرقي سوريا ضد الأكراد.
وأكثر من ذلك، يتعين علينا الإشارة إلى القرار الذي صوّتت عليه الأحزاب الأربعة الرئيسية في البرلمان التركي، بمن فيها الحزبان المعارضان؛ دعماً للعملية وللجيش. وحده الحزب الشعوب الديمقراطي «الكردي» عارض مشروع القرار.
هذا بالنسبة لسوريا، أما بالنسبة لليبيا، فإن الوضع مختلف: حزبا المعارضة يقفان ضد مغامرات إردوغان في ليبيا. رأيهما أن ليس لتركيا ما تفعله في ليبيا. وخلاصتي الأولى أن عدداً من عناصر سياسة إردوغان الخارجية يتعين فهمها إلى حد بعيد، على ضوء الوضع السياسي الداخلي.
> اليوم، الموضوع أو التحدي الأول الذي يواجهه إردوغان في سوريا عنوانه إدلب. والسؤال هو: ما هي أهدافه الحالية في هذه المنطقة، وأبعد من ذلك: ما الذي يريد إردوغان تحقيقه في سوريا على ضوء تصريحاته وخطاباته النارية وتهديداته التي تذهب في كل اتجاه؟
- صحيح خطابه عسكري حربي. وكذلك حال داعميه، ومنها أحد قادة حزب «العمل القومي» الذي حثه على الوصول إلى دمشق وإزاحة بشار الأسد. وكملاحظة أولى، علينا القول إن إردوغان لا يمتلك نفسه في الكثير من الأحيان ويخوض في مناظرات خطابية مقلقة فيما خص السياسة والعالم، وسبق لنا أن سجلنا ذلك في أكثر من مناسبة لا حاجة إلى العودة إليها. وفي الأساس، هناك عاملان رئيسيان يتحكمان بسياسته في سوريا: الأول، المسألة الكردية وتداعياته، لكنها لا تنسحب على ملف إدلب التي لا يسكنها أكراد. والعامل الآخر عنوانه اللاجئون السوريون، حيث إن تركيا تستضيف نحو 3.6 مليون لاجئ سوري. وإذا فتحت الحدود التركية - السورية، فإن تدفق اللاجئين سيكون بمئات الآلاف، وهذا لا يريده إردوغان وحده، بل الكثير من الأتراك.
حقيقة الأمر، فيما خص إدلب، أن إردوغان وقع في فخ نصبه له الرئيس الروسي بوتين في آستانة، ثم في سوتشي، حيث توصل الطرفان إلى إقرار منطقة خفض التصعيد في إدلب «مقابل وقف العملية العسكرية التي كان النظام بدأها هناك». فالرئيس التركي كان سعيداً بالاتفاق الذي أعاده إلى واسطة العقد كلاعب رئيسي في الخريطة السياسية السورية وأيضاً الإقليمية. لكن مشكلته أنه وعد بتحقيق فصل ما بين المتطرفين، من جهة والمقاتلين السوريين الآخرين، من جهة أخرى.
والحال، أنه كان واضحاً أن إدلب ومحيطها تحولا إلى خزان للمتطرفين، الذين انتقلوا إليها من المناطق السورية كافة، حيث تمت تسويات بينهم وبين النظام مقابل انتقالهم إلى إدلب. ولذا؛ كان واضحاً منذ البداية أن بوتين أوقع إردوغان في فخ كان يعرف سلفاً أنه لا يستطيع الخروج منه، وأولى حجج روسيا التي تبرر بها عملية النظام أن إردوغان «لم يفِ بوعوده».
الجميع كان يرى أن المهمة «مستحيلة»، إلا أن إردوغان الذي ربما بالغ في تقدير قوته على الفصل والتأثير على الفصائل المعادية للنظام والتحكم بشكل عام بالوضع في إدلب. والنتيجة اليوم، أن نقاط المراقبة الـ12 التي أقرت في سوتشي والتي تزايدت في الأسابيع الأخيرة (21 حالياً)، أصبح بعضها اليوم محاصراً. واللافت أن إردوغان صرح مؤخراً بأن بعض هذه النقاط تحول من «نقاط مراقبة» إلى «نقاط قتالية».
اليوم، من الواضح للجميع أن لا مخرج عسكرياً لهذه الأزمة، بل سياسي. يستطيع الأتراك قتل جنود سوريين إضافيين وبالعكس، لكن الحل لا يمكن أن يكون إلا سياسياً. وفي رأيي، أن ما يحصل اليوم لن يتحول إلى حرب مفتوحة بين الأتراك والسوريين؛ لأننا نعلم صلابة العلاقات التي يقيمها الرئيس الروسي مع الأسد، ومن جهة أخرى حرصه على العلاقات التي أقامها مع إردوغان، وبالتالي ليس من المقدر أن يترك الأمور تصل إلى حرب مفتوحة بين دمشق وأنقرة، وليس من مصلحته أن تنشب حرب كهذه. وفي أي حال، فإن بوتين، في نظري، هو «سيد اللعبة»، لكن هذا لا يعني أنه لن تحصل معارك وأن يقع قتلى... السؤال الأهم في نظري هو: كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة الراهنة، وكيف يستطيع بوتين إرضاء إردوغان بحيث يخرج منها مرفوع الرأس؟
> هذا يتطلب - كما هو واضح - توصل الطرفين إلى اتفاق جديد. هل يمكن رسم معالمه؟
- التوصل إلى اتفاق جديد سيأخذ بعض الوقت. وفي تصوري أن بوتين سيعطي عدداً من التطمينات للرئيس التركي بأن يقول له: المحادثات القائمة أو تلك التي يمكن أن تحصل بين الأكراد والنظام لن تفضي أبداً إلى إعطائهم حكماً ذاتياً، أو أي صيغة تذهب في هذا الاتجاه. وأذكر هنا، أن خوف تركيا الأول أن يستنسخ الأكراد في سوريا تجربة أكراد العراق (منطقة حكم ذاتي) تكون معدية بالنسبة لأكراد تركيا. لكن تفحص هذه «الضمانة» يبين أن بوتين لا يخاطر كثيراً لأن النظام السوري حازم وقاطع وهو يرفض، بتدخل من بوتين أو من عدمه، إعطاء الأكراد شيئاً من هذا القبيل، وتصريحات أركان النظام واضحة تماماً ولا تحتمل التأويل. لكن صوغها في وثيقة من شأنه توفير حجة لإردوغان أنه حصل على نتيجة مهمة قد يكون أحد مظاهرها الإبقاء على «الشريط الآمن» الذي رسمته تركيا في شمال وشمال شرقي سوريا. أما العنصر الآخر فيتمثل في ملف اللاجئين، حيث يستطيع بوتين أن يعده بأن لا موجات نزوح جديدة إلى تركيا.
> ألا يمكن توقع اتفاق مرحلي جديد عنوانه إعادة رسم «سوتشي» بحيث يؤخذ في الحسبان التحولات التي حصلت ميدانياً، علماً بأن لا أحد يتوقع أن يلبي النظام مطلب إردوغان بعودة قواته إلى المواقع التي انطلقت منها في هجومها الأخير على إدلب وبعض محافظة حلب؟
- أعتقد أن «سوتشي» الجديد يمكن أن يختصره «الشريط الآمن» من عشرات الكيلومترات الذي تريده تركيا. وأذكر هنا أن إردوغان يطالب بذلك منذ عام 2012. وإذا توافرت للرئيس التركي ضمانات من هذا النوع، يمكن عندها القول إنه حصل على ما يريده وحقق هدفين متلازمين: الأول، «احتواء» اللاجئين السوريين في الشريط الآمن ومنع تدفقهم إلى الداخل التركي، بل إعادة بعض من هم في تركيا إليه. والآخر، الحصول على ضمانة روسية بالنسبة للشريط الذي أقامته القوات التركية شمال وشرق سوريا بحيث يمنع «الإرهابيين» الأكراد من التسلل إلى تركيا. ولدي قناعة أن إردوغان يستطيع قبول تسوية كهذه؛ لأن لا أحد يخرج مطأطأ الرأس. لكنني مقتنع من جهة أخرى بأن الأسد، عندما ينجح في إعادة فرض قبضته، سيفعل ما يشاء، وبالتالي فإن اتفاقاً جديداً بين بوتين وإردوغان هو مرحلي ليس إلا. ولن تكون مفاجأة بالنسبة لي لو علمت يوماً أن بوتين قد تخلى عن دعم الأسد بالنظر إلى أن الأخير لم يغير شيئاً من عادات حكمه؛ إذ لدينا معلومات حول إعادة بناء أجهزته القمعية. وما يمكن أن يدفع في هذا الاتجاه، أن إعادة إعمار سوريا في حاجة إلى أموال. والحال أن لا روسيا ولا إيران قادرتان أو راغبتان في تحمل الأعباء، في حين الغربيون يربطون مساهمتهم بعملية انتقال سياسي، والمقصود بها حقيقة التغيير السياسي.
> هل توافقني الرأي أن الطرف الأميركي يريد استغلال التفسخات في العلاقات بين بوتين وإردوغان لمحاولة استعادة الثاني من جديد؟
- أذكر أن المبعوث الأميركي جيفري قال صراحة، إن بلاده تدعم تركيا في ملف إدلب، وهو ما قاله أيضاً الوزير بومبيو. ثم هناك المحادثة الهاتفية بين ترمب وإردوغان. نعلم جيداً أن هناك توترات بين واشنطن وأنقرة، لكن هذا لا يمكن أن يعني القطيعة بينهما. الطرفان يعرفان الحدود التي لا يريدان تخطيها في خلافاتهما. ثم إن الحلف الأطلسي يدعم تركيا، وإردوغان يلعب بالأوراق كافة، يستخدم بوتين للضغط على ترمب والأطلسي والعكس بالعكس. لكنه غالباً ما يسيء اللعب لأنه لا يملك «رؤية» في السياسة الخارجية أقله على المدى المتوسط وهذه نقطة ضعفه الأولى.
> ما هي دوافع إردوغان للانغماس في الملف الليبي؟
- ثمة عوامل عدة: يتعين أولاً التوقف عند تصويت البرلمان في 2 يناير (كانون الثاني) الماضي الذي أعطى الضوء الأخضر لإردوغان للتدخل العسكري في ليبيا، وقد جاء بعد أسابيع قليلة على اجتماعه مع رئيس حكومة الوفاق السراج وتوقيع اتفاق على تحديد المياه الإقليمية لتركيا وليبيا، الذي يعني تقاسم مياه المتوسط الشرقي وثرواته من النفط والغاز. وهذه مسألة استراتيجية بالنسبة لتركيا، ولا أعتقد أنهم سيظهرون التساهل بشأنها. وجاء الاتفاق مع السراج لإعادة رسم الخرائط وفق مصلحة تركيا؛ الأمر الذي يتناقض مع قوانين البحار. والمقابل الذي يقدمه إردوغان، كما هو واضح، هو الدعم العسكري للسراج وحكومته. وأريد أن أشير إلى أن هذا الدعم كان موجوداً سابقاً، لكنه زاد وتعمق بعد الاتفاق وأصبح رسمياً، بل وصل إلى حد إرسال مرتزقة من الميليشيات السورية التي يستخدمها إنْ في سوريا أو خارجها. ثم علينا أن نشير إلى أن أحد أسباب الدعم له وجه إيديولوجي، أي دعم ما يمكن تسميته التيار الإسلامي - الإخواني رغم إخفاقاته في سوريا، ومصر، وتونس... ثم هناك جانب آخر يكرر إردوغان الحديث عنه منذ سنوات، ويتناول الحاجة إلى تغيير بنية مجلس الأمن الدولي، وله في ذلك قول مأثور: «لا يمكن اختصار العالم بخمسة» أي بالدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. ويبرر إردوغان دعمه للسراج باحترام قرارات هذا المجلس. لكن أعتقد أن إردوغان يراهن على السراج لمرحلة ما بعد الحرب؛ إذ عينه على النفط الليبي، ولديه رغبة في تنويع مصادره وعدم الاعتماد فقط على إيران وروسيا. لكن ما يقوم به الرئيس التركي دفع دول الاتحاد الأوروبي إلى الوقوف بوجهه باعتبار أنه ينتقص من حقوق دولتين أوروبيتين هما اليونان وقبرص. لكن إردوغان لا يهتم كثيراً لما يصدر عن بروكسل؛ لأنه فهم أن الأوروبيين ماهرون في إطلاق التصريحات والاكتفاء بها.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...