{برلين السينمائي} ينطلق بمنافسة بين 18 عملاً

يحشد للأفلام الألمانية كما لم يفعل منذ عقود

«كل الموتى» دراما من البرازيل
«كل الموتى» دراما من البرازيل
TT

{برلين السينمائي} ينطلق بمنافسة بين 18 عملاً

«كل الموتى» دراما من البرازيل
«كل الموتى» دراما من البرازيل

- برلين في السبعين ويريد أن يرتاح
الدورة الجديدة التي انطلقت يوم أمس الخميس وتستمر حتى الأول من مارس (آذار) تحمل محاولة متجددة للحفاظ على مكاسب الدورات السابقة وتعزيزها كذلك. هو واحد من ثلاثة أهم وأكبر المهرجانات السينمائية حول العالم.
في الثمانينات والتسعينات كان يتصدر و«كان» المركز الأول أو الثاني (بالتناوب). فنيسيا كان قد تأخر لمركز ثالث. منذ مطلع القرن الحالي وفنيسيا وكان هما المتنافسان دوماً على المركز الأول. برلين في المركز الثالث. هذا تبعاً لقوّة الأفلام المشتركة من ناحية وتبعاً للضيوف وشهرتهم الفنية وحضورهم الإعلامي، لكن أيضاً تبعاً لعلاقة المهرجان بالعام السينمائي بأسره.
بكلمات أخرى، في حين أن مهرجان «كان» ساعد السينما الفرنسية على الانتشار، وفي حين فاز مهرجان فنيسيا، في الأعوام الأخيرة، بالحصول على أفضل أفلام العام وأوصلها إلى جوائز سواه من المناسبات الدولية، فإن حصة برلين من إنجاح مسيرة الأفلام بعد عروضها في المهرجان بقيت محدودة.
- برلين
الحال أن السينما الألمانية ذاتها ليست سهلة الترويج. لقد مرّت فترة شهدت فيها رواجاً كبيراً وذلك في النصف الثاني من السبعينات وحتى النصف الأول من الثمانينات، لكن ذلك كان بسبب انتفاضة فنية وثقافية شاملة شارك فيها عدد كبير من السينمائيين بينهم مرغريت فون تروتا وراينر فرنر فاسبيندر وفرنر هرتزوغ وفيم فندرز من بين آخرين.
في السنوات العشر الأخيرة وبصرف النظر عن حجم الاشتراك الألماني في مهرجان برلين، فإن يد المهرجان لم تستطع أن تمتد لتساعد السينما الألمانية على الخروج من داخل ألمانيا إلى سواها من الدول، ولا حتى مساعدة غالبية ما يعرضه المهرجان من أفلام. هذا يجعل اعتماده مبنيا على قوّة المعروض وتميّزه بصرف النظر عن امتداداته أو شيوعه المحتمل.
هذه السنة نلحظ حشداً كبيراً متفائلاً من قِبل السينمائيين الألمان ما يؤكد أن المهرجان مد يد الصداقة طالباً منهم تشجيع مهرجانهم الأكبر فلبوا الدعوة. في كل الأحوال، تدرك السينما الألمانية أن الطريق أمامها ليس سهلاً لكن وجودها في هذا المهرجان يجعل الطريق أسهل قليلاً من قبل.
تتمثل السينما الألمانية خلال هذه الدورة بأربعة أفلام داخل المسابقة واثنين خارجها. يتقدم أفلام المسابقة Berlin Alexaderplatz للأفغاني الأصل برهان قرباني. هي رواية صعبة كتبها ألفرد دوبلين (حوالي 1928) وأخرجها للتلفزيون راينر ڤرنر فاسبيدر في حلقات مسلسلة سنة 1980 (وأخرجها سواه للسينما بضع مرات). نسخة قرباني تبلغ نحو ثلاث ساعات وكان أعلن قبل شهرين أنه التزم بالنص بأمانة ولم يرغب في تطويرها درامياً حتى لا يخسر الفيلم قيمة النص الأصلي.
هناك فيلم ألماني آخر في المسابقة لكن تمويله ورد كذلك من بريطانيا وأوكرانيا وروسيا. الفيلم هو DAU‪.‬ Natatsha لإيليا خرزانوڤسكي وياكترينا أورتل. هو مخرج أفلام لم تنتشر على شاشات كثيرة وهي كانت معروفة كفنانة تجميل وتقوم بالإخراج هنا للمرّة الأولى.
الفيلم الثالث المقدّم باسم ألمانيا هو «ليس هناك شيطان» للإيراني محمد رسولوف الذي كان صدر قرار بمنعه عن إخراج الأفلام لأن السلطات غير راضية عما يقدمه. الفيلم الذي استدعى غضب السلطات كان «رجل ذو كرامة» الذي حققه سنة 2017 (شوهد في مهرجان «كان» ثم سيدني وكارلوڤي ڤاري) وتحدث عن مواطن عادي يواجه فساد الإدارة والمجتمع. موضوع عرضته السينما المصرية، مثلاً، عشرات المرّات من دون أن يمنع أي منها.
حسب الملخص المنشور للفيلم الجديد لا يخشى رسولوف لومة لائم ويضرب جانبا ومن جديد بالمحظورات إذ يتحدث في أربع قصص (و150 دقيقة) عن إلى أي حد يمكن للفرد تحمل غياب الحرية في نظام إيران الحالي.
الفيلم الرابع هو «أندين» لكرستيان بتزولد الذي كان مهرجان برلين عرض له قبل عامين فيلما جديرا بالإعجاب عنوانه «ترانسفير» حول فرنسي انتحل شخصية يهودي ليهرب من البلاد أسوة باليهود الهاربين من النازية. فيلمه الجديد يدور حول امرأة تعمل محاضرة تاريخية في برلين تحب رجلاً والرجل يتركها فتقرر الانتقام.
هناك فيلم ألماني آخر مشترك الإنتاج لكن الأرجح أن تمويله الأكبر جاء من إيطاليا. الأميركي آبل فيريرا («باد ليوتانننت»، «ملك نيويورك» وأفلام أخرى حادة الأسلوب) يكتفي بالقول بأن فيلمه الجدد «بحث في لغة الأحلام». ويلم دافو في البطولة وهو كان قاد بطولة فيلم آخر لفيريرا هو «بازوليني» سنة 2014.
- دولياً لا عربياً
الأفلام الأخرى المتسابقة ترد من كوريا عبر «المرأة التي ركضت» لهونغ سانغسو. مؤخراً، كما يعلم الجميع، استحوذت كوريا الجنوبية على اهتمام عالمي عبر فيلم Parasite الذي عرضه مهرجان «كان» في العام الماضي قبل أن ينطلق في ركاب العروض والجوائز ولا يزال.
من تايوان نجد «أيام» لتساي مينغ ليانغ دراما عاطفية من مخرج عرضت له مهرجان فنيسيا ومهرجان بوسان بعض أفلامه الأخيرة.
أوروبيا نجد إنتاجاً فرنسيا- بلجيكياً مشتركاً بعنوان «امح التاريخ» (Delete History) أخرجه بنوا ديليبين وغوستاف كرفرن. الإيطاليان داميانو وفابيو د إينوسنزو يوفران «حكايات رديئة» ومن سويسرا «ملح الدموع» لفيليب غارل الذي عادة ما تستحوذ أفلامه على الاهتمام ولو أنها تتفاوت في الجودة. فيلمه الجديد هذا بالأبيض والأسود ومن بطولة العربية الأصل الشابة علية عمامرة.
من سويسرا أيضاً «شقيقتي الصغيرة» من إخراج ستيفان شوات وڤيرونيك رمون. وتطل إيطاليا من جديد عبر «مخبوء» (Hidden Away) لجورجيو ديريتي ولا يعرف شيء للآن حول هذا الفيلم. وتعرض السينما البريطانية فيلما منتظراً من إخراج سالي بوتر عنوانه «الطرق غير المطروقة» (The Roads Not Taken) مع سلمى حايك ولورا ليني وإيلي فانينغ وخافييه باردم.
أخيرا مجموعة لا بأس بها من أميركا اللاتينية مثل «كل الموتى» لكياتانو غواردو وماركو دوترا حول الوضع العنصري في نهاية التاسع عشر في البرازيل. من كمبوديا «مشع» لريثي باه وهو تسجيلي حول آثار الحروب على الأبرياء من الناس. ومن الأرجنتين «المتطفل» لنتاليا ميتا الذي يتطرق إلى حكاية امرأة تخلط بين الواقع والخيال.
أميركياً نجد فيلمين هما «بقرة أولى» لكيلي رايهارت (لفتت الأنظار قبل عشر سنوات بفيلمها Meek‪’‬s Cutoff). هذا الفيلم هو آخر أدوار الممثل الذي رحل قبل أسابيع بصمت رنيه أوبرجوانوا.
الفيلم الآخر «ليس نادرا وأحياناً أبداً» (Never Rarely Sometimes Always) لإليزا هيتمان حول فتاة شابة تتساءل عما إذا كانت تريد الاحتفاظ بحملها أو إجهاضه. أما السينما العربية فلا ندري إذا ما تم تجاهلها أو أنها لم تحتو فعلاً على ما يستحق العرض.


مقالات ذات صلة

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز