في مصادفة مثيرة، ضمت قائمة مرشحي هذا العام لجائزة نوبل للسلام - التي فازت بها، كما أصبح معروفا، الطالبة الباكستانية الناشطة الاجتماعية مالالا يوسف زاي، والناشط الهندي في حقوق الأطفال كايلاش ساتوارثي - اثنين من القيادات الدينية، حيث رشح البرلمان الأرجنتيني البابا فرنسيس لـ«جهوده لإحلال السلام بسوريا»، بينما رشحت مجموعة من المثقفين آية الله علي السيستاني، المرشد الأعلى للشيعة، لنيل الجائزة لدوره في الحيلولة دون اندلاع حرب طائفية شاملة في العراق. ويوحي اختيار المرشحين بأن الحدود الفاصلة بين الدين والدولة التي اتسمت دوما بالهشاشة أصبحت اليوم أكثر هشاشة عن ذي قبل.
وعليه، لا ينبغي أن يشعر قراء كتاب «فدائيو المسيح ودور الدين في عالمنا المعاصر: البابا فرنسيس» بالدهشة لدى اكتشافهم أن الكتاب يحمل طابعا سياسيا أكثر منه دينيا. وبناء على المحادثات المطولة التي جرت بين البابا الجديد وصحافيين أحدهما أرجنتيني والآخر إيطالي، يحمل الكتاب صورة للسيرة الذاتية لفرنسيس، بجانب عرض لآرائه السياسية. وخلال صفحات الكتاب تتشكل صورة لفرنسيس كشخصية سياسية معتدلة تنتمي إلى فكر تيار يسار الوسط وملتزمة بالقيم الصالحة المألوفة، مثل السلام والتشارك والعطف والتضامن والتقدم.
ونظرا لكون فرنسيس أول قس يسوعي يرقى إلى مرتبة البابا، فإنه ليس من الغريب اتساقه مع رسالته التبشيرية باعتباره «فدائي المسيح» وتركيزه على ضمان جذب أكبر عدد ممكن من الجمهور للكنيسة الكاثوليكية، وليس الدفاع عن العقيدة في عصر تهيمن عليه النسبية الثقافية. والواضح أنه تعلم الكثير من خبرة أقرب أسلافه: البابا يوحنا بولس الثاني والبابا بينيديكت السادس عشر.
المعروف أن الأول شدد على البعد السياسي لمهمته، خصوصا في إطار النضال لمعاونة دول وسط وشرق أوروبا على إسقاط «الستار الحديدي». وعندما انتهت الحرب الباردة بتفكك الإمبراطورية السوفياتية، أصبح البابا يوحنا بولس الثاني على الجانب المنتصر من التاريخ. في المقابل، نجد أن البابا بينيديكت السادس عشر انصبت خبرته وكذلك اهتماماته على الجوانب الدينية، حيث شدد على القضايا العقائدية في محاولة شجاعة لإنقاذ الكنيسة الكاثوليكية من التداعيات المدمرة لمحاولات مسايرة الرأي العام والتعددية الثقافية. وعليه، لم يشعر الكثير من الكاثوليك بالارتياح تجاهه، بينما اعتبره غير الكاثوليك رجلا جاء في غير زمنه.
من جهته، يبدو أن فرنسيس قرر التطلع نحو نموذج يوحنا بولس الثاني، بدلا من بينيديكت السادس عشر، بيد أن الاختلاف بين الاثنين يكمن في أن يوحنا بولس الثاني كان بابا سياسيا ينتمي إلى يمين الوسط، بينما يميل فرنسيس إلى يسار الوسط.
وقد شجع ذلك بعض منتقدي فرنسيس على تصويره كشخص شيوعي. أما فرنسيس ذاته فيعترف بانجذابه في وقت سابق إلى الأفكار الشيوعية، إن لم يكن السياسات الفعلية، بل إن الكتاب الوحيد الذي يقتبس منه هو «كلماتنا ومقترحاتنا» للكاتب الشيوعي الأرجنتيني، ليونيداس بارليتا. ويقول فرنسيس عن الكتاب إنه «أسهم في تثقيفي سياسيا».
ويعمق فرنسيس صورته التقدمية عبر قائمة من الكتاب المفضلين لديه، بينهم الشاعر الألماني فريدريك هولدرلين والروائي الإيطالي أليساندرو مانزوني والروائي الروسي فيودور دوستويفسكي والقس البلجيكي المتصوف جوزيف مارشال، وأخير وليس آخرا الأديب الأرجنتيني البارز خورخي لويس بورخيس. المثير للانتباه أنه باستثناء القس مارشال، فإن جميع الكتاب المفضلين لدى فرنسيس إما ينتمون إلى ما يطلق عليه «لا أدريين» وإما ملاحدة.
وتتعمق صورة فرنسيس التقدمية بالنظر إلى ذوقه السينمائي، حيث يعشق الأفلام الإيطالية المنتمية إلى الواقعية الجديدة، وحرص على مشاهدة جميع أفلام الممثلة آنا ماغناني والممثل ألدو فابريزي، كما ذكر من بين أفلامه المفضلة «بابيتيز فيست»، الذي يدور حول انتقاد الدين باعتباره آيديولوجية قمعية من خلال قصة امرأة ساقطة تبث بعض الحياة داخل مجتمع دنماركي من أتباع المذهب الكالفيني.
من جهته، يعتبر فرنسيس «الرأسمالية الليبرالية» أمرا غير أخلاقي، بينما يبدي بعض التعاطف حيال «لاهوت التحرير» الذي أقره بعض قساوسة أميركا اللاتينية في ستينات القرن الماضي. وفي الوقت ذاته، يشدد على أنه «لم يكن يوما شيوعيا». في الواقع، يضم فرنسيس الشيوعية بجانب الرأسمالية المطلقة والنازية والليبرالية في قائمة الآيديولوجيات الاستبدادية من وجهة نظره، إلا أنه يعتبر العلمانية «العدو الرئيس للإيمان». وأكد على أن «هناك إنكارا للخالق بسبب العلمانية وأنانية وغطرسة الجنس البشري».
تكمن المشكلة في أن فرنسيس يخلط بين العلمانية والإلحاد، إلا أنه بينما يقوم الإلحاد على الإنكار الصريح لوجود الخالق، تعني العلمانية ببساطة إبقاء النطاق العام مفتوح أمام جميع الأديان لحماية الضعيف من قمع القوي. وتنظر العلمانية إلى الدين باعتباره معتقدا شخصيا، من دون أن تنكر وجود الخالق، وإنما كل ما تقوم به هو معارضة تخصيص موارد الدولة لصالح دين بعينه ضد الأديان الأخرى. وهناك أمثلة لا تحصى لكتاب وسياسيين علمانيين كانوا على قدر كبير من التدين في الوقت ذاته.
يضم الكتاب جزءا رائعا حول «القضايا الاجتماعية» المهيمنة على النقاشات العامة في الغرب خلال العقود الأخيرة، بينها الإجهاض وتحديد النسل والطلاق وزواج المثليين وامتناع القساوسة عن الزواج.
هنا يواجه فرنسيس مشكلة حقيقية، ذلك أنه إذا أكد مجدد على مواقف كنيسته، مثلما فعل بينيديكت السادس عشر، فإن هذا سيضعف ادعاءه بكونه «تقدميا». أما إذا أقر موقفا «تقدميا»، فإن ذلك قد يثير غضب الكثيرين من أتباع كنيسته، إن لم يكن من الأغلبية. الملاحظ أن فرنسيس يتعامل مع هذه المعضلة من خلال أسلوب يسوعي كلاسيكي يقوم على إمساك الحبل من المنتصف، إذ يؤكد أن الأمر المهم حقا هو جوهر المسيحية، فيما عدا هذا الجوهر فإن ما يتبقى يطلق عليه فرنسيس «التعاليم الشفهية» التي تتناول السلوك وتنظيم الأمور الاجتماعية. وعليه فإنه من وجهة نظر فرنسيس لا تؤثر قضايا مثل الإجهاض وزواج المثليين على جوهر الإيمان. أما بالنسبة لامتناع القساوسة عن الزواج فيؤكد أن هذا الأمر «يتعلق بنظام قائم، وليس مسألة عقائدية»، ما يعني إمكانية التخلي عنها في المستقبل.
وبجانب نظرته «التقدمية»، يمتاز فرنسيس كذلك بالتفاؤل، حيث يرى أن «الضمير الأخلاقي للثقافات المختلفة يتطور»، ويذكرنا كيف أن «شرور» مثل زنا المحارم والعبودية كانت تقابل بتساهل في فترات مختلفة من التاريخ من جانب جميع الثقافات، بل والأديان، بينما الآن تقابل برفض ونفور شديدين من الجميع.
لكن هل يسير هذا «التطور الأخلاقي» الإنساني، إذا افترضنا وجوده، في خط مستقيم؟ يعترف فرنسيس نفسه أن العبودية لا تزال قائمة في صور مختلفة. في الواقع إن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن عدد العبيد في عالمنا اليوم يتجاوز 27 مليون نسمة، من دون حساب ضحايا الاتجار في البشر بغرض الاستغلال الجنسي. أما بالنسبة إلى زنا المحارم فإن الدنمارك تناقش حاليا مشروع قانون لتجريم الزنا بين الأشقاء والشقيقات البالغين. وإن كانت العبودية ألغيت في القرن التاسع عشر فإن هذا لم يكن نتاجا لـ«تطور أخلاقي»، وإنما لأن الثورة لصناعية جعلت من عمالة العبيد أمرا غير اقتصادي في معظمه.
الملاحظ أن الفكر الثقافي لفرنسيس تهيمن عليه أفكار تعود إلى أثينا القديمة، وليس القدس. ويبدو أنه يشعر بارتياح أكبر في صحبة أرسطو مما مع آباء الكنيسة. ومن بين هؤلاء نجد أن الأب الوحيد الذي يستشهد بعباراته هو القديس أوغستين، صاحب الميول الأرسطوطاليسية.
هل الكنيسة تمثل بالفعل مؤسسة دينية رسمية لا خلاص من دونها؟ أمام مثل هذا التساؤل لا يملك فرنسيس سوى الرد بـ«نعم» قوية. ورغم ذلك فإن قوة هذه الـ«نعم» تخفت قليلا عندما يذكر أنه أثناء شبابه حلم بالسفر إلى اليابان للعمل قسا هناك في بلد تمكنت فيها المسيحية من البقاء من دون أي قساوسة أو مؤسسة على مدار قرنين. ولست أدري إن كان البابا قد قرأ رواية «الصمت» الرائعة للأديب الياباني شوساكو إندو التي تتناول هذا الموضوع تحديدا. ويوضح إندو أنه حتى في ظل أقسى الظروف من التعذيب والقنوط يتطلع البشر إلى الإيمان الديني كوسيلة للشعور بالاطمئنان حيال الصواب والخطأ والخير والشر.
أما اليوم فإن المشكلة هي أن الدين في غالبية صوره يحاول محاكاة الفلسفة التي هي مجال الشك، أو أن يحل محل الآيديولوجية كأداة لتنظيم العمل السياسي.
ويعيد فرنسيس تأكيد الكاتب الفرنسي أندريه مارلو حول أن القرن الحادي والعشرين سيكون «قرنا دينيا»، لكن السؤال هو: الدين في أي صورة من صوره الكثيرة؟ جوهر الدين المسيحي أم التعاليم الشفهية أم النسخة الإسلامية من الشريعة كأداة للسيطرة الاجتماعية والسياسية وفرض الهيمنة، أم الصورة التي يطرحها أولئك الحريصون على الإمساك بالحبل من المنتصف؟ إلا أن المشكلة هي أنه عند نقطة معينة قد يتفسخ هذا الحبل.
البابا فرنسيس.. سياسة الإمساك بالعصا من الوسط
بعض منتقديه يتهمونه بالشيوعية.. وهو يعترف بانجذابه إليها في الماضي
البابا فرنسيس
البابا فرنسيس.. سياسة الإمساك بالعصا من الوسط
البابا فرنسيس
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

