تشيلي... أطول رحلة إلى أطول بلد

عندها تنتهي الأرض... لقبها «بلاد الشعراء» وملهمة شكسبير

تشيلي... أطول رحلة إلى أطول بلد
TT
20

تشيلي... أطول رحلة إلى أطول بلد

تشيلي... أطول رحلة إلى أطول بلد

«سيلفي» أمام اللوحة عند باب إقلاع رحلة طيران الإمارات «تي كيه 263» الأولى إلى سانتياغو عاصمة تشيلي في الخامس من يوليو (تموز) عند الساعة التاسعة وخمس دقائق صباحاً، التقطت الـ«سيلفي» غير آبهة للتعب الواضح على وجهي بعد قطع أكثر من ست ساعات طيران من لندن إلى دبي لأكون شاهدة على أطول رحلة أقوم بها في حياتي إلى وجهة لا أعرف عنها سوى كونها تقع في جنوب أميركا وشكلها طويل ورفيع وتقع ما بين جبال الإنديز وشرق المحيط الهادي، وتحدها بيرو من الشمال وبوليفيا من الجهة الشمال شرقية والأرجنتين من الشرق وممر دريك من أقصى الجنوب. كنت أعرف عنها من خلال شعرائها مثل بابلو نيرودا وغابرييل ميسترال وأعرف أن لقبها «بلاد الشعراء»، ومن المعلومات المحدودة لدي أن عاصمتها سانتياغو تضم أكبر جالية فلسطينية في العالم وفريق كرة القدم Club Deportivo Palestino الذي تأسس عام 1920.
ربطنا الحزام، وبدأت الرحلة بالترحيب بالركاب الذين سيقضون 21 ساعة من الطيران. الوجهة واحدة ولكن قصص الركاب مختلفة، فهناك رجال الأعمال الذين سيستفيدون من الرحلة الجديدة للوصول إلى البرازيل وتشيلي بأسرع وأفضل وقت، وهناك الركاب الذين ينتظرون بفارغ الصبر لقاء ذويهم بعد طول غياب، وهناك من هم مثلي يبحثون عن الرحلات البعيدة والجديدة ويحسبون سنوات عمرهم بالمعرفة التي يكتسبونها من كل رحلة ومغامرة.
أغمضت عيني وبدأت أحلم بتلك البلاد التي شغلني اسمها وتقت شوقاً للوصول إليها لأعرف ما إذا كان اسمها «تشيلي» تيمناً بالفلفل أو بسبب شكلها الطويل والرفيع.
وبعد ساعات وساعات من النوم والأكل ومشاهدة الأفلام حطت الطائرة في مطار سانتياغو الدولي، وكان المساء بارداً والمناخ في تشيلي يعتمد على القطاع الذي تنوي زيارته، فإذا كنت تفضل الطقس الدافئ من الأفضل التخطيط للزيارة ما بين أكتوبر (تشرين الأول) ومارس (آذار) وهذا التوقيت من العام هو الأفضل للذين ينوون زيارة باتاغونيا الواقعة إلى الجنوب من البلاد. وفي حال كنت تنوي زيارة العاصمة الواقعة في وسط الوادي وصحراء «أتاكاما». فيمكنك ذلك في أي وقت من فصول العام مع الأخذ بالحسبان بأن الطقس خلال صيفنا يكون الشتاء في تشيلي. فالفترة ما بين يونيو (حزيران) وأغسطس (آب) هي فترة خريفية جميلة وخلالها تشاهد أجمل اللوحات الطبيعية لا سيما إذا كنت ستقصد الجبال.
لغز الاسم
أول سؤال طرحته على أول شخص تشيلي قابلته كان: «من أين جاءت تسمية تشيلي؟» وكان الجواب بأن هناك لغطاً فيما يخص الاسم، فعلى عكس ما يظنه البعض بأن الاسم جاء من شكل البلد الطويل الأشبه بالفلفل فهو بالفعل جاء من السكان الأصليين الـMapuche ويعني «حيث تنتهي الأرض «أو تقليد المابوتشي لطائر يطلق صوتاً تسمعه وكأنه يغرد «تشيلي تشيلي».

سانتياغو
بعد حل لغز اسم تشيلي جاء وقت تقييم المدينة والحكم عليها من النظرة الأولى، فهي مدينة تحدها الجبال التي كانت تكسوها الثلوج، مدينة عصرية وتاريخية بنفس الوقت، فيها المظاهر التي توحي بأنها مدينة ناجحة اقتصادياً، طرقاتها واسعة وأبنيتها عالية، وفيها أعلى مبنى في جنوب أميركا مؤلف من 64 طابقاً، وتم أخيراً افتتاح منصة لمشاهدة المدينة من الطابق الأخير لترى أجمل معالم المدنية و«أنديان كورديليرا».وتعتبر المدينة الأكثر استقراراً وازدهاراً في أميركا الجنوبية، وشهد القطاع السياحي في تشيلي نمواً مستمراً خلال السنوات الماضية، وتعدى عدد السياح الـ5.6 مليون سائح.
إذا كانت زيارتك قصيرة إلى العاصمة، أفضل وأسرع طريقة للتعرف إليها من خلال الرحلات على متن الحافلات السياحية التي تمر بوسط المدينة وفيها تزور المعالم الاثرية مثل Plaza De Armas وكاتدرائية سانتياغو ومركز البريد المركزي ومبنى البلدية في سانتياغو، ومن الزيارات المهمة أيضاً قصر لا مونيدا Palacio De La Moneda مقر الحكومة التشيلية، ويعود بناء القصر إلى القرن التاسع عشر تم تصميمه ليكون ورشة لإنتاج العملة المعدنية ولهذا السبب أطلق عليه اسم «لا مونيدا» وتعني «العملة».
وبعد زيارة أهم الأبنية والمعالم التاريخية في وسط سانتياغو، أنصحك بالتوجه إلى محيط منطقة Barrio Lastarria حيث يمكنك اكتشاف إرث الهندسة المعمارية وطرزها الحقيقية ولا بد من المشي في شوارعها المميزة بأرضيتها المرصوفة بالحجارة الصغيرة والولوج إلى البوتيكات الصغيرة ومحلات بيع القطع الفنية.
هيا بنا إلى خارج سانتياغو
سانتياغو جميلة ولكن ما هو أجمل هو الخروج منها وزيارة المدن القريبة والذهاب في رحلات أبعد بالطائرة إلى أماكن تستحق عناء السفر.
من الزيارات التي لا تتكرر في حياتك، صحراء «أكاتاما» Acatama، فتخيل أن أرض هذه الصحراء هي الأكثر جفافاً والأعلى في العالم والغريب أن هذه الصحراء تنمو فيها الزهور أقحوانية اللون مما يجعل منها أعجوبة طبيعية حقيقية.
ومن الزيارات الجميلة الأخرى مناطق الجليد في «تييرا ديل فويغو» Tierra Del Fuego واكتشاف الغموض الذي يكتنف أشهر جزيرة في تشيلي Easter Island وPuerto Varas التي كانت على مخطط رحلتي وتبعد نحو الساعة بواسطة الطائرة.
ومن المناطق الرائعة القريبة من سانتياغو «فالبارييزو» Valparaiso التي لعبت دوراً جيوسياسياً مهماً في القسم الثاني من القرن التاسع عشر بسبب مينائها الذي جعلها منفتحة على باقي المدن والدول، هي ثاني أكبر قطاع مأهول في تشيلي ولقبها جوهرة المحيط الهادئ وتعتبر إرثاً تابعاً لليونيسكو، وهي مدينة ثقافية وتجارية مهمة، وساهم ميناؤها في استقبال الأوروبيين، لا سيما الإسبان إليها.
بعد التعرف إلى مينائها وساحتها يمكنك زيارة المتحف البحري ومتحف الفنون الجميلة بالإضافة إلى متحف التاريخ الطبيعي، ولكن من أجمل ما يمكن أن تفعله في فالبارييسو هو الصعود إلى أعلى وزيارة متحف كازا لا سيباستيانا Casa La Sebastiana منزل الشاعر بابلو نيرودا الواقع على تلة تشرف على بيوت تلك المدينة العشوائية الملونة التي تتكئ على بعضها بعضاً، وهذا المنزل هو عينة ثقافية وترجمة للثروة الفنية والثقافية في تشيلي.
ومن الممكن المشي بين أزقتها وسلالمها والقيام برحلة قصيرة على متن التلفريك القديم واستنشاق الثقافة والفن والتمعن بفن الغرافيتي المنتشر في المدينة التي تضم أكبر عدد من الفنانين والرسامين، ويتخلل نزولك مطاعم ومقاه معلقة بين الأبنية وكلها تطل على مناظر ساحرة.

الأكل في تشيلي
إذا كنت تحب سمك السلمون فأنت في المكان الصحيح، لأن تشيلي تحتضن أعداداً هائلة من مزارع السلمون، وفي حال كنت من أنصار اللحم البقري وتحديداً الاستيك فأنت أيضاً في المكان المناسب لأن تشيلي تقدم أجود أنواع اللحم وتشتهر مطاعمها بتقديم أفضل الوصفات للاستيك المشوي.
ولمحبي المعجنات أنصحهم بتذوق الـ«Sopaipillas» ومعجنات الـ«إيمباناداس» Empanadas وهي عبارة عن قطعة من العجين محشوة بالخضراوات أو الدجاج أو اللحم.
وفي تشيلي الأكل جيد، بما فيه أكل الشارع البسيط فهو رخيص ولذيذ بنفس الوقت.
المعروف عن التشيليين حبهم للآيس كريم ولهذا ترى الكثير من محلات بيعها في مختلف أرجائها وفي جميع الفصول.

ما لا تعرفه عن تشيلي
> تعتبر تشيلي من بين الدول القليلة في العالم التي تضم مكتباً رسمياً لرصد الأجسام الفضائية الغريبة UFO وهذا ما يفسر شعف التشيليين بمراقبة السماء ورصد النجوم وما يجري فيها وهم من أكثر الشعوب التي تنشر فيديوهات يدعي أصحابها رؤية أجسام غريبة في السماء.
> الشعب التشيلي يحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث استهلاك الخبز بعد الشعب الألماني الذي يحتل المرتبة الأولى. ولهذا تتوفر أنواع عديدة من الخبز اللذيذ وأشهرها ماراكيتا Marraqueta.
> توجد في تشيلي أقدم مومياء في العالم، مما يجعلها أقدم بكثير من المومياء في مصر، اكتشفت في وادي كامارونيس وأقدمها يعود إلى نحو عام 5050 قبل المسيح.
* دخلت تشيلي موسوعة غينيس للأرقام القياسية بعد تسجيل أكبر بركة سباحة في العالم تتسع لـ66 مليون غالون من الماء وهي بحجم 20 بركة سباحة أولمبية.
> تشيلي حطمت الرقم القياسي عام 2007 بعدما أطلقت في ميناء فينيا ديل مار في فالباريسو 1600 لوحة من الألعاب النارية، ودخلت بذلك موسوعة غينيس.
> يقال إن شكسبير استلهم شخصية «كاليبان» في مسرحة «ذا تيمبيست» بعد قراءة مدونة مستكشف ووصفه للعشائر التي كانت تعيش في «تييرا ديل فويغو» الواقعة إلى أقصى الجنوب من تشيلي.
> من أجمل الطرقات في العالم هو تلك الذي ينتهي في مدينة «كويللون» في جزيرة «تشيلويه»، وفي هذه النقطة تلتقط أجمل الصور الفوتوغرافية على الإطلاق. والطريق الثاني الرائع ينتهي في مدينة «أوشوايا» في الأرجنتين.
> أكبر زلزال مسجل في العالم ضرب تشيلي وبلغت قوته 9.5 على مقياس ريختر، وحصل في فالديفيا عام 1960 ودام لمدة 13 دقيقة وحصد نحو 6 آلاف ضحية.
> اللغة الرسمية في تشيلي هي الإسبانية، ويتسم الشعب التشيلي كونه ودوداً ومنفتحاً على الجنسيات الأخرى.

كلمة أخيرة
من الصعب أن تحصي روعة وجمال تشيلي في كلمات معدودة ولكن من السهل أن تسهب في وصفها الذي يستحق الكثير من الكلمات.



ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)
تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)
TT
20

ملاجئ الحرب في لندن... وجهة سياحية تعد بالكثير

تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)
تصور لتغير الانفاق الى مناطق جذب سياحي (أنفاق لندن)

على عُمق 30 متراً (98 قدماً) تحت مدينة لندن، تقع شبكة من الأنفاق بطول ميل واحد، من المقرر أن تصبح واحدة من أهم مناطق الجذب السياحي في العاصمة البريطانية، وفقاً للشركة التي حصلت على الموافقة لتنفيذ المشروع بتكلفة 149 مليون دولار.

كانت أنفاق «كينغسواي إكستشينج» قد بُنيت في الأربعينات من القرن الماضي لحماية سكان العاصمة من حملة قصف معروفة بـ«بليتز»، (حملة قصف ألمانية على المملكة المتحدة في عامي 1940 و1941، وقد استخدمت المصطلح لأول مرة وسائل الإعلام البريطانية، وأصل الكلمة مشتق من الألمانية Blitzkrieg، وتعني «الحرب الخاطفة»)، خلال الحرب العالمية الثانية، وكانت هذه هي المرة الأخيرة التي فُتحت فيها للجمهور.

المالك الجديد لمجمع الأنفاق يريد جذب ملايين السياح سنويًا. (أنفاق لندن)
المالك الجديد لمجمع الأنفاق يريد جذب ملايين السياح سنويًا. (أنفاق لندن)

كان الدور التالي لهذه الأنفاق في زمن الحرب أنها مقر للعمليات الخاصة البريطانية السرية للغاية، التي كانت جزءاً من الاستخبارات البريطانية «M16»، ومصدر إلهام من الواقع لقسم «Q» في سلسلة أفلام العميل السري «جيمس بوند».

وسيكون هذا المَعْلم السياحي الجديد بمنزلة نصب تذكاري لحملة قصف لندن، وهو ما ذكره بيان للرئيس التنفيذي لـ«أنفاق لندن»، أنغوس موراي، قائلاً إن الموقع سيقسَّم إلى ثلاثة أجزاء: «متحف، ومعرض، ومكان ترفيهي». ومن المقرر افتتاح المشروع للجمهور في أواخر عام 2027 أو أوائل 2028.

تصور لترميم الأنفاق بطريقة جذابة. (أنفاق لندن)
تصور لترميم الأنفاق بطريقة جذابة. (أنفاق لندن)

«متحف لندن للنقل» يُقدم جولات حصرية وإذا كنت لا تستطيع الانتظار حتى ذلك الحين لاستكشاف أعماق مدينة لندن، فإن «متحف لندن للنقل» يُقدم جولات حصرية، بصحبة مرشدين، لمحطات الأنفاق المهجورة، بما في ذلك محطة «داون ستريت»، التي كانت مخبأ سرياً تحت الأرض ساعد بريطانيا على تحقيق النصر في الحرب العالمية الثانية. هناك باب مغلق على المنصة المتجهة شرقاً من محطة «تشانسيري لين» في مترو أنفاق لندن. إنه باب متواضع، وقوي وأبيض اللون. وخلفه تجد مجموعة من السلالم المؤدية إلى متاهة يبلغ طولها ميلاً واحداً تقريباً من الأنفاق التي بُنيت في الأربعينات من القرن العشرين، التي هدفها في البداية أن تكون ملجأً للحرب ثم استُخدمت في وقت لاحق للتجسس وتخزين 400 طن من الوثائق الحكومية وخدمات الاتصالات.

ترميم الأنفاق بطريقة جذابة (انفاق لندن)
ترميم الأنفاق بطريقة جذابة (انفاق لندن)

مرحباً بكم في أنفاق «كينغسواي إكستشينج»، التي تقع على عُمق 100 قدم تقريباً تحت مستوى شوارع وسط لندن، وتمتد تحت الخط المركزي لمترو الأنفاق. سرعان ما تدخل تلك الأنفاق إلى فصل جديد من تاريخها؛ إذ تقدَّم أنغوس موراي، صاحب المجمع، الذي اشترى الأنفاق الصيف الماضي، بطلب للحصول على تصريح تخطيط للسلطات المحلية جنباً إلى جنب مع شركة «ويلكنسون أير» المعمارية لتحويل الأنفاق إلى وجهة سياحية يمكنها استقبال ملايين الأشخاص سنوياً. وتخطط شركة أنفاق لندن، التي يملكها موراي، لاستثمار ما مجموعه 220 مليون جنيه إسترليني (نحو 275 مليون دولار) في ترميم الأنفاق والحفاظ عليها، فضلاً عن إضافة التكنولوجيا للمنشآت الفنية وغيرها من عوامل الجذب السياحي. وقال موراي إنه سيكون قادراً على استضافة معارض فنية مؤقتة، وعروض أزياء وغيرها. وفي الوقت الحالي، يتطلب الدخول إلى الأنفاق ركوب مصعد صغير مخبَّأ خلف باب جانبي في أحد الأزقة قبالة شارع واسع في وسط لندن. (قال موراي إن زوار المنطقة الجديدة سوف يستخدمون مدخلاً مختلفاً، وأكبر حجماً).

داخل انفاق لندن عالم ثاني (أنفاق لندن)
داخل انفاق لندن عالم ثاني (أنفاق لندن)

وعندما تُفتح أبواب المصعد، تدخل إلى نفق يعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية -وهو واحد من 10 ملاجئ مدنية اقترحتها الحكومة البريطانية بعد بداية حملة القصف الجوي النازية، وهو قصف الذي استمر 8 أشهر على لندن من الألمان، وبدأ في سبتمبر (أيلول) عام 1940. لم تُستخدم الأنفاق أبداً ملاجئ. وبحلول الوقت الذي اكتملت فيه عام 1942، كانت الغارات الجوية قد انتهت.

نظام اتصالات سرِّي في الأنفاق

وخلال الحرب الباردة، أصدرت الحكومة البريطانية تعليمات إلى إدارة الهاتف، والذي أصبح فيما بعد شركة الاتصالات البريطانية، بإنشاء نظام اتصالات سرِّي في الأنفاق التي يمكن أن تصمد أمام هجوم نووي. وقد كان الخط الساخن الشهير بين الكرملين والبيت الأبيض يمر عبر ذلك المجمع، وفق الموقع الإلكتروني للمشروع. ولا يزال بعض معدات التبادل الهاتفي في الأنفاق قائمة حتى اليوم، على الرغم من أنها لم تُستخدم منذ ثمانينات القرن الماضي على الأقل. وقال مارتن ديكسون، أحد أمناء مؤسسة «سابتيرانيان بريتانيكا»، وهي مؤسسة خيرية توثق وتحاول الحفاظ على المساحات تحت الأرض: «إن الفكرة كانت أن هذا من شأنه أن يوفر درجة من الحماية». وأضاف ديكسون، الذي انضم إلى مؤسسة «سابتيرانيان بريتانيكا» قبل نحو 40 عاماً: «لو أن الحرب الباردة قد تحولت إلى شيء أكثر خطورة، لكان ذلك قد سمح باستمرار الاتصالات على مستوى ما». وتمتد الأنفاق تحت محطة «تشانسيري لين» لقطارات الأنفاق لأكثر من ميل، ويصل قطرها في بعض الأماكن إلى 25 قدماً تقريباً. وقال السيد موراي إن هذه الأبعاد تجعلها من بين كبرى مجموعات الأنفاق التي جرى بناؤها للناس في مدينة حضرية. وأضاف موراي قائلاً: «لديها تاريخ رائع حقاً». بالنسبة لمجموعة من العاملين في مكاتب البريد والاتصالات في العقود التالية على الحرب العالمية الثانية، تحول مجمع الأنفاق إلى مكان عمل، وقد ظلت بعض جوانبه باقية. وفي إحدى الغرف، لا مفرَّ من اشتمام رائحة سجادة قديمة. ولا يزال آخر يحمل بقايا مقصف. وهناك أيضاً نافذة مزيَّفة تصوِّر صور الطبيعة على أنها زخارف. ولا تزال هناك مكاتب، وكذلك غرف حيث يمكن للعمال قضاء الليل فيها. بعض أجزاء الأنفاق مبطنة بجدران وهمية، وبأبواب ليس وراءها أي شيء.

بريطانيا أول من إنشاءت الأنفاق خلال الحرب(أنفاق لندن)
بريطانيا أول من إنشاءت الأنفاق خلال الحرب(أنفاق لندن)

وقد أصبحت عملية الاتصالات في الأنفاق أمراً قديماً منذ ثمانينات القرن الماضي. وفي عام 2008، عرضت شركة الاتصالات البريطانية الأنفاق للبيع. اعتاد موظفو شركة الاتصالات البريطانية على النزول إلى المجمع حتى تسعينات القرن الماضي للتفتيش على السلامة من الحريق وغير ذلك من الظروف الأخرى. وكانت الأنفاق بخلاف ذلك خاوية. لا تزال هناك حاجة إلى توضيح كثير من التفاصيل بشأن منطقة الجذب السياحي الجديدة، ولكن السيد موراي قال إن تكلفة الزيارة ربما تكون في نفس نطاق السعر الذي تتمتع به المواقع السياحية الرئيسية الأخرى في لندن. (تبلغ رسوم الدخول إلى برج لندن نحو 40 دولاراً، وتبلغ رسوم الدخول إلى دير وستمنستر نحو 36 دولاراً). وقال ديكسون، من مؤسسة «سابتيرانيان بريتانيكا»، إنه متحمس لتوقع تحول «كينغسواي إكستشينج» إلى منطقة جذب سياحية، شريطة أن تكون آمنة وأن يُحفظ التاريخ. وقال ديكسون: «لقد رأيت الآلاف من الأماكن تحت الأرض، من الأماكن العادية إلى المثيرة». ثم أضاف أن «(كينجسواي إكستشينج) مثيرة للاهتمام بصفة خاصة بسبب جميع الوظائف المختلفة التي كانت فيها. فقد لعبت دورها في الحرب العالمية الثانية، وكانت على استعداد للاضطلاع بدورها في الحرب الباردة كذلك».

إنشاء نظام اتصالات سري في الأنفاق خلال الحرب (غيتي)
إنشاء نظام اتصالات سري في الأنفاق خلال الحرب (غيتي)

وقال موراي في بيان له: «إن تاريخ الأنفاق وحجمها وموقعها بين هولبورن في لندن ومنطقة سكوير مايل التاريخية، يمكن أن يجعل هذه الأنفاق واحدة من أكثر الوجهات السياحية شعبية في لندن». وتتمثل الخطة في استثمار 140 مليون جنيه إسترليني (170.5 مليون دولار) في أعمال الترميم، ثم 80 مليون جنيه إسترليني (97 مليون دولار) أخرى في جميع الأجراس والصافرات المغمورة. ومع وجود المهندسين المعماريين من شركة «ويلكنسون أير» ضمن جهود المشروع، من المؤكد أن لديهم فريقاً بارعاً جرى تجميعه لتنفيذ هذه المشاريع الطموحة التي تفوق إلى حد بعيد أي شيء آخر معروض في المدينة.

استخدام الأنفاق لتخزين معدات الاتصالات. (أنفاق لندن)
استخدام الأنفاق لتخزين معدات الاتصالات. (أنفاق لندن)

غرف حرب تشرشل تحت الأرض

تعد «غرف حرب تشرشل» -التي تقع على عمق 12 قدماً فقط تحت مستوى الأرض وجزء صغير من المساحة البالغة 8000 متر مربع التي تشغلها أنفاق «كينغسواي إكستشينج»- من أكثر مناطق الجذب السياحي الدائمة تحت الأرض تطوراً في لندن حالياً. كما تُجري شركة مترو أنفاق لندن جولات سياحية دورية في «لندن الخفية» لاستكشاف محطات المترو والأنفاق المهجورة في المدينة. وعادةً ما تكون الجولات ذات شعبية كبيرة مع زيادة ملحوظة في عدد المشتركين فيها، حيث تنفد التذاكر بمجرد طرحها للبيع. ومع ذلك، فهي لا تزال أفضل فرصة لك لخوض مغامرة تحت الأرض لبضع سنوات مقبلة، لأن مشروع أنفاق لندن إذا استمر فلن يستقبل أول زواره المنبهرين حتى عام 2027.

إستخدامها لتخزين 400 طن من الوثائق الحكومية وخدمات الاتصالات (أنفاق لندن)
إستخدامها لتخزين 400 طن من الوثائق الحكومية وخدمات الاتصالات (أنفاق لندن)

إذاً، كيف وصلنا إلى هنا؟ بعد الحرب، استولت المخابرات البريطانية على الأنفاق لمكتبها التنفيذي للعمليات الخاصة (جزء من MI6)، وكان من المفترض أن تكون المكاتب مصدر إلهام لأفلام «جيمس بوند». وفي الخمسينات، جرى تحويل المجمع إلى Kingsway Exchange Tunnels، وهو يضم أعمق مقهى تحت الأرض، تم بناؤه لموظفيه البالغ عددهم 200 موظف.

وقال موراي: «عندما تنزل إلى هذه الأنفاق، سيكون من المستحيل عدم التفكير في تاريخ بنائها، وكيف ضحَّى الرجال والنساء بأنفسهم من أجل ذلك».

تم بناء الأنفاق في أربعينيات القرن العشرين(أنفاق لندن)
تم بناء الأنفاق في أربعينيات القرن العشرين(أنفاق لندن)

وأوضح موراي الخطط قائلاً: «هناك مولِّدان كبيران جرى تركيبهما بعد الحرب لتشغيل تبادل الاتصالات. سيتم الاحتفاظ بجميع هذه القطع من المعدات -مثلما فعل ويلكنسون اير في باترسي- وسيرى الناس هذه المعدات الأصلية الموجودة داخل الأنفاق».

ويأمل المشروع الذي تبلغ تكلفته 120 مليون جنيه إسترليني أن يتميز بشاشات عالية الدقة وأنشطة تفاعلية ومئات من المتحدثين، وحتى تكنولوجيا انبعاث الروائح لجذب هواة التاريخ والسياح على حد سواء. ويتوقع موراي أن يكون عامل الجذب مؤثراً مثل «عين لندن» التي تستقبل نحو 3 ملايين زائر سنوياً.