البرهان لـ «الشرق الأوسط»: التطبيع مع إسرائيل لمصلحة السودان

قال إن السعودية «حليف استراتيجي»... ويزور الرياض قريباً تلبية لدعوة من خادم الحرمين الشريفين

رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان
رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان
TT

البرهان لـ «الشرق الأوسط»: التطبيع مع إسرائيل لمصلحة السودان

رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان
رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان

قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إن لقاءه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أوغندا، في الثالث من الشهر الحالي، أتي «في إطار بحث السودان عن مصالحه الوطنية والأمنية»، مشيراً إلى أن «الاتصالات لن تنقطع، في ظل وجود ترحيب كبير وتوافق كبير داخل السودان».
وأوضح البرهان في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أنه سيعمل على تحقيق مصالح السودان متى ما كان الأمر متاحاً، وأن الجهاز التنفيذي (مجلس الوزراء) سيتولى ترتيب الاتصالات المقبلة وإدارة العلاقات الدبلوماسية بمجرد التوافق على قيامها.
وأشار إلى تكوين «لجنة مصغرة» لمواصلة بحث الأمر، مؤكداً أن تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل يلقى تأييداً شعبياً واسعاً، ولا ترفضه إلا مجموعات آيديولوجية محدودة، فيما تقبله بقية مكونات المجتمع، مؤكداً وجود دور إسرائيلي في قضية رفع اسم السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب.
وأعلن البرهان في اللقاء الذي تم داخل القصر الجمهوري في الخرطوم، أنه في انتظار اكتمال الإجراءات لتحديد موعد للذهاب إلى الولايات المتحدة للقاء الرئيس دونالد ترمب.
وأكد أن «مثول» المطلوبين من النظام السابق أمام المحكمة الجنائية الدولية، لا يعني تسليمهم ليحاكموا في لاهاي. وقال إن «مسألة إخراج شكل المحاكمة ومكانها أمر قابل للمراجعة والتباحث بشأنه بين الأجهزة المعنية في الحكومة وشركائها».
واتهم «ناشطين» لم يسمهم، بمحاولة «دق إسفين بين الجيش والمدنيين». وقال إن العلاقة بين الجيش السوداني والمواطنين «قوية جداً، ولا يمكن لأي ناشط أو من يحمل نية سيئة الحيلولة دون استمرار ثقة الشعب السوداني في قواته المسلحة». واعتبر أن «القوات المسلحة ظلت تستجيب للوطن وأبنائه في كثير من المواقف العصيبة، وموقفها من الثورة السودانية خير شاهد على ذلك». وإلى نص الحوار...

> تحتفظون بعلاقات حميدة مع دول الخليج العربي. لكنه تردد في الآونة الأخيرة وجود برود في العلاقات. كيف تسير الأمور مع الخليج؟
- تربطنا علاقات جيدة مع دول الخليج، وكل المحيط الإقليمي، وهي تقوم على روابط مشتركة كثيرة، وتعززها المصالح، من أجل تحقيق أمن ورفاهية كل شعوب المنطقة. أما علاقتنا بالمملكة العربية السعودية فذات خصوصية واستراتيجية، وسأزور الرياض قريباً تلبية لدعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.
علاقاتنا دائماً مع الخليج تقوم على الإخاء والاحترام المتبادل، والتنسيق المستمر في كل قضايا الإقليم والمنطقة العربية، ولا توجد توترات أو حتى بوادر توتر.
> هل ستعيدون القوات السودانية العاملة في اليمن، مع ارتفاع نبرة الدعوة إلى الحل السياسي، أم ستبقى هناك؟
- نحن مع الحل السياسي للأزمة اليمنية، ومع إعادة الهدوء في اليمن، وهذا لن يتم بمعزل عن رؤية الحل السياسي، فالوجود العسكري الحالي ضمن قوات التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن، وبقاء قواتنا أو عودتها مرهون بما يمكن أن يتحقق واقعياً بشأن الحل السياسي، بما يحقق المصلحة التي أدت لتكوين التحالف.
> نقلت وسائل إعلام أخيراً دعوات لتبادل الأسرى السودانيين مع الحوثيين. أين وصلت عملية التبادل؟
- الأسر واحد من إفرازات الحروب وواحد من نتائجها المتوقعة بين أي طرفين، وقطعاً طالما هناك أسرى سيتم العمل على استعادتهم.
> هناك كثير من الملفات الشائكة في العلاقة مع مصر، مثل قضية حلايب و«سد النهضة» والملف الليبي. ما رؤيتكم للتعامل مع هذه الملفات؟
- المشتركات التي تجمعنا مع الجانب المصري، وتصب في مصلحة شعبي وادي النيل كثيرة، وذلك نسبة للمصير الواحد، لذلك يعالج السودان تداخلاته مع مصر وفقاً للنهج الذي يحفظ حقوق الشعب السوداني، وفي الوقت ذاته يراعي الحفاظ على الأمن والسلم في الإقليم، والابتعاد به عن التوترات. كل مراقب يعلم مواقفنا المعلنة تجاه قضية حلايب، ومشاركاتنا في حل إفرازات قيام «سد النهضة»، على أساس ضمان التدفق المائي الآمن، بالحصص التي تحفظ حقوق كل من مصر والسودان وإثيوبيا.
أما الوضع في ليبيا، فنتمنى أن يصل الفرقاء هناك لحلول سياسية ناجعة في وقت قريب، ولا تنفك رؤيتنا للأوضاع في ليبيا عن الرؤية الأمنية للأمم المتحدة. والسودان بسبب حساسية الموقف لا يتدخل في الملف الليبي، إلا وفقاً للرؤى الإقليمية والدولية.
> تعاني دول عربية من توترات ناتجة عن العلاقة المضطربة بين الجيوش والمدنيين. هل أفلحتم في خلق نموذج سوداني لتفادي سوء العلاقة بين الجيش والمدنيين؟
- يحتفظ الجيش السوداني بعلاقة متميزة وقوية جداً مع الشعب السوداني، بحكم خصوصية تركيبة المجتمع السوداني. ولا يمكن لأي ناشط أو من يحمل نية سيئة الحيلولة دون استمرار ثقة الشعب السوداني في قواته المسلحة، والمواقف التاريخية والآنية. وقد أثبتت قواتنا المسلحة جدارة في تنفيذ مهامها وواجباتها بمهنية واحترافية، ما جعلها تستجيب في الوقت المناسب للوطن وأبنائه في كثير من المواقف العصيبة التي مرت بها البلاد، والثورة السودانية خير شاهد على ذلك.
نطمئنكم على متانة العلاقة بين العسكريين والمدنيين في السودان، ونعد بأن تظل صلبة وقوية، مهما حاول أصحاب الأغراض المريضة التأثير عليها. ومثال على ذلك أن مجلس السيادة كقمة مستويات الحكم في السودان يجمع فريقاً واحداً من العسكريين والمدنيين، يعملون في تجانس تام. وقيام الشراكة الحالية التي تدير دفة البلاد دليل على متانة العلاقة.
> حدثت متغيرات في موقف «سد النهضة»، تتمثل في المطالبة بالحقوق المائية، على عكس موقف النظام السابق الذي كان تابعاً للموقف الإثيوبي. هل سيؤثر هذا على علاقات البلدين؟
- أعلن السودان بعد ثورته المجيدة البعد عن سياسة المحاور والتبعية، وأن تقوم علاقاته الخارجية على تحقيق مصلحة شعبه. والجارة إثيوبيا والجارة مصر، تقوم علاقتنا معهما بما يحقق مصلحة شعوب هذه الدول، ولذلك نتعامل مع مشتركات ملف «سد النهضة» بالحوار المستمر، والسودان يقع ضمن دائرة هذا الحوار، بكل حيادية بين الطرفين، وفي الوقت ذاته يبحث عما يحقق مصالحه المشروعة في مياه النيل.
> أثار لقاؤك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضجة كبيرة، على المستويين المحلي والدولي.
- من حق السودان أن يبحث عن مصالحه الوطنية والأمنية في كل مكان، متى ما كان ذلك متاحاً، وسيتم الوصول إلى هذه المصلحة.
> هل ما زال هناك تواصل مع الجانبين الأميركي أو الإسرائيلي بهذا الخصوص؟
- يقوم الجهاز التنفيذي (مجلس الوزراء) بترتيب الاتصالات وإدارة العلاقات الدبلوماسية بمجرد التوافق على قيامها. وقد تم تكوين لجنة مصغرة لمتابعة الأمر... فالتفاهم مع الجانب الأميركي مستمر ولم ينقطع. أما مع الجانب الإسرائيلي فمتروك للجهاز التنفيذي.
> متى ستلبي الدعوة لزيارة واشنطن؟
- ستتم متى ما اكتملت الترتيبات لها.
> كيف تمت هذه الاتصالات؟ وماذا يستفيد منها السودان؟
- القاعدة فيما حدث هي المصلحة الوطنية. أما كيف تمت الاتصالات، فهناك طرف ثالث قام بترتيب الاتصالات الأولية. في اللقاء الذي تم في عنتيبي بأوغندا، أكدنا على دور الجانب الإسرائيلي في دعم السودان فيما يتعلق بلائحة الدول الراعية للإرهاب.
> هل هناك معارضة سودانية؟
- مصلحة السودان يؤيدها قطاع واسع من السودانيين، ولا يعارضها سوى عدد محدد من الجماعات الآيديولوجية.
> فجر ملف التطبيع ما يمكن أن نطلق عليه «انقساماً» بين مكونات الحكومة الانتقالية، فإلى أي مدى استطعتم احتواءه؟
- لم تتعود أنظمتنا السابقة على قبول الرأي والرأي الآخر، وفي أجواء الديمقراطية لا تفسد التباينات للود قضية، وما بيننا كمجلس سيادة ومجلس وزراء، وقوى إعلان الحرية والتغيير، أكبر من أن يحدث فيه انقسام، فنحن نتعامل جميعاً بالتنسيق المشترك وبالحوار. نحن نعمل كفريق واحد، لإنجاز مهام الفترة الانتقالية، وإكمال شعارات الثورة السودانية، وتحقيق تطلعات الشعب السوداني في العيش الكريم من دون معاناة. لهذا مهما اختلفت وجهات النظر في أمر، ففي النهاية نصل إلى الحلول التي ترضي أشواقنا من أجل خدمة قضايا الانتقال.
> قرر المجلس الأعلى للسلام برئاستكم مثول المطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية، بمن فيهم الرئيس المعزول عمر البشير. هل ستسلمونهم إلى لاهاي؟
- سؤالكم منطوقه يقول «مثول المطلوبين»، ولم يفد بتسليمهم. وهذه الكلمة بكل حيثياتها لا تفيد دفع المذكورين إلى لاهاي، فقط تبقى مسألة إخراج شكل المحاكمة ومكانها أمراً قابل للمراجعة والتباحث بشأنه بين الأجهزة المعنية في الحكومة وشركائها.
> خرجت تصريحات إيجابية من المفاوضين في جوبا عن قرب الوصول لاتفاق سلام، هل أنت متفائل بحدوث اختراق قريب في هذا الملف؟
- مفاوضات السلام تسير بأمل كبير للتوصل إلى سلام دائم، وعودة الحركات المسلحة للبلاد والانضمام لعملية بناء الوطن، لأنهم شركاء في الثورة السودانية، والاختراقات حدثت في كثير من الملفات، ونتوقع استجابة لنداء السلام، باعتباره مطلباً وطنياً لجميع السودانيين.
> ما أكبر عقبة تواجه الفترة الانتقالية الآن؟
- إنهاء الحرب وتحقيق السلام يعد أكبر وأصعب مهمة، تليها مواجهة الأزمات الاقتصادية والمعيشية.
> رئيس الوزراء طلب بعثة أممية لدعم السلام في السودان. ما رأيكم فيها؟
- نقوم بإجراء التعديلات اللازمة على المقترح، فنحن نحتاج إلى مساعدة الأمم المتحدة.
> يتداول كثيرون معلومات تقول إن العسكريين في الحكومة يعرقلون تصفية مراكز نفوذ النظام السابق. ما مدى صحة هذه المزاعم؟ وهل هناك تناغم حول هذا المطلب الثوري؟
- التناغم بيننا وبين المدنيين في الحكومة ومجلس السيادة كبير جداً. ومطالب الثورة السودانية فرض عين يتعين الإيفاء به من قبل الجميع عسكريين ومدنيين، والتشكيك في إخلاص العسكريين يقف وراءه داء مستحكم من بعض أصحاب الأجندة الآيديولوجية.
عملية تصفية النظام السابق ورئاسة لجنة تفكيك التمكين برئاسة عسكري بمجلس السيادة. وجميع علميات تجريد ممتلكات النظام السابق أنجزت بمساعدة القوات النظامية. هذا حديث لا يسنده منطق، ولا أساس له من الصحة تماماً.
> جعلت تجربة «تمرد قوات هيئة العمليات» التابعة لجهاز الأمن الوطني السابق، من إعادة هيكلة القوات قضية ملحة. أين وصلت الهيكلة؟
- إعادة الهيكلة وإعادة ترتيب كل مؤسسات الدولة، بما يتوافق مع شعارات الثورة السودانية ومطالباتها، قد بدأت بالفعل منذ بداية الفترة الانتقالية. أعادت القوات المسلحة تنظيم نفسها بهدف الوصول إلى جيش مثالي محترف وقادر على استيعاب كل من هو قادر وفقاً لمتطلبات التجنيد على الانخراط في أداء هذا الواجب الوطني، سواء من قطاع الشباب أو ممن سينضمون من الحركات المسلحة عقب اكتمال مفاوضات السلام، بحسب إجراءات الترتيبات الأمنية.
أما قوات الدعم السريع، فهي جزء من القوات وتأتمر بأمرها، وتعمل حسب خططها العسكرية المختلفة، وتعلمون حجم التغيرات التي حدثت على مستوى قيادات وإعادة ترتيب القوات النظامية الأخرى، بما يحقق الحفاظ على أمن البلاد، والدفاع عنها ضد المهددات الداخلية والخارجية.
> أكدت في لقاء سابق مع «الشرق الأوسط» أنكم كعسكريين زاهدون في السلطة. هل ما زلتم على هذا الموقف؟
- نؤكد موقفنا هذا مجدداً، ونعض عليه بالنواجذ، فمسيرتنا مع الثورة السودانية، وأداؤنا في الفترة الانتقالية يستند على هذه المعاني، وهذا عهدنا مع شعبنا الكريم، ولن نخذله، ولن نسلمه إلا طموحاته التي خرج من أجلها وناضل.
> يدور جدل بشأن بقاء ولاة (حكام) الولايات العسكريين المكلفين، ومطالبات بتعيين مدنيين، ويتردد أنكم طلبتم من العسكريين الالتحاق بوحداتهم، وإيكال المهمة للمديرين التنفيذين لحين تعيين حكام مدنيين.
- الولاة العسكريون باقون في مناصبهم بطلب من الجهاز التنفيذي، لكننا أبلغنا حكام الولاة العسكريين بالعودة إلى قيادتهم العسكرية، إذا تصاعدت المطالب من قبل المواطنين بتنحيهم.



الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

صعّدت الجماعة الحوثية من عمليات الاستقطاب والتعبئة في أوساط الفئات الأشد ضعفاً في مناطق سيطرتها، مستهدفة المهمشين وكبار السن عبر حملات تجنيد وتعبئة ذات طابع عسكري وطائفي، بالتوازي مع استمرار الأزمة الإنسانية والانهيار المعيشي الذي يضرب البلاد.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة كثَّفت نزولها الميداني إلى الأحياء الفقيرة والتجمعات السكنية التابعة للمهمشين في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظة إب، وعملت على استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي تكابدها هذه الفئات، من خلال تقديم وعود بمساعدات غذائية ومبالغ مالية ورواتب شهرية مقابل الدفع بأبنائهم إلى معسكرات التجنيد التابعة لها.

وحسب المصادر، فإن الجماعة ركزت حملاتها على فئات الشبان والمراهقين من ذوي البشرة السوداء، قبل نقل العشرات منهم إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار؛ تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في مأرب وتعز ضمن التعزيزات البشرية التي تدفع بها الجماعة بصورة مستمرة إلى خطوط المواجهات.

حريق ضخم التهم مخيماً لفئة المهمشين في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وفي صنعاء، استغلت الجماعة الحوثية حادثة الحريق التي اندلعت قبل أيام في مخيم يتبع للمهمشين بمديرية معين، وأدى إلى تدمير مساكن عشرات الأسر؛ لتنفيذ حملات استقطاب داخل المخيم تحت غطاء العمل الإغاثي.

وأوضحت المصادر أن الجماعة نفذت عقب الحريق نزولات ميدانية إلى المخيم الذي يضم نحو 75 أسرة متضررة، وعرضت تقديم مساعدات إيوائية وغذائية مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمعسكرات التدريب الحوثية.

وأكدت المصادر أن الجماعة نقلت نحو 55 مجنداً من أبناء الفئات المهمشة، معظمهم من صغار السن، إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار، قبل الدفع ببعضهم لاحقاً نحو جبهات مأرب وتعز.

وروى سكان من مخيم المهمشين في شارع الزبيري بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من تفاصيل الضغوط التي تعرضوا لها عقب الحريق، مؤكدين أن المشرفين الحوثيين ربطوا بين الحصول على المساعدات الإنسانية وبين إرسال أحد أفراد الأسرة إلى ما تسمى «الدورات العسكرية».

وقال أحد سكان المخيم، طلب حجب هويته لدواعٍ أمنية: «كنا ننتظر تدخلات لإنقاذ النساء والأطفال بعد الحريق، لكن المشرفين بدأوا بالسؤال عن الشباب القادرين على القتال، وأبلغوا بعض الأسر أن أولوية الدعم ستكون لمن يوافق على إرسال أحد أبنائه».

وأضاف أن كثيراً من الأسر وجدت نفسها أمام خيار صعب بين الجوع والتشرد، أو القبول بزج أبنائها في المعارك، في ظل غياب أي دعم حكومي أو إنساني كافٍ.

حملات استقطاب في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) تحدثت مصادر محلية عن تصاعد حملات التجنيد الحوثية في مخيمات وتجمعات المهمشين الواقعة في مفرق جبلة ومناطق أخرى بمحيط مركز المحافظة، حيث جرى نقل عشرات الشبان خلال الأيام الماضية إلى معسكرات تدريب خارج المدينة.

واتهم أحد أبناء الفئات المهمشة الجماعة بالتركيز على استهداف الأسر الأشد فقراً، مستفيدة من تدهور الظروف المعيشية وغياب مصادر الدخل، مؤكداً أن كثيراً من الأسر رضخت للضغوط تحت وطأة الحاجة.

الحوثيون خصّصوا الأموال لاستقطاب الفئات الأكثر ضعفاً وتجنيدهم (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف ناشطون حقوقيون عن تعرض سكان في مخيمات «مشهورة» و«قحزة» غرب مدينة إب لضغوط متواصلة لدفع أبنائهم إلى الجبهات، مقابل الحصول على مساعدات غذائية أو مبالغ مالية محدودة.

وأكد الناشطون أن الرافضين لحملات الاستقطاب يواجهون تهديدات بالتضييق أو الحرمان من المساعدات، إلى جانب تعرضهم لحملات ترهيب اجتماعي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأشاروا إلى أن الجماعة تستخدم شعارات سياسية ودينية مرتبطة بـ«نصرة غزة» و«الدفاع عن حزب الله اللبناني» وسائلَ تعبئة لتحفيز عمليات التجنيد، في حين يتم في الواقع الزج بالمجندين الجدد في معارك داخلية بمختلف الجبهات اليمنية.

استهداف كبار السن

بالتوازي مع حملات التجنيد العسكري، وسّعت الجماعة الحوثية من برامج التعبئة الفكرية والطائفية، مستهدفة كبار السن في صنعاء عبر دورات ودروس ذات طابع تعبوي تُقام داخل المساجد والمراكز الدينية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة أخضعت العشرات من كبار السن في صنعاء القديمة لبرامج يومية تحت مسمى «الدورات الثقافية والدينية»، يجري تنظيمها بإشراف وتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة.

محاضرات تعبوية فرضها الحوثيون في الجامع الكبير بصنعاء (الشرق الأوسط)

وحسب المصادر، تُقام هذه الأنشطة داخل عدد من المساجد التاريخية، بينها الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث يُطلب من المشاركين الحضور يومياً خلال ساعات الظهيرة للاستماع إلى محاضرات ذات مضامين عقائدية مرتبطة بآيديولوجية الجماعة.

وأكدت المصادر أن الخطاب المقدَّم داخل هذه الدورات يتجاوز الوعظ الديني التقليدي، ليركز على رسائل تعبوية أحادية، ضمن مساعٍ لتوسيع التأثير الفكري والاجتماعي للجماعة داخل الأحياء التقليدية.

ويقول أبو محمود (68 عاماً)، وهو أحد سكان حي القاسمي بصنعاء القديمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى دعوة لحضور دورة دينية في مسجد قريب، قبل أن يكتشف لاحقاً أن مضمونها يحمل طابعاً تعبوياً واضحاً.

وأضاف: «في البداية قيل لنا إنها دروس عن الأخلاق وتربية الأبناء، لكن مع الأيام بدأت المحاضرات تركز على أفكار محددة، وطُلب منا الحضور بشكل يومي».

الحوثيون حوّلوا المساجد مراكزَ للتعبئة والاستقطاب (الشرق الأوسط)

أما جميل (35 عاماً)، وهو نجل أحد المشاركين، فأكد أن الجماعة تراهن على كبار السن لنقل الأفكار التعبوية إلى محيطهم الأسري والاجتماعي، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي تلعب فيها الروابط العائلية دوراً مؤثراً.

وقال: «أصبح والدي يكرر العبارات ذاتها التي يسمعها في الدروس داخل المنزل، وهذا خلق أحياناً نقاشات وخلافات داخل الأسرة».

ووفق تقديرات سابقة للجهاز المركزي اليمني للإحصاء، يبلغ عدد كبار السن في اليمن نحو 1.3 مليون شخص، يمثلون ما نسبته 4.4 في المائة من إجمالي السكان، في حين تشير دراسات دولية إلى أن نحو 1.65 مليون مسن يمني يواجهون خطر المجاعة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.


الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بخطر كبير مع إطلاق المعارضة على رئيس البلاد حسن شيخ محمود تعبير «الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن ولندن في الوصول لتفاهمات، مع استمرار تهديدات «حركة الشباب» التي تصنفها عدة دول منظمة إرهابية.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة في الصومال السياسيين بضبط النفس، وحذرت من التهديد الأمني الذي تشكله الهجمات الإرهابية، وهو ما يرجعه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» إلى مخاوف من استغلال «حركة الشباب» للأزمة السياسية في تصعيد هجماتها، داعياً إلى التوصل لتفاهمات تعزز استقرار البلاد.

وعبَّرت الأمم المتحدة، الأحد، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت الصوماليين إلى التعاون في معالجة الوضع الإنساني المتردي، والتصدي للتهديد الأمني.

كما دعت المنظمة الدولية إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وقال نائب قائد القوات البرية للقوات المسلحة، عبد الله حسين عرو، عقب تفقد الوحدات العسكرية في مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غربي الصومال: «معركتنا مستمرة حتى اجتثاث الإرهاب، وتأمين المواطنين»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الاثنين.

وضع «يزداد تعقيداً»

المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، قال إن الصومال يشهد مرحلة شديدة الحساسية في ظل تداخل الأزمات السياسية، والأمنية، والإنسانية، بما يهدد مسار الدولة الهش، ويضعف جهود مواجهة الإرهاب.

وأكد أن تعثر الحوار السياسي يشكل تهديداً مباشراً للحرب على «حركة الشباب»، مشيراً إلى أن المواجهة مع التنظيم لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى توافق سياسي يضمن وحدة القرار، وتنسيق العمليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية.

قائد الجيش الصومالي إبراهيم محمود خلال زيارة لوحدات تتلقى تدريبات عسكرية (وكالة الأنباء الصومالية)

ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد الصومال بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، سواء من بعثة الاتحاد الأفريقي، أو من الشركاء الدوليين، ما يجعل أي اضطراب سياسي داخلي عاملاً مؤثراً في ثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الأمنية الحساسة، وفق كلني.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية، السبت، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

وذكر «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة، في بيان الجمعة، للإقرار بفشل جولة مقديشو؛ ولكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

«حركة الشباب»... المستفيد الأكبر

وبحسب كلني، أظهرت التجارب السابقة في الصومال أن الانقسامات السياسية غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المسلحة. كما أن الخلافات القائمة تؤثر على توزيع الموارد العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ضعف تعبئة العشائر المحلية المشاركة في محاربة التنظيم.

ويقول المحلل السياسي الصومالي إن «حركة الشباب» هي «المستفيد الأكبر من حالة الانقسام السياسي، إذ تعتمد تاريخياً على استغلال الخلافات السياسية والعشائرية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية، والهشة، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة على تنفيذ هجمات معقدة، وجمع الموارد المالية عبر شبكات الجباية، والابتزاز».

ويأتي الخلاف السياسي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي؛ ففي 14 مايو (أيار) الجاري ذكر مراقبان لأمن الغذاء العالمي أن مناطق في جنوب الصومال تواجه خطر المجاعة، في وقت بلغ أحد الأقاليم مستوى من الجوع لم تشهده البلاد منذ 2022، بحسب «رويترز».

ويعد الصومال واحداً من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الجفاف المتكرر، والصراعات، والفقر. وكانت المجاعة الأحدث في 2011، عندما لقي نحو 250 ألف شخص حتفهم؛ وكاد الصومال أن يشهد مجاعة أخرى في عامي 2017 و2022، وفق إعلام محلي.

وحذر كلني من أن استمرار الاستقطاب السياسي، والتدهور الإنساني قد يمنحان «حركة الشباب» فرصة جديدة لإعادة التموضع، والتوسع، بما يهدد مستقبل الاستقرار في الصومال، ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها، مؤكداً أن ذلك يتوقف على الوصول لتفاهمات سياسية عاجلة.


«الإنتربول»: تفكيك شبكات احتيال إلكتروني في 13 دولة عربية

هدفت عملية «الإنتربول» إلى تفكيك الأدوات وتحديد الأفراد المشتبه بهم في عمليات احتيال عبر الإنترنت تسبّبت في خسائر مالية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (رويترز)
هدفت عملية «الإنتربول» إلى تفكيك الأدوات وتحديد الأفراد المشتبه بهم في عمليات احتيال عبر الإنترنت تسبّبت في خسائر مالية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (رويترز)
TT

«الإنتربول»: تفكيك شبكات احتيال إلكتروني في 13 دولة عربية

هدفت عملية «الإنتربول» إلى تفكيك الأدوات وتحديد الأفراد المشتبه بهم في عمليات احتيال عبر الإنترنت تسبّبت في خسائر مالية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (رويترز)
هدفت عملية «الإنتربول» إلى تفكيك الأدوات وتحديد الأفراد المشتبه بهم في عمليات احتيال عبر الإنترنت تسبّبت في خسائر مالية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (رويترز)

أعلنت الشرطة الدولية (الإنتربول)، الاثنين، أنّ عملية لمكافحة الجرائم الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدت إلى تحديد هوية نحو 4 آلاف ضحية ومئات المشتبه بهم، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الشرطة الدولية، التي تتخذ من مدينة ليون الفرنسية مقراً، إنّ العملية التي أُطلق عليها اسم «رامز (Ramz)» ونُفذت في 13 دولة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2025 وفبراير (شباط) 2026 هدفت إلى تفكيك الأدوات وتحديد الأفراد المشتبه بهم في عمليات احتيال عبر الإنترنت تسببت في خسائر مالية كبيرة في المنطقة.

وأضافت المنظمة، في بيان، أنّه في المجموع تم تحديد نحو 3867 ضحية من قبل قوات الشرطة، التي ألقت القبض على 201 مشتبه بهم وحددت هوية 382 آخرين، فضلاً عن مصادرة نحو خمسين خادماً إلكترونياً.

في الأردن، أُلقي القبض على نحو 15 شخصاً، للاشتباه في قيامهم بدفع ضحاياهم إلى «الاستثمار عبر منصة تداول غير شرعية»، أصبحوا غير قادرين على الوصول إليها «بمجرّد إيداع الأموال».

وأضافت المنظمة أن المحققين حددوا في قطر أجهزة كمبيوتر مخترقة، كان أصحابها «ضحايا غير مدركين لهجمات إلكترونية» ولم يكونوا على علم بأن «أجهزتهم كانت تستخدم لنشر تهديدات».

وفي المغرب، صادرت السلطات أجهزة كمبيوتر وهواتف ذكية وأقراصاً صلبة خارجية تحتوي على بيانات مصرفية وبرامج تستخدم في عمليات التصيّد الاحتيالي.

وفي إطار العملية، تم تبادل نحو 8 آلاف بيان ومعلومات استخباراتية «حاسمة» بين الدول المشاركة في التحقيقات.

وبحسب «الإنتربول»، شاركت «الجزائر والبحرين ومصر والعراق والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وعُمان وفلسطين وقطر وتونس والإمارات العربية المتحدة» في العملية.

وفي دراسة نُشرت في أبريل (نيسان) 2025، قدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن الجرائم الإلكترونية تكلّف العالم نحو 18 مليون دولار في الدقيقة، أي نحو 9.5 تريليون دولار كل عام.