السودان: اتفاق على مثول البشير ومعاونيه أمام الجنائية الدولية

في قرار حمل موافقة البرهان ومجلس الدفاع المدني... وكتل سياسية وحزبية ترحّب

السودان: اتفاق على مثول البشير ومعاونيه أمام الجنائية الدولية
TT

السودان: اتفاق على مثول البشير ومعاونيه أمام الجنائية الدولية

السودان: اتفاق على مثول البشير ومعاونيه أمام الجنائية الدولية

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أعلنت الحكومة السودانية، أمس، أنها اتفقت مع الجماعات المسلحة في دارفور على مثول الرئيس المعزول عمر البشير وجميع المطلوبين الآخرين لدى المحكمة الجنائية الدولية، ليحاكموا أمام هذه المحكمة في مقرها بلاهاي، في استجابة لطلب الحركات الدارفورية المسلحة التي تتفاوض مع الحكومة في جوبا، عاصمة جنوب السودان.
وفي حين لاقت الخطوة استحساناً واسعاً بين قوى سياسية وحزبية، فإنها وجدت تحفظاً لدى آخرين، فيما أعلن محام من فريق الدفاع عن الرئيس المعزول رفض تسليم موكله للجنائية. غير أن تفسيرات للقرار أشارت إلى أن مطلب مثول البشير أمام المحكمة الجنائية لا يعني تسليمه، بل محاكمته في السودان، وأمام قضاة محليين ودوليين من لاهاي.
وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات قبض ضد البشير، ووزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين، ووالي جنوب كردفان أحمد هرون، وقائد ميليشيا «الجنجويد» علي كشيب، عام 2009، بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في دارفور، ثم ألحقتها بمذكرة اعتقال ثانية عام 2010، بتوجيه تهم تصفية عرقية وإبادة جماعية ضد البشير.
وتسعى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة البشير الذي أطيح به بعد احتجاجات حاشدة العام الماضي، لكن الرئيس السابق ومعاونيه يرفضون المثول أمامها. وتحفظ وسائل إعلام سودانية المقولة الشهيرة للبشير: «المحكمة الجنائية تحت حذائي». وكان الرئيس المعزول يعتبر اتهامات المحكمة الجنائية الدولية جزءاً من مؤامرة غربية ضد حكمه.
وبعد سقوط نظام البشير في ثورة شعبية في أبريل (نيسان) 2019، دار جدل طويل بشأن تسليمه والمتهمين الآخرين للجنائية أو محاكمتهم داخل البلاد، أمام محكمة هجين (مختلطة من قضاة محليين ودوليين)، بيد أن التفاوض مع الحركات المسلحة والحكومة السودانية الانتقالية في عاصمة جنوب السودان (جوبا) حسم الأمر بقبول تسليم المطلوبين إلى لاهاي.
وأعلن عضو مجلس السيادة عضو وفد التفاوض الحكومي محمد الحسن التعايشي، في جوبا، أمس، اتفاق الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة على تسليم البشير ومعاونيه للمحكمة الجنائية الدولية، والمثول أمامها من أجل تحقيق العدالة والمصالحة، وأضاف: «توصلت المفاوضات مع الحركات المسلحة الدارفورية لاتفاق مع الحكومة الانتقالية، ركزت على العدالة الانتقالية والمصالحة، وجرى الاتفاق على إيجاد مؤسسات تحقيق العدالة خلال الفترة الانتقالية»، وتابع: «اتفقنا، وعن قناعة تامة، على أن الوصول لاتفاق سلام شامل لن يتم دون الاتفاق على مؤسسات تنجز مهمة العدالة، وتحقق مبادئ عدم الإفلات من العقاب».
وأوضح أنهم اتفقوا على 4 ركائز لتحقيق السلام في دارفور، من بينها مثول الذين صدرت بحقهم أوامر قبض من الجنائية الدولية أمامها. وقال: «لا نستطيع تحقيق العدالة إلا إذا شفينا الجراح بالعدالة، ولن نستطيع الهروب مطلقاً من أن هناك جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتكبت في حق أبرياء في دارفور ومناطق أخرى، لن نستطيع ذلك دون مثول الذين صدرت بحقهم أوامر قبض أمام المحكمة الجنائية». وأكد: «التزمنا واتفقنا اليوم على مثول الذين صدرت بحقهم أوامر قبض من المحكمة الجنائية الدولية».
وأوضح التعايشي أن الأطراف توصلت كذلك إلى اتفاق على «المحكمة الخاصة بجرائم دارفور» المختصة بإجراء التحقيق والمحاكمات في الجرائم التي ارتكبت في دارفور، بما في ذلك «القضايا المتعلقة بالمحكمة الجنائية الدولية»، إضافة للاتفاق على آليات العدالة التقليدية والعدالة المرتبطة بالحقيقة والمصالحة.
وقال إن الطرفين بعد الفراغ من نقطة متبقية تتعلق بمحكمة دارفور الخاصة، وأخرى تتعلق بالقضاء الوطني، يكونان قد أكملا ورقة تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة. وتابع: «مهما اجتهدنا في معالجة جذور الأزمة، لا نستطيع ذلك دون تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا». واستطرد: «قناعة الحكومة التي جعلتها توافق على مثول الذين صدرت بحقهم أوامر قبض أمام المحكمة الجنائية الدولية مرتبطة بالعدالة، باعتبارها أحد شعارات الثورة، ومرتبطة بمبدأ عدم الإفلات من العقاب». وأضاف: «لا نستطيع معالجة جراحات الحرب إلا بتحقيق العدالة الانتقالية».
ومن جانبه، قال محامي الرئيس المعزول عمر البشير إن الرئيس السابق رفض أي تعامل مع المحكمة الجنائية الدولية كونها «محكمة سياسية»، وإن القضاء السوداني قادر على التعامل مع أي قضية.
وأضاف المحامي محمد الحسن الأمين: «نحن نرفض دخول المحكمة الجنائية الدولية في هذا الأمر لأنها محكمة سياسية، وليست عدلية. كما نرفض تدويل العدالة، ونعتقد أن القضاء السوداني لديه القدرة والرغبة للنظر في هذه الاتهامات».
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة أن مثول المطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية قد لا يعني بالضرورة تسليمهم إلى مقر المحكمة في لاهاي. وأشارت هذه المصادر إلى أن هناك مشاورات تجري لعقد محاكمة للمطلوبين داخل السودان، بمشاركة قضاة من المحكمة الجنائية الدولية.
وقال المتحدث باسم الحكومة وزير الإعلام والثقافة، فيصل محمد صالح، إن قرار مثول المطلوبين أمام المحكمة الجنائية الدولية تمت إجازته مسبقاً في اجتماع المجلس الأعلى للسلام، برئاسة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان. ويتكون مجلس السلام من كامل عضوية مجلس السيادة، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، و6 وزراء، و4 شخصيات قومية.
وقال صالح، في تصريح لــ«الشرق الأوسط»: «تم الاتفاق بين الحكومة والحركات المسلحة في مسار دارفور خلال جلسة المفاوضات (أمس) على مثول كل المطلوبين الذين صدرت بحقهم أوامر قبض أمام المحكمة الجنائية الدولية».
ومن جانبه، قال رئيس هيئة محامي دارفور، صالح محمود، وهو عضو اللجنة المركزية بالحزب الشيوعي السوداني، إن تسليم الرئيس المعزول مطلب ظل يصر عليه ضحايا الحروب والنزاعات وقطاعات واسعة من الشعب السوداني الذين تعرضوا لانتهاكات جسيمة في عهده، كما قال.
وأضاف: «البشير مسؤول مباشرة عن كل الجرائم التي حدثت في كل أقاليم البلاد، وملاحقته جنائياً أحد أهم مطالب المنظمات الوطنية والدولية المدافعة عن حقوق الإنسان». واعتبر أن القضاء السوداني غير مؤهل لمحاكمة البشير، وكذلك أفريقياً، ولذلك تصبح المحكمة الجنائية الدولية الجهة القادرة على محاكمة البشير. وقال صالح إن كل المبررات القانونية والأخلاقية تستدعي مثول البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية «حتى يعلم الطغاة أن لا مهرب من العدالة».
ورأى أن «القانون السوداني قاصر دون إجراء تعديلات وتغييرات عليه، لذلك يظل الاختصاص ينعقد للجنائية الدولية، حتى لا يتمكن البشير وغيره من الإفلات من العقاب بجرائم حرب وضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم».
ومن جهته، قال الأمين العام المكلف لحزب المؤتمر الشعبي، بشير آدم رحمة، إن حزبه من حيث المبدأ مع مثول المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، وهو أمر يستند إلى مبدأ تحقيق العدالة، بيد أنه قال إن تسليم المطلوبين في الظروف الراهنة التي تعيشها البلاد قد يسبب تعقيدات سياسية وأمنية. وأضاف أنه سجن بسبب موقف الحزب المسبق من مثول الرئيس المعزول أمام المحكمة الجنائية بالخارج، لأنه لا توجد عدالة وقتها، وكذلك الآن. وتابع أنه إذا تم تسليمهم الآن فإن «السودان لن يستقر، والجيش لن يقبل».
وأصدرت المحكمة الجنائية، ومقرها لاهاي، أول أمر بالقبض على البشير في عام 2009، وكان أول أمر من نوعه تصدره المحكمة لرئيس ما زال في السلطة. وبعد عام، أصدرت أمراً آخر. ويواجه البشير 5 اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، منها القتل والترحيل القسري والإبادة والتعذيب والاغتصاب، واتهامين بارتكاب جرائم حرب لشن هجمات على مدنيين، و3 اتهامات بالإبادة الجماعية بسبب القتل وتهيئة الظروف لتدمير الفئة المستهدفة، ويفترض أنه ارتكبها بين عامي 2003 و2008 في دارفور.
ويطالب المسلحون والسكان في دارفور منذ فترة طويلة بمحاكمة البشير. واندلع الصراع في دارفور في 2003، بعد أن ثار متمردون أغلبهم من القبائل الأفريقية على حكومة البشير. واتُهمت قوات الحكومة وميليشيا الجنجويد التابعة لها بارتكاب أعمال وحشية واسعة النطاق وإبادة جماعية. وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو 400 ألف قتلوا خلال سنوات الصراع. وساد الهدوء في غرب دارفور بدرجة كبيرة منذ 2010، لكن بعض المناوشات وقعت في الأعوام الثلاثة الماضية.



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.