ليبيا تطلب من مصر تسليم الناطق باسم آخر حكومة للقذافي

حكومة الثني تحذر من القيام بأعمال انتقامية.. والجيش يواصل عملياته العسكرية في بنغازي

ليبيا تطلب من مصر تسليم الناطق باسم آخر حكومة للقذافي
TT

ليبيا تطلب من مصر تسليم الناطق باسم آخر حكومة للقذافي

ليبيا تطلب من مصر تسليم الناطق باسم آخر حكومة للقذافي

طلبت الحكومة الليبية رسميا من السلطات المصرية، أمس، تسليمها موسى إبراهيم، الناطق الرسمي السابق بآخر حكومة في عهد العقيد الراحل معمر القذافي. وقال عمر السنكي، وزير الداخلية في الحكومة التي يترأسها عبد الله الثني، في رسالة وجهها إلى نظيره المصري اللواء محمد إبراهيم وتداولها نشطاء ليبيون على مواقع التواصل الاجتماعي: «نأمل التفضل بتسليم المذكور الموجود حاليا في القاهرة»، مشيرا إلى أن الشرطة الدولية (الإنتربول) سبق وأن أصدرت مذكرة اعتقال بحق موسى عام 2012.
وكان مجلس النواب الذي يعتبر أعلى سلطة تشريعية ودستورية في ليبيا قد انتقد في بيان رسمي ظهور موسى إبراهيم وهو يتولى بيان ما يسمى الحركة الشعبية الليبية التي تضم موالين لنظام القذافي من القاهرة.
وسبق لليبيا أن طلبت من مصر تسليم العشرات من أتباع القذافي الذين لجأوا إليها بعد انهيار نظام حكمه عام 2011؛ لكن السلطات المصرية سلمت اثنين فقط أحدهما سفير ليبيا السابق لدى القاهرة، بينما امتنعت عن الاستجابة للطلب الليبي فيما يخص الباقين من دون أي تفسير. وحمل اللواء عبد السلام العبيدي، رئيس هيئة أركان الجيش الليبي السابق، أنصار النظام السابق مسؤولية عدم استقرار البلاد. واعتبر العبيدي في تصريح لوكالة أنباء الشرق، أن «أنصار النظام السابق مسؤولون مسؤولية كاملة عما يحدث من عدم استقرار بالبلاد»، مرجعا استمرار الاغتيالات بمدينة بنغازي منذ عام تقريبا، لعدم وجود أجهزة جنائية للكشف عن الجناة.
وبعدما لفت إلى أن الأجهزة الأمنية لم تحدد أي شخص شارك في هذه الأعمال الإرهابية، مما أدى إلى تزايد حدة الاغتيالات لعدم وجود العقاب. وتساءل: مَنْ صاحب المصلحة في هذه الاغتيالات؟ لافتا إلى أن من يقوم بهذه الاغتيالات هم مجرمون محترفون للجريمة. وتابع: «إن هناك مجموعات من المتطرفين بالبلاد، ولكن لم نحدد أماكنهم بالضبط حتى الآن ولا نريد خلط الأمور بعضها ببعض وأن نطلق على كل ملتحٍ لفظ إرهابي».
إلى ذلك، حثت الحكومة الانتقالية سكان مدينة بنغازي في شرق البلاد على ضبط النفس وعدم القيام بأي أعمال انتقامية خلال المواجهات التي يخوضها الجيش الليبي بدعم السكان المحليين ضد الجماعات الإرهابية في المدينة.
ودعت الحكومة سكان بنغازي إلى الامتثال للتعليمات الصادرة من رئاسة أركان الجيش والاحتكام للعقل، لافتة إلى أن المدينة تحتاج الآن إلى ضبط النفس والامتناع عن أي ممارسات تجلب الفوضى أو تخريب وسرقة الممتلكات العامة أو الخاصة أو الانتقام من أي مشتبه به يتم اعتقاله.
ولفتت الحكومة إلى أن عمليات الجيش الليبي مستمرة لتحرير المدينة مما سمته بؤر وأوكار الإرهاب الذي أرعب أهل بنغازي وعاث فيها قتلا وخطفا وتدميرا.
وقال الجيش الليبي إنه أحكم قبضته على كل المنطقة الشرقية في المدينة، وإنه يتم حاليا تمشيط المناطق التي كانت خاضعة لهيمنة الجماعات المتطرفة خاصة تنظيم أنصار الشريعة ومجلس شورى ثوار بنغازي. وواصل سلاح الجو الليبي شن غاراته على مواقع لهذه الميليشيات التي باتت تتحصن في منطقتي الصابري والليثي بالجزء الغربي من المدينة التي تشهد اشتباكات متقطعة بين قوات الجيش المدعوم بالسكان المحليين والمئات من المقاتلين المتطرفين ومعظمهم من الأجانب.
إلى ذلك، كشفت أمس منظمة العفو الدولية النقاب عن أنها تمتلك صورا التقطتها الأقمار الصناعية تشير إلى أن الفصائل المسلحة المتناحرة في ليبيا ارتكبت جرائم حرب عبر قصف مناطق سكنية مكتظة بالسكان في غرب البلاد.
وقالت المنظمة مستشهدة بصور الأقمار الاصطناعية التي نشرتها على موقعها الإلكتروني، إن المقاتلين من الجانبين أطلقوا صواريخ وقذائف مدفعية بشكل عشوائي على مستشفيات وأحياء سكنية في طرابلس ومنطقة ورشفانة في غرب البلاد.
وأضافت المنظمة في بيانها، أن «الميليشيات الخارجة عن القانون والمجموعات المسلحة من كل أطراف الصراع في غرب ليبيا ترتكب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان من ضمنها جرائم حرب».
وقالت المنظمة التي مقرها لندن «المجموعات المسلحة ربما قتلت دون محاكمة وعذبت أو أساءت معاملة معتقلين لديها كما أنها تستهدف المدنيين على أساس أصولهم أو ولاءاتهم السياسية».
وذكرت المنظمة أن انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان ارتكبت خلال عملية «فجر ليبيا» التي تقودها كتائب مصراتة والتي سيطرت على طرابلس وخصومها الرئيسيين من الزنتان وورشفانة.
وأوضحت المنظمة في ثاني تقرير من نوعه تصدره خلال شهرين، أن هجمات صاروخية مكثفة أصابت مستشفى ووحدة العناية المركزية فيها بأضرار في منطقة ورشفانة. وانزلقت ليبيا إلى هاوية الفوضى بعد أن سيطرت جماعة مسلحة من مدينة مصراتة في غرب البلاد على العاصمة طرابلس في أغسطس (آب) الماضي، بعد معارك شرسة مع فصائل مسلحة من مدينة الزنتان كانت تسيطر على مطار المدينة منذ الانتفاضة التي أطاحت بمعمر القذافي عام 2011. ويسود نوع من الهدوء معظم مناطق طرابلس حاليا غير أن القتال مستمر بين الفصائل في غرب المدينة، فضلا عن مدينة بنغازي في شرق البلاد التي تشهد مواجهة منفصلة بين القوات الموالية للحكومة والفصائل الإسلامية.
وقال عبد الله الثني رئيس الحكومة الليبية المعترف بها دوليا، إنه مستعد لبدء محادثات سلام مع خصومه في طرابلس إذا قدم جميع الأطراف تنازلات لهذا الغرض.
من جهة أخرى، حصل عبد الحكيم بلحاج أحد قادة الجماعة الإسلامية المقاتلة سابقا في ليبيا، على حق التقاضي ورفع دعوى على بريطانيا، بسبب أضرار لحقت به جراء تعذيب على مدى سنوات، قال إنه تعرض له على يد رجال نظام معمر القذافي بعدما سلمه جواسيس بريطانيون وأميركيون إلى ليبيا بطريقة غير قانونية.
وقد يمهد حكم محكمة الاستئناف في لندن الطريق أمام مقاضاة الحكومة البريطانية في حالات مماثلة للتعذيب أو تسليم سجناء. ويزعم بلحاج وهو قائد سابق لمقاتلي المعارضة الذين ساعدوا في الإطاحة بالقذافي عام 2011 ويرأس الآن حزب الوطن الليبي، أن ضباطا في وكالة المخابرات المركزية الأميركية خطفوه هو وزوجته الحامل فاطمة من تايلاند عام 2004 ثم نقلوهما إلى طرابلس بمساعدة مسؤولين أمنيين بريطانيين. وقال القضاة في حكمهم: «المزاعم في هذه القضية - ورغم كونها مجرد مزاعم - فإنها تعد انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان». ولفتوا إلى أن «الحقيقة الواضحة هو أنه ما لم تتمكن المحاكم الإنجليزية من ممارسة اختصاصها في هذه القضية فإن هذه المزاعم الخطيرة للغاية ضد السلطة التنفيذية لن تخضع أبدا للتحقيق القضائي».
وقال بلحاج في بيان: «الجزء الخاص بنا في الاتفاق في الصحراء وهو الخطف والسجن السري لوكالة المخابرات المركزية الأميركية وغرفة التعذيب في طرابلس.. يبدو مؤلما وحديثا وكأنه حدث بالأمس فقط».
وتابع: «لم نحلم قط بأن بريطانيا ستتآمر في شيء كهذا إلى أن رأينا الدليل بأعيننا».
وواجهت وكالة المخابرات الداخلية البريطانية (إم آي 5) وذراعها الخارجية (إم آي 6) اتهامات لسنوات بالتورط في إساءة معاملة أشخاص يشتبه بأنهم متشددون على يد السلطات الأميركية في أغلب الأحيان.
ونفى وزراء بريطانيون مرارا أي علم بإرسال أي شخص للتعذيب في الخارج وصدرت تحذيرات من أن الكشف عن معلومات مخابرات سرية أمام المحاكم قد يضر بالعلاقات مع واشنطن.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية، إنها تبحث تفاصيل الحكم الصادر وستطعن ضده، لكنه لم يقدم مزيدا من التفاصيل، لكنّ مدافعين عن حقوق الإنسان قالوا إن الحكم مهم.
وقالت كوري كريدر مديرة منظمة ريبريف: «تخشى الحكومة كثيرا نظر المحكمة لهذه القضية التي عطلتها لسنوات بتقديم عدد من الفزاعات مثل القول مثلا، إن الولايات المتحدة ستغضب إذا أعطي السيد بلحاج وزوجته فرصة أمام المحكمة في بريطانيا».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.