الانتخابات التشريعية تعمّق خلاف روحاني وخصومه

مجلس صيانة الدستور يتبنى «خريطة طريق خامنئي»... ورئيس القضاء يحذّر من «اللعب في أرض الأعداء»

رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني وخلفه قادة من «الحرس الثوري» على هامش مؤتمر في طهران أول من أمس (مهر)
رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني وخلفه قادة من «الحرس الثوري» على هامش مؤتمر في طهران أول من أمس (مهر)
TT

الانتخابات التشريعية تعمّق خلاف روحاني وخصومه

رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني وخلفه قادة من «الحرس الثوري» على هامش مؤتمر في طهران أول من أمس (مهر)
رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني وخلفه قادة من «الحرس الثوري» على هامش مؤتمر في طهران أول من أمس (مهر)

لم تمر ساعات على دفاع المرشد الإيراني علي خامنئي عن «مجلس صيانة الدستور» ضد حملة انتقادات بسبب إقصائه مرشحين من التيار الإصلاحي لدخول الانتخابات التشريعية المقررة بعد أسبوعين، حتى أصدر الرئيس الإيراني حسن روحاني أمراً بتقديم «لائحة إصلاح الإشراف على الانتخابات»، فيما حذّر رئيس القضاء إبراهيم رئيسي منتقدي «صيانة الدستور» من «اللعب في أرض الأعداء».
وأفادت وكالة «إرنا» الرسمية، في وقت متأخر الأربعاء، بأن أوامر روحاني جاءت رداً على رسالة «حزب اتحاد أمة إيران»، أكبر الأحزاب الإصلاحية، والذي طالب الرئيس الإيراني، قبل أيام، بتقديم مشروع قانون لإجراء استفتاء حول إشراف «مجلس صيانة الدستور».
ولقيت تحذيرات روحاني الأسبوع من تحول الانتخابات إلى رسميات وانتصابات، تضامناً من الأحزاب الإصلاحية المتحالفة مع حكومة روحاني. وفي منتصف الشهر الماضي، قال روحاني في اجتماع الحكومة: «لا نقول للناس إن 17 شخصاً يتنافسون على كل مقعد، وأن 170 شخصاً أو 1700 شخص ترشحوا للانتخابات. يجب أن نرى كم حزباً يمثل الـ1700 مرشح».
واستغل «حزب اتحاد أمة إيران» تصريحات روحاني عن ضرورة إجراء استفتاء، وحضّه على طلب الاستفتاء والعودة للرأي العام في القضايا الحساسة عن الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة، وعدّ العودة للرأي العام «أصل تخطي المأزق، والمخرج، وفصل الخطاب».
ولم يتطرق روحاني في رسالته إلى طلب الاستفتاء. وكلف نائبَه الأول إسحاق جهانغيري، ووزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، ونائبة الرئيس للشؤون القانونية، لعيا جنيدي، بالإشراف على لائحة «إصلاح الإشراف على الانتخابات».
وكانت اللجنة العليا للسياسات الإصلاحية قد حذرت من أن نتائج الانتخابات معروفة منذ الآن بعد استبعاد عدد كبير من مرشحيها. وقالت اللجنة لاحقاً إنها لن تقدم قائمة بالمرشحين الإصلاحيين ولن تدخل في ائتلاف مع الأحزاب الأخرى.
وكان «ائتلاف المرشحين الإصلاحيين والمعتدلين»؛ التيار المتحالف مع الرئيس حسن روحاني، حصد كل المقاعد الثلاثين المخصصة لطهران في الانتخابات التشريعية في 2016. ومن المقرر أن يعلن «مجلس صيانة الدستور» القائمة النهائية لمرشحي الانتخابات البرلمانية في 11 فبراير (شباط) الحالي؛ وهو اليوم الذي تحيي فيه إيران تظاهرة ذكرى الثورة.
وتخشى الأحزاب الإصلاحية من أن تكون أكبر الخاسرين في السنوات المقبلة نتيجة تعطل وعود روحاني في الاقتصاد والسياسة الخارجية والحريات الاجتماعية. وخلال العامين الماضيين، عمقت شعارات رددها المحتجون الإيرانيون مثل: «لا إصلاحي ولا محافظ... لقد انتهت القصة» مخاوف الأحزاب الإصلاحية حول الحفاظ على حصتها من مقاعد البرلمان. وقبل روحاني كان الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد والرئيس الإصلاحي محمد خاتمي أقدما على خطوات مماثلة لتقليل دور «مجلس صيانة الدستور» في الانتخابات، لكن المحاولات اصطدمت بدعم المرشد الإيراني علي خامنئي.
وحذر خامنئي أول من أمس من توجيه الانتقادات إلى «مجلس صيانة الدستور»، وعدّ أنه «أسوأ الأعمال»، ودعا في الوقت نفسه إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات، ووعد بحل المشكلات الداخلية والخارجية.
ويواجه خامنئي اتهامات من المراقبين الإيرانيين بأنه يعمل على تغيير تشكيلة البرلمان لصالح المحافظين تمهيداً لتسليمهم الحكومة في إطار الخطوة الثانية التي أعلنها العام الماضي للعقود الأربعة المقبلة من عمر النظام. ويذهب فريق من هؤلاء إلى أبعد من ذلك باعتبارهم خطوات خامنئي تمهيداً لخليفته في منصب ولاية الفقيه.
وعدّ المتحدث باسم «مجلس صيانة الدستور» عباس كدخدايي، تصريحات خامنئي «خريطة طريق» للانتخابات.
ونقلت وكالة «إرنا» الرسمية عن كدخدايي قوله إن خطاب المرشد الإيراني، أول من أمس، «خريطة طريق للانتخابات النزيهة والتنافسية وبمشاركة واسعة من المواطنين بغض النظر عن النظرة السياسية، مما سيؤدي إلى تشكيل برلمان قوي وفعال».
يأتي ذلك في ظل السجال حول أهلية المرشحين للانتخابات التشريعية المقررة في 21 فبراير الحالي. ويقول التيار الإصلاحي إن المجلس استعبد أغلب المرشحين.
وكان كدخدايي قد عزا رفض أهلية 90 نائباً من البرلمان الحالي، إلى قضايا فساد مالي، مشيراً إلى وجود مستندات.
وقدم نحو 247 من بين 290 نائباً في البرلمان طلبات للترشح في الانتخابات التشريعية.
وحذّر رئيس القضاء إبراهيم رئيسي المشككين في الانتخابات من «اللعب في أرض الأعداء».
ويسارع المسؤولون إلى الإدلاء بتصريحات داعمة للمرشد الإيراني علي خامنئي؛ بحسب السائد في السياسة الإيرانية. وفي هذا السياق، قال «رئيسي» في كلمة بمدينة بوشهر جنوب البلاد: «أي شخص، وبأي دافع، يشكك في الانتخابات، كان عالماً بذلك أم جاهلاً، يريد أو لا يريد، سيؤدي إلى تضعيف تيار الانتخابات أمام جبهة الأعداء»، محذراً من «استراتيجية الأعداء لإحباط الناس».
ودعا رئيسي من وصفهم بـ«أصدقاء الثورة، ومن يكون هاجسهم الناس والنظام، إلى العمل على رفع حاجات الناس ورفع المشكلات وحل العقد».
وخسر رئيسي الانتخابات الرئاسية مقابل روحاني في مايو (أيار) 2017، لكنه عاد للواجهة السياسية بعدما أصدر خامنئي أمراً بتعيينه على هرم القضاء في مارس (آذار) 2019، وهو ما أنعش حظوظه مرة أخرى بين الأسماء المتداولة لخلافة خامنئي في تولي منصب المرشد الثالث للنظام.
من جانبه، انتقد محمود واعظي، مدير مكتب الرئيس الإيراني، أمس، ما عدّها محاولة «تشويه الحكومة»، ونقلت عنه وكالات إيرانية أنه «نظراً للأوضاع الصعبة في الداخل والخارج، يقدم البعض نفسه للانتخابات الرئاسية 2021 تحت ذريعة الانتخابات البرلمانية»، واتهم هؤلاء بأنهم «يضحون بكل شيء من أجل مصالحهم والوصول إلى السلطة»، عادّاً ذلك «تهديداً للنظام». وخلال الأيام الماضية حاولت وسائل إعلام «الحرس الثوري» إثارة الشكوك حول موقف التيارات الإصلاحية بشأن الانتخابات وسط دعوات للمقاطعة.
ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا راه تشمني، أمين عام حزب الوحدة والتعاون الوطني الإصلاحي، أن 12 حزباً إصلاحياً بإمكانها الائتلاف والتحالف لتقديم قائمة جديدة للانتخابات في طهران، وذلك بعدما قررت اللجنة العليا للإصلاحيين عدم الدخول في ائتلاف للانتخابات.
وحذرت «اللجنة العليا الإصلاحية» في بيان آخر الأسبوع الماضي الأحزاب الإصلاحية الراغبة في دخول ائتلافات انتخابية، من استخدام تسمية «الإصلاحات» أو الإيحاء بوجود تحالف إصلاحي.
وهاجمت صحيفة «آرمان ملي» الإصلاحية، أمس «القوائم المزيفة للإصلاحيين»، واتهمت الخصوم المحافظين بـ«السعي للخروج من المأزق». لكن صحيفة «آفتاب يزد» قالت إن «بضاعة الإصلاحيين لا تسع القائمة»، وسلطت الضوء على إعلان اللجنة الإصلاحية عدم تقديم قائمة انتخابية، وفي الوقت نفسه دعوتها الإيرانيين إلى المشاركة في الانتخابات.



القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير» على الجنود الإيرانيين، وذلك بعد تلويح الرئيس الأميركي بنسف البنى التحتية لإيران.

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

ونقل التلفزيون الرسمي عن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم «مقر خاتم الأنبياء»، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلّحة الإيرانية، قوله إن «الألفاظ الوقحة» و«التهديدات الواهية» التي يطلقها «الرئيس الأميركي الواهم (...) لن يكون لها أي تأثير على استمرار العمليات الهجومية الساحقة» التي تشنّها القوات الإيرانية «ضد الأعداء الأميركيين والصهاينة».


حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الثلاثاء، وما تحمله من مسار تصعيد غير مسبوق.

تلك الجهود التي تسعى لاتفاق جزئي لوقف إطلاق النار في إيران لمدة 45 يوماً، حسب تسريبات أميركية، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تأتي في إطار «دبلوماسية الضغط التي تُمارَس تحت سقف تهديدات غير مسبوقة، على أمل أن تحرز تقدماً بتمديد مهلة ترمب أو وقف مؤقت، في ظل ما تتمتع به الوساطة الثلاثية من ثقل إقليمي ورغبة دولية لوقف هذه الحرب المستعرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي».

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

وتُجري الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، مصر وتركيا وباكستان، مناقشات حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، وفقاً لأربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات تحدثت لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، واصفة المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وأكدت «رويترز»، الاثنين، أن إيران والولايات المتحدة تلقتا مقترحاً لإنهاء الأعمال العدائية.

وفي تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، فإن الوساطة التي تقودها مصر وتركيا وباكستان «تكشف ملامح لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع مع ضغوط التهدئة، في محاولة لخلق مساحة زمنية لإعادة ترتيب موازين التفاوض، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي».

وهو يرى أن الوساطة الثلاثية لها أهمية خاصة نظراً لطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؛ فـ«مصر تمثل ثقلاً تقليدياً في إدارة الأزمات الإقليمية، وتركيا تمتلك قنوات اتصال مركبة مع مختلف الفاعلين، في حين تضطلع باكستان بدور بالغ الحساسية في التواصل مع طهران، بما يعكس هندسة دبلوماسية متعددة المسارات... لكن عدم وجود الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أطراف الصراع، يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى تسويتها».

ويرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير بالشأن الإيراني، محمد محسن أبو النور، أن المبادرة تعكس تحوّلاً مهماً في نمط إدارة الأزمة؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى احتواء التصعيد عبر صيغة متعددة الأطراف وليس من خلال قنوات ثنائية تقليدية، لافتاً إلى أن المبادرة لا تستهدف فقط وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، بل تسعى إلى تأسيس ترتيبات أوسع لضبط التوتر في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.

ووسط ترقب نتائج المسار التفاوضي، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه يوم الاثنين من رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، جهود مصر الرامية لوقف الحرب، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها»، مجدداً تأكيد «موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة».

واعتبر عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، في منشور عبر منصة «إكس»، الاثنين، الجهود المصرية مع تركيا وباكستان «محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من طوفان الحرب المدمرة»، لافتاً إلى أن «الساعات المقبلة حاسمة».

ويرى أبو النور أن دور مصر في مثل هذه المبادرات «يظل مرشحاً لأن يكون دوراً حاسماً، وخاصة أنها تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة قنوات الاتصال بين أطراف متنازعة، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج، مع احتفاظها بقنوات تواصل مباشرة مع إيران».

الدخان يتصاعد بعد هجمات استهدفت منطقة معشور للبتروكيماويات في محافظة الأهواز (رويترز)

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الاثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «ندعو إلى إنهاء الحرب ومنع تكرارها»، رافضاً وقف إطلاق النار المؤقت.

وأضاف أن أي محادثات دبلوماسية «تتعارض تماماً مع الإنذارات والتهديدات بارتكاب جرائم حرب»، في إشارة إلى تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية الرئيسية مساء الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك ما يشبهه»، في إشارة إلى ضربات واسعة محتملة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.

كما تحدث ترمب عن وجود مسار تفاوضي مفتوح، قائلاً في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة.

ووسط تلك الاختلافات، يرى السفير حجازي أن الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي مسألة مرتبطة ليس فقط بالإرادة السياسية، وإنما تدفع نحو منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وخاصة أنه لا يمكن قراءة الوساطة الثلاثية إلا في إطار «دبلوماسية الضغط القسري»؛ إذ تُستخدم التهديدات العسكرية لدفع الأطراف نحو التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التسوية.

وتشير المعطيات حتى الآن، حسب حجازي، إلى أن المنطقة لا تزال أقرب إلى إدارة تصعيد مضبوط منها إلى الدخول في مسار تهدئة مستدامة، ما لم يحدث تحول نوعي في مواقف الأطراف خلال الساعات القليلة المقبلة.

ويرى أبو النور أن هناك «تردداً إيرانياً محسوباً»، ربما بهدف اختبار جدية الضمانات المقدمة، أو تحسين شروط التفاوض، مقابل حذر تكتيكي أميركي، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى مكاسب استراتيجية، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول، بحسب أبو النور، إن نجاح المبادرة مرهون بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين، «وإلا فسيظل الطرفان مستمرين في إدارة الصراع ضمن حدود التصعيد الحالية، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية حقيقية في هذه المرحلة».


نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

على الرغم من أن القيادة الإسرائيلية تأخذ بجدية احتمال وقف الحرب، وتؤكد أنها ستلتزم بذلك، بل بدأت تستعد لإعادة الحياة الطبيعية، وتنوي إعادة فتح المدارس يوم الأحد المقبل، وإعادة مباريات كرة القدم السبت، فإنها ما زالت تعتقد أن إيران لا تنوي في هذه المرحلة وقف الحرب. لذلك فإنها تستعد لتصعيد كبير، مع انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لطهران. وتتحسب من تصعيد إيراني كبير في يوم الأربعين لاغتيال المرشد علي خامنئي.

لكنّ الإسرائيليين لا يستبعدون أن يتخذ ترمب اتجاهاً معاكساً أيضاً ويوقف الحرب، باتفاق أو بلا اتفاق. وفي هذه الحالة سيطلبون «تعويضاً» لموافقتهم على إنهاء الحرب، وذلك بالاستمرار في الحرب بلبنان، و«تحسين الاتفاق حول قطاع غزة»، والموافقة أيضاً على مشاريع استيطانية في الضفة الغربية باتجاه الضم؛ أي أنه يريد يطلب استبعاد لبنان وغزة والضفة من أي اتفاق محتمل مع إيران.

عدم الاستسلام لتهديد ترمب

قالت هيئة البثّ الإسرائيلية العامّة (كان 11)، عن دبلوماسي أجنبي تتمتع بلاده بعلاقات وثيقة مع إيران، إن «الإيرانيين لن يستسلموا لإنذار ترمب المهين». وانضمت صحيفتا «هآرتس» و«يديعوت أحرونوت» إلى هذا التقدير، وتقولان إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يستعد للحصول على ضوء أخضر من الرئيس الأميركي، لشن هجمات على أهداف الطاقة والبنية التحتية المدنية في إيران، في حال فشل المفاوضات.

ويشدد الإسرائيليون على أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ستفشل حتماً، وذلك لأن الطرفين يتعنتان، وأن الحد الأقصى الذي تبدي طهران الاستعداد لقبوله من خطة الـ15 نقطة، لا يبلغ الحد الأدنى الذي تضعه واشنطن. وعليه، فإن إسرائيل تستعد للتدهور المقبل الذي ستكون فيه تل أبيب مطالبةً بتنفيذ «العمليات القذرة».

وسبق للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، أن تفوه بنفس هذا التعبير خلال حرب يونيو (حزيران) 2025، وتقبلته إسرائيل بوصفه إطراءً. لذلك، فإن استخدامه اليوم لا يلقى اعتراضاً؛ بل بالعكس، فإسرائيل هي التي نفذت الاغتيالات لكبار قادة النظام في طهران، لأن الولايات المتحدة ليست معنية بعمليات كهذه، بسبب الجدل الذي يدور حولها في المجتمع الدولي، وكذلك ليست معنية بتدمير بنى تحتية تُسبب العناء للشعب الإيراني، وتترك لإسرائيل القيام بها.

«ملازمة غزة»

أطفال يبحثون عن مواد قابلة للتدوير في ساحة نفايات بمخيم البريج للاجئين الفلسطينيين بغزة (أ.ف.ب)

وما تخططه إسرائيل لإيران في هذا المجال هو «ملازمة غزة»، أو ما كان يُعرف قبل هذه الحرب بـ«ملازمة الضاحية»؛ أي التدمير الشامل لدرجة السحق، مثلما حصل في العمليات السابقة بالضاحية الجنوبية لبيروت.

وبحسب رون بن يشاي، محرر الشؤون الاستراتيجية في «واي نت»، فإن الجيش الإسرائيلي والقيادة المركزية الأميركية قد اتفقا على أن تقوم إسرائيل بغارات تستهدف إلحاق ضرر تدريجي بالبنية التحتية الوطنية الإيرانية. هذا الضرر، الذي سيزداد حدةً وعمقاً، سيؤدي بالنظام إلى حالةٍ لا يستطيع فيها توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيه؛ كالكهرباء والنقل والتجارة، مما يُهدد بقاءه بشكلٍ كبير.

ويقول بن يشاي إن المشكلة التي تكمن في هذا المسار أنه يستغرق وقتاً، وأنه «يُتيح لهذا النظام والمواطنين الإيرانيين التأقلم معه وإيجاد حلولٍ ارتجالية، بينما يستمر في الوقت نفسه في تفاقم أزمة النفط والغاز وتعطيل الحياة في إسرائيل واستنزاف القوات الأميركية»، لذا، يضيف بن يشاي أن هناك حاجة إلى مسار عمل آخر يُفترض أن يُؤتي ثماره في وقت قصير.

«مبدأ الضاحية»

تصاعُد الدخان من موقع يُزعم أنه تابع لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت (د.ب.أ)

ويتمثل أحد مسارات العمل التي يُمكن أن تُنهي القتال بسرعة أكبر وبشروط مقبولة لدى واشنطن وتل أبيب، في تطبيق ما يُعرف في إسرائيل بـ«مبدأ الضاحية». ويتضمن هذا المبدأ الإجلاء الضخم لمئات الآلاف من السكان المدنيين - ويفضل أن يكونوا موالين للنظام - من أحياء ومناطق العاصمة المعادية عبر إنذارات مُسبقة تُبث عبر جميع وسائل الإعلام.

وبعد إجلاء المدنيين، يُدمر الحي أو المنطقة تدميراً كاملاً بالقصف الجوي. وقد نجح هذا المبدأ في ضاحية بيروت خلال حرب لبنان الثانية، ما دفع «حزب الله» إلى الموافقة على وقف إطلاق النار، ونجح مرة أخرى بنسخة مُحسّنة في ضاحية بيروت عام 2024 خلال عملية «سهام الشمال».

هذا على الأقل ما يقدره من يعتمدون على تقييمات استخباراتية مهنية دقيقة. ويقول الخبراء الذين أعتمد عليهم، ومعظمهم من العسكريين، إنه طالما لم يتضح بعد ما إذا كان النظام الحالي سيستمر، وإلى متى، وطالما لم تُعرف شروط التسوية التي ستُحدد في نهاية الحرب، فسيكون من المستحيل تقدير عدد الأشهر أو السنوات التي ستُفقد فيها إيران قدرتها على تشكيل تهديد وجودي لمحيطها.