حقائب وزارية نسائية وأزياء مبطنة بأفكار تصرخ بأن المستقبل للمرأة

أسبوع الأزياء الراقية في باريس لربيع وصيف 2020... نغمة تفاؤل بصوت أنثوي

«ديور» وعلى الخلفية يظهر شعار العرض «ماذا لو حكمت المرأة العالم؟»
«ديور» وعلى الخلفية يظهر شعار العرض «ماذا لو حكمت المرأة العالم؟»
TT

حقائب وزارية نسائية وأزياء مبطنة بأفكار تصرخ بأن المستقبل للمرأة

«ديور» وعلى الخلفية يظهر شعار العرض «ماذا لو حكمت المرأة العالم؟»
«ديور» وعلى الخلفية يظهر شعار العرض «ماذا لو حكمت المرأة العالم؟»

أجمل التشكيلات في أسبوع باريس للـ«هوت كوتور» ربيع وصيف 2020. كانت تلك التي تلتفت إلى تقاليد وحرفية الماضي. وأكثرها شاعرية تلك التي تحن إلى الخمسينات والستينات من القرن الماضي. أما أكثرها عُمقاً وترفاً فكانت تلك المغزولة بالتفاؤل والأحلام، والمبطنة بأفكار تقدمية وحركات متمردة تعكس أحداثاً سياسية واجتماعية نعيشها في الوقت الحالي، تتجلى في تصدر المرأة الساحة السياسية والفنية. وليس أدل على هذا من حصول عدد كبيرة من النساء على حقائب وزارية ليس في فنلندا أو ألمانيا فحسب كما يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى، بل في حكومات عربية مثل لبنان والسودان. أمر يُعطي الأمل بمستقبل أفضل حسب العديد من متابعي الموضة. فحكومات تتنفس المشاعر الإنسانية وتحركها العواطف قد تكون مضاداً حيوياً لما يعاني منه العالم حالياً من قساوة وفوضى. ماريا غراتزيا كيوري، مصممة دار «ديور» التي أكدت طوال فترتها في الدار أنها ناشطة نسوية من الطراز الأول ترجمت هذه المشاعر بقولها إن «المشكلة الحقيقية التي نعاني منها كنساء أننا نعتقد أنه ليس لنا الحق في أن نحلم... مع أن العكس صحيح. فنحن نستطيع أن نحقق الحلم والمستحيل». ولكي تزيد من قوة هذه الرسالة كان شعار تشكيلتها، والخلفية التي تهادت أمامها العارضات «ماذا لو حكمت النساء العالم؟». الجواب، على الأقل من وجهة نظر عشاق الموضة وصناعها أنه سيكون أفضل وأجمل بكثير مما هو عليه الآن.
ثلاثة أيام فقط كانت مدة الأسبوع، لكنها كانت تكفي لتقول بأن الموضة قارئة جيدة لعصرها وتحولاته، هذا إذا لم تكن مؤثرة فيه. فخلال هذه الأيام الثلاثة، أكد المصممون أن الزمن تغير تماماً عما كان عليه في الفترة التي يحنون إليها بقوة، ألا وهي الخمسينات. ما لم يتغير أن أزياء الـ«هوت كوتور» لا تزال معقلاً حصيناً للتقنيات المتطورة ومختبراً للأفكار المُبتكرة. الدليل على هذا أن هذا الموسم، جاءت فيه الأحلام لتعكس متطلبات عصر جديد تحكمه التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي وما نتج عنه من احتضان للآخر بكل تنوعه واختلافه. المصمم جيامباتيستا فالي مثلاً قدم تشكيلته في متحف للمرة الثانية، على شكل معرض استرجاعي يحتفل بالزمن الجميل. ما قدمه في المقابل من تصاميم كان يصرخ بالحداثة. قراره تقديم عرضه في قاعة فنية عوض عرض أزياء بالمعنى التقليدي كان يعود إلى رغبته في أن يُبرز جمال الأقمشة وكيف يمكن أن تتحول إلى أداة فنية عندما يتم لفها بطرق مبتكرة. وأضاف أن مهمة «الهوت كوتور» تتلخص في تسليط الضوء على الأفكار الجديدة والأحجام الكبيرة لكن بتوازن يخدم المرأة. وبالفعل لا ينكر المتابع لمعظم العروض أنه كان هناك كبح واضح لأي شطحات أو جموح في الخيال، إذ كانت معظم الاقتراحات راقية بأساسات كلاسيكية تراعي متطلبات امرأة أصبحت مؤثرة ليس في سوق العمل فحسب، بل أيضاً سياسياً واقتصادياً. صحيح أن بعض التطريزات كانت سخية، لكنها كانت أيضاً محسوبة، كما كانت العديد من التصاميم هندسية، لكن بعيدة عن الأشكال «المعمارية» المبالغ فيها. كان هدف أغلبية المصممين منصباً على خلق توازن بين الأشكال الهندسية وجسد المرأة.
فما يعرفه كل مصمم، وربما يعاني منه، أن تقديم الجديد بالمعنى الثوري أصبح عملة نادرة. ليس لشح الأفكار بل لأن كل الأفكار تقريباً استنزفت وجُربت من قبل، الأمر الذي بات يستدعي منهم رش عروضهم ببهارات درامية، إما في الإخراج والديكورات أو في خلق الأحجام والتلاعب بالألوان. كلير وايت كيلر، مصممة دار «جيفنشي» مثلاً، حازت على تغطيات واسعة بفضل فستان الزفاف الذي عرضته الشابة كايا غيربر. تداولته كل وسائل التواصل الاجتماعي المتعطشة للجديد والغريب. فقد وفر صورة مبتكرة ومثيرة في الوقت ذاته، زادت من الاهتمام بالدار كما سلطت الضوء على باقي التشكيلة. وهي تشكيلة مزجت فيها المصممة حبها للورود والأزهار بتقنيات تفصيل «إنجليزية» أضفت على التصاميم صلابة وشاعرية في الوقت ذاته. في المقابل، ارتأت المصممة فرجيني فيار، مصممة دار «شانيل» أن تلعب مرة أخرى على المضمون وعلى رموز الدار ولسان حالها يقول: «إذا لم يكن الشيء مكسوراً فلم تغييره؟». كانت تشكيلة عادية لكن مع الأخذ بعين الاعتبار أن العادي عندما يحمل توقيع «شانيل» لا يفتقد إلى السحر بتاتاً، خصوصاً إذا كان هذا السحر يراعي متطلبات الزبونة أكثر من رغبته في خلق الدراما. هنا أيضاً كان الماضي حاضراً، من خلال تاييرات من التويد مفصلة وفساتين منسدلة على الجسم بشاعرية لا تُحاول كشف مفاتنه من أجل خلق إثارة مؤقتة.
ما يمكن أن يفتقده حضور عروض «شانيل» في الموسمين الأخيرين، ليسا الأناقة أو الرقي، فهذان موجودان بوفرة، لكنه الإخراج فيما يتعلق بالديكورات الباذخة التي كانت تحول «لوغران باليه» إلى وجهات بعيدة، أو شوارع باريسية تحتضن مظاهرات نسوية أو مركزاً ينتصب وسطه صاروخ مستعد للإقلاع في أي لحظة وغيرها. كانت ديكورات فخمة تشد الأنفاس بمجرد دخول «لوغران باليه»، لكن تركيز الدار بعد تسلم فيرجيني فيار مقاليدها، ينصب على الأزياء أولاً وعلى متطلبات زبونة من كل الأعمار والثقافات ثانياً. هذا لا يعني أنها أهملت جانب الإخراج أو تخلت عنه تماماً، بل فقط خففت من غلوائه. اقتصرت هذه المرة على حديقة غناء بكل أنواع الورود والنباتات، شكلت خلفية مريحة للعين ولأزياء تكمن قوتها في بساطتها. فقد عادت فيها فرجيني إلى طفولة غابرييل شانيل، وتحديداً بعد وفاة والدتها في عام 1895، حين أُرسلت هي وأخواتها للعيش في دير «أوبازين»، الواقع جنوب غربي فرنسا. كانت هذه الفترة جد مؤثرة على مخيلة غابرييل ببساطتها التي تصل أحياناً إلى حد التقشف في التفاصيل. والنتيجة التي أبهرت بها المصممة الحضور أن اقتراحاتها لم تكن تحتاج إلى الكثير من التفاصيل لكي تُذكرنا بسحر امرأة «شانيل». فهذه المرأة لم تتغير كثيراً سوى من ناحية أنها تبدو أصغر سناً وأكثر براءة.
ماريا غراتزيا كيوري، مصممة «ديور» في المقابل، لا تزال صامدة ورافعة لراية الأنوثة. والمقصود هنا ليس الأنوثة كما أرساها المؤسس كريستيان ديور في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي فحسب بل أنوثة معاصرة تنسج فصولها من زاوية نسوية معاصرة. فاللافت أن ماريا غراتزيا، ومنذ التحاقها بالدار الفرنسية، وهي تلعب دور المتمردة على المفاهيم التي تعمل على تجريد المرأة من بعض حقوقها المكتسبة والتي ناضلت من أجلها جدتها في العشرينات ثم والدتها في الستينات من القرن الماضي. وبالنتيجة نجحت المصممة في تحقيق المعادلة بين الأنثوي والنسوي، وإن كان المفهوم الأول هو الطاغي على هذه التشكيلة المستوحاة من أميرات يونانيات ومن أساطير الإغريق من خلال تصاميم «التوغا» والضفائر المجدولة حول الصدر أو الأكتاف أو الخصر المشدود، الذي يعتبر لصيقاً بالدار منذ تأسيسها. أما الجانب النسوي، فتجسد في مقولة: «ماذا لو حكمت النساء العالم» وفي الديكور الذي جاء على شكل «رحم امرأة» صممته الفنانة والناشطة النسوية جودي شيكاغو، على أساس أن المرأة معطاء وولادة بطبيعتها. أما كيف انعكس كل هذا على التشكيلة فكان من خلال صورة امرأة تتمتع بالجاه والمكانة الاجتماعية العالية كما يبدو من فساتينها المترفة والمزينة بتفاصيل بخفة الريش، وكأن المصممة تخاف من تقييدها بأي شكل من الأشكال. ساعد على توفير هذه الخفة، الأنامل الناعمة التي تعمل في ورشات «ديور». فهذه الأنامل لها قدرة عجيبة على تجسيد رؤية المصممة وإرث الدار بشكل لا يعلى عليه، خصوصاً أنه كان عليهم، رجالاً ونساءً، تحقيق التوازن بين قصة الماضي الرومانسية كما كتبها السيد كريستيان ديور، وبين جذور مصممتهم الإيطالية المتأثرة بأجواء البحر الأبيض المتوسط من دون أن تنسى عشقها لعصر النهضة وشتى الفنون بشكل عام. كل هذا تجسد من خلال اللعب على التفصيل وتحديد الخصر والأكتاف الناعمة، والأقمشة المترفة التي ساعدت على انسدال فساتين السهرة بسهولة، بحيث تبدو في بعض الإطلالات كما لو أنها مشدودة بحبال رفيعة في صور تحاكي لوحات الفنان بوتشيللي.
ما نجحت فيه ماريا غراتزيا أنها أبرزت قوة المرأة من دون أن تلجأ إلى تصاميم مستوحاة من خزانة الرجل. بالنسبة لها فإن قوة المرأة تكمن بداخلها. رسالة كانت واضحة مع كل خطوة كانت تخطوها العارضات حول المنصة الملتفة، والمكان الذي تعمدت جودي شيكاغو تصميمه على شكل رحم امرأة. كان التعاون مع الفنانة مهما بالنسبة للمصممة، وهو ما اعترفت به بتصريحها أنها ذهبت لزيارتها شخصياً في بيتها في نيو مكسيكو لتطلب التعاون معها. وكانت في غاية السعادة بقبول الفنانة عرضها. طبعا لن تُترجم هذه القضية النسوية والديمقراطية في الأسعار التي لن تكون متاحة لكل النساء. فنحن في موسم الأزياء الراقية التي تتوجه إلى شريحة نخبوية تتمتع بإمكانيات عالية.
بدوره أكد المخضرم جيورجيو أرماني أنه ابن جيله. على الأقل من ناحية نظرته إلى الدور الذي يجب أن يلعبه كمصمم لإبراز جمال المرأة وبث الثقة في نفسها وخطوتها. التشكيلة التي قدمها كانت هدية ثمينة إلى امرأة كلاسيكية تريد أن تضخ إطلالتها بالألوان وبعض البريق. كانت له هو أيضاً رسالة لا تقل قوة عن تلك التي كتبتها ابنة بلده، ماريا غراتزيا كيوري. رسالته كانت تحمل معنى مهم وهو أن من فات قديمه تاه. القديم هنا كانت تقنيات حياكة وتطريز ودباغة قديمة على رأسها «إيكات» لصبغ الأقمشة، والتي تشتهر بها ماليزيا منذ قرون قبل أن تنتشر في باقي العالم، إلى جانب استعماله حرير ميكادو الياباني والكثير من الورود التي تحاكي الطبيعة بألوانها وأشكالها. فهذه كانت مهمة لإضفاء طابع شاعري على تشكيلة مفصلة بأسلوبه المعروف. أما ما نجح فيه جيورجيو أرماني فيكمن في وفائه لأسلوبه وإلى نظرته الكلاسيكية رغم كل التحديات، لكنه لم ينس أن يجعلها تتكلم بلغة أنيقة يعرف أنها ستلمس وتراً حساساً لدى صغيرات السن.
لكن إذا كان ضجيج الألوان هو المطلوب فإن المرأة ستجد بُغيتها بلا محالة في تشكيلة «ميزون مارجيلا»، التي أبدع فيها مصممها جون غاليانو إلى حد القول إنه تفوق على نفسه. استعمل ألوانا بدرجات قوية في تصاميم مستوحاة من «الحقبة الجميلة» «لابيل إيبوك». ولأن غاليانو ليس بورغوازياً ولا يميل إلى أي شيء يمت إلى البورغوازية بصلة، كان لا بد من أن يُفككها بعض الشيء، بأن أضاف إليها «رشة واقعية» لا بد أنها ستفتح حواراً فكرياً بينها وبين زبوناته. ما لا يخفى على أحد أن غاليانو تعلم الدرس جيداً، بعد سنوات طويلة من الجموح الفكري وشطحات الخيال، التي كانت تُلهم وتشد الأنفاس لكنها لا تبيع. لحسن الحظ أنه في السنوات الأخير تعلم متى يتوقف عن الإسهاب في التفاصيل، ومتى يضع نقطة النهاية على كل قطعة، لهذا كان جموحه هنا مدروساً بفنية أكد فيها أنه انصهر مع ثقافة الدار التي التحق بعد «ديور» وأصبح جزءاً منها.
ربما يكون عرض «فالنتينو» هو الوحيد الذي لم ينجح في خلق ذلك الإحساس الغامر بالإعجاب والحب الذي تعودناه منه في المواسم الماضية. صحيح أن عرضه كان في المستوى ويصعب انتقاده، إلا أنه افتقد إلى عنصر المفاجأة ومن ثم فقد شاعريته السابقة.


مقالات ذات صلة

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

خاص صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.


كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.