عالم اللاهوت هانز كونغ ومعركته من أجل التنوير

يتحدث عن الإسلام دون أي عقد تاريخية وأحقاد مسبقة

هانز كونغ
هانز كونغ
TT

عالم اللاهوت هانز كونغ ومعركته من أجل التنوير

هانز كونغ
هانز كونغ

منذ زمن طويل وأنا أتابع أعمال هذا المفكر الديني الشهير.. ومعلوم أنه أحد علماء اللاهوت الكبار في الغرب حاليا. وعلى الرغم من أنه رجل دين في الأصل، فإنه مطلع تماما على النظريات الفلسفية والعلمية الحديثة؛ بل ويطبق نظرية البارديغمات أو القطيعات الابيستمولوجية على تاريخ اللاهوت أو العلوم الدينية! شيء مدهش حقا ويدعو للإعجاب فعلا. وهي النظرية التي كان العالم الابيستمولوجي توماس كهن قد بلورها في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية».
على أي حال، فإن هانز كونغ من أصل سويسري ألماني، وقد كان أستاذا لفترة طويلة في جامعة توبنغين، وكان من زملائه المستشرق الكبير جوزيف فان ايس، أحد كبار المختصين باللاهوت الإسلامي المعتزلي والحنبلي وسوى ذلك من الفرق. وقد استفاد منه هانز كونغ كثيرا عندما ألف كتابه الضخم عن الإسلام ماضيا وحاضرا ومستقبلا. والشيء الجميل الذي يستحق التقدير هو أن هانز كونغ يتحدث عن الإسلام بمودة صافية ودون أي عقد تاريخية وأحقاد مسبقة، بل ويبدو غيورا عليه وعلى تطوره، ويقدم لنا الاقتراحات العملية للخروج من المأزق التاريخي الذي غطسنا فيه بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001 والذي تفاقم أخيرا مع هذه الطامة الكبرى المدعوة بـ«داعش». ينبغي أن نصغي إليه وندرس مقترحاته وتشخيصاته بجدية؛ سواء تلك الواردة في كتابه المذكور أم في كتاب جماعي سابق بعنوان: «المسيحية وأديان العالم: الإسلام.. البوذية.. الهندوسية»، ففيها إضاءات لا يستهان بها.
لكن ليس عن هذا سأتحدث الآن.. فالواقع أن مناسبة هذه المقالة هي أني اطلعت مؤخرا على الجزء الأول من مذكراته الصادرة تحت عنوان جميل جدا: «معركتي من أجل الحرية». ويقصد بذلك أنه أمضى حياته في مصارعة الاتجاهات المحافظة إن لم نقل الرجعية داخل الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان. لقد كان تنويريا فذا ومصارعا صلبا للأصولية المسيحية. وقد استطاع زحزحة الكنيسة عن مواقعها التقليدية الانغلاقية التعصبية بعد معارك ضارية وجهد جهيد. بالطبع لم يكن المجدد الوحيد، ولكنه كان رأس حربة في وجه الطائفيين النائمين على أمجادهم العنجهية والتكفيرية القديمة. صحيح أن الكنيسة الكاثوليكية انفتحت على العالم الحديث بعد انعقاد المجمع الكنسي التحريري الشهير باسم «الفاتيكان الثاني»، وصحيح أنها تخلت عندئذ عن لاهوتها القروسطي التكفيري القديم إلى حد كبير. انظر موقفها من الإسلام ما قبل هذا المجمع التحريري وما بعده: انقلاب حقيقي! لقد انفتحت على ديننا انفتاحا كبيرا بعد أن كانت معادية له طيلة قرون وقرون، وانظر اعترافها لأول مرة بحرية الضمير والمعتقد؛ أي بحقك في أن تتدين أو لا تتدين. فالإيمان الإكراهي القسري المفروض عليك من فوق لا قيمة له ولا يساوي قشرة بصلة.. «لا إكراه في الدين»، كما يقول القرآن الكريم. وانظر تخليها عن مفهوم «الفرقة الناجية» داخل المسيحية من خلال اعترافها بالفرق الأخرى من بروتستانتية وأرثوذكسية، في حين أنها كانت تنبذها سابقا؛ بل وتكفرها.. شيء لا يكاد يصدق. طيلة ألفي سنة تقريبا كان لاهوتهم الفاتيكاني القديم يردد الفتوى الشهيرة: «خارج الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية المقدسة، لا خلاص للإنسان ولا مرضاة عند الله». وهذا يعني أن التكفير انتهى عندهم، وأنهم اعترفوا لأول مرة بإيمان الإنسان البروتستانتي المنبوذ والمكروه.. بل واعترفوا بإيمان المسلم: العدو التاريخي! باختصار شديد: لقد اعترفوا بمشروعية التعددية الدينية والمذهبية.. فهناك عدة طرق تؤدي إلى الله إذا ما خلصت النيات وصلحت الأعمال. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن التجديد ممكن، بل وضروري حتى في قدس الأقداس: أي علم الدين واللاهوت. إنه يعني أنه حتى الثوابت الراسخة رسوخ الجبال يمكن أن تتغير وتتجدد. ولذلك حيا العالم بأسره هذا التطور الهائل للكنيسة الكاثوليكية التي كانت قلعة الرجعية وألد أعداء الحداثة طيلة القرون المتطاولة. ولكن هل نعلم بأن هانز كونغ كان أحد اللاعبين الكبار في هذا المجمع على الرغم من صغر سنه آنذاك؛ 35 سنة فقط؟ إنه يروي في هذه المذكرات بشكل مشوق قصة انعقاد المجمع الكبير وكيف اندلع الصراع بين التيار التجديدي والتيار المحافظ داخل الكنيسة الكاثوليكية. من يريد الاطلاع على تفاصيل هذه الثورة اللاهوتية التي صالحت المسيحية مع الحداثة فليقرأ هذه المذكرات الضخمة التي تتجاوز الـ1500 صفحة في جزأين كبيرين. لقد فوجئت بأن أول إنجاز للمجمع كان إلغاء تلك القائمة الإرهابية التي تحرم الكتب العلمية والفلسفية ناهيك بالروائع الأدبية. ومعلوم أن الفاتيكان كان يصدر منذ عام 1564 لائحة دورية تشتمل على عناوين الكتب التي ينبغي على المسيحيين تحاشيها أو عدم قراءتها بأي شكل من الأشكال. لماذا؟ لأنها رجس من عمل الشيطان، أو خطرة على الإيمان، بحسب الفاتيكان. رجعنا تقريبا إلى «بوكو حرام»! وهل تعلمون بأن كتب ديكارت وكانط وفولتير وجان جاك روسو ومعظم مؤلفات عباقرة الغرب كانت موضوعة على لائحة الكتب المحرمة هذه؟ من يصدق ذلك الآن؟ رجعنا إلى رواية نجيب محفوظ «أولاد حارتنا» وكيف تم تحريمها أو تكفيرها من قبل مشايخنا الأجلاء.. وهي إحدى روائع الأدب العربي الحديث. هذا ناهيك بتكفير «ألف ليلية وليلة» وتحريمها أيضا. وحتما كتب المعري تدخل في هذه الخانة. كل ما هو عبقري وعظيم ممنوع ومحرم ومدان. تخيلوا أن رائعة الروائع في الآداب العربية كلها، عنيت «رسالة الغفران»، مكروهة وممنوعة من قبل الفقهاء. وبالتالي، فما كان يحصل في المسيحية الأوروبية قبل قرنين أو ثلاثة يحصل عندنا الآن. العقلية الأصولية هي ذاتها في كل الأديان.. إنها تشتغل بالآلية الانغلاقية نفسها سواء في الإسلام أم في المسيحية.
ينبغي العلم بأن مذكرات هانز كونغ صدرت كما ذكرت آنفا بجزأين كبيرين بين عامي 2006 و2010 على التوالي، وفيهما يروي قصة حياته ومساره الفكري وصراعه مع الفاتيكان بغية تغيير مواقفه القديمة وإقناعه بعدم تكفير الحداثة بعد اليوم. ولذلك عاقبوه ومنعوه من التدريس لفترة طويلة بسبب اعتراضه على بعض العقائد الأساسية في الكاثوليكية كمعصومية البابا أو عذرية مريم، أو غير ذلك من المعجزات والخرافات. لقد جدد الفكر المسيحي من أوله إلى آخره، وساهم بذلك في عقلنته وتحقيق المصالحة التاريخية بين المسيحية والحداثة.. وهو ما ينقصنا بشكل موجع في الإسلام حتى الآن. ولكن ذلك قادم حتما. ثم وسع هانز كونغ تفكيره عندما انفتح على أديان العالم الأخرى، خاصة الإسلام واليهودية والبوذية والهندوسية، بل وأسس ما يدعى «ببرلمان أديان العالم»، وطرح شعاره الشهير: «لا سلام في العالم بدون سلام بين الأديان». ونحن نضيف: «لا سلام في العالم بدون تحقيق السلام بين المذاهب والطوائف داخل نفس الدين». وهكذا تحول الرجل إلى شخصية عالمية يفكر على مستوى كوني لأنه مهموم بصراعات العالم الدموية ويريد أن يضع لها حدا، خاصة إذا كانت ذات طابع ديني.
أخيرا لكي تعرفوا الفرق بين التجديد والتقليد في الدين، أنصحكم وأنصح نفسي بقراءة كتابين عن السيد المسيح صدرا في السنوات الأخيرة؛ الأول لهانز كونغ نفسه، والثاني لغريمه اللدود راتزنجير المشهور باسم «البابا بنوا السادس عشر». كلاهما متركز على سيرة عيسى بن مريم. فهنا نلاحظ أن كتاب راتزنجير يستعرض حياة المسيح بطريقة تبجيلية موروثة ومكرورة منذ مئات السنين. هذا في حين أن كتاب هانز كونغ لا يتردد في تطبيق المنهج التاريخي على أعظم وأقدس شخصية في تاريخ المسيحية. هذا لا يعني أن كتاب البابا السابق لا معنى له. فالواقع أنه بذل فيه جهودا لا يستهان بها وحاول تحديث المقاربة بقدر الإمكان بالنسبة لرجل دين. لا ينبغي أن ننسى أنه عالم كبير، بل ومطلع جيدا على تاريخ الفلسفة. ولكنه يبقى في نهاية المطاف أسير النظرة التبجيلية المعروفة. أما هانز كونغ فلا يتردد لحظة واحدة في الخروج عليها. ولهذا السبب، فان اليمين المسيحي المحافظ ينظر إليه شزرا وقد يكفره أو يزندقه على الأقل. ولله الأمر من قبل ومن بعد. إنه يعتبر هانز كونغ كافرا زنديقا لأنه طبق أحدث المناهج التاريخية على الإنجيل وشخص السيد المسيح. كما اعترف بضرورة تطبيق النقد الفلسفي على التراثات الدينية كلها. وقال حرفيا بأن المرور بالمرحلة التنويرية أنقذ المسيحية من التحنط والتكلس والجمود وصالحها مع الحداثة. وسوف يحصل الشيء نفسه في الإسلام قريبا لا محالة. وربما سرعت «داعش» من العملية كرد فعل عليها. وهنا يكمن مكر العقل في التاريخ. وعلى أي حال، فالتنوير الفلسفي هو العلاج الفعال لكل أنواع التعصب المذهبي أو الطائفي.
من أقوال هانز كونغ: «يا إلهي هل سنتخلص يوما ما من سرطان التعصب الديني ومحاكم التفتيش؟».
فإذا كان هو يقول ذلك فما بالك بنا نحن؟ إذا كان هو (المنتمي إلى مجتمع سويسري أوروبي متقدم هضم عدة ثورات لاهوتية وعلمية وفلسفية على مدار 4 قرون) يشكو من التعصب والانغلاق، فماذا سنقول نحن؟ شيء يدوخ العقل.



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.