منذ زمن طويل وأنا أتابع أعمال هذا المفكر الديني الشهير.. ومعلوم أنه أحد علماء اللاهوت الكبار في الغرب حاليا. وعلى الرغم من أنه رجل دين في الأصل، فإنه مطلع تماما على النظريات الفلسفية والعلمية الحديثة؛ بل ويطبق نظرية البارديغمات أو القطيعات الابيستمولوجية على تاريخ اللاهوت أو العلوم الدينية! شيء مدهش حقا ويدعو للإعجاب فعلا. وهي النظرية التي كان العالم الابيستمولوجي توماس كهن قد بلورها في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية».
على أي حال، فإن هانز كونغ من أصل سويسري ألماني، وقد كان أستاذا لفترة طويلة في جامعة توبنغين، وكان من زملائه المستشرق الكبير جوزيف فان ايس، أحد كبار المختصين باللاهوت الإسلامي المعتزلي والحنبلي وسوى ذلك من الفرق. وقد استفاد منه هانز كونغ كثيرا عندما ألف كتابه الضخم عن الإسلام ماضيا وحاضرا ومستقبلا. والشيء الجميل الذي يستحق التقدير هو أن هانز كونغ يتحدث عن الإسلام بمودة صافية ودون أي عقد تاريخية وأحقاد مسبقة، بل ويبدو غيورا عليه وعلى تطوره، ويقدم لنا الاقتراحات العملية للخروج من المأزق التاريخي الذي غطسنا فيه بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001 والذي تفاقم أخيرا مع هذه الطامة الكبرى المدعوة بـ«داعش». ينبغي أن نصغي إليه وندرس مقترحاته وتشخيصاته بجدية؛ سواء تلك الواردة في كتابه المذكور أم في كتاب جماعي سابق بعنوان: «المسيحية وأديان العالم: الإسلام.. البوذية.. الهندوسية»، ففيها إضاءات لا يستهان بها.
لكن ليس عن هذا سأتحدث الآن.. فالواقع أن مناسبة هذه المقالة هي أني اطلعت مؤخرا على الجزء الأول من مذكراته الصادرة تحت عنوان جميل جدا: «معركتي من أجل الحرية». ويقصد بذلك أنه أمضى حياته في مصارعة الاتجاهات المحافظة إن لم نقل الرجعية داخل الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان. لقد كان تنويريا فذا ومصارعا صلبا للأصولية المسيحية. وقد استطاع زحزحة الكنيسة عن مواقعها التقليدية الانغلاقية التعصبية بعد معارك ضارية وجهد جهيد. بالطبع لم يكن المجدد الوحيد، ولكنه كان رأس حربة في وجه الطائفيين النائمين على أمجادهم العنجهية والتكفيرية القديمة. صحيح أن الكنيسة الكاثوليكية انفتحت على العالم الحديث بعد انعقاد المجمع الكنسي التحريري الشهير باسم «الفاتيكان الثاني»، وصحيح أنها تخلت عندئذ عن لاهوتها القروسطي التكفيري القديم إلى حد كبير. انظر موقفها من الإسلام ما قبل هذا المجمع التحريري وما بعده: انقلاب حقيقي! لقد انفتحت على ديننا انفتاحا كبيرا بعد أن كانت معادية له طيلة قرون وقرون، وانظر اعترافها لأول مرة بحرية الضمير والمعتقد؛ أي بحقك في أن تتدين أو لا تتدين. فالإيمان الإكراهي القسري المفروض عليك من فوق لا قيمة له ولا يساوي قشرة بصلة.. «لا إكراه في الدين»، كما يقول القرآن الكريم. وانظر تخليها عن مفهوم «الفرقة الناجية» داخل المسيحية من خلال اعترافها بالفرق الأخرى من بروتستانتية وأرثوذكسية، في حين أنها كانت تنبذها سابقا؛ بل وتكفرها.. شيء لا يكاد يصدق. طيلة ألفي سنة تقريبا كان لاهوتهم الفاتيكاني القديم يردد الفتوى الشهيرة: «خارج الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية المقدسة، لا خلاص للإنسان ولا مرضاة عند الله». وهذا يعني أن التكفير انتهى عندهم، وأنهم اعترفوا لأول مرة بإيمان الإنسان البروتستانتي المنبوذ والمكروه.. بل واعترفوا بإيمان المسلم: العدو التاريخي! باختصار شديد: لقد اعترفوا بمشروعية التعددية الدينية والمذهبية.. فهناك عدة طرق تؤدي إلى الله إذا ما خلصت النيات وصلحت الأعمال. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن التجديد ممكن، بل وضروري حتى في قدس الأقداس: أي علم الدين واللاهوت. إنه يعني أنه حتى الثوابت الراسخة رسوخ الجبال يمكن أن تتغير وتتجدد. ولذلك حيا العالم بأسره هذا التطور الهائل للكنيسة الكاثوليكية التي كانت قلعة الرجعية وألد أعداء الحداثة طيلة القرون المتطاولة. ولكن هل نعلم بأن هانز كونغ كان أحد اللاعبين الكبار في هذا المجمع على الرغم من صغر سنه آنذاك؛ 35 سنة فقط؟ إنه يروي في هذه المذكرات بشكل مشوق قصة انعقاد المجمع الكبير وكيف اندلع الصراع بين التيار التجديدي والتيار المحافظ داخل الكنيسة الكاثوليكية. من يريد الاطلاع على تفاصيل هذه الثورة اللاهوتية التي صالحت المسيحية مع الحداثة فليقرأ هذه المذكرات الضخمة التي تتجاوز الـ1500 صفحة في جزأين كبيرين. لقد فوجئت بأن أول إنجاز للمجمع كان إلغاء تلك القائمة الإرهابية التي تحرم الكتب العلمية والفلسفية ناهيك بالروائع الأدبية. ومعلوم أن الفاتيكان كان يصدر منذ عام 1564 لائحة دورية تشتمل على عناوين الكتب التي ينبغي على المسيحيين تحاشيها أو عدم قراءتها بأي شكل من الأشكال. لماذا؟ لأنها رجس من عمل الشيطان، أو خطرة على الإيمان، بحسب الفاتيكان. رجعنا تقريبا إلى «بوكو حرام»! وهل تعلمون بأن كتب ديكارت وكانط وفولتير وجان جاك روسو ومعظم مؤلفات عباقرة الغرب كانت موضوعة على لائحة الكتب المحرمة هذه؟ من يصدق ذلك الآن؟ رجعنا إلى رواية نجيب محفوظ «أولاد حارتنا» وكيف تم تحريمها أو تكفيرها من قبل مشايخنا الأجلاء.. وهي إحدى روائع الأدب العربي الحديث. هذا ناهيك بتكفير «ألف ليلية وليلة» وتحريمها أيضا. وحتما كتب المعري تدخل في هذه الخانة. كل ما هو عبقري وعظيم ممنوع ومحرم ومدان. تخيلوا أن رائعة الروائع في الآداب العربية كلها، عنيت «رسالة الغفران»، مكروهة وممنوعة من قبل الفقهاء. وبالتالي، فما كان يحصل في المسيحية الأوروبية قبل قرنين أو ثلاثة يحصل عندنا الآن. العقلية الأصولية هي ذاتها في كل الأديان.. إنها تشتغل بالآلية الانغلاقية نفسها سواء في الإسلام أم في المسيحية.
ينبغي العلم بأن مذكرات هانز كونغ صدرت كما ذكرت آنفا بجزأين كبيرين بين عامي 2006 و2010 على التوالي، وفيهما يروي قصة حياته ومساره الفكري وصراعه مع الفاتيكان بغية تغيير مواقفه القديمة وإقناعه بعدم تكفير الحداثة بعد اليوم. ولذلك عاقبوه ومنعوه من التدريس لفترة طويلة بسبب اعتراضه على بعض العقائد الأساسية في الكاثوليكية كمعصومية البابا أو عذرية مريم، أو غير ذلك من المعجزات والخرافات. لقد جدد الفكر المسيحي من أوله إلى آخره، وساهم بذلك في عقلنته وتحقيق المصالحة التاريخية بين المسيحية والحداثة.. وهو ما ينقصنا بشكل موجع في الإسلام حتى الآن. ولكن ذلك قادم حتما. ثم وسع هانز كونغ تفكيره عندما انفتح على أديان العالم الأخرى، خاصة الإسلام واليهودية والبوذية والهندوسية، بل وأسس ما يدعى «ببرلمان أديان العالم»، وطرح شعاره الشهير: «لا سلام في العالم بدون سلام بين الأديان». ونحن نضيف: «لا سلام في العالم بدون تحقيق السلام بين المذاهب والطوائف داخل نفس الدين». وهكذا تحول الرجل إلى شخصية عالمية يفكر على مستوى كوني لأنه مهموم بصراعات العالم الدموية ويريد أن يضع لها حدا، خاصة إذا كانت ذات طابع ديني.
أخيرا لكي تعرفوا الفرق بين التجديد والتقليد في الدين، أنصحكم وأنصح نفسي بقراءة كتابين عن السيد المسيح صدرا في السنوات الأخيرة؛ الأول لهانز كونغ نفسه، والثاني لغريمه اللدود راتزنجير المشهور باسم «البابا بنوا السادس عشر». كلاهما متركز على سيرة عيسى بن مريم. فهنا نلاحظ أن كتاب راتزنجير يستعرض حياة المسيح بطريقة تبجيلية موروثة ومكرورة منذ مئات السنين. هذا في حين أن كتاب هانز كونغ لا يتردد في تطبيق المنهج التاريخي على أعظم وأقدس شخصية في تاريخ المسيحية. هذا لا يعني أن كتاب البابا السابق لا معنى له. فالواقع أنه بذل فيه جهودا لا يستهان بها وحاول تحديث المقاربة بقدر الإمكان بالنسبة لرجل دين. لا ينبغي أن ننسى أنه عالم كبير، بل ومطلع جيدا على تاريخ الفلسفة. ولكنه يبقى في نهاية المطاف أسير النظرة التبجيلية المعروفة. أما هانز كونغ فلا يتردد لحظة واحدة في الخروج عليها. ولهذا السبب، فان اليمين المسيحي المحافظ ينظر إليه شزرا وقد يكفره أو يزندقه على الأقل. ولله الأمر من قبل ومن بعد. إنه يعتبر هانز كونغ كافرا زنديقا لأنه طبق أحدث المناهج التاريخية على الإنجيل وشخص السيد المسيح. كما اعترف بضرورة تطبيق النقد الفلسفي على التراثات الدينية كلها. وقال حرفيا بأن المرور بالمرحلة التنويرية أنقذ المسيحية من التحنط والتكلس والجمود وصالحها مع الحداثة. وسوف يحصل الشيء نفسه في الإسلام قريبا لا محالة. وربما سرعت «داعش» من العملية كرد فعل عليها. وهنا يكمن مكر العقل في التاريخ. وعلى أي حال، فالتنوير الفلسفي هو العلاج الفعال لكل أنواع التعصب المذهبي أو الطائفي.
من أقوال هانز كونغ: «يا إلهي هل سنتخلص يوما ما من سرطان التعصب الديني ومحاكم التفتيش؟».
فإذا كان هو يقول ذلك فما بالك بنا نحن؟ إذا كان هو (المنتمي إلى مجتمع سويسري أوروبي متقدم هضم عدة ثورات لاهوتية وعلمية وفلسفية على مدار 4 قرون) يشكو من التعصب والانغلاق، فماذا سنقول نحن؟ شيء يدوخ العقل.
عالم اللاهوت هانز كونغ ومعركته من أجل التنوير
يتحدث عن الإسلام دون أي عقد تاريخية وأحقاد مسبقة
هانز كونغ
عالم اللاهوت هانز كونغ ومعركته من أجل التنوير
هانز كونغ
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
