ألفريد هيتشكوك فيلسوفاً

40 عاماً على غيابه وما زال السينمائيون الشباب يتعلمون منه

مشهد من فيلم «سايكو»
مشهد من فيلم «سايكو»
TT

ألفريد هيتشكوك فيلسوفاً

مشهد من فيلم «سايكو»
مشهد من فيلم «سايكو»

لا يجادل كثيرون بأن المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك، (1899 - 1980) واحد من أسماء قليلة يمكن التداول بشأنها عندما نتحدّث عن أعظم مخرجي السينما في القرن العشرين. وهو دون شكّ عبر 53 فيلماً عمل عليها خلال مهنة استمرت 60 عاماً يستحق وحده لقب «ملك التشويق السينمائي» لما تضمنته أفلامه الكثيرة من معالجات رائدة ما زالت إلى اليوم مرجعاً يتعلّم منه السينمائيّون الشبان، ووجبة لا غنى عنها لكلّ متذوّق على مائدة الفن السّابع فكأنها نبيذ تزداد قيمته كلما تعتّق.
كان هيتشكوك الذي ولد شرق لندن قد التحق بصناعة السينما وهو ابن الحادية والعشرين من عمره، فعمل في استوديو للإنتاج السينمائي لشركة أميركيّة كبرى، وأغرق نفسه بجدّ داخل كل جوانب المهنة قبل أن يمنح الفرصة لإخراج أول أعماله عام 1925. وقد صنع مبكراً أفلاماً بارزة حققت حضوراً، لكن الأوضاع الاقتصاديّة السيئة في بريطانيا الثلاثينيّات أجبرته على قبول عرض للانتقال إلى هوليوود بالولايات المتحدة عشيّة الحرب العالميّة الثانية. وهناك صنع مجموعة متتابعة من الأفلام التي امتازت بعمقها الفكري وبحثها بأدق خصوصيات التجربة النفسيّة الإنسانيّة العابرة للثّقافات والأزمنة، ومثّلت أعماله للجمهور الأميركي العادي تطبيقاً عملياً على أساليب مدرسة التحليل السايكولوجي التي بقيت لوقت قريب قبلها مساحة محصورة بالنّخب والمثقفين.
وللمفارقة، فإن أفلام هذا الكبير، لا سيّما في النّصف الأول من تاريخه المهني الطويل، حظيت وقت ظهورها بقبول عريض من جمهور المشاهدين دون النقّاد الذين لم يدركوا عبقرية طروحاته وعمقها إلا بعد ظهور أفلام الواقعيّة الإيطاليّة الجديدة، ولاحقاً تيار سينما الموجة الجديدة في فرنسا الذي اعترف للرجل بفضله وأصالة أعماله. لكن أفلامه حظيت لاحقاً باهتمام مجموعة غير متوقعة من المعجبين، وأعني بهم دارسي الفلسفة ومحبيها الذين شرع بعضهم في ترفيع قيمة الرّجل إلى مكانة الفيلسوف على قدم وساق مع الأسماء الكبرى لذلك الفضاء النخبوي من أمثال ديكارت، وهيوم، وكانت، وفيتجنشتاين وغيرهم. وقد أصدر أحد الأساتذة الأميركيين (روبرت ينال) بالفعل كتاباً بعنوان (هيتشكوك كفيلسوف - 2005)، لتتالى بعده الدّراسات والمطارحات والمقالات المحكمة في أرفع دوريات الفلسفة العالميّة حول الثيمات التي تناولها الرّجل بمختلف أعماله.
وللحقيقة فإنه من دون هيتشكوك يصعب على غير المتخصص النّفاذ إلى القيمة المعرفيّة التي قد تحملها الأعمال الأدبيّة والفنيّة المتمحورة حول الرّعب من جحيم دانتي، إلى لوحات فرانشيسكو غويا، وتراجيديّات شكسبير، وروايات كافكا، ولاحقاً الأفلام السينمائيّة والمسلسلات المعاصرة، بالطبع دائماً إلى جانب ما قد تحمله من القيمة الفنيّة المحضة أو الأخلاقيّة الأكثر وضوحاً. ولعلّه من خلال أعمال مثل (سايكو - 1960) و(الطيور - 1963) يصوغ أبلغ إجابة على تساؤل دائم عن معنى إقبال الجمهور على تذوّق تلك الأعمال ومتابعتها، رغم أن بعضها يبدو وكأنّه احتفاء بالعنف الدموي لذاته.
عند هيتشكوك فإن أدب - أو فن أو شريط - الرّعب (سواء تعامل مع مخلوقات خياليّة أو حتى انحرافات بشريّة ممكنة وواقعية على نحو ما) يقدّم للمتلقي تجربة شك فلسفيّة مهمّة تجاه العادي والمألوف في الحياة اليوميّة المعتمدة على كثير من الافتراضات المتراكمة فيما يسمى بالحسّ السّليم أو المشترك - أو - «Common Sense»، الذي يسمح للبشر بالمضي في حياتهم من دون التوقف عند كل الاحتمالات. سينمائيّاً، فإن ذلك يعني حدثاً مناقضاً لذلك الحس السّليم (الذي هو أصلاً ليس عقلانياً بالمطلق) يكسر إيقاع حياة تبدو اعتياديّة ومكررة ومفعمة بالرتابة، ويتسبب بخلق استجابات عاطفيّة شديدة الكثافة في لحظة المشاهدة تتراوح بين القلق واليأس والبارانويا أو مزيج منها. لكن تأثير بعضها قد يلتصق بالمتلقي لبعض الوقت، ويلاحقه في يومياته، لا سيّما وأن البشر يحتفظون بداخلهم برصيد هائل من المخاوف الوجوديّة ننساه لحظياً لكنه قابل للاستعادة: الخوف من الموت، ومن المرض، ومن الموتى، ومن جنون العالم من حولنا. بالطبع يدرك المتلقي أن المادة الأدبيّة أو الفنيّة التي عرضت عليه ما هي إلا عمل من أعمال الخيال، لكن التأثير شديد الكثافة الذي يحدث نتيجة له لا يبدو أنّه يزال بمجرّد التعقل، وإنما بالعودة للاندماج باليومي والمألوف على نحو يسمح تدريجياً باستعادة التّوازن و«الحسّ السليم».
فيلمه «سايكو»، الذي يحتفل بمرور 60 عاماً على إطلاقه، يعتبر اليوم بمثابة فاصل يؤرّخ لسينما الرّعب من قبله وبعده. ففيه تحديداً ولأوّل مرّة في تاريخ هذا النوع من الأفلام لم يقدّم هيتشكوك أيّ ضمانات للبشر بإمكان مواجهة الخطر مصدر الرّعب أو حتى مجرّد التعامل معه بفعاليّة على نحو يصدم المتلقي ويضعه في حالة تامّة من الشكّ الفلسفي لا تنتهي إلا بمحاولة الاندماج مجدداً داخل يوميّات العيش. يقوم السيناريو بإثارة بارانويا حادّة في الذّهن عبر ما تبدو أموراً مألوفة وعاديّة لتتحول دون مقدّمات إلى خطر داهم يمكن أن يتسبب للإنسان بالهلاك. ورغم فكرة وجود إنسان يبدو من النظرة العابرة عادياً، لكنّه يتقلب في لحظة ما إلى وحش يهدد وجودنا ذاته، ليست بالجديدة تماماً، لكن عبقريّة صياغة هيتشكوك كانت بجعل السرديّة المرعبة أمراً لا يمكن استبعاده منطقيّاً وعقلانياً بأي شكل عن أي منا، وعلى نحو يطيح بقسوة بكل «حِسّنا السليم»، ويفقدنا مؤقتاً على الأقل الثّقة بكل افتراضاتنا المسبقة. ورغم أن ذلك السيناريو يرسم القصّة في فندق صغير بالولايات المتحدة الأميركيّة على طريق سفر ما، إلا أن سينوغرافيا الفيلم من أوّله إلى آخره تخاطب جمهوراً بشرياً عابراً للمكان وحتى للزمان، ولا تمنح المشاهد فرصة لاستبعاد الحدث على أسس ثقافيّة من نوع «هذه الأمور لا تحدث في بلادنا» أو ما شابه تاركاً لذهن الأخير استكمال كثير من التفاصيل في خياله بدلاً من تقديمها له مكتملة. ويعتبر مشهد قتل الضحيّة بطلة الفيلم داخل حوض الاستحمام، الذي يحدث مبكراً في بداية «سايكو» أشهر جريمة سينمائيّة في تاريخ الفنّ السابع كلّه، وهو رغم أنّه لا يتجاوز 45 ثانيّة تصويريّة، إلا أنّه على يد ملك التشويق السينمائي استهلك أسبوعاً كاملاً من العمل، و78 موضعاً مختلفاً للكاميرا.
فلسفياً، فإن أعمالاً مثل «سايكو» - وأيضاً فيلم هيتشكوك اللاحق «الطيور» الذي يطرح سيناريو موازياً لثيمة «سايكو»، إنما هذه المرّة عبر تحوّل طيور عاديّة فجأة إلى حيوانات قاتلة بلا سبب مفهوم، تقدّم دروساً معرفية ثمينة للمشاهد؛ أقلّها اكتساب نوع من الواقعيّة في التعامل مع اعتقاداتنا اليقينية (بشأن الأفراد أو التصورات الجماعيّة أو حتى البيئة الفيزيائية من حولنا)، كما إمكانيّة الاستمرار بالمحاولة وبذل الجهد رغم غياب حالة التيقّن التّام من النتيجة، وكذلك عدم الوقوع في فخّ المنطق البارد لحسابات المخاطر جميعها ذات الوقت على نحو يتسبب للإنسان بالشلل والعجز عن اتخاذ اتجاه ما، وهذه كلها مهارات معرفيّة ثمينة تحتاج لخبرة عمليّة كي تتسرب إلى الوعي، يوفّرها هيتشكوك لمشاهديه دون حاجة خوض مُخاطرات فعليّة.
لقد كان ألفريد هيتشكوك مخرجاً استثنائياً قد لا يتكرر في تاريخ السينما، ولذا تكتسب أعماله راهنيّة طازجة مهما مرّ عليها تقادم الوقت. إذ قلمّا تجتمع أقانيم الحرفيّة المهنيّة للعمل الفنيّ، مع ذلك الفهم المعمّق للسايكولوجيا البشريّة والقدرة على تقديم طروحات وروئ فلسفيّة بشأنها، كما اجتمعت في تجربته السينمائيّة الشاهقة. هذا رجلّ مكانته محفوظة مع ديكارت، وهيوم وكافكا وكامو، وإن كتب بغير أدواتهم.



«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)
«الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

التقديرات الأولية لعدد المشاهدين الذين أمّوا مهرجان برلين السينمائي من بدايته وحتى 20 من الشهر الحالي، أي قبل يومين من نهاية الدورة الحالية، تجاوزت 250 ألف مُشاهد في نحو 20 صالة توزَّعت في أرجاء العاصمة الألمانية، لكن المُتوقَّع أن يتساوى عدد المشاهدين هذا العام مع عددهم في العام الماضي (نحو 330 ألف مُشاهد). وإن لم يحدث ذلك، فالسبب يعود إلى المطر والبرد اللذين لم تشهد المدينة مثلهما منذ سنوات.

الأفلام التي حشدها المهرجان حتى الآن شديدة التنوّع، ليس فقط بالنسبة إلى المستوى العام، بل أيضاً بالنسبة إلى الاهتمامات التي انطوت عليها. هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية. والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي. وبالنسبة إلى المصادر، توزَّعت كما كان منتظراً بين سينمات عربية وآسيوية وأفريقية وأوروبية وأميركية. ليس أنّ هذا الوضع غير موجود في المهرجانات الأخرى، وإنما الأضواء المُسلطة على هذه العناصر تبرزها بوضوح وتمنح المشاهدين أسباباً متنوّعة لحضور كل الأفلام (فيلم محمد حمّاد «لجوء آمن» عُرض 6 مرات في 6 صالات بيعت تذاكرها كاملة).

«سومسوم: ليلة النجوم»... عزلة على حافة الغفران (مهرجان برلين)

هذه الدورة، بإجماع عدد غير قليل من الحاضرين، هي أفضل دورات برلين في السنوات الخمس الماضية. وهناك ما يدعم هذا الرأي رغم وجود أفلام تجنح ضدّه.

بعد فيلم الافتتاح، «لا رجال صالحون»، المموَّل من سويسرا والمعروض على أنه أول اشتراك من أفغانستان، والذي هو تجربة شخصية حُوِّلت إلى دراما ساخنة الموضوع باهتة التأثير، لوحظ أنّ معظم ما عُرض حتى الآن من أفلام دار حول تجارب أشخاص في أتون الحياة الاجتماعية لكلّ منهم. والخيط الجامع لها هو أنها دراما فردية أو اجتماعية تعبّر عن تجارب خاصة. هذا ما ساعد المهرجان على تحاشي اللجوء إلى أفلام تتعامل مع موضوعات وشخصيات سياسية، كما كانت الحال في السنوات القليلة الماضية.

ميثولوجيا أفريقية

«سومسوم: ليلة النجوم» للمخرج التشادي محمد صالح هارون عُرض داخل المسابقة الرسمية، وقد عُرِّف عنه على أنه إضافة إلى اشتراك أفريقي ملحوظ عدداً في هذه الدورة (فيلمان آخران في عداد ما عُرض هنا، واحد من السنغال والثاني من الكونغو). «سومسوم» هو أيضاً أحد الأفلام المعنية بسرد حكاية تقودها شخصية واحدة. بطلته فتاة شابة اسمها «كالو» (ميمونة ميواما) تعيش في قرية صغيرة في بعض النواحي الصحراوية. ماتت والدتها حين وضعتها، وحملت في وجدانها الشعور بأنها هي السبب في الوفاة. لكن امرأة أكبر سناً منها اسمها «آية» تخبرها عكس ذلك. ومن ناحية ثانية، هي على علاقة حبّ مع شاب يبادلها الشعور، لكنّ والده يعارض هذا الارتباط على أساس أنّ عائلة «كالو» مهاجرة من قرية أخرى. كذلك تعارض القرية دفن «آية» في مقابرها لأنها بدورها لاجئة ولم تكن محبوبة.

تضع «كالو»، بسبب صداقتها لـ«آية»، جثمانها فوق عربة، وتتوجّه بها بعيداً صوب صخور ترابية. تدخل مغارة لتسير بين جدرانها، ثم تعود إلى الجثمان فتحفر لها وتدفنها. فجأة تنهض «آية» من تحت التراب لتؤكد لـ«كالو» مجدداً أنها باتت حرّة. الغرابة لا تدعم الفيلم، بل تتركه هائماً، والمزج بين ما هو متخيَّل وبين ما هو حقيقي يمرّ بلا تأثير فعلي.

شخصيات الفيلم التي تعيش في تلك القرية (وتتحدَّث الفرنسية من دون مبرّر) تتصرَّف كلّها وفق إدارة المخرج، وليس تبعاً لجهد نابع منها. هذا ينطبق على بطلة الفيلم التي تمر بمواقف كثيرة، لكنها تبقى بعيدة عن أن تترك تأثيراً لدى الجمهور. هذه أيضاً حال الفيلم الذي ينشط في اتجاهات شتّى ليقول القليل.

وحدة عاشق البلوز

يتحدَّث «سومسوم: ليلة النجوم» في بعض جوانبه عن وحدة بطلته وسط بيئتها الرافضة لها، لكن «الرجل الأكثر وحدة في المدينة» هو الفيلم الذي يقبض على روح تلك الوحدة وبلا جهد يُذكر. فيلم ألماني من إخراج تيزا كوفي وراينر فريمل عن رجل تجاوز عامه الخمسين بلا أهل ولا عائلة ولا معارف. «أصدقائي الوحيدون هم مغنّو دلتا البلوز»، يقول في أحد المَشاهد. والفيلم يبدأ به يستمع إلى أساطير هذا اللون الغنائي، مثل صن هاوس، وروبرت جونسون، وبيسي سميث، وبلايند، وويلي جونسون، في منزله.

«ألويس كوخ» ليس شخصية خيالية. هو في الواقع رجل نمساوي أحبَّ البلوز منذ صباه، وأخذ يعرفه ويغنّيه في بعض الملاهي. الآن لا يزال متيّماً بهذا النوع من الأغنيات (بلوز دلتا المسيسيبي يختلف عن أنواع بلوز أخرى تكاثرت في شيكاغو ولويزيانا، ثم في الغرب الأميركي وصولاً إلى سان فرانسيسكو وجوارها). لم يتعلّم «كوخ» اللغة الإنجليزية إلا من أغنيات ألفيس بريسلي (الذي كان بدوره «ملك الروك» متأثّراً بالبلوز). لكن الفيلم ليس تسجيلياً، بل يمنح المخرجان «كوخ» حكاية يؤدّي بطولتها وتتحدَّث عنه.

خلال ساعة ونصف الساعة، نراه وحيداً في حياته باستثناء ما يختار سماعه وترداده. الحكاية المختارة بسيطة: «كوخ» يعيش في عمارة هجرها باقي سكانها وبقي فيها وحده. المالكون يريدون هدمها. يمانع في مغادرة منزله لارتباطه بمحتوياته (ألبومات قديمة، أجهزة استماع موسيقية، بيانو... إلخ)، لكنه يذعن في النهاية. ببراعة، نراه مرّتين يتوقّف عند بناية قريبة يراقب هدمها. بذلك ربط الفيلم بين حالته وحالة ماضٍ كبير يُهدَم أيضاً. يشتري «كوخ» تذكرة إلى أميركا ليزور «أصدقاءه» (هؤلاء كلّهم رحلوا عن الدنيا، لكونهم انطلقوا في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته) وليعيش في الدلتا. اللقطة الأخيرة توجز الفيلم بأسره. يستمع إلى بيرثا «تشِبي» هيل تغنّي، ثم يقفل جهاز الأسطوانات وتسود الشاشة السوداء. الفيلم، إذ يحكي قصة محورها قديم، يعمد إلى أسلوب محافظ وكلاسيكي، لا تلعب الكاميرا فيه دور البطولة ولا تركض لاهثة وراء شخصياته. إنها بدورها جزء من عالم انتهى أو يكاد.


مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
TT

مصطفى غريب: مسلسل «هي كيميا» جاء بالصدفة... والكوميديا اجتهاد

مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)
مصطفى غريب (حسابه على فيسبوك)

قال الممثل المصري، مصطفى غريب، إن مشاركته في الدراما الرمضانية بمسلسل «هي كيميا» جاءت في اللحظات الأخيرة، وبعدما كاد أن يغيب عن هذا العام، لعدم وجود فكرة أو تجربة مناسبة للدراما.

وأضاف غريب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل جاء بالمصادفة بعد لقاء مع المؤلف مهند طارق، الذي أخبره بأن لديه مشروع مسلسل مكتوب منه ما يقرب من نصف عدد الحلقات، وطلب منه الاطلاع عليه، وبعد قراءة الحلقات اتصل بالمنتج، وناقشوا الأمر معاً، وتحمسوا لتقديم المشروع لطرافة فكرته، وانطلقت التحضيرات بالتزامن مع كتابة الحلقات.

ويصف مصطفى غريب قرار الموافقة على المسلسل بأنه كان من أسرع القرارات في مسيرته، «لكنه لم يكن قراراً متسرعاً، فالبحث عن نص مكتوب بشكل شبه مكتمل كان بالنسبة لي عاملاً حاسماً، خصوصاً في ظل طبيعة الإنتاج التلفزيوني، التي قد تنطوي أحياناً على مخاطرة عندما يُبنى المشروع على حلقة أو حلقتين فقط».

وعن أسباب حماسه لـ«هي كيميا»، يوضح مصطفى أنه لا يتعامل مع العمل بمنطق المنافسة أو الرهانات، ولا يشغله تصنيف نفسه أو غيره داخل قوالب جاهزة، فبالنسبة له، المسألة الأساسية هي أن يخرج العمل في صورة جيدة، وأن يكون صادقاً مع نفسه ومع الجمهور، مؤكداً أنه لا يدخل أي تجربة وهو يفكر في السباق الرمضاني، أو في مقارنة نفسه بأعمال أخرى، بقدر ما يركز على سؤال واحد، هل المسلسل سيقدم شيئاً حقيقياً للناس أم لا؟

وفي ما يتعلق بتحضيره للشخصية، يوضح غريب: «طريقتي لا تختلف كثيراً من عمل إلى آخر، فأنا أبدأ دائماً بقراءة السيناريو بهدوء، محاولاً فهم ملامح الشخصية، كما كُتبت على الورق، ثم البحث عما يمكن إضافته إليها من تفاصيل، سواء على مستوى السلوك أو الشكل أو الإيقاع، وذلك بالتعاون مع المخرج والمؤلف»، مؤكداً أن بناء الشخصية لا يعتمد فقط على ما هو مكتوب، بل أيضاً على ما يمكن استنباطه «بين السطور».

الملصق الترويجي للمسلسل (حسابه على فيسبوك)

وحول الكوميديا والارتجال، يوضح مصطفى غريب أن العمل الكوميدي بطبيعته يفتح المجال للاجتهاد والتجريب، لكن ذلك لا يحدث بشكل عشوائي، فهناك دائماً أساس مكتوب يُبنى عليه، ثم تأتي اللمسات الإضافية خلال القراءة أو في أثناء التصوير، أو حتى في الأيام التي لا يكون فيها تصوير، حين يعود الممثل إلى الورق ليقترح أفكاراً أو بدائل، مؤكداً أن بعض اللحظات تولد في لحظتها أمام الكاميرا، بينما تحتاج لحظات أخرى إلى تفكير مسبق، وكل ذلك يمر في النهاية عبر رؤية المخرج.

ويثني الممثل المصري على التعاون مع المخرج إسلام خيري، الذي وصفه بأنه «يتمتع بنظرة شاملة للعمل من الخارج، ما يسمح له برؤية المشهد من زاوية أوسع، فلا يتردد في تعديل المشهد، أو حذف أفكار اتُفق عليها مسبقاً إذا شعر بأن هناك خياراً أفضل، وهو ما حدث بالفعل في بعض المشاهد، حتى في المشهد الأول من المسلسل، الذي شهد تغييرات جذرية قبل تصويره، في محاولة للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة».

ويشدد مصطفى غريب على أن النجاح الحقيقي بالنسبة له لا يُقاس بـ«التريند» أو بالأرقام المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بردود الفعل المباشرة من الناس، فاللحظات التي يشعر فيها بقيمة ما قدمه هي تلك التي يلتقي فيها بجمهور حقيقي في الشارع، أو يتلقى رسالة صادقة من شخص يقول له إنه أعجبه العمل، لافتاً إلى أنه لم يسعَ يوماً لصناعة نجاح مصطنع، ولم يدفع مقابل دعاية زائفة، لقناعته أن هذه الأمور لا تصنع قيمة حقيقية.

وعن النجاح الذي حققه في السابق، يعترف مصطفى غريب بأنه أمر يحمل قدراً من القلق، ليس فقط في مجال التمثيل، بل في أي مجال؛ فالنجاح، في رأيه، يفرض مسؤولية أكبر، ويجعل سقف التوقعات أعلى، وهو ما قد يكون أكثر صعوبة من الفشل نفسه، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي شخص يتقاضى أجراً مقابل عمله عليه مسؤولية أن يؤديه بأقصى قدر من الإخلاص.

ويختتم مصطفى غريب حديثه بالتأكيد على أن طموحه الأساسي يظل ثابتاً في أن يشارك في أعمال صادقة، وأن ينجح في إدخال البهجة على قلوب الناس، معتبراً أن «القدرة على إضحاك الجمهور، خصوصاً في ظل الضغوط اليومية التي يعيشها، هي واحدة من أصعب وأهم المهام التي يمكن أن ينجح فيها أي فنان»، على حد تعبيره.


نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
TT

نظرات الناس لا تهم…كيف تتعامل مع نوبة غضب طفلك بالأماكن العامة؟

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)
التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره (بيكسلز)

قد تبدو نوبات الغضب في الأماكن العامة من أكثر المواقف التي يخشاها الأهل عندما يتعلق الأمر بسلوك الأطفال الصغار. ذلك الشعور المفاجئ بالذعر والإحراج الذي يجتاحك في تلك اللحظة هو إحساس مرّ به معظم الآباء والأمهات.

بصفتها أماً ومربية أطفال (جليسة أطفال) سابقة ومؤلفة كتاب «تغيير مرحلة الطفولة المبكرة»، تقول ديفون كونزمان إنها شهدت مختلف أشكال السلوكيات لدى الأطفال. فكل نوبة غضب أو صراع قد يجعل الوالدين يشعران وكأنهما ارتكبا فشلاً شخصياً. كما أن الخوف من نظرات الآخرين أو أحكامهم، وما يصاحبه من شعور بالعار، قد يُزعزع ثبات حتى أكثر الأشخاص هدوءاً.

إلا أن ما تؤكد عليه كونزمان، بصفتها مدربة في مجال التربية، هو أن كل نوبة غضب تمثل فرصة لفهم العلاقة بينك وبين طفلك بصورة أعمق وتعزيزها. وتعرض أربع خطوات عملية للتعامل مع هذه المواقف:

1. انتقل إلى مكان أكثر خصوصية

إذا بدأ طفلك في فقدان السيطرة في مكان عام، فاحرص أولاً على نقله إلى بيئة آمنة تتيح له تفريغ مشاعره بعيداً عن الضوضاء والازدحام. ففي متجر البقالة مثلاً، يمكن التوجه إلى ممر أكثر هدوءاً أو إلى دورة المياه.

خذ نفساً عميقاً، وحافظ على هدوئك، وذكّر نفسك بأن الموقف ليس حالة طارئة. الحفاظ على هدوئك هو أقوى ما يمكنك فعله أثناء نوبة الغضب، بعد التأكد من سلامة طفلك. فوجودك الهادئ والمستقر يُعد عنصراً أساسياً لمساعدته على تنظيم مشاعره.

2. انتبه لحدوده فيما يتعلق بالتواصل الجسدي

عند محاولة تهدئة طفلك في لحظات التوتر، من المهم أن تتبع رغبته في مستوى التقارب الجسدي. راقب مدى تحمّله للمسّ أو الاحتضان أثناء نوبة الغضب، إذ قد يكون القليل من القرب أفضل من الإكثار منه.

يمكنك عرض عناق أو الجلوس بالقرب منه إذا بدا متقبلاً لذلك. أما إذا كان يضربك، فقد تميل إلى الإمساك بيديه لمنعه، غير أن ذلك قد يشعره بالتقييد ويزيد من انفعاله. إحدى الطرق لمساعدته على إدراك حدوده الجسدية هي الجلوس معه ووضع وسادة أو حقيبة بينكما لتحديد مساحة شخصية أوضح.

3. استخدم لغة بسيطة وواضحة

إذا صدر عن الطفل سلوك غير آمن، فضع حداً لهدوء وحزم، باستخدام عبارات واضحة مثل: «لن أسمح لك بالضرب».

أما إذا كانت نوبة الغضب ناتجة عن الإرهاق أو الإحباط، فحاول التعبير عن تفهمك بعبارات مثل: «أعلم أن هذا مُزعج» أو «أنا هنا لمساعدتك».

احرص على أن تكون كلماتك واضحة ومتوقعة، ثم شجّعه على التعبير عن مشاعره دون إصدار أحكام. وعندما تبدأ حدة الموقف في الانخفاض، قدّم له خيارات محددة تقع ضمن الحدود التي تضعها، بحيث يشعر بشيء من السيطرة.

في متجر البقالة، مثلاً، يمكن أن تقول: «هل ترغب في الجلوس في عربة التسوق أم الإمساك بيدي؟» أو «هل تودّ حمل قائمة المشتريات أم مساعدتي في دفع العربة؟». هذه الخيارات البسيطة والمناسبة لعمره تمنحه إحساساً بالمشاركة بدل العجز.

4. خصص وقتاً لتهدئة مشاعرك أيضاً

التعامل مع نوبات الغضب لا يقتصر على مساعدة طفلك في تنظيم مشاعره، بل يشمل كذلك قدرتك أنت على ضبط مشاعرك.

في الأماكن العامة، قد يلتفت الناس وينظرون إليك. وحتى إن كان ذلك بدافع الفضول، فقد تشعر وكأنهم يصدرون أحكاماً عليك. قبل أن تسمح لهذا الشعور بالتأثير فيك، ركّز على ما يمكنك التحكم فيه في تلك اللحظة.

لا تأخذ الأمر على نحو شخصي. تذكّر أن نوبة غضب طفلك لا تعكس قيمتك كوالد أو أسلوبك في التربية. وبدلاً من الاعتقاد بأن طفلك يتعمّد إثارة الفوضى، افهم أنه يمرّ بوقت صعب ويحتاج إلى دعمك.

يمكنك اختيار تجاهل نظرات الآخرين أو الردّ بهدوء وتعاطف. عبارة بسيطة مثل «أنا أبذل قصارى جهدي» قد تكون كافية.

كما أن من المهم إدارة شعورك بالإرهاق. فإذا شعرت بأن الموقف في مكان عام أصبح مرهقاً لك بشدة، فلا بأس من الانتقال إلى مكان هادئ، والسماح لطفلك بالتعبير عن مشاعره، ومنح نفسك لحظة لالتقاط أنفاسك. قد يعني ذلك ترك عربة التسوق لدى خدمة العملاء أو في أحد الممرات والخروج، أو التوجه إلى السيارة لتهدئة أعصابك قبل استكمال يومك.