صناعة مواد البناء على أعتاب ثورة خضراء

معمل اسمنت
معمل اسمنت
TT

صناعة مواد البناء على أعتاب ثورة خضراء

معمل اسمنت
معمل اسمنت

يشهد العالم يوماً بعد يوم تطورات متسارعة في المعركة من أجل مواجهة تغيُّر المناخ، فالتقدم التقني والتشريعات الطموحة تمهّد الطرق نحو مستقبل منخفض الكربون يعتمد على المصادر المتجددة والكفاءة في استهلاك الطاقة. وبعيداً عن قصص النجاح الكثيرة، تبقى هناك جوانب مظلمة لم تطلها بعد يد التغيير الأخضر، مثل صناعة مواد البناء.
يبلغ الإنتاج العالمي من الإسمنت حالياً نحو 4 مليارات طن سنوياً، من بينها 2.8 مليار طن إنتاج الصين وحدها، وهو مصدر لـ8% من انبعاثات الكربون العالمية. في حين يبلغ الإنتاج العالمي من الفولاذ نحو ملياري طن سنوياً، نصفها من إنتاج الصين، وهو أيضاً مصدر لـ8% من انبعاثات الكربون العالمية.
وفي حين تعد صناعتا الإسمنت والفولاذ العصب الأساسي لقطاع البناء، فإن بصمتهما الكربونية تعادل مجمل انبعاثات الكربون الناتجة عن جميع أوجه النشاط البشري في الولايات المتحدة، والتي تبلغ 16% من المجموع العالمي. وهناك انبعاثات إضافية من صناعات أخرى مرتبطة بالبناء، مثل صناعة الألمنيوم المسؤولة عن 1% من انبعاثات الكربون العالمية، وكذلك صناعة البلاستيك المستهلكة للطاقة والموارد.
تقنياً، يملك العالم اليوم التكنولوجيات اللازمة للحد من غازات الدفيئة المنبعثة عن أغلب القطاعات الخدمية والإنتاجية، مثل النقل والطاقة أو الصناعات الخفيفة والمتوسطة. ولكن تصبح التحديات صعبة عند توفير الطاقة النظيفة للصناعات الثقيلة، بما فيها تصنيع حديد الصلب والإسمنت ومواد البناء الأساسية.
المشكلة الكبرى في صناعتي الفولاذ والإسمنت أن إنتاجهما يتسبب في انبعاث كميات ضخمة من الكربون يصعب تجنبها. فصناعة الإسمنت تقوم أساساً على حرق الحجر الجيري بدرجة حرارة تصل إلى 1450 درجة مئوية، باستخدام الوقود الأحفوري (الفحم أو الديزل أو الغاز) حيث ينتج عن احتراق الحجر الجيري أوكسيد الكالسيوم وثاني أوكسيد الكربون. وتكون مساهمة الوقود الأحفوري في إنتاج ثاني أوكسيد الكربون بمقدار 40%، أما مساهمة الحجر الجيري فهي نحو 60%.
أما تصنيع الفولاذ فيعتمد على استخدام فرن صهر لاستخلاص الحديد من خاماته، وفرن أكسدة يحول الحديد إلى فولاذ. ويستخدم فحم الكوك والأوكسجين للوصول إلى حرارة الصهر، التي تتراوح بين 1100 و1700 درجة مئوية، مما يؤدي إلى تشكّل ثاني أوكسيد الكربون كمنتج ثانوي.
البحث عن حلول
أفضل الخيارات المتاحة حالياً للإقلال من انبعاثات الكربون في صناعة الفولاذ هي تدوير الخردة المعدنية عن طريق صهرها في فرن القوس الكهربائي. ويسهم تدوير الحديد في تخفيض الانبعاثات بمقدار الثلثين مقارنةً بالفولاذ المصنّع من المواد الخام، وتقل هذه الانبعاثات إذا جرى تأمين الطاقة لفرن القوس الكهربائي من مصادر متجددة.
يبدو هذا الخيار مثالياً، لكن الإشكالية الأساسية هي في تراجع جودة الفولاذ المنتج، بسبب الشوائب مثل النحاس. ولا تواجه صناعة البناء مشكلات مع فولاذ التسليح المصنّع من حديد معاد تدويره، لكن صناعة السيارات تفضل استخدام الحديد البكر. وللإقلال من الشوائب، يجب تحسين فرز المواد قبل تدويرها وإزالة الملوثات الطافية على صهارة الحديد.
من الخيارات المقترحة لجعل صناعة الصلب أكثر اخضراراً استخلاص الحديد من خاماته، باستخدام وقود الهيدروجين بديلاً عن فحم الكوك، كي يتحد الأوكسجين الموجود في خام الحديد مع الهيدروجين لتكوين الماء وتجنب إنتاج ثاني أوكسيد الكربون. وتختبر شركة سويدية هذه المقاربة من خلال مصنع تجريبي تقوم ببنائه حالياً لإنتاج صلب من دون بصمة كربونية، وفق تقديراتها.
ووفقاً للمؤشرات الحالية، تتوقع الشركة أن يرفع إنتاج الصلب بالاعتماد على وقود الهيدروجين الكلفة بمقدار 30% مقارنةً بطريقة الإنتاج التقليدية. وهذه الكلفة تعد باهظة على مصنّعي الفولاذ من دون دعم حكومي، خصوصاً إذا علمنا أن هذه الصناعة لا تحقق تلك الأرباح الكبيرة التي تتيح لها تغطية تكاليف التكنولوجيا الجديدة المنخفضة الكربون.
ولا يمكن حالياً اعتبار وقود الهيدروجين هو الحل السحري لانبعاثات الكربون، إذ إن أغلب الهيدروجين المنتج عالمياً يأتي من الوقود الأحفوري، مثل الغاز الطبيعي. وتعادل البصمة الكربونية لإنتاجه عالمياً انبعاثات بريطانيا وإندونيسيا مجتمعتين.
مع ذلك، يبقى الهيدروجين حلاً واعداً إذا تحسنت جدوى إنتاجه من الماء بالاعتماد على طاقة مولّدة من مصدر متجدد. وهذا الأمر قد لا يكون بعيد المنال، إذ أعلنت شركة «هيليوجين»، التي تمولها مؤسسة بيل غيتس، عن نجاحها في ابتكار منظومة ذكاء صناعي لترتيب مصفوفة هائلة من المرايا من أجل تركيز ضوء الشمس في نقطة واحدة للوصول إلى درجة تسخين تزيد على 1000 درجة مئوية.
وفيما تسمح درجة الحرارة التي حققتها شركة «هيليوجين» في ابتكار أفران شمسية تخفض انبعاث الكربون في بعض مراحل إنتاج مواد البناء، فإن الشركة تطمح للوصول إلى درجة حرارة تتجاوز 1500 درجة مئوية لتصنيع الفولاذ والإسمنت من خلال الاعتماد بشكل كامل على مصدر طاقة متجدد، كما تتيح هذه الحرارة تفكيك جزيئات الماء لإنتاج وقود الهيدروجين.
مع ذلك يبقى تحويل إنتاج الإسمنت إلى صناعة نظيفة تماماً أمراً شبه مستحيل، لأنها تعتمد في جوهرها على تحرير الكربون من الحجر الجيري. ولذلك يعمل الباحثون على حل هذه المعضلة من خلال وضع صيغة مختلفة لإنتاج الإسمنت لا تقوم على التركيبة الحالية المبتكرة خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر، أي الإسمنت البورتلاندي.
ويمكن تحقيق بعض الوفر في إطلاق الكربون باستخدام بدائل لمركبات الإسمنت الحالية، مثل الرماد المتطاير في محطات توليد الطاقة العاملة على الفحم أو مخلّفات أفران صهر الحديد. وتبقى هذه البدائل محدودة من حيث الكمية إذا ما قورنت بحجم الطلب العالمي على الإسمنت.
في بلجيكا، يختبر الباحثون مقاربة أكثر واقعية لخفض انبعاثات إنتاج الإسمنت التقليدي تقوم على بناء برج بارتفاع 50 متراً لالتقاط الكربون المنبعث قبل دخوله إلى الغلاف الجوي. ويتمثل الهدف من هذا المشروع، الممول جزئياً من المفوضية الأوروبية، في إيجاد تقنية جديدة تسمح بالحصول على تيار نقي من ثاني أوكسيد الكربون بعد فصله عن باقي الغازات العادمة.
ويعتقد الباحثون أن هذا الحل واعد من الناحية النظرية، إذا توجد أسواق محتملة لبيع ثاني أوكسيد الكربون لصناعات أخرى، مثل صناعة البلاستيك. ولكن احتجاز الكربون وتخزينه لا يزال تقنية ناشئة باهظة التكاليف، حيث يوجد في العالم حالياً 23 منشأة فقط تعتمد هذه التقنية، أغلبها في محطات معالجة الغاز الطبيعي، حيث يسهل التقاط الكربون. ولا تتجاوز كمية الكربون الملتقطة حالياً 0.1% من مجمل انبعاث الكربون العالمي الناتج عن الأنشطة البشرية.
الترشيد والاستدامة
إن جميع المقاربات لخفض الانبعاثات الناتجة عن صناعة الإسمنت والفولاذ تصطدم بحائط الكلفة الباهظة أو غياب الجدوى الفنية والمالية للبدائل الأنظف. في المقابل، يمكن تخفيض الآثار السلبية لمواد البناء، كأي منتج آخر، بترشيد استهلاكها وضمان استدامتها كلما كان ذلك ممكناً.
ويشير بعض التقديرات إلى إمكانية خفض الانبعاثات الناتجة عن الفولاذ والإسمنت بنسبة 30 إلى 50% بحلول سنة 2050 من خلال ابتكار تصاميم معمارية وإنشائية تستخدم كميات أقل من هذه المواد وتدوم لفترات أطول. ففي أولمبياد لندن 2012 على سبيل المثال، استخدمت الكابلات الفولاذية لحمل سقف خفيف الوزن خاص بمضمار لسباق الدراجات بدلاً من التصميم التقليدي الذي يعتمد الإطارات القوسية الفولاذية، والنتيجة كانت انخفاض استخدام الفولاذ بمقدار 27%.
وإلى جانب استخدام مواد البناء البديلة كالخشب والألياف الكربونية، يجب تطوير الممارسة الهندسية لضمان تنفيذ منشآت أكثر دقة في التصميم والتنفيذ، وتستلزم مواد بناء أقل وأخف من دون التأثير على عوامل الأمان وقابلية الاستثمار. وهنا يأتي دور الجامعات والمؤسسات المهنية الهندسية في إعداد جيل من المهندسين لا يكون همه فقط إنجاز تصاميم أجمل وأقل كلفة، وإنما أنسب للبيئة وأفضل في مواجهة تغيُّر المناخ.


مقالات ذات صلة

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)
بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».


الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تَصِف ظاهرة «إل نينيو» بأنها «تهديد كبير» للصحة

لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)
لقطة جوية تُظهر سائق دراجة نارية بالقرب من حقول أرز جافة في غرب جاوة بإندونيسيا (إ.ب.أ)

نبّهت الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى عواقب ظاهرة «إل نينيو» الكثيرة على الصحة، مشددة على أن هذا الحدث المناخي الطبيعي يشكّل «تهديداً كبيراً»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن من بين المخاطر الصحية التي قد تنجم عن هذه الظاهرة، موجات حرّ شديدة قد تُفاقم بعض الأمراض، ورداءة في نوعية الهواء بسبب الحرائق خصوصاً، فضلاً عن تأزُّم سوء التغذية والكوليرا بفعل الجفاف والفيضانات.

وقد تؤدي «إل نينيو» أيضاً إلى زيادة انتشار الأمراض المنقولة عبر البعوض، كالملاريا وحمى الضنك والشيكونغونيا، نظراً إلى أن هذه الظاهرة المناخية تهيئ الظروف لأمطار غزيرة وفيضانات.

وقالت مديرة وحدة الحد من المخاطر والعمليات الإنسانية، وتغيّر المناخ في منظمة الصحة العالمية تيريزا زكريا خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن «من الممكن توقُّع العواقب الصحية لظاهرة إل نينيو، وثمة فرصة تالياً لكي نتحرّك الآن، قبل أن تتحوّل هذه المخاطر إلى أزمة».

وأضافت: «ندعو الحكومات والشركاء والمجتمعات إلى الاستثمار من دون إبطاء، والاستعداد واتخاذ تدابير استباقية، من أجل إنقاذ الأرواح، والحفاظ على خدمات الرعاية الصحية».

وتدعو منظمة الصحة العالمية الدول إلى تحسين جهوزية أنظمتها الصحية، وتعزيز قدرتها على رصد الأمراض، وضمان استمرارية الرعاية، وتوفير مخزونات من المعدات الطبية في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر.

وسبق أن أدّت موجة «إل نينيو» الحالية التي قد تصبح الأشد عنفاً على الإطلاق، إلى ظروف مناخية حادة في مختلف أنحاء العالم.

ورأت زكريا أن هذه الظاهرة تشكّل «تهديداً كبيراً للصحة العامة».

وتوقعت «رَصْدَ عواقب صحية في مختلف أنحاء العالم»، ورأت أن أشد هذه العواقب ستُسجَّل حيث «تتقاطع الصدمات المناخية مع هشاشة الأنظمة الصحية، وضعف فرص الحصول إلى الرعاية، وانعدام الأمن الغذائي، ونزوح السكان والأزمات الإنسانية».

وكانت منظمة الأرصاد الجوية العالمية التابعة للأمم المتحدة نبّهت في مطلع سبتمبر (أيلول) من أن موجة «إل نينيو» الحالية قد تكون «الأقوى» تُسجّل منذ بدء قياس هذه الظاهرة المناخية قبل 4 عقود، ومن المقرر أن تصدر نشرتها المقبلة في شأنها في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأوضح المستشار في المكتب المشترك بين المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومنظمة الصحة العالمية أرمل كاستيلان للصحافيين، أن تأثيراتها يُتوقع أن تزداد حدّة، وأن تستمر تداعياتها إلى ما بعد ذروتها المتوقعة في نهاية السنة.

ومن شأن اجتماع «إل نينيو» مع عواقب تغيّر المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية تعزيز وتيرة الظواهر الجوية القصوى وحدتها.

ولاحظ كاستيلان أن «تأثيرها يتزامن مع درجات حرارة مرجعية مرتفعة جداً أصلاً على مستوى العالم، وهي تالياً ضربة مزدوجة، والواقع مختلف وغير مسبوق بالمقارنة مع ما حدث عام 2015، آخر مرة بلغت فيها الانحرافات في درجات حرارة سطح البحر المرتبطة بـ(إل نينيو) مستويات مرتفعة إلى هذا الحد».

وتسعى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مع شركائها تحسباً لظاهرة «إل نينيو» إلى تحسين التنسيق بين خبراء الأرصاد الجوية والسلطات الصحية، بحيث تحصل هذه السلطات على توقعات الطقس في الوقت المناسب وبصيغة قابلة للاستخدام مباشرة.