شجاع العاني... جموح النص وفروسية الناقد

دار الشؤون الثقافية العراقية تعيد إصدار دراسته عن الرواية العربية

شجاع العاني
شجاع العاني
TT

شجاع العاني... جموح النص وفروسية الناقد

شجاع العاني
شجاع العاني

الناقد شجاع العاني أحد أهم الأكاديميين الذين أولوا الرواية العراقية والعربية اهتماماً كبيراً، متتبعاً نشأتها من مطلع القرن العشرين، ماراً بالتطورات الفنية التي شهدتها في العقدين السادس والسابع من القرن نفسه، موظفاً مفاهيم النظرية السردية ومنهجياتها الفنية والبنائية والسوسيولوجية، التي اطلع على بعضها في مظانها الأصلية باللغة الإنجليزية، وبعضها الآخر كان لا يزال مستحدثاً آنذاك أو في طور النشوء. وجهود د. شجاع العاني القيّمة ضمَّها كتابه «البناء الفني في الرواية العربية في العراق»، الذي صدرت في هذا الشهر طبعته الجديدة عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد.
ومنذ ظهور طبعته الأولى أواخر ثمانينات القرن الماضي، سدَّ هذا العمل ثغرة كبيرة كان النقد العراقي يعاني منها، من جهة البعد عن المنهجيات الحداثية والارتكاس في النقدين السوسيولوجي والانطباعي، مما جعل منه مرجعاً أكاديمياً مهماً في الرواية استند عليه كثير من الباحثين الذين ظهروا من بعده، ومنهم الدكاترة عبد الله إبراهيم ونجم عبد الله كاظم وصبري مسلم حمادي وصالح هويدي والرعيل الذي تبعهم من الدارسين والباحثين المتقدمين إلى الدرجات الأكاديمية.
في هذا الكتاب تميز الدكتور شجاع العاني عن باحثين آخرين مجايلين له مثل د. عبد الإله أحمد ود. عمر الطالب ومحسن الموسوي وغيرهم من الذين اهتموا بالرواية العراقية، لكنهم ظلوا في حدود الفهرسة الأرشيفية لكتابها، أو التبويب التاريخي لمراحلها، أو المسح التحليلي العام، وافتقرت جهودهم إلى التزود بالأدوات النقدية الحداثية التي تحلى بها الدكتور العاني مواكباً النظرية السردية الغربية بأرقى مستوياتها.
وتميزت الطبعة الجديدة بأنها جاءت على شكل كتاب واحد مكتمل تحت عنوان «البناء الفني في الرواية العربية في العراق»، ليكون للرواية العراقية مرجعها السردي البنائي الذي استطاع أن يقارب بين قضايا الخطاب النقدي الفنية والجمالية، وبين مناهج هذا الخطاب ومقترباته، فضلاً عن إغنائه الدراسات السردية العربية بما انطوى عليه من كشوفات تنظيرية.
وكان د. شجاع العاني قد عبر في تقديمه للجزء الثالث من الكتاب عن ضيقه وتبرمه من التجزئة لكتابه، قائلاً: «لقد وجدنا أن من الأفضل أن يبقى الكتاب على شكله الأول، ليعطي صورة صادقة ودقيقة للنقد الأدبي في العراق في تلك الحقبة من نهايات القرن العشرين، وباستثناء بعض الإشارات الطفيفة في هوامش الكتاب... فإننا حافظنا على المتن في صورته الأصلية». وهذه واحدة من مسائل كثيرة يتعرض لها أي كتاب نقدي تتشمذر فصوله وتتباعد أزمان طباعته، ويصبح كل فصل وكأنه كتاب مستقل في نظر الباحثين. والمسألة أشد مرارة مع الكتاب النقدي الذي يؤسس للحداثة، ويضع عتبات جديدة للباحثين ليلجوا منها إلى مناطق بحثية جديدة وبمنهجيات تغني الحركة النقدية، كما هو الحال مع كتاب «البناء الفني في الرواية العربية في العراق».
واليوم إذ أعادت دار الشؤون الثقافية ضم الكتب الثلاثة في كتاب واحد وبغلاف مناسب؛ فإنها سعت إلى الإبقاء على صورته التي كُتب بها أول الأمر باستثناء كلمة الختام التي شرّف د. شجاع العاني كاتبة هذه السطور باقتراحه عليها القيام بكتابتها، وكذلك الإشراف على مراجعة الكتاب متوناً وهوامش ومتعلقات.
وإذا كان د. شجاع العاني قد مارس النقد الأدبي في ستينات القرن الماضي؛ فإن منظوره النقدي ظل يتجدد، حسب متغيرات النقد ومستجداته، وهو ما أهلّه لأن يمتلك شخصية نقدية تنماز بالعلمية والأكاديمية، متحلياً بالقوة والصرامة المنهجية التي أعطته مكانة خاصة بين النقاد عراقيين وعرباً.
ومن محصلات الكتاب موضع الرصد ما وجده د. شجاع العاني من أنّ نشأة الرواية العراقية كانت على يد محمود أحمد السيد عام 1928 في روايته «جلال خالد» التي درسها دراسة جمالية، وروايتين أخريين كانتا قد نشرتا بعدها، وهما «مجنونان» لعبد الحق فاضل، و«اليد والأرض والماء» لذو النون أيوب. أما الأعمال الروائية ما بعد عام 1966، فدرس معظمها وتتبع تطوراتها حتى عام 1980، عاداً كل القصص الطويلة القصيرة شكلاً روائياً خاصاً برواية القرن العشرين، متناولاً إياها تحت مصطلح رواية.
وبهذه الفرشة الإجرائية في تتبع الروايات العراقية، يصبح أمر التقسيم إلى أجزاء مغيباً لا البعد النظري في تلمس مفاهيم النظرية السردية التي يعد العاني أول من طبقها، وتفنن في إيجاد تمثيلاتها حسب؛ وإنما أيضاً غيب مجهود المؤلف في الاستقصاء للمصادر والرصد للأعمال الروائية وتشخيص الظواهر الجمالية فيها.
ويعدُّ الدكتور شجاع العاني الناقد الأكاديمي الأول في العراق، وقد تمثلت أكاديميته في خصيصتين علميتين لم يجاره فيهما أحد؛ الأولى الرسوخ والصرامة والالتزام، والثانية التجديد الاستراتيجي النظري والنقدي وما بعد النقدي الذي قولب تنظيراته وصهر تطبيقاته منذ بواكير كتاباته النقدية وإلى يومنا هذا. وهو الأنموذج النقدي الذي أخلص للنقد والأدب، متعاملاً معهما كمنهاج عمل، سواء فيما اعتمده من مناهج، أو فيما طوّعته له من مفاهيم محددة بانفتاح واتساع ومعاينة علمية وفكرية منطلقاً من تمثل صميمي لدور المثقف النهضوي التنويري الذي لا يهادن ولا يساوم. وهو ما جعله يضطلع بشخصية نقدية يعترف بتميزها المتميزون، ويشهد لها المثقفون الواعون الحقيقيون.
وتتجلى في الكتاب ريادة العاني في دراسة الرواية كملمح مهم أطَّر ممارساته النقدية بإطار مميز، ومنحها لونها التجديدي الخاص القائم على دراسة المنظور وتقانات الزمن والمكان وبناء الأحداث والشخصيات، راصداً الظواهر الروائية، ومستنبطاً المقاييس، وممحصاً المفاهيم، وموظفاً إياها إجرائياً من دون أي جدب أو عقم أو إغراق. علماً إن نقود د. شجاع العاني كانت منذ بواكيرها الأولى تتسم بطابع كتابي ذي خصوصية ذاتية وموضوعية يتمثل في إيلاء الأجناس السردية اهتماماً متتبعاً لها، وراصداً تحولاتها.
ولطالما ظل التجديد مرافقاً لنقوده، وهو يتخصص في دراسة الرواية العراقية بأكاديمية خالصة تبحث عن الظواهر القصصية. فلم تكن تبهره إلا الأعمال الروائية التي تلوح فيها إمارات التميز الفني والتطور النوعي، إدراكاً منه أنَّ هذا الجنس الأدبي يلزمه من يقف إزاءه ناقداً فاحصاً. وهو الذي عرّف الرواية بأنها «كناية عن عمل فكري في المرتبة الأولى، وهي في المرتبة الثانية صياغة جمالية لهذا العمل الفكري ومعطيات الواقع هي التي تقترح نوعية هذا العمل وصياغته الجمالية». وبيّن أن رواية الكثافة الزمنية من الممكن أن تكون رواية مشهدية لا تتخللها ثغرات أو خلاصات. ومما شخَّصه في كتابه أيضاً ظاهرة «الرواية متعددة الوجوه»، وحددها بالرواية التي ينكب الروائي الذي نجح في عمل إبداع على أن يعالجه في رواية ثانية وثالثة.
ولقد وجد د. شجاع العاني أن مراحل الرؤية في الرواية العراقية بدأت برؤية الراوي كلي العلم، ثم الرؤية المجاورة أو المصاحبة، ثم الرؤية الموحدة التي يتوحد فيها الراوي مع الشخصية، وأخيراً اعتمدت الرؤى المتعددة الصوت مما يسمى بالسرد المتعدد أو السرد المكرر الذي يقوم على التذبذب بين الماضي والحاضر بصورة تشبه حركة اللولب وسماه «السرد اللولبي»، وهو غير «السرد السمفوني»، الذي تتكرر فيه الأحداث وتعدد الرؤى.
ولقد أوصله رصده للرواية العراقية إلى أن فيها ثلاثة تيارات: تيار السرد التقليدي، وتيار الشعر والرمز والأسطورة، وتيار الوصف الخارجي المباشر. ومن دعواته النقدية دعوته الروائيين إلى استلهام الموروث الشعبي بوصفه أداة بها يملكون القدرة على تصوير النماذج الإنسانية.
وقسَّم الرواية في نشوئها وتطورها إلى أنواع، فمن الرواية الإيقاظية إلى الرواية الرومانسية، ثم الرواية الواقعية. وأن الرواية الكلاسيكية انحسرت لتحل محلها الرواية القصيرة أو رواية المشهد الشامل ذات الوصف الملحمي للحياة. وعرّج على شكل روائي جديد سماه «الرواية المتأملة لذاتها» ـ التي تعرف اليوم بـ«الميتاسردية» أو «ميتارواية» ـ مبيناً أن أول محاولة في كتابتها كانت لمحيي الدين زنكنة الذي وصفه بأكثر كتّاب الرواية العراقية شكلية، وذلك في روايته «ويبقى الحب علامة»، وفيها تتمرد شخصيات الكاتب عليه وتناقشه في مصائرها.
والدكتور العاني من المتنبئين بموت الرواية بما وراء السرد والسبب ـ برأيه ـ التعقيد الناتج عن الغواية المتأتية من نرجسية الكاتب الذي يبالغ في الصنعة، متجاوزاً مسؤوليته الفكرية، لتصبح الرواية شبيهة بنرسيس الذي أعجبته صورته في ماء الغدير فمكث ينظرها حتى مات.
مؤدى القول إنّ جمع أجزاء كتاب «البناء الفني في الرواية العربية في العراق» في كتاب واحد تجعل منه المرجع الأول في دراسة الرواية العراقية، وفيه بذل د. شجاع العاني جهداً كبيراً هو حصيلة خبرته الأكاديمية وقراءاته الأدبية والنقدية خلال عدة عقود من المثابرة العلمية والعملية، ليكون إنجازاً مائزاً ماثلاً للعيان في محافل البحوث النقدية الأكاديمية وغير الأكاديمية.



لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)
«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)
TT

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)
«حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

الفيلم المقبل لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو غريب مثل باقي أعماله السابقة. ينضح بمستويين أجاد المخرج المكسيكي - الأميركي التعامل معهما في أفلامه: الحكاية التي ينسجها وما ورائياتها وأبعادها. هذا كان شأنه عندما جلب مايكل كيتون لبطولة «بيردمان أو: الميزة غير المتوقَّعة للجهل» وليوناردو ديكابريو لبطولة «المنبعث»، وفي الواقع مزج الاستعانة بالممثلين ذوي الشهرة بتلك الأبعاد الميتافيزيقية التي يكتبها (منفرداً أو مع آخرين).

عودة إيناريتو

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد (قد يدخل مسابقة مهرجان البندقية المقبل في سبتمبر - أيلول، وعروضه الأميركية والعالمية لن تبدأ قبل أكتوبر - تشرين الأول)، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم، يسعى ليُبرهن على أنّ القوة ليست بأهمية أن يتمتَّع الفرد بقدرات إنسانية.

توم كروز هو الذي يؤدّي هذا الدور. الإعلان الترويجي المتوافر حتى الآن يُظهره وهو يستخدم الرفش للحفر، ثم يرقص حوله وينتقل به إلى درابزين يطلّ على منظر بعيد ويسير فوقه بخفّة.

المعاني المُنتظرة من هذا الفيلم تبدو جلية برسالتها حول مفهوم القوة واستخدامها، لكنها لن تُكوِّن كلّ الأبعاد التي سيبثّها الفيلم لدى عرضه.

هذا أول فيلم ناطق بالإنجليزية للمخرج منذ «المنبعث» في 2015. والمشترك بين الفكرتين هو أنّ المرء يستطيع أن يجعل من حياته امتداداً جديداً لقدراته. في ذلك الفيلم عرض المخرج حكاية رجل اسمه هيو (ديكابريو) يعيش في السنوات الأولى من اكتشاف الغرب الأميركي (عشرينات القرن التاسع عشر). خلال رحلة صيد مع آخرين يهاجمه دبّ كبير ويُصيبه بجروح بالغة. رفيق رحلته جون (توم هاردي) يريد قتله، لكن ابن هيو يتدخَّل فيقتله ويهرب. سيتعافى هيو بفضل رعاية إحدى قبائل المنطقة، وسينطلق للأخذ بالثأر.

«المنبعث»: إيناريتو (يسار) يُدير ليوناردو ديكابريو خلال التصوير (نيو ريجنسي)

سيرة شخصية

ذلك الفيلم كان حكاية معايشة لتلك الظروف الطبيعية ومخاطرها. كان أيضاً فيلم انتقام، لكنه ليس من النوع المألوف، لأنّ حياة البرّية (جميلة وموحشة معاً) تلعب دوراً أساسياً فيما نراه، وتمنح الفيلم تفرّده. هي حاضرة على شكل محيط كبير من التضاريس والجبال والثلوج التي تنهمر بلا توقف والوحوش الضارية. بعض المَشاهد، بينها مشهد هجوم يشنّه الأميركيون الأصليون على صيادي الفراء، تتطلَّب مساحة حركة كبيرة وصعبة، لأنه كان على الكاميرا القيام بحركة بانورامية دائرية كاملة. همُّ إيناريتو كان كَسْر كل تقليد ممكن لفيلم وسترن، ونجح في ذلك. ونال جائزتَي «غولدن غلوب» و«بافتا» أفضل فيلم.

ما بين «المنبعث» و«حفّار» أمضى إيناريتو الوقت على راحته، فأخرج شريط فيديو في 2016 وفيلماً قصيراً في 2017، ثم فيلمين قصيرين آخرين في 2018، قبل أن يعود إلى الفيلم الروائي الطويل في «باردو» عام 2022. لكن «باردو» كان فيلماً مكسيكياً (حول رجل يريد العودة إلى ماضيه للبحث عن هويته بعدما أمضى مدّة طويلة في أميركا)، ممّا يجعل «حفّار» الفيلم الأول الناطق بالإنجليزية منذ «المنبعث». وكان «باردو» أيضاً عمله الوحيد الذي لم يحقّق نجاحاً تجارياً، لكن إيناريتو برَّر ذلك بالقول: «في الحقيقة لم أنجز هذا الفيلم طلباً لنجاح تجاري. هو أقرب عندي إلى سيرة شخصية، كوني مَن عاش في أميركا وعمل فيها، وواجه نقد الإعلام في بلده الأول».

توم الجاهز

صُوِّر «حفّار» في بريطانيا على مدى 6 أشهر، ووضع المخرج في باله إسناد الدور إلى توم كروز، الذي كان قد انتهى من آخر جزء من سلسلة «المهمة: مستحيلة»، وأخذ يستعرض المشاريع الأخرى المعروضة عليه. إلى أن تلقَّى، قبل أقل من عام، اتصالاً من إيناريتو تمهيداً لإرسال السيناريو إليه. اعتاد كروز البحث من حين إلى آخر عن فيلم يُبعده عن سينما الأكشن والمغامرات، وهو ما لا يجده عادةً إلا مع مخرجين مرموقين فنّياً مثل أليخاندرو غونزاليس إيناريتو. قرأ السيناريو ووافق على الفور.

بطبيعة الحال، أفلام كروز التجارية مثل «توب غن» و«المهمة: مستحيلة» لا تدفع اسمه إلى الواجهة في المهرجانات والمناسبات الفنّية السنوية. وغالباً ما يسعى كروز، وهو رجل أعمال محترف، إلى تعزيز فرصه في نيل جوائز مثل «أوسكار» أو «بافتا» أو غيرهما.

وهو يدرك متى عليه التوقُّف عن متابعة سلسلة تجارية مثل «المهمة: مستحيلة» للبحث عن مشروع مختلف. وإذا كان قد اختار مهرجان «كان» لعرض الجزأين الأخيرين من تلك السلسلة، فقد يكون راغباً في التوجُّه بهذا الفيلم إلى مهرجان «البندقية» لتأكيد حضور فنّي مختلف عن أعماله الأخيرة.

بالنسبة إلى إيناريتو، فقد استند هذا المخرج دائماً إلى تميُّزه وانفراده في اختيار الموضوعات التي تثير اهتمامه الخاص واهتمام المُشاهد النوعي أيضاً. ومعظم أفلامه لم تخسر مادياً، من دون أن تحقّق في الوقت عينه أعلى الإيرادات التجارية.

«بيردمان»: مايكل كيتون في الفيلم (فوكس سيرتشلايت)

أحد أبرز الأمثلة على ذلك «بيردمان أو: الميزة غير المتوقَّعة للجهل»، الذي حصد 4 جوائز «أوسكار» و189 جائزة أخرى. الفيلم صعب التشكيل ومحسوب بدقة، إذ جرى التصوير (لإيمانويل لوبزكي) بكاميرا محمولة طوال الوقت، تدخل غرفاً ضيقة وممرات أضيق، وتهبط أدراجاً وتصعد أخرى، إذ تدور معظم الأحداث داخل مسرح. وفي هذا الجهد البصري، تتجلَّى علاقة متماسكة بين التصوير والتمثيل.

مايكل كيتون يؤدّي دوراً محورياً مكّنه من الفوز بجائزة «غولدن غلوب». يُجسّد شخصية ممثل هوليوودي تراجعت شهرته بعد تجسيد شخصية بطل خارق، في محاكاة لواقعه، إذ سبق أن لعب بطولة أحد أفلام «باتمان» قبل أن يتراجع حضوره. يسعى إلى استعادة مكانته من خلال إنتاج مسرحية تعيده إلى الواجهة وتمثيلها. نسمع صوته الداخلي يحاوره، يربكه ويفقده الثقة، بينما تحيط به زوجته السابقة (نعومي واتس) وابنته (إيما ستون) والممثل الجديد مايك (إدوارد نورتون)، إلى جانب مدير أعماله (زاك غاليفياناكيس)، ضمن سلسلة من المواقف الكوميدية التراجيدية التي تتناول الفنّ والشهرة والأزمات النفسية.

كما حال كبار المخرجين مثل فرانسيس فورد كوبولا، وتيرنس مالك، وأندريه تاركوفسكي، وأكيرا كوروساوا، ووس أندرسون، تلعب الصورة دوراً أساسياً في سرد الحكاية. اختيارات إيناريتو الموضوعية تقابلها عناصر بصرية ضمن أسلوب خاص يُميّزه، إذ يمكن تمييز بصمته بسهولة في أعماله.

بدأ حياته بحّاراً بعدما طُرد من المدرسة في سنّ الـ16، ثم عاد إلى الدراسة لاحقاً. عمل مقدّماً لبرنامج حواري إذاعي، ثم أصبح مديراً للمحطة، قبل أن ينتقل إلى إخراج أفلام تلفزيونية، ويدرس السينما في لوس أنجليس، وصولاً إلى تحقيق أول أفلامه.

تشمل عناصره البصرية عناية خاصة بالتصوير والموسيقى، وخَلْق حالة من الاغتراب بين ما يُعرض على الشاشة وتوقّعات المُشاهد. وتدور أفلامه الأولى «أموريس بيروس»، و«21 غراماً»، و«بابل»، حول فكرة الموت، مع تعدُّد الشخصيات التي ترتبط بحدث واحد.

لاحقاً، غيَّر إيناريتو هذا النهج، واتجه إلى إسناد البطولة إلى شخصيات فردية. ومن أبرز سمات أعماله أنه لا يطرح الأسئلة ليجيب عنها، بل يكتفي بطرحها لفتح باب النقاش. وقد تأثَّر بعدد من المخرجين، منهم أندريه تاركوفسكي، وفيديريكو فليني، وروبرت ألتمان، ولويس بونويل.


سمكة أفريقية صغيرة تتسلَّق شلالاً بارتفاع 15 متراً

عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)
عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)
TT

سمكة أفريقية صغيرة تتسلَّق شلالاً بارتفاع 15 متراً

عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)
عكس التيار... تمضي حيث تبدو الطريق مستحيلة (ساينتيفيك ريبورتس)

لأكثر من نصف قرن، تناقل سكان وسط أفريقيا حكايات عن أسماك شُوهدت وهي تتسلَّق الشلالات، لكن هذه الادّعاءات لم تُؤكَّد رسمياً قط. والآن، في خطوة غير مسبوقة، وُثِّقت أخيراً هذه الظاهرة وصُوِّرت ودُرِست من كثب، ووُصِفت بشكل كامل في بحث جديد نُشر في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس».

ووفق الدراسة، نجح الباحث باسيفيك كيويلي موتامبالا، من جامعة لوبومباشي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفريقه البحثي، في توثيق رحلة تسلق أسماك «باراكنيريا ثيسي»، المعروفة بأسماك الشيلر، للشلالات من 2018 إلى 2020.

وأفادت النتائج بأنّ سمكة الشيلر الصغيرة، التي يتراوح طولها بين 37 و48 ملليمتراً في المتوسط، ويمكن أن يصل الحد الأقصى لطولها إلى نحو 96 ملليمتراً، سُجّلت وهي تتسلَّق شلالات لوفيلومبو على نهر لوفيلومبو في حوض الكونغو العلوي، وهو شلال ارتفاعه 15 متراً (50 قدماً). وقد شُوهدت الآلاف منها وهي تُهاجر عكس التيار، متشبّثة بأسطح الصخور المبلَّلة في منطقة تناثر المياه.

مفارقات عجيبة

ووفق النتائج، تستغرق رحلة الأسماك للوصول إلى القمة نحو 10 ساعات، وتتألف في معظمها من فترات راحة.

وتشير الدراسة إلى أنّ عملية التسلق مُرهِقة، وتتطلَّب توقّفاً متكرّراً، أحياناً لثوانٍ حين تكون الأسماك مستلقية على الجرف، وأحياناً أطول عندما تستريح على حوافٍ أفقية.

وأضاف مؤلّفو الدراسة: «حُدِّدَت 9 حواف أفقية رئيسية تستريح عليها الأسماك لمدة تقارب ساعة لكلّ حافة. وبالتالي، يُقدَّر أن تستغرق السمكة الواحدة نحو 9 ساعات و45 دقيقة لقطع كامل ارتفاع الشلالات»، موضحين أنّ «ذلك يشير إلى أنها قد تحتاج إلى يوم أو ليلة كاملة تقريباً للتغلُّب على الشلالات».

ورغم هذه الفترات من الراحة، لا تنجح جميع الأسماك في إكمال الرحلة، إذ لُوحظ سقوط بعضها بسبب اندفاعات المياه المفاجئة، لا سيما عند مرورها أسفل أجزاء الجرف المتدلية.

وتُعزى قدرة هذه الأسماك على التسلُّق إلى نتوءات صغيرة تُشبه الخطافات ترتكز على وسائد متخصّصة في زعانفها الصدرية والحوضية، إلى جانب عضلات تُساعدها على حمل وزنها.

ومن الملاحظ، وفق الفريق البحثي، أنّ الأسماك التي يقلّ طولها عن 48 ملليمتراً تقريباً هي الأكثر قدرة على التسلُّق، في حين تبدو الأسماك الأكبر حجماً أثقل وأقل قدرة على ذلك؛ إذ تفقد تدريجياً القدرة اللازمة لحمل وزنها بكفاءة مع نموها.

إرادة أكبر من الشلال (ساينتيفيك ريبورتس)

عودة إلى الوطن أم هروب من المخاطر؟

ولا تُسجَّل هذه الظاهرة عادة إلا خلال مدّة الفيضانات التي تحدث في نهاية موسم الأمطار، خلال شهرَي أبريل (نيسان) ومايو (أيار) من كلّ عام. ولا يزال الهدف من هذا السلوك غير واضح تماماً، رغم طرح فرضيات عدّة.

ومن بين هذه الفرضيات أنّ الأسماك تُجرّف من موائلها في أعالي النهر خلال الأمطار الغزيرة، وتحاول العودة إليها. وقد لُوحظت سلوكيات مشابهة لدى أنواع أخرى من الأسماك.

كما يشير الباحثون إلى احتمال سعي هذه الأسماك للوصول إلى مناطق تقلُّ فيها المنافسة على الغذاء أو أعداد المفترسات، إذ تُظهر الأدلة وجود مفترسات أكثر في أسفل النهر، إلى جانب انخفاض وفرة الغذاء عند قاعدة الشلالات.


«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)
لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)
TT

«قمرة السينمائي» يحتفي بالفلكلور في دورة «استثنائية» بسبب الحرب

لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)
لقطة من أحد الأفلام المشارِكة في ملتقى «قمرة السينمائي 2026» (مؤسسة الدوحة للأفلام)

احتفت النسخة الـ12 من ملتقى «قمرة السينمائي» بقطر، التي أُقيمت هذا العام بشكل افتراضي «استثنائياً»؛ بسبب الحرب التي تشهدها المنطقة، بإحياء الفلكلور، ودعم الموضوعات الإنسانية والواقعية و«السرديات» و«الأساطير».

وشارك في الدورة الجديدة التي تستمر حتى 8 أبريل (نيسان) الحالي، 49 مشروعاً من 39 دولة، من بينها 15 مشارَكة لصُنَّاع أفلام من قطر.

وتحدَّث عدد من صناع الأفلام المشاركين في «قمرة السينمائي 12»، عن مشروعاتهم الفنية. وقالت المخرجة القطرية خلود العلي مخرجة فيلم «الملكة الطاووس»، إن اختيارها هي والمخرجة القطرية عائشة الجيدة، لتقديم الفيلم في إطار خيالي بعيداً عن الواقع، يعود لكون «الأنيميشن»، أداةً فعالةً تمنح القدرة على التعبير عن الخيال بطريقة لا نهائية، فكل ما تتخيله يمكن التعبير عنه بالرسم.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «رغبنا في الخروج عن المألوف، فنحن من عشاق قصص مثل (أليس في بلاد العجائب)، وأعمال ميازاكي، وجميعها قصص تدور في عوالم خيالية، لذا فكرنا: لماذا لا نبني عالماً خيالياً خاصاً بنا؟ ويكون مميزاً عن كل العوالم التي رأيناها لأنه مبني على الشخصيات الأسطورية في ثقافتنا الخليجية، سعينا لصنع شيء خيالي ممتع، فالواقع صعب وقاسٍ جداً».

وعن الرسالة التي يودُّ طرحها عبر فيلمه «إرادة حمار»، أكد المخرج القطري ماجد الرميحي، أنَّ بداية الرسالة والارتباط بشخصية «جحا»، كانت بسؤال: «كيف يمكننا العودة لهذه الشخصية في ظلِّ الواقع الذي نعيشه اليوم في العالم العربي؟»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن علاقته بوصفه عربيّاً بشخصية «جحا» تنبع من كونها رمزاً أو نموذجاً أصيلاً نعود إليه دائماً لقراءة الواقع.

ملتقى «قمرة السينمائي 2026» تناول كثيراً من القضايا الإنسانية (مؤسسة الدوحة للأفلام)

ويرى الرميحي، أن «شخصية (جحا)، ستساعد غلى النظر لواقع قد يتسم بالاضطهاد أو المشكلات الاجتماعية، ولكن من خلال الفكاهة، أو الحكمة غير المباشرة»، مشيراً إلى أنَّ الفيلم يتناول فكرة الاضطهاد، وعلاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل، عبر قصة بسيطة ورمزية وهي «فقدان جحا لصديقه»، للتعبير عن «فقدان وجداني»، وقدرة الشخص على فهم الواقع وتفسير الأوضاع المحيطة.

وعن بعض تفاصيل فيلمه «الثوار لا يموتون»، الذي يعد بمنزلة حوار أرشيفي، تواجه فيه شرائط أفلام جوسلين صعب الذاكرة والمقاومة، من خلال الترميم وإحياء الذكرى، أكد المخرج الفلسطيني مهند يعقوبي، أن اهتمامه بعمل جوسلين صعب انقسم إلى شقين، «الأرشيفي»، من خلال العمل مع «مؤسسة جوسلين صعب» على ترميم أفلامها، والتعمُّق في تقنيات الصناعة، و«الشخصي»، جاء من اهتمامه بصناعة الفيلم.

وأضاف يعقوبي لـ«الشرق الأوسط» أن نقطة التحول كانت عند مشاهدته لفيلم جوسلين «بيروت مدينتي» في بروكسل، حيث تظهر فيه أمام بيتها المهدم بعد الاجتياح الإسرائيلي، وتزامن ذلك مع تعرُّض منزل عائلته في غزة للقصف، لافتاً إلى أنَّ هذا الرابط الزمني جعله يتأمل في الثمن الذي يدفعه المخرج في سبيل أفكاره، وأثار فضوله حول دوافع جوسلين التي تنتمي لخلفية اجتماعية ودينية مريحة لترك كل ذلك والتضامن مع القضية الفلسطينية.

الأفلام المشارِكة تعرَّضت لقضايا متنوعة (مؤسسة الدوحة للأفلام)

ويشارك في الدورة الـ12 من «قمرة السينمائي»، في مراحله كافة، والتي تشمل مرحلتَي «التطوير»، و«الإنتاج» في قائمتَي النسخ «المبدئية»، و«النهائية» للأفلام «الروائية الطويلة»، و«الوثائقية الطويلة أو التعبيرية»، و«الروائية القصيرة»، و«المسلسلات التلفزيونية» أو «مسلسلات الويب»، 49 عملاً من 39 دولة، من بينها «تكلّم»، و«العسّاس»، و«الكوكب المفقود»، و«بنت الرياح»، و«بعد الأربعين»، و«قمرة»، و«أندريا»، و«مذكرة تفاهم»، و«حذاء سارا»، و«أصداء»، و«باب القيامة»، و«رؤى الغد»، و«عسل وجنون» وغيرها.

من جانبها، أكدت فاطمة حسن الرميحي، الرئيسة التنفيذية لـ«مؤسسة الدوحة للأفلام»، في بيان صحافي، أن «اختيارات المهرجان لهذا العام تعكس شجاعة وطموح صُنَّاع الأفلام، وتُسلِّط الضوء على القصص الآنية من الواقع المعاصر»، مُعبِّرة عن فخرها «بالمشاركة القطرية المميزة إلى جانب الرؤى المؤثرة من مختلف أنحاء العالم»، على حد تعبيرها في البيان.