شجاع العاني... جموح النص وفروسية الناقد

دار الشؤون الثقافية العراقية تعيد إصدار دراسته عن الرواية العربية

شجاع العاني
شجاع العاني
TT

شجاع العاني... جموح النص وفروسية الناقد

شجاع العاني
شجاع العاني

الناقد شجاع العاني أحد أهم الأكاديميين الذين أولوا الرواية العراقية والعربية اهتماماً كبيراً، متتبعاً نشأتها من مطلع القرن العشرين، ماراً بالتطورات الفنية التي شهدتها في العقدين السادس والسابع من القرن نفسه، موظفاً مفاهيم النظرية السردية ومنهجياتها الفنية والبنائية والسوسيولوجية، التي اطلع على بعضها في مظانها الأصلية باللغة الإنجليزية، وبعضها الآخر كان لا يزال مستحدثاً آنذاك أو في طور النشوء. وجهود د. شجاع العاني القيّمة ضمَّها كتابه «البناء الفني في الرواية العربية في العراق»، الذي صدرت في هذا الشهر طبعته الجديدة عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد.
ومنذ ظهور طبعته الأولى أواخر ثمانينات القرن الماضي، سدَّ هذا العمل ثغرة كبيرة كان النقد العراقي يعاني منها، من جهة البعد عن المنهجيات الحداثية والارتكاس في النقدين السوسيولوجي والانطباعي، مما جعل منه مرجعاً أكاديمياً مهماً في الرواية استند عليه كثير من الباحثين الذين ظهروا من بعده، ومنهم الدكاترة عبد الله إبراهيم ونجم عبد الله كاظم وصبري مسلم حمادي وصالح هويدي والرعيل الذي تبعهم من الدارسين والباحثين المتقدمين إلى الدرجات الأكاديمية.
في هذا الكتاب تميز الدكتور شجاع العاني عن باحثين آخرين مجايلين له مثل د. عبد الإله أحمد ود. عمر الطالب ومحسن الموسوي وغيرهم من الذين اهتموا بالرواية العراقية، لكنهم ظلوا في حدود الفهرسة الأرشيفية لكتابها، أو التبويب التاريخي لمراحلها، أو المسح التحليلي العام، وافتقرت جهودهم إلى التزود بالأدوات النقدية الحداثية التي تحلى بها الدكتور العاني مواكباً النظرية السردية الغربية بأرقى مستوياتها.
وتميزت الطبعة الجديدة بأنها جاءت على شكل كتاب واحد مكتمل تحت عنوان «البناء الفني في الرواية العربية في العراق»، ليكون للرواية العراقية مرجعها السردي البنائي الذي استطاع أن يقارب بين قضايا الخطاب النقدي الفنية والجمالية، وبين مناهج هذا الخطاب ومقترباته، فضلاً عن إغنائه الدراسات السردية العربية بما انطوى عليه من كشوفات تنظيرية.
وكان د. شجاع العاني قد عبر في تقديمه للجزء الثالث من الكتاب عن ضيقه وتبرمه من التجزئة لكتابه، قائلاً: «لقد وجدنا أن من الأفضل أن يبقى الكتاب على شكله الأول، ليعطي صورة صادقة ودقيقة للنقد الأدبي في العراق في تلك الحقبة من نهايات القرن العشرين، وباستثناء بعض الإشارات الطفيفة في هوامش الكتاب... فإننا حافظنا على المتن في صورته الأصلية». وهذه واحدة من مسائل كثيرة يتعرض لها أي كتاب نقدي تتشمذر فصوله وتتباعد أزمان طباعته، ويصبح كل فصل وكأنه كتاب مستقل في نظر الباحثين. والمسألة أشد مرارة مع الكتاب النقدي الذي يؤسس للحداثة، ويضع عتبات جديدة للباحثين ليلجوا منها إلى مناطق بحثية جديدة وبمنهجيات تغني الحركة النقدية، كما هو الحال مع كتاب «البناء الفني في الرواية العربية في العراق».
واليوم إذ أعادت دار الشؤون الثقافية ضم الكتب الثلاثة في كتاب واحد وبغلاف مناسب؛ فإنها سعت إلى الإبقاء على صورته التي كُتب بها أول الأمر باستثناء كلمة الختام التي شرّف د. شجاع العاني كاتبة هذه السطور باقتراحه عليها القيام بكتابتها، وكذلك الإشراف على مراجعة الكتاب متوناً وهوامش ومتعلقات.
وإذا كان د. شجاع العاني قد مارس النقد الأدبي في ستينات القرن الماضي؛ فإن منظوره النقدي ظل يتجدد، حسب متغيرات النقد ومستجداته، وهو ما أهلّه لأن يمتلك شخصية نقدية تنماز بالعلمية والأكاديمية، متحلياً بالقوة والصرامة المنهجية التي أعطته مكانة خاصة بين النقاد عراقيين وعرباً.
ومن محصلات الكتاب موضع الرصد ما وجده د. شجاع العاني من أنّ نشأة الرواية العراقية كانت على يد محمود أحمد السيد عام 1928 في روايته «جلال خالد» التي درسها دراسة جمالية، وروايتين أخريين كانتا قد نشرتا بعدها، وهما «مجنونان» لعبد الحق فاضل، و«اليد والأرض والماء» لذو النون أيوب. أما الأعمال الروائية ما بعد عام 1966، فدرس معظمها وتتبع تطوراتها حتى عام 1980، عاداً كل القصص الطويلة القصيرة شكلاً روائياً خاصاً برواية القرن العشرين، متناولاً إياها تحت مصطلح رواية.
وبهذه الفرشة الإجرائية في تتبع الروايات العراقية، يصبح أمر التقسيم إلى أجزاء مغيباً لا البعد النظري في تلمس مفاهيم النظرية السردية التي يعد العاني أول من طبقها، وتفنن في إيجاد تمثيلاتها حسب؛ وإنما أيضاً غيب مجهود المؤلف في الاستقصاء للمصادر والرصد للأعمال الروائية وتشخيص الظواهر الجمالية فيها.
ويعدُّ الدكتور شجاع العاني الناقد الأكاديمي الأول في العراق، وقد تمثلت أكاديميته في خصيصتين علميتين لم يجاره فيهما أحد؛ الأولى الرسوخ والصرامة والالتزام، والثانية التجديد الاستراتيجي النظري والنقدي وما بعد النقدي الذي قولب تنظيراته وصهر تطبيقاته منذ بواكير كتاباته النقدية وإلى يومنا هذا. وهو الأنموذج النقدي الذي أخلص للنقد والأدب، متعاملاً معهما كمنهاج عمل، سواء فيما اعتمده من مناهج، أو فيما طوّعته له من مفاهيم محددة بانفتاح واتساع ومعاينة علمية وفكرية منطلقاً من تمثل صميمي لدور المثقف النهضوي التنويري الذي لا يهادن ولا يساوم. وهو ما جعله يضطلع بشخصية نقدية يعترف بتميزها المتميزون، ويشهد لها المثقفون الواعون الحقيقيون.
وتتجلى في الكتاب ريادة العاني في دراسة الرواية كملمح مهم أطَّر ممارساته النقدية بإطار مميز، ومنحها لونها التجديدي الخاص القائم على دراسة المنظور وتقانات الزمن والمكان وبناء الأحداث والشخصيات، راصداً الظواهر الروائية، ومستنبطاً المقاييس، وممحصاً المفاهيم، وموظفاً إياها إجرائياً من دون أي جدب أو عقم أو إغراق. علماً إن نقود د. شجاع العاني كانت منذ بواكيرها الأولى تتسم بطابع كتابي ذي خصوصية ذاتية وموضوعية يتمثل في إيلاء الأجناس السردية اهتماماً متتبعاً لها، وراصداً تحولاتها.
ولطالما ظل التجديد مرافقاً لنقوده، وهو يتخصص في دراسة الرواية العراقية بأكاديمية خالصة تبحث عن الظواهر القصصية. فلم تكن تبهره إلا الأعمال الروائية التي تلوح فيها إمارات التميز الفني والتطور النوعي، إدراكاً منه أنَّ هذا الجنس الأدبي يلزمه من يقف إزاءه ناقداً فاحصاً. وهو الذي عرّف الرواية بأنها «كناية عن عمل فكري في المرتبة الأولى، وهي في المرتبة الثانية صياغة جمالية لهذا العمل الفكري ومعطيات الواقع هي التي تقترح نوعية هذا العمل وصياغته الجمالية». وبيّن أن رواية الكثافة الزمنية من الممكن أن تكون رواية مشهدية لا تتخللها ثغرات أو خلاصات. ومما شخَّصه في كتابه أيضاً ظاهرة «الرواية متعددة الوجوه»، وحددها بالرواية التي ينكب الروائي الذي نجح في عمل إبداع على أن يعالجه في رواية ثانية وثالثة.
ولقد وجد د. شجاع العاني أن مراحل الرؤية في الرواية العراقية بدأت برؤية الراوي كلي العلم، ثم الرؤية المجاورة أو المصاحبة، ثم الرؤية الموحدة التي يتوحد فيها الراوي مع الشخصية، وأخيراً اعتمدت الرؤى المتعددة الصوت مما يسمى بالسرد المتعدد أو السرد المكرر الذي يقوم على التذبذب بين الماضي والحاضر بصورة تشبه حركة اللولب وسماه «السرد اللولبي»، وهو غير «السرد السمفوني»، الذي تتكرر فيه الأحداث وتعدد الرؤى.
ولقد أوصله رصده للرواية العراقية إلى أن فيها ثلاثة تيارات: تيار السرد التقليدي، وتيار الشعر والرمز والأسطورة، وتيار الوصف الخارجي المباشر. ومن دعواته النقدية دعوته الروائيين إلى استلهام الموروث الشعبي بوصفه أداة بها يملكون القدرة على تصوير النماذج الإنسانية.
وقسَّم الرواية في نشوئها وتطورها إلى أنواع، فمن الرواية الإيقاظية إلى الرواية الرومانسية، ثم الرواية الواقعية. وأن الرواية الكلاسيكية انحسرت لتحل محلها الرواية القصيرة أو رواية المشهد الشامل ذات الوصف الملحمي للحياة. وعرّج على شكل روائي جديد سماه «الرواية المتأملة لذاتها» ـ التي تعرف اليوم بـ«الميتاسردية» أو «ميتارواية» ـ مبيناً أن أول محاولة في كتابتها كانت لمحيي الدين زنكنة الذي وصفه بأكثر كتّاب الرواية العراقية شكلية، وذلك في روايته «ويبقى الحب علامة»، وفيها تتمرد شخصيات الكاتب عليه وتناقشه في مصائرها.
والدكتور العاني من المتنبئين بموت الرواية بما وراء السرد والسبب ـ برأيه ـ التعقيد الناتج عن الغواية المتأتية من نرجسية الكاتب الذي يبالغ في الصنعة، متجاوزاً مسؤوليته الفكرية، لتصبح الرواية شبيهة بنرسيس الذي أعجبته صورته في ماء الغدير فمكث ينظرها حتى مات.
مؤدى القول إنّ جمع أجزاء كتاب «البناء الفني في الرواية العربية في العراق» في كتاب واحد تجعل منه المرجع الأول في دراسة الرواية العراقية، وفيه بذل د. شجاع العاني جهداً كبيراً هو حصيلة خبرته الأكاديمية وقراءاته الأدبية والنقدية خلال عدة عقود من المثابرة العلمية والعملية، ليكون إنجازاً مائزاً ماثلاً للعيان في محافل البحوث النقدية الأكاديمية وغير الأكاديمية.



فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)

تحدَّث الممثل السعودي فهد القحطاني لـ«الشرق الأوسط» عن دوره «سطام» في مسلسل «كحيلان» التلفزيوني الملحمي الذي يعرض حالياً. وقال إنه منذ اللحظة الأولى التي قرأ فيها نصّ «كحيلان»، شعر بانجذاب واضح نحو الشخصية، وتعامل مع الدور على أنه تحدٍّ مهنيّ وشخصيّ في آن.

ومن أبرز محطات التحضير للدور تجربة تعلُّم ركوب الخيل. ويوضح القحطاني أنّ لديه خلفية عائلية قريبة من عالم الفروسية، لكن الدخول في التجربة بصفته ممثلاً فرض مساراً تدريبياً جاداً، فبدأ التدريب قبل التصوير واستمر خلاله إلى نحو الشهرين.

في مقابل تجربة الخيل، جاءت المبارزة بالسيوف لتشكّل التحدّي الأكبر، وهنا دخل القحطاني في عالم التكنيك والحركات المحسوبة، ويوضح أنّ الطاقم الفني أدّى دوراً محورياً في إدارة هذه المَشاهد لضمان سلامة الجميع.

وفي نهاية حديثه، بدا فهد القحطاني واقفاً على عتبة مرحلة جديدة؛ إذ منح مسلسل «كحيلان» تجربته دفعة واضحة، وتركت شخصية «سطّام» أثراً عميقاً في مساره عبر الأصداء الإيجابية التي حصدها من الحلقات العشر الأولى للمسلسل.


«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
TT

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً، وذلك بعد صراع طويل مع المرض، وفق وسائل إعلام محلية، وتصدَّر اسم كيتي، «الترند»، على موقع «غوغل» الجمعة، في مصر، عقب تداول خبر الوفاة بكثافة على مواقع «سوشيالية».

بدأت كيتي، العمل بالسينما المصرية في منتصف الأربعينات، وذاع صيتها خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث شاركت بالتمثيل والرقص والاستعراضات في كثير من أفلام السينما المصرية التي دُوِّنت في أرشيفها وما زالت تلقى رواجاً حتى الآن، وفق آراء نقدية وجماهيرية.

وعلى الرغم من شهرتها فإن كيتي اختفت عن الأضواء، وسافرت إلى اليونان، وسط شائعات عدة طالت اسمها حينها، وتنوَّعت بين المرض، والاتهام بالجاسوسية، والموت.

الكاتب المصري محمد الشماع، أكد خبر وفاة الفنانة والراقصة الاستعراضية، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، وكتب: «بعد نشر تحقيق عن (كيتي) بالاشتراك مع الصديق عبد المجيد عبد العزيز منذ سنوات، والاتصالات لم تنقطع بيننا وبينها سواء بشكل مباشر، أو عبر وسطاء».

وأضاف الشماع: «عرفنا الكثير الذي يستحق أن يُنشَر ويعرفه الناس، ليس فقط لأنها مجرد ممثلة وراقصة ظهرت في السينما المصرية لسنوات، لكن لأنها جزء من تاريخ بشر عاشوا في مصر وخرجوا وهم يحملون حباً خاصاً لها».

الفنانة كيتي في مرحلتَي الشباب والشيخوخة (حساب الكاتب محمد الشماع على «فيسبوك»)

ويستكمل الشماع: «توفيت كيتي بهدوء، بعد معرفة دامت لسنوات، وكان حظنا سيئاً لأننا عرفناها في سنوات عمرها الأخيرة، على الرغم من حفاظها على صحتها وعقلها وذكرياتها»، ونوه الشماع إلى أنه علم بخبر الوفاة، من الطبيب والكاتب اليوناني مانوليس تاسولاس، وهو أحد أصدقاء كيتي المقربين منها في سنواتها الأخيرة.

وعن رأيه في أعمال كيتي، ومشوارها في التمثيل إلى جانب الرقص والاستعراضات التي اشتهرت بها في السينما المصرية، وما الذي ميَّزها بين فنانات جيلها، أكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «حياة كيتي كانت غامضة جداً، حتى إن الناس كانوا يسألون: هل ما زالت على قيد الحياة؟».

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «ما أفاد كيتي، أنها تميَّزت بطابع خاص وطريقة غربية نوعاً ما، وكانت تتمتع بملامح جميلة وجذابة، في ظل وجود راقصات شرقيات في حجم تحية كاريوكا، وسامية جمال، ونعيمة عاكف، وزينات علوي، وغيرهن، في ذلك الوقت».

ونوه الشناوي إلى أن «الفترة التي كانت تشهد على خلاف بين فريد الأطرش وسامية جمال كانت تتم الاستعانة بها، وهذا الأمر أفادها كثيراً»، مضيفاً: «كيتي راقصة خفيفة الظل، وكانت تتمتع بحضور قوي، لكنها لم تكن ممثلة بالمعنى الحرفي للكلمة».

اشتهرت كيتي، التي وُلدت في ثلاثينات القرن الماضي في مدينة الإسكندرية المصرية الساحلية، بخفة الدم والحركة، والرقص وتقديم الاستعراضات في الأفلام التي شاركت بها، وكان أشهر أدوارها مع الفنان الكوميدي الراحل إسماعيل ياسين، حيث قدَّمت معه مجموعة من الأفلام السينمائية المصرية الشهيرة من بينها «في الهوا سوا»، و«اديني عقلك»، و«ابن ذوات»، و«عفريتة هانم»، و«بنت البلد»، و«الظلم حرام»، و«إسماعيل ياسين في متحف الشمع»، و«أبو عيون جريئة»، بينما كان آخر فيلم جمعهما معاً «العقل والمال»، في منتصف الستينات، بجانب مشاركتها في أفلام سينمائية أخرى، حيث يضم أرشيفها أكثر من 70 فيلماً.


البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
TT

البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)

من خلال هذه البيانات الضخمة يمكن قياس معدل إنفاق السائحين في الفنادق والمطاعم والأماكن المختلفة، يمكن أيضاً التنبؤ بما يريدونه وما لا يريدونه، ويمكن متابعة وتيرة ومناطق الجرائم المتكررة والحد منها فيما يعرف بالشرطة التنبؤية بأميركا، ويمكن أيضاً التحكم في طريقة استهلاك الطاقة في بلد من البلاد كما يحدث في الإمارات. وكذلك الاستعانة بهذه البيانات الضخمة في تحليل العديد من الأمور والظواهر الاجتماعية، خصوصاً في ظل غياب البيانات التقليدية. فما هي طبيعة هذه البيانات الضخمة، وما مصادرها، وما استخداماتها بشكل عام؟

يجيب على هذا السؤال كتاب «البيانات الضخمة BIG DATA: مصادرها واستخداماتها في التنمية» للدكتورة حنان جرجس، الصادر مؤخراً عن «دار العربي للنشر والتوزيع» في القاهرة.

يعرف الكتاب في البداية أهمية علم البيانات ودوره في حصر العديد من الأمور مثل التعداد السكاني وتعداد المدارس والمنشآت وغيرها، والفارق بين البيانات التقليدية، التي يتم جمعها بشكل مباشر من الشارع أو عبر استطلاعات رأي مقصودة، والبيانات الضخمة التي يتم تعريفها مبدئياً بأنها «البيانات ذات الكميات الكبيرة التي يتم إنشاؤها/ جمعها من التفاعلات اليومية للأفراد مع المنتجات أو الخدمات الرقمية، أو من أفعال وتفضيلات الأفراد القابلة للتبع عبر وسائط متنوعة، وهي بيانات تنشأ بصورة يومية طبيعة وليست لأغراض دراسة معينة.

هذه البيانات الضخمة إذن هي كل ما يدور على الشبكة العنكبوتية من تعاملات بوسائل التواصل الاجتماعي أو التطبيقات المختلفة، أو حتى كروت الفيزا أو البطاقة الشخصية أو أي بيانات يمكن التعامل بها رقمياً، ومن ثم تصبح جزءاً من الكم الهائل من البيانات التي يمكن استخدامها لأغراض متنوعة، خصوصاً في مجال التنمية في أكثر من مجال كما أوضحنا في البداية. نحن إذن أمام كنز من المعلومات التي تساعد في فهمنا للعالم وترويضه أيضاً وتحسين صورته عبر التنمية المستدامة.

البيانات الضخمة تُستخدم في العديد من المجالات (الشرق الأوسط)

تتمتع هذه البيانات الضخمة بخصائص بعينها حتى تصبح قابلة للتعمل عليها وتحليلها، كبيرة الحجم، سريعة التواتر، عالية التنوع، لها قيمة كبيرة، على قدر كبير من الصدق. هذه الخصائص هي التي تحكم إمكانية استخدام تلك البيانات أم لا ومدى ملاءمتها للتعبير عن شأن معين أو قياس أمر ما.

وإذا كانت البيانات التقليدية مثل التعداد السكاني أو التعداد الاقتصادي أو الإحصاءات الحيوية مثل المواليد والوفيات، أو قاعدة بيانات الرقم القومي أو المسوح بأنواعها أو استطلاعات الرأي العام يمكنها أن تفيدنا في وضع خطط وسياسات بعينها تخدم الجمهور وتحقق أهداف الدولة، إلا أن البيانات الضخمة لها دور آخر أكثر دقة من سابقه، فهي يمكن أن تحدد اتجاهات عامة وشاملة في التعامل مع أحد القطاعات مثل السياحة أو الصحة أو التعليم أو الصناعة والطاقة، وتسهم في تنمية هذه القطاعات بطريقة مدروسة وعلمية، إذا توافرت شروط البيانات الضخمة ومصدرها وأمكن تحليلها وفق أحدث الطرق التكنولوجية المتاحة والتي سهلت كثيراً هذا الأمر.

يشير الكتاب ليس فقط إلى القيمة الكبيرة التي تمثلها البيانات الضخمة ولكن أيضاً لما تنبئ به من مستقبل مزدهر بناء على قراءة الواقع والاتجاهات العامة للجمهور في مجال بعينه وتغذية مفردات هذا الاتجاه ليكون مصدر جذب وتعظيم مخرجاته بكل السبل الممكنة بناء على البيانات التي تم الحصول عليها.

وتكمن هذه البيانات في كل ما يرتبط بالمفردات الرقمية من وسائل التواصل الاجتماعي للكروت الممغنطة إلى كل وثيقة أو تفاعل أو تعامل بصيغة رقمية في المجال العام أو الخاص، لتصبح هذه التفاعلات بشكل أو بآخر جزءاً من سلسلة متصلة متواصلة من إنتاج البيانات الضخمة التي يمكن الاستفادة منها بطريقة علمية في التنمية والاستدامة.

الكتاب الذي قدمه الدكتور ماجد عثمان وزير الاتصالات المصري سابقاً، وأشار في مقدمته إلى أهميته باعتباره فريداً في مجاله، فلم يسبق أن تناول أحد معالجة البيانات الضخمة بطريقة علمية تفيد خطط التنمية المحلية، يضم عدة فصول ما بين البيانات التقليدية والضخمة ومصادرها واستخداماتها، وربما استفادت الكاتبة من عملها محلياً ودولياً في مراكز لقياس الرأي العام، كما أنها شريك مؤسس لمركز بصيرة لاستطلاعات الرأي وقياس الرأي العام في مصر، وهي من الخبراء البارزين في مجالات الإحصاء والديموغرافيا والتنمية والبحوث الكمية.

ويعد هذا الكتاب بمنزلة خريطة طريق يمكن الاستفادة منه لمعرفة طريقة جمع البيانات الضخمة وتحليلها وتوجيهها بطريقة علمية وعملية للاستفادة منها في وضع سياسات وخطط تنموية في مجالات شتى.