اقتراب ساعة الحسم في محاكمة ترمب

الكفة ترجح لصالح تبرئة الرئيس الأميركي

زعيم الأغلبية ميتش ماكونيل برع في رص الصف الجمهوري على رغم {قنبلة بولتون} (إ.ب.أ)
زعيم الأغلبية ميتش ماكونيل برع في رص الصف الجمهوري على رغم {قنبلة بولتون} (إ.ب.أ)
TT

اقتراب ساعة الحسم في محاكمة ترمب

زعيم الأغلبية ميتش ماكونيل برع في رص الصف الجمهوري على رغم {قنبلة بولتون} (إ.ب.أ)
زعيم الأغلبية ميتش ماكونيل برع في رص الصف الجمهوري على رغم {قنبلة بولتون} (إ.ب.أ)

بعد ساعات طويلة من المساءلة والمداولات، حسم أغلبية المشرعين أمرهم في قضية الاستماع إلى شهود وبدا وكأن الكفة تميل تدريجياً لصالح تبرئة الرئيس الأميركي. وقد ورد أبرز موقف يشرح قرار المترددين من الجمهوريين على لسان السيناتور الجمهوري لامار ألكسندر الذي كان يُعدّ من الأصوات المتأرجحة التي يعول عليها الديمقراطيون. ألكسندر قال بعد انتهاء جلسات المساءلة الماراثونية: «ليس هناك حاجة للمزيد من الأدلة لإثبات أمر تم إثباته من قبل وتصرف لا يستحق خلع رئيس من منصبه». وتابع ألكسندر الذي وصف تصرف ترمب بغير اللائق أن «الدستور الأميركي لا يعطي مجلس الشيوخ صلاحية خلع الرئيس من منصبه ومنعه من خوض الانتخابات بسبب تصرفات غير لائقة». وانتقد ألكسندر الديمقراطيين واصفاً إجراءات العزل بالحزبية والسطحية.
تصريح عكس موقفاً جمهورياً موحداً بالإجمال، وألقى الضوء على براعة زعيم الأغلبية ميتش ماكونيل في رص الصف الجمهوري بعدما وصف بـ«قنبلة بولتون». ماكونيل الذّي قلما يبتسم، لوحظ على وجهه طيف ابتسامة لدى مغادرته مجلس الشيوخ مساء الخميس وقال للصحافيين: «استعدوا ليوم الجمعة فهو يوم مهم جداً»، وهو رّكز في استراتيجيته على إقناع الجمهوريين بأن موضوع استدعاء شهود سوف يؤجل القرار المحسوم أصلاً وهو تبرئة الرئيس. فحتى تسريبات بولتون لا تُشكّل مادة قابلة لخلع رئيس أميركي، على حد قول الجمهوريين وفريق دفاع ترمب، والاستماع إلى مستشار الأمن القومي لن يغير من هذا الواقع بل سيطيل من فترة المحاكمة ويؤثر سلباً على عمل الكونغرس وبالتالي على الانتخابات التشريعية المقبلة. هذه هي النقاط التي طرحها ماكونيل على حزبه وتمكن من خلالها من تحطيم المساعي الديمقراطية بجذب أصوات جمهورية كافية لصالحهم. وهذا ما فسّره جون كورنين، أحد القيادات الجمهورية في مجلس الشيوخ: «أعتقد أن الأشخاص هنا بدأوا يفهمون أن القضية لا تنحصر في شاهد واحد فقط وقد تستغرق شهوراً لحسمها».
وفي ظل هذه الضغوطات، جلّ ما تمكن الديمقراطيون من الحصول عليه هو دعم جمهوريين اثنين: ميت رومني منافس ترمب السابق في الانتخابات، وسوزان كولينز السيناتورة المعتدلة. لكن هذين الصوتين لن يتمكنا من تغيير المعادلة، فأفضل سيناريو يواجه الديمقراطيين حتى الساعة هو سيناريو التعادل، وحتى في حال حصول قضية استدعاء شهود على 50 صوتاً يدعمها مقابل 50 يعارضها، فهذا يعني أن التصويت سيكون لصالح عدم استدعاء شهود. وقد عوّل البعض على تصويت كبير قضاة المحكمة العليا جون روبرتس لحسم القضية في حال التعادل، لكن على ما يبدو فإنه لا رغبة لروبرتس بالتدخل لصالح طرف ضد آخر في قرار تاريخي من هذا النوع. فشل قضية استدعاء شهود يعني بالتالي أن المجلس سيصوت لتبرئة الرئيس الأميركي من التهمتين الموجهتين ضده: استغلال منصبه لمآرب سياسية وعرقلة عمل الكونغرس. تصويت قد يحاول الديمقراطيون تأجيله من خلال فرض إجراءات بروتوكولية، وحتى ساعة كتابة هذا التقرير، لم يعلن الديمقراطيون عن استراتيجيتهم في هذا الخصوص. وفي حال قرروا عرقلة عملية التصويت فهذا قد يعني تأجيل التصويت النهائي إلى يوم السبت أو الأحد. وفي سيناريو يجسّد خوف الجمهوريين الأكبر، قد يتمكن زعيم الأقلية الديمقراطية تشاك شومر من فرض صلاحياته وتأجيل عمليات التصويت للأسبوع المقبل، الأمر الذي سيتزامن مع بدء الانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا ومع خطاب حال الاتحاد في الرابع من فبراير (شباط). وقد تحدّث الديمقراطيون عن استراتيجياتهم المختلفة، وقال سيناتور ديمقراطي طلب عدم الكشف عن اسمه: «نحن نفكر بخيارات كثيرة، وما إذا كنا نستطيع تغيير قواعد التصويت وما هي التعديلات التي سنقدمها. نحن لن نسمح لليلة الجمعة بأن تكون ليلة هادئة». وقال السيناتور كريس مرفي: «نحن ننظر في كل الإجراءات البرلمانية وسوف نفرض سلسلة من عمليات التصويت التي ستظهر الموقف الجمهوري بوضوح».
ومع وجود سيناريوهات كثيرة للتأجيل، لكن النتيجة ستكون ذاتها: الرئيس الأميركي سيبرأ من التهم الموجهة ضده ولن يتم خلعه من منصبه. أمر يتخوف منه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين بشكل كبير، لأنه يعني أن ترمب سوف يعزز موقعه في الانتخابات الرئاسية، وقد يؤدي موضوع العزل إلى فوزه بولاية ثانية. وهذا ما تحدث عنه نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن الذي قال إن تبرئة ترمب ستجعل من مهمة هزيمته في الانتخابات أصعب. لكن الديمقراطيين يأملون في الوقت نفسه أن تكون الحجج التي قدموها في سير عملية العزل مقنعة للناخب الأميركي، وأن ينعكس هذا على صناديق الاقتراع في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ويسعى بعض الديمقراطيين إلى إرسال توجيهات مشفّرة لمستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، يطرحون فيها فكرة إجرائه مقابلات تلفزيونية للحديث عن فضيحة أوكرانيا. وقد غرّد السيناتور الديمقراطي براين شاتز قائلاً: «أنا أصدر مذكرة استدعاء وهمية لبولتون، أوجهه من خلالها بالمثول في البرامج الحوارية يوم الأحد للحديث عن (صفقة المخدرات)، وذلك في إشارة إلى إفادات مسؤولين في الإدارة الأميركية أمام لجان الكونغرس، نقلوا فيها عن بولتون وصفه لموضوع أوكرانيا بـ«صفقة مخدرات».
تتزامن هذه التطورات مع زيارة قام بها ترمب لولاية أيوا التي ستشهد أول انتخابات تمهيدية في الولايات المتحدة يوم الاثنين. وانتقد هناك إجراءات عزله لكنه أعرب عن تفاؤله بالمرحلة المقبلة قائلاً: «نحن نفوز كثيراً، نحن نهزم كل الديمقراطيين». وكان مجلس الشيوخ اختتم يوم الخميس جلسات المحاكمة التي استغرقت أكثر من خمسين ساعة بين مرافعات الدفاع والادعاء وأسئلة المشرعين. وحاول فريق الادعاء جاهداً إقناع أعضاء مجلس الشيوخ بوجوب استدعاء شهود قبل التصويت لإنهاء المحاكمة، وركزوا في مرافعاتهم على التسريبات الأخيرة من كتاب بولتون. لكن فريق الدفاع كان بالمرصاد، ووبخ الديمقراطيين على محاولات لخلع رئيس أميركي من منصبه من دون وجود أي دليل يثبت استغلاله لمنصبه. وقال أعضاء فريق الدفاع إن ترمب جمّد المساعدات لأوكرانيا بسبب الفساد المستشري في البلاد. أمر انتقده الديمقراطيون الذين اتهموا ترمب باستغلال موضوع المساعدات لإجراء تحقيق مع منافسه بايدن والتأثير على نتيجة الانتخابات الأميركية. ومما لا شك فيه أن نهاية المحاكمة لا تعني نهاية الجهود الديمقراطية للتحقيق مع ترمب. وهذا ما تعهدت به رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي التي قالت: «لن تتم تبرئة ترمب. لا يمكن تبرئتك من دون محاكمة. ومحاكمة من دون شهود أو إثباتات هي ليست محاكمة حقيقية. هل يعرف الرئيس الفرق بين الخطأ والصواب؟ لا أعتقد ذلك».


مقالات ذات صلة

تقرير: إيران ترفض تصدير اليورانيوم عالي التخصيب لكنها مستعدة لتخفيض نسبة نقائه

شؤون إقليمية أجهزة الطرد المركزي من الجيل السادس (آي - آر - 6) في منشأة نطنز لتخصيب اليورانيوم خلال عملية ضخ الغاز نوفمبر 2019 (أرشيفية - المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية)

تقرير: إيران ترفض تصدير اليورانيوم عالي التخصيب لكنها مستعدة لتخفيض نسبة نقائه

نقلت صحيفة «غارديان» البريطانية عن مصادر إيرانية قولها، السبت، إن طهران ترفض تصدير مخزونها البالغ 300 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية جياني إنفانتينو رئيس «الفيفا» خلال الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام (أ.ف.ب)

الأولمبية الدولية: ظهور إنفانتينو بمجلس السلام لا يخالف الحياد السياسي

قالت اللجنة الأولمبية الدولية إن حضور جياني إنفانتينو رئيس «الفيفا» الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام لا يخالف الميثاق الأولمبي بشأن الحياد السياسي.

«الشرق الأوسط» (لوزان)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرحِّباً بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فلوريدا - 28 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب

«تحالف الراغبين» يجتمع من دون واشنطن دعماً لأوكرانيا في ذكرى الحرب... سلوفاكيا والمجر تهددان بوقف إمدادات الكهرباء إلى أوكرانيا إذا لم تستأنف كييف إمدادات النفط

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام أمس للتعليق على قرار المحكمة العليا تعليق الرسوم الجمركية (د.ب.أ) p-circle

ترمب يرفع الرسوم الجمركية العالمية من 10 إلى 15 في المائة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم ‌السبت، أنه ​سيرفع ‌الرسوم ⁠الجمركية ​العالمية المؤقتة على ⁠الوارادت إلى 15 ⁠%.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري صورة تذكارية للمشاركين في الاجتماع الأول لمجلس السلام (مجلس الوزراء المصري)

تحليل إخباري لماذا تغيب مصر عن المشاركة في «قوة الاستقرار» بغزة؟

جاء الإعلان عن الدول المشاركة في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة خلال الاجتماع الأول «لمجلس السلام» دون أن يتضمن مصر ليطرح تساؤلات حول أسباب هذا الغياب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.