الموضة السعودية... من الاستهلاك إلى الإنتاج

تحولات ثقافية واجتماعية تصنع تغييرات إيجابية تستهدف جعل البلاد مركزاً لعروض الأزياء

الأميرة ريما بنت بندر السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة تتحدث عن أهمية صناعة الموضة ودورها في بناء مستقبل واعد
الأميرة ريما بنت بندر السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة تتحدث عن أهمية صناعة الموضة ودورها في بناء مستقبل واعد
TT

الموضة السعودية... من الاستهلاك إلى الإنتاج

الأميرة ريما بنت بندر السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة تتحدث عن أهمية صناعة الموضة ودورها في بناء مستقبل واعد
الأميرة ريما بنت بندر السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة تتحدث عن أهمية صناعة الموضة ودورها في بناء مستقبل واعد

كان للتحولات الاجتماعية التي شهدتها السعودية دور كبير في إعادة الاعتبار للمرأة العاملة في مجالات الإبداع، بما في ذلك الموضة. فبعد أن كانت السعودية هدفاً لكبريات الدور العالمية، بصفتها سوقاً مهمة واعدة لبيع منتجاتها، دخلت مجموعة لا يستهان بها من المصممات المنافسة، على المستويين المحلي والعالمي.
ويعود الفضل في هذا إلى دخول المؤسسات الحكومية على الخط، بافتتاحها برامج خاصة للتصميم والأزياء، وتنظيم عدد من العروض العالمية، مستفيدة من مواهب العشرات من المصممات السعوديات اللواتي تلقى بعضهن دراستهن خارج البلاد، فيما صقل بعضهن الآخر موهبتهن بالممارسة، مستفيدات من هذه البرامج الحكومية.
قصة التحول ترصدها نساء كنّ إلى عهد قريب مستهلكات أو هاويات يتابعن ما تنشره المجلات العالمية، لكنهن تحولن إلى منتجات ومبدعات تصل تصاميمهن إلى هوليوود، اكتسبن ثقة أكبر تجلت في جُرأتهن في اختيار الألوان والأشكال. وما شجعهن هذا الإقبال المتزايد للمرأة على كل ما هو محلي اعتزازاً بهويتها من جهة، وتمرداً على وضع دام طويلاً، كن فيها مجرد متلقيات لا يهتم الغرب ببيئتهن وثقافتهن كثيراً. فرغم التغير الذي شهدته الموضة في العقد الأخير، والذي شهد احتراماً أكبر لهويتها من خلال الأزياء المحتشمة، لم يكن هذا كافياً بنظرها. لهذا لم يكن غريباً أن تتوجه العيون إلى بنات بلدهن، وكلهن أمل أن يترجمن تطلعاتهن بشكل جيد. عباءة المرأة السعودية التي اتسمت بلونها الأوحد، أصبحت اليوم مثالاً على تنوع تصاميمها وخاماتها وتصاميمها الخاصة بالنهار أو بالمناسبات الكبيرة. ولم يكن مألوفاً أيضاً أن تُعمل جلسات تصوير الأزياء في الأماكن العامة، وهو ما بات مقبولاً اليوم، مع توفر عارضات سعوديات، بدلاً من الاستعانة بعارضات من جنسيات أخرى. وربما أسهمت شبكات التواصل الاجتماعي في دفع مسيرة هذا التحوّل في صناعة الموضة في السعودية، لتظهر أنماط جديدة متنوعة، يتعاطى معها الجيل الجديد، ويقتدي بها في أحيان كثيرة، الأمر الذي يجعل الشبان والفتيات أكثر قدرة على التعبير عن ذواتهم، وفق المظهر الذي يرونه الأنسب لهم، وبما ينسجم مع الأشكال الحديثة للموضة العالمية، مع الحفاظ على الهوية المحلية.
ومن ناحيتها، تشير أماني رضوان، وهي صانعة محتوى متخصص بالأزياء عضو مجلس سيدات الأعمال، إلى النمو الاقتصادي الملحوظ للبلاد الساعي لتطبيق رؤية 2030، قائلة: «من أهم تلك المجالات التي توليها السعودية رعاية، وتحاول تسليط الضوء عليها، مجال تصميم الأزياء. فمنذ أعوام ليست بالقليلة، تدرس جامعاتنا خياطة وتصميم وتصنيع الأزياء، حيث تتخرج الفتيات ليتقن المهنة، فيستطعن إنشاء مشروعهن الخاص الصغير الذي يخدم شريحة معينة».
وتتابع رضوان حديثها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إنه «منذ أن تم إطلاق مواقع التواصل الاجتماعي من سنوات عدة، برزت إبداعات لمصممين ومصممات سعوا للوجود المحلي والانتشار العالمي». وتشير رضوان إلى برنامج الابتعاث الثقافي الذي أطلقته مؤخراً وزارة الثقافة في 3 مسارات لعدة تخصصات تعنى بالثقافة والفنون، ومنها تصميم الأزياء وصياغة الذهب والمجوهرات.
وتضيف: «هذا الحراك المميز مهم للغاية، وسيرتقي بالصناعة لتكون أكثر إتقاناً وتميزاً واحترافية لأن بالتعليم والمعرفة المستقاة من مصادرها ستكون إضافة كبيرة للمبتعثين الذين بالمقابل سيضيفون خبراتهم لشغفهم، فنكون في الصدارة مستقبلاً بلا شك».
وترى رضوان أن التخصصات الدراسية الواعدة في السوق السعودية لصناعة الأزياء كثيرة متنوعة، مثل: تجارة الأزياء - عارضات الأزياء - تكنولوجيا الأزياء - إدارة صناعة الملابس - تصميم الأحذية وتطويرها - التصنيع الدولي وتطوير المنتجات - تصميم الأقمشة، وغيرها.
وكل هذه المتغيرات تدفع عجلة صناعة الأزياء والتجميل في السعودية إلى الأمام بشكل واضح، وتفتح شهية كثير من الفتيات السعوديات للانخراط في هذا المجال، تحت اسم «ميك آب أرتيست» أو «مدربة أزياء» أو «خبيرة مظهر» أو «مدوّنة موضة» و«فاشنيستا»، وغيرها من مهن صارت رائجة اليوم. ولم يغب الجنس الخشن عن صناعة الموضة، إذ صارت لهم اليوم أدوار بارزة أيضاً.
ويبدو تأثير حالة الانفتاح الاجتماعي وتسارع تمكين المرأة واضحاً أكثر على هيئة نساء السعودية في دوائر العمل والأماكن العامة، التي صارت تميل إلى الأزياء العملية والعباءات المريحة كي تسهل لها مهام التنقل والحركة بصورة أكبر من السابق، مع رغبة كثير من السيدات بالانعتاق من الملابس ذات الألوان القاتمة، واستبدال الألوان المشرقة بها، تبعاً لمتطلبات فصول العام. وهو أمر تنبهت له دينا الفارس، مؤسسة «قمرة»، وهي علامة تجارية تركز على ملابس السيدات العاملات، بما يتناسب مع أعمالهن.
وتوضح الفارس أنها كانت تفكر في طريقة تحافظ بها على أنوثة المرأة، وفي الوقت ذاته إيجاد لباس عملي مناسب محتشم، ينبع من الإيمان بقدرات المرأة ودورها المهم في تطوير مجتمعها، اقتصادياً وفكرياً. وتراهن الفارس على تقديم تصاميم تتضمن مظهراً خارجياً لائقاً، يعكس جدية وأنوثة المرأة، ويرفع من أدائها العملي الذي بات هاجساً للسعوديات اليوم.
وتتحدث شعاع الدحيلان، خبيرة التجميل رئيسة لجنة المشاغل والمراكز النسائية بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية السعودية، عن هذه التحولات بالقول: «صناعة التجميل تشهد ارتقاءً جذرياً اختلف اختلافاً كلياً عما كان عليه في السابق، ويمكن القول إن صناعة التجميل تتمتع بفرص أكثر جذباً في السعودية، وهو ما يجعلها أسهل طريق للراغبين في الاستثمار».
وتتابع الدحيلان حديثها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إن «تطور صناعة التجميل لا يقتصر على التزيين فحسب، بل يعني أيضاً صناعته من خلال تصنيع المنتجات، واللحاق بركب التطورات والمتغيرات. فهناك تقنيات حديثة تم إدخالها في صلب أعمال التجميل يجب مواكبتها بانتظام».
وتضيف: «نسعى في اللجان، كلجنة الصالونات ومراكز التجميل في المنطقة الشرقية واللجنة الوطنية لقطاع التجميل، إلى بلورة صورة واضحة في تلك الصناعة لتصبح وطنية بحتة، عبر التوطين والترغيب في بيئة العمل، وإدراك أن الأيدي الوطنية العاملة في القطاع متوفرة مستعدة للتعرف على الفرص المتاحة... نسعى معاً إلى تقديم مبادرات تُثري وتعزز هذه الصناعة في المملكة، بهدف الاندماج مع برامج جودة الحياة ورؤية المملكة والاستراتيجيات والخطط التنموية».
والمتابع للساحة السعودية حالياً يُدرك أن الموضة في السعودية اكتسبت هوية خاصة، هي خليط بين الانفتاح والأصالة، بمزاوجة الحداثة في التصاميم بالطابع المحافظ، الأمر الذي يجعل صُناع الموضة يتوقعون أن يكون لها دور بارز في صناعة الأزياء عالمياً. فمن قلب عاصمة الموضة باريس، عرضت نورة الحميد، وهي مصممة أزياء سعودية، قبل أيام، 20 زياً محتشماً من مجموعتها لفساتين السهرة الـ«هوت كوتور» في متحف اللوفر، في إطار فعاليات «أسبوع الموضة 2020» للأزياء الربيعية والصيفية كوتور.
وتبدي الحميد، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تفاؤلها بأن يكون للسعودية بصمة بارزة في صناعة الأزياء المحافظة المطعمة بالروح العصرية، قائلة: «لدينا في جامعة الأميرة نورة في الرياض عدد كبير جداً من خريجات قسم التصميم، ولدينا جيل واعد صاعد، لذا أنا متفائلة بأن يكون للمصممات السعوديات بصمة واضحة على الساحة العالمية».
وتصف الحميد التي بدأت تصميم الأزياء عام 2008 الأزياء المحافظة بأنها ملابس الطبقة الملكية والراقية، مضيفة: «أدعو الفتيات السعوديات للإبداع في التصميم، بما يناسب عاداتنا وتقاليدنا». وتؤكد الحميد أن الطلب العالمي على الأزياء المحتشمة كبير جداً، متابعة: «المصممون العالميون، مثل زهير مراد وإيلي صعب وفالنتينو، وغيرهم، تبنوا هذا الاتجاه في عروضهم الأخيرة، خاصة في موسم الـ«هوت كوتور»، لأنها تكون في الغالب محتشمة راقية».
ويشهد قطاع الأزياء والموضة ازدهاراً كبيراً، في ظل التطورات الثقافية التي تعيشها البلاد بفضل رؤية 2030. وكانت وزارة الثقافة قد نظمت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي فعالية «مستقبل الأزياء»، ضمن برنامج «موسم الرياض». وتسعى الوزارة من خلال هذه الفعالية إلى دعم قطاع الأزياء، باعتباره أحد قطاعاتها الستة عشر الرئيسية التي أعلنت عنها في وثيقة رؤيتها وتوجهاتها. وافتُتح هذا الحدث بكلمة الأميرة نورة بنت فيصل آل سعود، مستشارة وزارة الثقافة، تحدّثت فيها عن إدراج السعودية عدة أساليب حديثة في مجال صناعة الموضة، مع حفاظها على التراث والتقاليد في هذا المجال.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.