الموضة السعودية... من الاستهلاك إلى الإنتاج

تحولات ثقافية واجتماعية تصنع تغييرات إيجابية تستهدف جعل البلاد مركزاً لعروض الأزياء

الأميرة ريما بنت بندر السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة تتحدث عن أهمية صناعة الموضة ودورها في بناء مستقبل واعد
الأميرة ريما بنت بندر السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة تتحدث عن أهمية صناعة الموضة ودورها في بناء مستقبل واعد
TT

الموضة السعودية... من الاستهلاك إلى الإنتاج

الأميرة ريما بنت بندر السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة تتحدث عن أهمية صناعة الموضة ودورها في بناء مستقبل واعد
الأميرة ريما بنت بندر السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة تتحدث عن أهمية صناعة الموضة ودورها في بناء مستقبل واعد

كان للتحولات الاجتماعية التي شهدتها السعودية دور كبير في إعادة الاعتبار للمرأة العاملة في مجالات الإبداع، بما في ذلك الموضة. فبعد أن كانت السعودية هدفاً لكبريات الدور العالمية، بصفتها سوقاً مهمة واعدة لبيع منتجاتها، دخلت مجموعة لا يستهان بها من المصممات المنافسة، على المستويين المحلي والعالمي.
ويعود الفضل في هذا إلى دخول المؤسسات الحكومية على الخط، بافتتاحها برامج خاصة للتصميم والأزياء، وتنظيم عدد من العروض العالمية، مستفيدة من مواهب العشرات من المصممات السعوديات اللواتي تلقى بعضهن دراستهن خارج البلاد، فيما صقل بعضهن الآخر موهبتهن بالممارسة، مستفيدات من هذه البرامج الحكومية.
قصة التحول ترصدها نساء كنّ إلى عهد قريب مستهلكات أو هاويات يتابعن ما تنشره المجلات العالمية، لكنهن تحولن إلى منتجات ومبدعات تصل تصاميمهن إلى هوليوود، اكتسبن ثقة أكبر تجلت في جُرأتهن في اختيار الألوان والأشكال. وما شجعهن هذا الإقبال المتزايد للمرأة على كل ما هو محلي اعتزازاً بهويتها من جهة، وتمرداً على وضع دام طويلاً، كن فيها مجرد متلقيات لا يهتم الغرب ببيئتهن وثقافتهن كثيراً. فرغم التغير الذي شهدته الموضة في العقد الأخير، والذي شهد احتراماً أكبر لهويتها من خلال الأزياء المحتشمة، لم يكن هذا كافياً بنظرها. لهذا لم يكن غريباً أن تتوجه العيون إلى بنات بلدهن، وكلهن أمل أن يترجمن تطلعاتهن بشكل جيد. عباءة المرأة السعودية التي اتسمت بلونها الأوحد، أصبحت اليوم مثالاً على تنوع تصاميمها وخاماتها وتصاميمها الخاصة بالنهار أو بالمناسبات الكبيرة. ولم يكن مألوفاً أيضاً أن تُعمل جلسات تصوير الأزياء في الأماكن العامة، وهو ما بات مقبولاً اليوم، مع توفر عارضات سعوديات، بدلاً من الاستعانة بعارضات من جنسيات أخرى. وربما أسهمت شبكات التواصل الاجتماعي في دفع مسيرة هذا التحوّل في صناعة الموضة في السعودية، لتظهر أنماط جديدة متنوعة، يتعاطى معها الجيل الجديد، ويقتدي بها في أحيان كثيرة، الأمر الذي يجعل الشبان والفتيات أكثر قدرة على التعبير عن ذواتهم، وفق المظهر الذي يرونه الأنسب لهم، وبما ينسجم مع الأشكال الحديثة للموضة العالمية، مع الحفاظ على الهوية المحلية.
ومن ناحيتها، تشير أماني رضوان، وهي صانعة محتوى متخصص بالأزياء عضو مجلس سيدات الأعمال، إلى النمو الاقتصادي الملحوظ للبلاد الساعي لتطبيق رؤية 2030، قائلة: «من أهم تلك المجالات التي توليها السعودية رعاية، وتحاول تسليط الضوء عليها، مجال تصميم الأزياء. فمنذ أعوام ليست بالقليلة، تدرس جامعاتنا خياطة وتصميم وتصنيع الأزياء، حيث تتخرج الفتيات ليتقن المهنة، فيستطعن إنشاء مشروعهن الخاص الصغير الذي يخدم شريحة معينة».
وتتابع رضوان حديثها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إنه «منذ أن تم إطلاق مواقع التواصل الاجتماعي من سنوات عدة، برزت إبداعات لمصممين ومصممات سعوا للوجود المحلي والانتشار العالمي». وتشير رضوان إلى برنامج الابتعاث الثقافي الذي أطلقته مؤخراً وزارة الثقافة في 3 مسارات لعدة تخصصات تعنى بالثقافة والفنون، ومنها تصميم الأزياء وصياغة الذهب والمجوهرات.
وتضيف: «هذا الحراك المميز مهم للغاية، وسيرتقي بالصناعة لتكون أكثر إتقاناً وتميزاً واحترافية لأن بالتعليم والمعرفة المستقاة من مصادرها ستكون إضافة كبيرة للمبتعثين الذين بالمقابل سيضيفون خبراتهم لشغفهم، فنكون في الصدارة مستقبلاً بلا شك».
وترى رضوان أن التخصصات الدراسية الواعدة في السوق السعودية لصناعة الأزياء كثيرة متنوعة، مثل: تجارة الأزياء - عارضات الأزياء - تكنولوجيا الأزياء - إدارة صناعة الملابس - تصميم الأحذية وتطويرها - التصنيع الدولي وتطوير المنتجات - تصميم الأقمشة، وغيرها.
وكل هذه المتغيرات تدفع عجلة صناعة الأزياء والتجميل في السعودية إلى الأمام بشكل واضح، وتفتح شهية كثير من الفتيات السعوديات للانخراط في هذا المجال، تحت اسم «ميك آب أرتيست» أو «مدربة أزياء» أو «خبيرة مظهر» أو «مدوّنة موضة» و«فاشنيستا»، وغيرها من مهن صارت رائجة اليوم. ولم يغب الجنس الخشن عن صناعة الموضة، إذ صارت لهم اليوم أدوار بارزة أيضاً.
ويبدو تأثير حالة الانفتاح الاجتماعي وتسارع تمكين المرأة واضحاً أكثر على هيئة نساء السعودية في دوائر العمل والأماكن العامة، التي صارت تميل إلى الأزياء العملية والعباءات المريحة كي تسهل لها مهام التنقل والحركة بصورة أكبر من السابق، مع رغبة كثير من السيدات بالانعتاق من الملابس ذات الألوان القاتمة، واستبدال الألوان المشرقة بها، تبعاً لمتطلبات فصول العام. وهو أمر تنبهت له دينا الفارس، مؤسسة «قمرة»، وهي علامة تجارية تركز على ملابس السيدات العاملات، بما يتناسب مع أعمالهن.
وتوضح الفارس أنها كانت تفكر في طريقة تحافظ بها على أنوثة المرأة، وفي الوقت ذاته إيجاد لباس عملي مناسب محتشم، ينبع من الإيمان بقدرات المرأة ودورها المهم في تطوير مجتمعها، اقتصادياً وفكرياً. وتراهن الفارس على تقديم تصاميم تتضمن مظهراً خارجياً لائقاً، يعكس جدية وأنوثة المرأة، ويرفع من أدائها العملي الذي بات هاجساً للسعوديات اليوم.
وتتحدث شعاع الدحيلان، خبيرة التجميل رئيسة لجنة المشاغل والمراكز النسائية بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية السعودية، عن هذه التحولات بالقول: «صناعة التجميل تشهد ارتقاءً جذرياً اختلف اختلافاً كلياً عما كان عليه في السابق، ويمكن القول إن صناعة التجميل تتمتع بفرص أكثر جذباً في السعودية، وهو ما يجعلها أسهل طريق للراغبين في الاستثمار».
وتتابع الدحيلان حديثها لـ«الشرق الأوسط»، قائلة إن «تطور صناعة التجميل لا يقتصر على التزيين فحسب، بل يعني أيضاً صناعته من خلال تصنيع المنتجات، واللحاق بركب التطورات والمتغيرات. فهناك تقنيات حديثة تم إدخالها في صلب أعمال التجميل يجب مواكبتها بانتظام».
وتضيف: «نسعى في اللجان، كلجنة الصالونات ومراكز التجميل في المنطقة الشرقية واللجنة الوطنية لقطاع التجميل، إلى بلورة صورة واضحة في تلك الصناعة لتصبح وطنية بحتة، عبر التوطين والترغيب في بيئة العمل، وإدراك أن الأيدي الوطنية العاملة في القطاع متوفرة مستعدة للتعرف على الفرص المتاحة... نسعى معاً إلى تقديم مبادرات تُثري وتعزز هذه الصناعة في المملكة، بهدف الاندماج مع برامج جودة الحياة ورؤية المملكة والاستراتيجيات والخطط التنموية».
والمتابع للساحة السعودية حالياً يُدرك أن الموضة في السعودية اكتسبت هوية خاصة، هي خليط بين الانفتاح والأصالة، بمزاوجة الحداثة في التصاميم بالطابع المحافظ، الأمر الذي يجعل صُناع الموضة يتوقعون أن يكون لها دور بارز في صناعة الأزياء عالمياً. فمن قلب عاصمة الموضة باريس، عرضت نورة الحميد، وهي مصممة أزياء سعودية، قبل أيام، 20 زياً محتشماً من مجموعتها لفساتين السهرة الـ«هوت كوتور» في متحف اللوفر، في إطار فعاليات «أسبوع الموضة 2020» للأزياء الربيعية والصيفية كوتور.
وتبدي الحميد، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تفاؤلها بأن يكون للسعودية بصمة بارزة في صناعة الأزياء المحافظة المطعمة بالروح العصرية، قائلة: «لدينا في جامعة الأميرة نورة في الرياض عدد كبير جداً من خريجات قسم التصميم، ولدينا جيل واعد صاعد، لذا أنا متفائلة بأن يكون للمصممات السعوديات بصمة واضحة على الساحة العالمية».
وتصف الحميد التي بدأت تصميم الأزياء عام 2008 الأزياء المحافظة بأنها ملابس الطبقة الملكية والراقية، مضيفة: «أدعو الفتيات السعوديات للإبداع في التصميم، بما يناسب عاداتنا وتقاليدنا». وتؤكد الحميد أن الطلب العالمي على الأزياء المحتشمة كبير جداً، متابعة: «المصممون العالميون، مثل زهير مراد وإيلي صعب وفالنتينو، وغيرهم، تبنوا هذا الاتجاه في عروضهم الأخيرة، خاصة في موسم الـ«هوت كوتور»، لأنها تكون في الغالب محتشمة راقية».
ويشهد قطاع الأزياء والموضة ازدهاراً كبيراً، في ظل التطورات الثقافية التي تعيشها البلاد بفضل رؤية 2030. وكانت وزارة الثقافة قد نظمت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي فعالية «مستقبل الأزياء»، ضمن برنامج «موسم الرياض». وتسعى الوزارة من خلال هذه الفعالية إلى دعم قطاع الأزياء، باعتباره أحد قطاعاتها الستة عشر الرئيسية التي أعلنت عنها في وثيقة رؤيتها وتوجهاتها. وافتُتح هذا الحدث بكلمة الأميرة نورة بنت فيصل آل سعود، مستشارة وزارة الثقافة، تحدّثت فيها عن إدراج السعودية عدة أساليب حديثة في مجال صناعة الموضة، مع حفاظها على التراث والتقاليد في هذا المجال.


مقالات ذات صلة

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لمسات الموضة تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

لم تكن فكرة ارتداء البدلة من ابتكاره، بل جاءت باقتراح من راعيه. أما شرطه الوحيد، فكان أن تصبح عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة، والانتقال إلى أجواء المباراة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لم يحاول فاريل ويليامز منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة «لحظة» العمل الذي فاز به آرثر شوكيه بالجائزة الأولى (كارتييه)

«كارتييه» تراهن على الجيل المقبل لصناعة المستقبل

مرّت صناعة الساعات السويسرية، كما هو حال كثير من الحِرف التقليدية، بفترة من القلق حول مستقبلها. لم يكن هذا القلق مرتبطاً فقط بتقلبات السوق أو بانتشار حركة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قطعة أساسية في الطقس الدافئ (صفحة المصممة روان زكريا إنستغرام)

حقائب الرافيا... الأناقة الهادئة في صيف 2026

من مفاجآت الموضة لربيع وصيف 2026 اقتطاع الرافيا حصة لا يستهان بها في سوق الحقائب. فهذه الخامة التي كانت محصورة بالبحر والإجازات العابرة أصبحت جزءاً من الأناقة…

نادية عبد الحليم (القاهرة)

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
TT

أناقة «ويمبلدون» بين التسويق والتقاليد

تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)
تايلور فريتز لدى دخوله الملعب (أ.ف.ب)

في النسخة الحالية من «ويمبلدون»، كشفت لحظة دخول اللاعب تايلور فريتز أن اللعب لا يبدأ مع ضربة الإرسال الأولى، بل منذ لحظة دخول الملعب. فقد بدا ظهوره ببدلة وإكسسوارات بيضاء، في نظر بعض المتابعين، خطوة تسويقية لافتة، في حين رأى آخرون أنه مجرد التزام بقواعد «ويمبلدون» التي تفرض على اللاعبين ارتداء اللون الأبيض بالكامل.

كان اللاعب الأميركي متردداً في البداية لكنه اقتنع بعد الفوز بالمباراة (أ.ب)

عند دخوله الملعب، كان يرتدي بدلة بيضاء صُممت بشكل خاص له بالتعاون مع راعيه، علامة «BOSS»، ويحمل نسخة بيضاء من حقيبة «Madison B1» المصنوعة من الجلد الإيطالي الفاخر، لتكتمل إطلالة جمعت بين الفخامة والطابع الرياضي العصري. لكن اللافت لم يكن التصميم بحد ذاته، بل ما كشف اللاعب عنه بعد المباراة. فقد اعترف بأنه لم يكن مقتنعاً تماماً بالفكرة عندما طرحتها عليه «BOSS»، وأنه لم يُغيّر رأيه إلا بعد أن شاهد الصور إثر فوزه في المباراة. أما سبب تردده في البداية، فكان خشيته أن تتحول الإطلالة إلى مادة للسخرية إذا ودّع البطولة مبكراً.

الموضة والرياضة

هذا التصريح يُوضِح العلاقة التي باتت تربط الموضة والرياضة حالياً، فالأزياء لم تعد اختياراً شخصياً أو وسيلة للتعبير عن الذوق الخاص، بل جزء من منظومة تسويقية تتداخل فيها مصالح الرعاة مع الصورة العامة للرياضي.

لم يقل فريتز إنه أُجبر على ارتداء البدلة صراحة، لكنه أوضح أن الفكرة لم تكن فكرته، وبأنها جاءت من راعيه، مضيفاً: «لم يكن بإمكاني التراجع». كان له شرط واحد فقط؛ أن تكون البدلة عملية بما يكفي ليتمكن من خلعها بسرعة قبل بداية المباراة.

كان شرطه الوحيد أن تكون البدلة عملية بحيث يمكنه خلعها بسهولة (أ.ب)

لذلك صُمم السروال بفتحات جانبية مخفية تتيح خلعه خلال ثوانٍ، في تفصيل يعكس محاولة الجمع بين متطلبات الأداء الرياضي، التي تستدعي انتقالاً سريعاً إلى أجواء المنافسة وتركيزاً كاملاً على المباراة، ومتطلبات صورة تسويقية تراهن على التأثير الدرامي للون الأبيض. وهنا بدت العلاقة بين اللاعب وزيه كأنها مفاوضة مستمرة بين رياضي ينصب تركيزه على الفوز وإثبات تفوقه داخل الملعب، ومنظومة تسويقية تسعى إلى صناعة صورة مثالية تتجاوز حدود المنافسة. ولعل خير دليل على ذلك أن المجموعة أصبحت متوفرة حالياً في متاجر «BOSS» حول العالم.

الحاضر يستلهم من الماضي

غير أن هذه الإطلالة لم تكن مجرد فكرة تسويقية عابرة، بل استلهمت واحدة من أكثر الصور رسوخاً في ذاكرة «ويمبلدون». ففي عام 2007، دخل روغر فيدرر الملعب مرتدياً سترة بيضاء، في مشهد تحول لاحقاً إلى إحدى الصور الأيقونية في تاريخ البطولة.

ركزت «بوس» على إيجاد توازن بين الأناقة والعملية (رويترز)

لكن بينما كان ظهور فيدرر آنذاك امتداداً للأناقة الأرستقراطية التي لطالما ارتبطت بـ«ويمبلدون»، جاءت إطلالة فريتز لتعكس واقعاً مختلفاً، تتحول فيه البطولة نفسها إلى منصة تتقاطع فيها الرياضة مع صناعة الأزياء.

فالبدلة التي ارتداها تحمل بصمات علامة «بوس» الأنيقة، بحيث صُنعت من قطن أبيض ذي نسيج طبيعي يمنحها طابعاً صيفياً خفيفاً، وجاءت بقصة واسعة ذات صفين من الأزرار، مع وشاح حريري بنقشة «بيزلي» مستوحاة من أرشيف الدار، وحقيبة جلدية بيضاء، في إعادة معاصرة لما يُعرف بـ«أبيض ويمبلدون» الشهير.


موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
TT

موجة «لويس فويتون»: عرض أم استعراض؟

لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)
لقطة من العرض تظهر فيها الموجة العملاقة كخلفية (أ.ب)

خلال أسبوع الموضة الرجالية الذي احتضنته باريس في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران)، التهبت العاصمة الفرنسية على أكثر من صعيد؛ فبينما دفعت موجة الحر درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، أشعلت العروض الضخمة والخيارات الإبداعية حماس المتابعين.

فبعد أن لاحظنا في السنوات الأخيرة تخفيف الميزانيات، على الأقل فيما يتعلق بديكورات العروض الضخمة، تابعنا خلال الأسبوع الباريسي لربيع وصيف 2027، كيف وضع فاريل ويليامز، المدير الإبداعي للأزياء الرجالية في «لويس فويتون»، مجموعته الجديدة ضمن سينوغرافيا يصعب تجاهلها.

إلى جانب الأزياء حضرت الإكسسوارات بنقشة المونوغرام بقوة (إ.ب.أ)

كان العنصر الأساسي فيها، موجة اصطناعية عملاقة بلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار وعرضها أكثر من سبعة وثلاثين متراً، استخدمت فيها مياه حقيقية بمساعدة مؤسسة «أو دو باريه» Eau De Paris المسؤولة عن شبكة المياه في العاصمة الفرنسية. قيل إن رذاذها وصل إلى بعض الضيوف الجالسين على أطرافها. أما منصة العرض نفسها، فكانت عبارة عن مساحة مغطاة بالرمال تراصت حولها كراسي خشبية على هيئة ممرات الشواطئ التقليدية. فثيمة العرض كانت عن السفر والبحر والأنشطة المائية، مثل التزلج على المياه.

أثارت ضخامة ودرامية المشهد سؤالاً كان لا بد منه: متى يصبح الديكور أكثر حضوراً من الملابس نفسها؟ كان واضحاً طوال العرض، وما تمّ تداوله من صور، أن الموجة العملاقة استحوذت على جزء كبير من الانتباه، أكثر من الأزياء نفسها.

الفنان والمدير الإبداعي فاريل ويليامز يحيِّي ضيوفه بعد انتهاء عرضه (أ.ب)

ثم تُوضِح تصاريح ويليامز بعد العرض، أنه لم يُصمِم الموجة للإبهار وحده. فخلف هذا المشهد الاستعراضي، حاول أن يمنح الديكور رسالة تتجاوز الفرجة، بربطها بفكرة الاستدامة والتدوير وأيضاً بأخذنا إلى جذور «لويس فويتون» المرتبطة بالسفر والترحال.

هو لم يأت ليبيع الحلم والأزياء فحسب، بل ليبيع شخصيته وصورته أيضاً، من خلال خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً.

ورغم أن إدماج الديكور في العروض، ليس جديداً على الدار، حيث بدأ في عهد مارك جايكوبس، الذي عمل فيها من 1997 إلى 2013، أي لمدة 16 عاماً، وحوَّل خلالها الأماكن إلى مشاهد مسرحية ضخمة، تارة على شكل محطة قطار، وتارة أخرى على شكل مصاعد متحركة وغيرها، فإن فاريل ويليامز، لم يحاول منذ التحاقه بـ«لويس فويتون» بصفته مديراً إبداعياً، أن يكون مصمماً تقليدياً ولا مطلوباً منه ذلك. كان المطلوب منه خلق «لحظات ثقافية» يتم تداولها إعلامياً ورقمياً، بأن يمزج بين الموضة والترفيه والثقافة الشعبية والرسائل الاجتماعية في زمن أصبحت فيه الصورة تنتشر خلال ثوانٍ عبر الإنترنت.

كانت السينوغرافيا بطل العرض بلا منازع (إ.ب.أ)

من هذا المنظور، لم يُوظِّف فاريل الموجة العملاقة بوصفها مجرد خلفية مثيرة، ولا ألواح ركوب الأمواج التي رافقت العرض بوصفها مجرد إكسسوار زخرفي، بل أرادها رسالة تلتقط ثقافة العصر ومفهوم الاستدامة.

الاستدامة والتدوير كرسالة فنية

ويبدو أن مفهوم الاستدامة كان، بالنسبة لفاريل ويليامز في العرض، لا يقل أهمية عن الأزياء نفسها. فبعد انتهاء العرض، ستُعاد المياه إلى شبكة الصرف في باريس ضمن نظام مغلق لإعادة التدوير. كما سيُعاد استخدام الرمال الناعمة التي غطّت الأرضية لاحقاً في ملاعب الكرة الطائرة الشاطئية داخل الحرم الجامعي، حيث أقيم العرض. حتى المقاعد الخشبية المستخدمة للضيوف، فقد سبق أن استُعملت في عرض الموسم الماضي، الذي أقيم حول هيكل معماري يشبه فندقاً مستقبلياً داخل متنزه بولونيا الباريسي، وحمل اسم «دروبهاوس» نظراً لتشابه شكله مع قطرة ماء.

تكتسب إعادة استخدام المياه والرمال والخشب بعد انتهاء العرض، دلالة مهمة في وقت تواجه فيه صناعة الموضة ضغوطاً متزايدة للحد من الهدر وتحمل مسؤولية أكبر تجاه أثرها البيئي.

من الديكور إلى الأزياء

جانب من العرض (رويترز)

ورغم أن الديكور بدا في بعض اللحظات أكثر حضوراً من الأزياء نفسها، فإنه من الخطأ القول إنها لم تكن في المستوى. فمع تراجع هدير الموجة، تعالى عزف أوركسترالي حي، ليبدأ العارضون بالظهور مرتدين تصاميم تراوحت بين التفصيل الكلاسيكي الهادئ والقطع المنفصلة، مثل القمصان المطبوعة بأشجار النخيل وسراويل الجينز القصيرة. لم يكتف فاريل باستعمال أقمشة منعشة وتصاميم منطلقة، وقدّم اقتراحات أخرى مصنوعة من خيوط الكشمير ثمرة تعاونه مع معامل «لورو بيانا»، إلى جانب الصوف عبارة عن سترات ومعاطف مستوحاة من تلك التي يرتديها راكبو الأمواج بعد الخروج من المياه الباردة.

اقتراحات كثيرة منها كنزات من الكشمير ثمرة تعاون مع دار «لورو بيانا» (أ.ف.ب)

رجل «لويس فويتون»

وفق ما صرَّح به فاريل أنه لا يتعامل مع هذه المناسبات باعتبارها مجرد عروض أزياء، فهي بالنسبة له تجارب أناقة متكاملة. لكنه يضع نصب عينيه دائماً رجل أعمال لا يتنازل عن أناقته أياً كانت هواياته وميوله وأياً كانت وجهته. خزانة ملابسه قد تضم بدلات كلاسيكية مزدوجة الأزرار، أو معاطف بحرية تقليدية وسترات بومبر من الجلد، كما قد تضم سراويل جينز مطرزة أو سترات مؤلفة من رقع تذكارية متداخلة بشكل جريء. ففلسفته، منذ انضمامه إلى «لويس فويتون» مديراً إبداعياً لخطها الرجالي، أن يفكر خارج الصندوق لكن بعقلية المستهلك، وهذا ما نجح فيه حتى الآن رغم أن تعيينه في عام 2023 أثار الكثير من الاستغراب وحفيظة البعض. فهو منتج ومغنٍ أولاً قبل أن يكون عاشقاً للموضة ومؤثراً فيها ثانياً.

شملت الأزياء كل ما يحتاج إليه رجل ثري من بدلات وقطع منفصلة (أ.ف.ب)

في هذه المجموعة، أكد للجميع أنه مصمم يناسب متطلبات العصر الحالي، التي باتت تعتمد على الصورة. فقد أظهر قدرته على كتابة فصل جديد من قصة الدار المبنية على السفر والترحال وما تعنيانه من انطلاق وحرية ومغامرة، مُركِزاً على تحقيق التوازن بين العمل والمتعة برسم صورة رجل يملك المال ويرغب في خوض تجارب مثيرة. ففي الماضي كانت الأزياء الفاخرة تخاطب رجلاً يعمل في البنوك والمكاتب الرسمية، أما اليوم، فهذا الرجل يعمل في التكنولوجيا والترفيه والرياضة. وهذه بحد ذاتها صورة تسويقية جذابة تعكس شخصية فاريل ويليامز ودوره داخل الدار.


«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
TT

«دولتشي آند غابانا» تراهن على الهوية الإيطالية في عالم التجميل

تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)
تراهن الدار على الجمال الطبيعي المستمد من طبيعة إيطاليا (دولتشي آند غابانا)

لم تعد مستحضرات التجميل بالنسبة لبيوت الأزياء الفاخرة مجرد فئة كمالية تُجمِّل صورتها، بل أصبحت جزءاً محورياً من استراتيجيات النمو وتنويع الإيرادات، ما يزيد من حمى الاهتمام بأن مستحضرات التجميل والعطور من أكثر القطاعات ربحية، حسب أرقام المبيعات، ما يجعلها سنداً لا يستغنى عنه لقطاع الأزياء.

معظم بيوت الأزياء الكبيرة، إن لم نقل كلها، اقتحمت هذا القطاع بكل ما تملكه من قوة فنية. لم تخرج دار «دولتشي آند غابانا» عن السرب. أدركت أن السوق مزدحمة والمنافسة شرسة بين كبريات بيوت الأزياء وشركات التجميل العالمية. كل واحدة تسعى لاقتطاع حصة أكبر من السوق؛ لهذا كان لا بد لها أن ترسم لنفسها خطاً تتميّز به. وجدت أن ورقتها الرابحة تكمن في جذورها الإيطالية، فهذه الورقة نجحت في مجال الأزياء، فلِمَ لا تنجح أيضاً في صناعة الجمال؟

يمكن البناء على الطبقات للحصول على إطلالة طبيعية للنهار أو قوية للمساء (خاص)

الهوية الإيطالية أولاً

من هذا المنظور، حرصت أن تبقى وفية لجيناتها وهويتها الإيطالية، بألا تستعملها خلفيةً جغرافيةً فحسب، بل أرشيفاً مفتوحاً على التاريخ والمعمار والفن. تستوحي منها نقوشاً فنية وألواناً متوهجة تستحضر صقلية بقصورها وقلاعها، والأهم من هذا الجمال الإيطالي الطبيعي.

يأتي أحمر الخدود بتركيبة كريمية تدوم طويلاً (خاص)

وسبق أن طرحت عدة مستحضرات تصب في هذا المجال، إلا أنها كشفت حديثاً عن منتجين جديدين يحملان اسمي «Rose Dew Lip Bite» و«Cherry Glaze Bar»، يندرجان ضمن مفهوم «Fresh Look» الذي يراهن على إطلالة طبيعية ندية يمكن تكثيفها تدريجياً حسب الذوق والمناسبة: تبدأ خفيفة وناعمة في الصباح، ثم تزداد وهجاً في الظهيرة، وعُمقاً في المساء.

لكن يبقى أكثر ما يلفت في المجموعة، ليس فقط شكل العبوات المبتكرة أو وظيفتها فحسب، بل المكونات الإيطالية المستخدمة فيها، وهي زيت الكرز الإيطالي ومستخلص الورد المحلي؛ فهذه مكونات تمنح، حسب الدار، المنتجات شخصية فريدة وبصمة مميزة.

تتميز العلب بروح «دولتشي آند غابانا» الفنية (خاص)

خلاصات طبيعية وكولاجين

فأحمر الخدود «Cherry Glaze Bar» يأتي على هيئة لوحة مصغرة بتركيبة كريمية، تتيح توزيع اللون بدرجات يمكن التحكم فيها بسهولة، سواء أكان المراد إطلالة خفيفة أم تغطية أكثر كثافة.

وتقول الدار إن تركيبته الغنية بزيت الكرز الإيطالي والكولاجين النباتي، تُرطِب البشرة وتزيدها إشراقاً لمدة تصل إلى 24 ساعة، فضلاً عن مقاومة الماء والحرارة. أما من حيث التصميم، فيأتي في عبوة عاجية بسيطة تتزين بتفاصيل ذهبية مصقولة تعكس أسلوب الدار.

أحمر الشفاه من الكرز المحلي مطعم بالكولاجين النباتي (خاص)

أما أحمر الشفاه «Rose Dew Lip Bite»، فيقدّم هو الآخر لمسة خفيفة وناعمة في البداية، عبر 6 درجات لونية، ثم يزداد عمقاً ولمعاناً مع إضافة طبقات جديدة. وبدلاً من زيت الكرز يعتمد على الورد الإيطالي المعزز بحمض الهيالورونيك، في تركيبة تقول الدار إنها خفيفة وغير لاصقة، تمنح الشفاه تأثيراً أقرب إلى الندى الطبيعي منه إلى المكياج التقليدي.

تستعمل الدار دائماً الجغرافيا الإيطالية بصفتها خلفية تعكس هويتها الثقافية (دولتشي آند غابانا)

العطور أولاً

تجدر الإشارة إلى أن «دولتشي آند غابانا» دخلت صناعة الجمال عبر العطور عندما أطلقت أول عطر لها عام 1992. ومنذ ذلك الحين ابتكرت أكثر من 100 عطر، بالتعاون مع عدد من صناع العطور المشهورين. بعدها طوّرت باقة من مستحضرات التجميل، لقيت صدى كبيراً شجّعها بعد 30 عاماً من العمل في هذا المجال، على نقل أعمالها إلى إدارتها المباشرة، بهدف تعزيز هذا التطور والمضي به إلى مرحلة جديدة تريدها أكثر توسعاً وانتشاراً.