استعمالات المشغل السردي عند محمد خضيّر

مقالات تقوم على فكرتين متمازجتين: نظرية وسردية

محمد خضير  -  غلاف الكتاب
محمد خضير - غلاف الكتاب
TT

استعمالات المشغل السردي عند محمد خضيّر

محمد خضير  -  غلاف الكتاب
محمد خضير - غلاف الكتاب

نادراً ما يُدخل أديب عربي قراءه إلى مختبره الكتابي، ويكشف لهم عن وعيه الأدبي، ومرجعياته القرائية، وخبراته الفنية، وتقنياته الأدائية، وفلسفته الجمالية، ولذلك يجيء كتاب محمد خضير المهم «السرد والكتاب - استعمالات المشغل السردي»، الصادر بنسخته الجديدة عن دار «شهريار»، كبادرة استثنائية في هذا الحقل. وهو عبارة عن مقالات سردية تقوم على فكرتين متمازجتين: نظرية وسردية. ويستعرض فيه سيرة الكاتب النظرية، بما تحتويه من «المؤثرات والمصادر والحوادث التي توسطت بين حياته الخاصة ونصوصه السردية»، حيث يستعرض جملة من الاستعمالات التي يعتمدها الكاتب في مشغله السردي، ابتداءً من تقاليد الاستعمال الأدبي التي يتجلى فيها استعمال بعض الأدباء للأدب استعمال الصحافة المؤدية إلى الشهرة، عبر الحوارات والبيانات والإيضاحات والمناقشات. وهذه هي طبيعة مستعمِل الأدب الذي يراكم شهرته على حساب رصيد نصوصه، وينسى أن الاستعمال الأدبي الصحيح هو الذي يستطيع أن «يبني نظاماً للذوات المنتجة مجاوراً لأنظمة النصوص المنتجة».
وفي حالة استعمال الواقع، يستخلص الكاتب قيمة جوهرية «تكمن في معرفة الواقع، واقع الحياة وواقع الكتابة، غزارة المرجع وحدود النص»، وذلك من خلال العبور نحو أسئلة فاصلة حول رؤية الواقع ذاته ورؤية النص، ومدى تطابقهما داخل فعل الكتابة. والغوص في تراث النظرية الواقعية المفرّعة للواقع في تشكيلين: مرئي ولا مرئي، بما يحملانه من أفق شاسع للكتابة الواقعية. كما تمثل الواقع المرئي في عصر الواقعيين الكبار، أو كما سمّاهم «بناة العالم»، مقابل عصر الواقع اللامرئي بأبطاله المنشطرين على أنفسهم، المغتربين عن ذواتهم، المتوارين خلف أقنعة مسرحية لا تكشف مرآة الواقع إلا عن خدوشهم التعبيرية، وتجلياتهم السردية المفكّكة. وهذا هو حال مستعمِل الواقع في سعيه للبحث عن واقع مجهول أو خفي داخل لجُة من المفاهيم والنظريات، اتكاءً على فاعلية الخيال للوصول إلى ما وراء الواقع. وكل ذلك ضمن جدلية مركز الإنساني كرائي لذلك الواقع، حيث تمادت النظريات السردية في فرط الواقع إلى عناصر سديمية متشابكة بشكل معقد، وضمن احتمالات وافتراضات، وهذا هو بالتحديد ما جعل محمد خضير يعيد ترسيم الواقع. فبرأيه «ليست الواقعية بلا ضفاف، وليس النص بلا حدود».
كذلك في استعمال القصة تظهر جدلية الإبداع مقابل الصنعة، وما يتبع ذلك من متوالية التحديث والتجريب واللاتجنيس، حيث تطل نزعة صون القصة من التدنيس حد التصنيم كفعل وقائي من احتمالات الاتجاه المفتوح اللامجنس. وهو تصور يبدأ وينتهي من نظرية النوع، بما في ذلك آليات الإنتاج والتلقي، الأمر الذي قد يربك معادلة المواءمة بين المتعة والصنعة، وذلك عند التعامل الواقعي مع مشكلات بناء القصة المتعلقة باللغة والفكرة والزمن والحكاية والربط والمونتاج وتنظيم عناصر البناء، في طور تنصيص الواقع، ليكتسب «صفات الواقع المكتوب»، مع مراعاة روح النص القصصي «المتعلق بالإحساس بالزمن الذي يجري في القصة مجرى النهر، أو يرتد إلى الوراء كومضة أو سقوط حر في هاوية الماضي». وهي اللحظة القصصية التي يحرك الكاتب زمنها غير الثابت من موقعه الثابت في الزمان.
وفي منعطف استعمال الرواية، يتنازل بتواضع وحذر عن الحديث حول حالته بصفته روائياً، لأنه يقف قبالة استحقاق مؤجل، وأحلام أو مخططات تركها وراء ظهره، وقد صارت اليوم تسبقه بمسافة. وعلى هذا الأساس، صار يتكلم عن استعمالات الرواية «كتلمّس العميان لجسد الفيل في الحكاية الهندية»، حيث يستشهد برواية علي بدر «مصابيح أورشليم» كمثال لرواية المدحورين، بما يختزنه هذا النمط من الروايات من استخدام تمثيلي ساخر للأسماء. كما يلتقط بُعد الملل في الروايات العظيمة عند دوستويفسكي وتوماس مان، وصولاً إلى أورهان باموك، حيث «عرفنا أن الأفكار وظلال الأفكار فواصل وانتقالات وروابط تتخلل محاكاة عصرية لحكايات قديمة. نستغرق في سرد الأفكار المملة لنكتشف أن حبكات الروايات فخاخ أدبية لاصطياد الإشارات والاستعارات الموجودة في نصوص قديمة». وعلى هذا الأساس، يمثل بتقاطعات رواية أورهان باموك «الكتاب الأسود» مع «مثنوي» جلال الدين الرومي و«منطق الطير» للعطار. ليطوح بعد ذلك بالقارئ في ثراء الممارسة الروائية التي تقع بين حدي: الوعي والتجربة، مستشهداً بروايات من مختلف العصور والثقافات والاتجاهات.
ولا تكتمل استعمالات القصة التي تعني «مجموعة من الألفاظ والجمل التي تترابط في نص لغوي لإنتاج حادثة أو حبكة أو موقف» إلا إذا انتظمت في «سياق علاقة رمزية، من عصر ما قبل إلى عصر ما بعد». وهذا هو جوهر الاستعمال الرمزي، إذ لا يمكن فهم النص إلا بإحالاته الرمزية ضمن واقع دلالي متغير، بالنظر إلى كونه نصاً لغوياً مشبعاً بالإيحاءات المرجعية. وذلك ضمن تكرارات شبه وصفية داخل منظومة البناء السردي، خصوصاً عند الإحالة إلى الأنظمة الرمزية المؤصلة، كما تتوفر في المرجعيات الدينية مثلاً. وحتى السرد البسيط يخفي في طيات بناه التحتية «مستويات عدة لاستعمال الرمز»؛ بمعنى أن النهج الرمزي خيار حتمي للكاتب. وهذا هو ما يحدث في الحقل الروائي، حيث المنظومات الرمزية «بابتكاراتها التي لا تُبارى ولا تُحاكى».
وتحتمل القصة أيضاً استعمال السرد التشكيلي، المتمثل في «الصورة الفوتوغرافية والسينمائية والكتلة الحجمية والفراغية للتمثال والعمارة»، حيث تحتل هذه العناصر مكانتها فيما يصفه بلغة «السرد الأيقونية»، على اعتبار أن «زمن السرد وزمن التشكيل مندمجان في زمن الأثر الخيالي الذي يحتويهما». وبالنظر إلى أصالة موقع الصورة الثابتة والمتحركة في سرد القصة لإحداث أثر وصفي، في مجمل القصص السيكولوجية والواقعية والتسجيلية، بما في ذلك تحريك «ماضوية الصورة»، وذلك في طور استعارة «تقنيات الشريط السينمائي الذي تعمل فيه لغة التوليف عمل لغة الاسترجاع في ذاكرة الشخصية الساردة المحفَّزة بالصور». وهذا هو الأسلوب الجديد القائم على تداعي الأفكار واستعادتها وسردها عبر الصور، كما اعتمدها كتقنية تشكيلية قوامها اللقطة السينمائية في جانب من مجموعته «المملكة السوداء»، بإدراك تام لأهمية الانتقال من المحاكاة إلى التصوّر، واللجوء إلى «وثائق الخيال التي لا تدحضها اللحظة الحياتية المؤقتة».
ودفتر اليوم أيضاً يشكل جزءاً حيوياً من الاستعمالات، بما يحتويه من «مسودات ومشروعات ناقصة وشذرات خابية في فضاء المشاغل»، حيث تشكل كتابة اليوميات كإنجاز هش، بتصوره، المرحلة الثانية بعد تعلم مرحلة الكتابة الأبجدية، كما تسجل المفكرات يوميات كُتّابها. وهو أداء أدبي يختفي من الحياة الثقافية العربية أو تخفت نبرته. ولذلك يبحث عن تلك الاستعمالات عند بوشكين وتوماس مان وفرجينيا وولف وغابريل غارثيا ماركيز لاصطياد «حياة النصوص المولودة من رماد المذكرات»، إذ يمكن النظر إلى المفكرات، حسب أناييس نن، كاحتياطي للذاكرة، يستعمل فيها الكاتب «أنواع المعرفة الحسية اليومية في تدوين فقرات من التحليل الارتجالي عن الذات بالعالم». وهكذا يمكن التعامل مع اليوميات كأصول أدبية. ومن هذه الزاوية التي تتموضع فيها اليوميات ككتابة عن الكتابة، يقرأ دفتره الخاص بكتابة قصص «رؤيا خريف»، بما فيه من «فوضى الأحلام، وعثرات الأفكار، وغزارة التحضير والتدبير، وما أدرت من وقت لإنتاج خلاصة نقية لقصة أو قصتين… تبدو لي مفكرات الماضي أشبه بأنصاب خرسانية تركتها القصص وراءها في معرض الذاكرة المغلق».
إن أربعين عاماً من الكدح السردي، كما يقول محمد خضير «لا بد تُشعر القصاص بالاغتراب عن نصوصه المتراكمة خلال هذه المدة الطويلة. ينشأ الاغتراب السردي مع تراكم ناتج السرد في عمل القصاص، وهو شبيه إلى حد كبير باغتراب ناتج العمل الآلي»، مع ملاحظة أن ناتج العمل الآلي مادي، أما ناتج العمل السردي فهو رمزي. ومن ذلك المنطلق، يفسر سبب اغتراب نصوصه «إن وقوع نصوصي في شبكة علاقات إنتاج واسعة، تناظر علاقات إنتاج العمل الآلي، ساعد على اغترابها وانزوائها في كراسات التجارب السردية اليومية». وهكذا يعايش القصاص حالات الكتابة معايشة مستديمة، بما تحتمله من انبثاق فكرة العمل، ومعاناة تشكّل النصوص، ومرحلة ما بعد الطباعة، فكل هذه المتوالية أفعال سردية «تؤول إلى ملكية الخطاب الذي يعمل القصاص تحت ظله». وهذا التواصل اللصيق بعلاقات إنتاج النص هو ما يسميه النقاد «لذة النص»، وهي «لذة مشوبة بالاغتراب لوقوعها تحت سلطة الخطاب، وقيمومته على حرية الكاتب والقارئ في إنتاجها، ولن تكتمل لذتاهما حتى يتخلصا من اغترابهما، كي يحصلا على لذة صافية (أي رمزية) في نهاية المطاف».

- كاتب سعودي



هاني شاكر «الغائب الحاضر» في «القلعة الغنائي» بمصر

هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)
هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)
TT

هاني شاكر «الغائب الحاضر» في «القلعة الغنائي» بمصر

هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)
هاني شاكر خلال غنائه بإحدى الدورات السابقة لمهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)

بينما كانت المطربة المصرية ريهام عبد الحكيم تستعد لتقديم فقرتها الغنائية بـ«مهرجان القلعة للموسيقى والغناء»، بقلعة صلاح الدين الأيوبي التاريخية بالقاهرة، وقف أحد جمهور الحفل يتساءل بانفعال واضح: «وأين هاني شاكر؟ كنا دائماً نستمتع به في المهرجان، ولم نر أي تقدير من المهرجان له»، ليحظى كلامه بتصفيق الحضور في تضامن مع موقفه، وأنقذت الموقف ريهام عبد الحكيم قائلة إنه سيتم الاحتفاء به خلال مهرجان الموسيقى العربية.

وكان الفنان الكبير هاني شاكر يحرص على المشاركة بالمهرجان للقاء جمهور ينتظر حفلاته، وقد كانت آخر مشاركة له بالمهرجان قبل عامين خلال الدورة الـ32، حيث قدم حفلاً بقيادة المايسترو مصطفى حلمي، قدم فيه عدداً من أغنياته التي لاقت إعجاب وتصفيق الجمهور، ومن بينها «علي الضحكاية»، «لا بيك ولا بيا»، «مش بعتب عليك»، «كده برضه يا قمر»، «نسيانك صعب أكيد»، وغيرها من الأغنيات التي رددها معه الحضور في حينها.

شاكر كان من أبرز مطربي مهرجان القلعة (حسابه على فيسبوك)

وأعادت الفنانة نادية مصطفى نشر مقطع فيديو لمهرجان القلعة عبر حسابها بـ«فيسبوك»، وعلقت عليه قائلة: «الجملة البسيطة التي ذكرها أحد حضور مهرجان القلعة متسائلاً أين هاني شاكر، حملت بداخلها كثيراً من الوفاء والحنين، وفي الوقت نفسه حملت تكريماً لفنان لم يغب عن جمهوره»، مشيرة إلى أن هذا هو الجمهور الحقيقي الذي لا ينسى من أسعده يوماً.

ولفتت إلى أن «هاني شاكر الفنان والإنسان المحترم الغائب عن الدنيا، لكنه الحاضر بقوة في قلوب الناس، كان أحد الوجوه التي اعتاد جمهور القلعة رؤيتها، وغيابه لا يعني أن مكانه قد غاب عن الذاكرة»، مؤكدة أن هذه الصرخة العفوية من أحد الحاضرين تُعد رسالة بسيطة ولكنها مهمة للمسؤولين عن المهرجان، وأردفت قائلة: «المهرجانات ليست مجرد حفلات فقط، بل إنها عشرة وذكريات ومشاعر تتراكم بين الفنان وجمهوره».

واختتمت نادية التي ارتبطت بصداقة كبيرة مع هاني شاكر وأسرته بقولها: «هناك فنانون يصبح حضورهم جزءاً من وجدان الناس، وعندما يغيبون ينتظر الجمهور ولو كلمة وفاء أو لفتة تقدير تليق بما قدموه»، وأشارت إلى أن هناك ترتيبات خاصة تليق به بمهرجان الموسيقى العربية.

جانب من حضور مهرجان القلعة (وزارة الثقافة المصرية)

وقال المهندس ياسر شعلان رئيس البيت الفني للموسيقى والأوبرا والباليه ومدير مهرجان القلعة لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيتم إهداء حفل افتتاح الدورة المقبلة من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية للفنان الراحل هاني شاكر الذي يعد أحد نجوم المهرجان منذ دوراته الأولى، وكان محسوباً عليه أكثر من حضوره بمهرجان القلعة»، وأضاف شعلان: «سيكون ذلك احتفالاً يليق به بصفته فناناً أثرى بأعماله الوجدان العربي، ولا يجب التطرق لتفاصيله بل نُعدها مفاجأة تسعد روحه وأسرته وجمهوره».

لكن الناقدة ماجدة خير الله، تقول إن «هاني شاكر كان يستحق التكريم والاحتفاء به منذ رحيله، وما كان يجب الانتظار كل هذه المدة، فالتكريم الذي كانت تُعد له وزيرة الثقافة السابقة جيهان زكي توقف باستقالتها من الوزارة، ولم نسمع عنه شيئاً لاحقاً».

وأشارت خير الله إلى أنه بالمنطق الذي يسوقه مدير مهرجان القلعة، فإن الفنان الراحل كان محسوباً على الأوبرا، وكان يشارك في كل مناسباتها، وبالتالي لم يكن يجب تأجيل تكريمه حتى مهرجان الموسيقى العربية الذي يُعقد في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وكان يمكن إقامته في حفل خاص بالأوبرا من دون ارتباط بالمهرجانات والفعاليات.

مطالبات بتكريمه في مهرجان القلعة الغنائي (حسابه على فيسبوك)

ويؤكد شعلان تقديره لوفاء الجمهور للفنان الرحل، عادّاً أن «البعض يتعجل ويُصدر الأحكام دون أن يتأكد من الأمر، فقد كنا ننوي إقامة حفل تأبين له بعد رحيله لكن أسرته لم تقبل بفكرة (التأبين)، لذلك سوف يتم تكريمه في مهرجان كان يحظى بحضوره الدائم».

ورحل الفنان هاني شاكر الملقب بـ«أمير الغناء العربي» في 3 مايو (أيار) الماضي عن عمر ناهز 72 عاماً بعد تعرضه لوعكة صحية شديدة بدأت في القاهرة وانتهت بوفاته في باريس، تاركاً ألماً بين جمهوره ومحبيه.


أسواق «حلوى المولد» في مصر تسعى إلى التوفيق بين الأصالة والابتكار

شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
TT

أسواق «حلوى المولد» في مصر تسعى إلى التوفيق بين الأصالة والابتكار

شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)
شراء «حلوى المولد» عادة اجتماعية سنوية تحرص عليها الأسر المصرية (الشرق الأوسط)

بين مذاقات تراثية شهيرة صُنعت بحرفية، ولمسات عصرية تجمع بين الفخامة والجاذبية، تأتي تشكيلة حلوى المولد النبوي في مصر لهذا العام، التي تتحول معها القاهرة والمدن المصرية إلى لوحة نابضة بالألوان والبهجة، أما تفاصيلها فتتنوع بين الفولية، والسمسمية، والحمصية، واللوزية، والملبن، والدومية، والنوغا، وأقراص حلوى الحمص والسوداني والسمسم المقرمشة.

وفي تكرار سنوي، تشهد أرقى محلات الحلوانية الشهيرة زحاماً استثنائياً لشراء حلوى المولد، في طقس اجتماعي معروف، بينما تعكس الواجهات الزجاجية عشرات الأصناف من الحلوى، التي تجتذب الصغار بألوانها وتنوع أشكالها، والكبار بروائح السمسم والسكر، التي يستعيدون معها ذكريات الطفولة.

وكعادتها، تشهد محلات الحلوانية محاولات متجددة للابتكار، وهذا العام حاول كثير من الأسماء اللامعة في عالم الحلوى تجديد شباب ما تعرضه من أصناف، عبر دمج النكهات الحديثة بالمذاق التقليدي المتوارث، واتجه البعض لابتكار حلوى غير معتادة، مثل «ماكارون جوز الهند» و«سويسرول قمر الدين»، مع دمج حلوى المولد مع مكونات أخرى لإنشاء أطباق مبتكرة مثل «آيس كريم حلاوة المولد»، فيما يتألق «الملبن» بنكهات لافتة مثل الكولا، كما توسعت المحال في إدخال المكسرات الفاخرة إلى الأصناف المعروفة، فيما توسعت أخرى في تغطيتها بطبقات من الشوكولاته والمارشملو.

أحد الشوادر التقليدية في ميدان السيدة زينب بالقاهرة لبيع «حلوى المولد» (الشرق الأوسط)

وفي تطوير لأحجام الأصناف الشهيرة، تم تقديم الملبن والنوغا وأقراص المكسرات بأحجام مصغرة (سواريه - ميني)، لتسهيل تناولها. ومع تفضيل بعض المصريين اتباع أنظمة غذائية، ظهرت الحلوى الصحية، التي تصنع من الحبوب الكاملة وبذور اليقطين والشيا والشوفان، أو أصناف مُحضّرة بكمية سكر أقل.

وكان أكثر ما حرصت عليه العلامات التجارية هذا العام فخامة التغليف والتصميم الخارجي لعلب وصناديق الحلوى، إذ حرصت المحلات الكبرى على ابتكار مفاهيم جديدة في الإهداء، والتوسع في تقديمها بأشكال فاخرة بما يناسب أن تكون هدايا راقية، حيث استوحت تصاميم العلب من تاريخ مصر وتراثها، أو بأشكال هندسية وقوالب غير معتادة، كما صنعت من الخشب أو المعادن المزخرفة لجعلها أكثر جاذبية، مع إمكانية تصميم صناديق بصورة من ستُهدى إليه، كما صممت صناديق صغيرة الحجم مخصصة للأطفال بأشكال جذابة.

ويبيّن محمد يسري، مدير التسويق الإلكتروني لـ«حلواني الحلمية»، أحد أقدم محال الحلويات في القاهرة، أن الأفكار الجديدة في هذا الموسم لا تعرف سقفاً محدداً، والمنافسة تدفع كل محل إلى ابتكار أساليب مختلفة كل عام، مشيراً إلى أن الابتكار لا يقتصر على الشكل والتغليف، بل يمتد إلى المذاق والمكونات أيضاً، حيث تحاول المحلات تقديم منتجات جديدة تلائم الأذواق الحديثة، إلى جانب الحفاظ على الطابع التقليدي الذي يرتبط به المستهلك.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التوجهات تعكس فهماً لطبيعة السوق، فموسم المولد النبوي يتطلب الجمع بين الأصالة والابتكار، واحترام العادات القديمة وتلبية تطلعات الأجيال الجديدة، مبيناً أن التجديد في الشكل والتغليف لحلوى المولد أصبح ضرورة لمواكبة تطلعات المستهلكين، فهناك أجيال جديدة تبحث عن منتجات تُقدم في تغليف عصري يليق بالمناسبة، وفي المقابل هناك شريحة من العملاء ما زالت ترتبط بما هو تقليدي، مثل العلب الكرتونية القديمة التي تحمل لهم شعوراً بالحنين للماضي، وبالتالي المحال باتت مطالَبة بمواكبة الاتجاهين معاً.

«حلوى المولد» تجتذب الصغار بألوانها وتنوع أشكالها (الشرق الأوسط)

إلا أن هذه الابتكارات تسببت في ارتفاع أسعار الحلوى، حسب حسن الفندي، رئيس شعبة السكر والحلوى باتحاد الصناعات المصرية، قائلاً في تصريحات صحافية، إن «تكاليف التعبئة والتغليف تضاعفت أكثر من مرة خلال الفترة الماضية، وهي السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار حلوى المولد هذا العام»، موضحاً أن متوسط الزيادة لا يتجاوز الـ15 في المائة عن العام الماضي، مبيناً أنها ارتفاعات منطقية وتتلاءم مع تكلفة الإنتاج الحالية.

وإذا كان المشهد داخل العلامات التجارية الراقية يعكس عناية فائقة بالتفاصيل؛ فإن الأسواق الشعبية لبيع حلوى المولد تبرز فيها أصناف الحلوى التقليدية، مع تقديم «العروسة والحصان» اللذين تتم صناعتهما عبر صهر السكر الخام، وكذلك عروسة المولد البلاستيكية. في ميدان السيدة زينب، اصطفت الشوادر والخيام التقليدية على جنبات الميدان، بينما تعرض عشرات الأصناف التي تتمسك بمذاقها وشكلها التقليدي مع بعض التطوير، كما تحافظ على أسعارها المناسبة التي تربط المستهلك بالمكان، من خلال العلب الاقتصادية التي تناسب مختلف الفئات، والعلب الفاخرة التي تضم تشكيلة كبيرة من الأصناف.

داخل أحد الشوادر، قال محمد زكي، أحد الباعة، وهو يشير إلى عدد من الزبائن من خلفه انشغلوا في اختيار محتويات العلب الخاصة بهم: «لدينا الأصناف الشعبية التي تلقى رواجاً، وأبرزها العلف (السوداني والسمسم)، والفواخر وهي الأنواع الفاخرة التي تضم الملبن واللديدة وغيرهما، ويبدأ السعر من 120 جنيهاً (الدولار يساوي 50.23 جنيه)، وهذا سر الإقبال علينا».

عروسة المولد أحد الطقوس المرتبطة بالمولد النبوي في مصر (الشرق الأوسط)

ويضيف زكي لـ«الشرق الأوسط»: «الجديد هذا الموسم يتمثل في التوسع في استخدام قمر الدين، بإدخاله في عدد من الأصناف التقليدية، إلى جانب بعض الإضافات للملبن مثل الملبس، كما يظهر الفوندام ببعض الإضافات وبألوان مختلفة، التي توسعت فيها المصانع لإضفاء نوع من البهجة والفرحة على الحلوى لجذب الزبائن خصوصاً الأطفال».

وفي شادر آخر، يعرض عشرات القطع من عرائس المولد، قال التاجر محمد صالح، لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار العرائس تبدأ من 250 جنيهاً وتتدرج وفق الحجم حتى 600 جنيه»، مشيراً إلى أن الأسر المصرية تحرص على شراء صغيرة الحجم لبناتهن الصغيرات، فيما يقبل الشباب في فترة الخِطبة على عرائس كبيرة الحجم لتقديمها هدية لخطيباتهم خلال موسم المولد.


فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)
مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)
TT

فلورين شيربان: «أنت لا تنتمي إلى هنا» يتأمل أزمة اختلاف الأجيال

مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)
مخرج الفيلم حصد جائزة «الفهد الذهبي» في مهرجان لوكارنو السينمائي بسويسرا - (إدارة المهرجان)

قال المخرج الروماني فلورين شيربان، الحائز على جائزة «الفهد الذهبي» من مهرجان «لوكارنو السينمائي»، إن فيلمه الجديد «أنت لا تنتمي إلى هنا» (You Don't Belong Here) بدأ من سؤال شديد القسوة عن العلاقة بين الأب والابن، قبل أن يتسع ليصبح تأملاً في جيل كامل من الرجال وفي التصورات التي ورثها عن الرجولة والنجاح والإنسان المثالي.

وأوضح شيربان، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن البذرة الأولى للفيلم كانت تمريناً تمثيلياً كتبه منذ سنوات لطلاب مدرسة السينما التي أسسها، ويقوم على وضع ممثل في دور أب يشعر بالكراهية تجاه ابنه، مشيراً إلى أن المشهد بدا له «قوياً جداً وخاطئاً جداً» في الوقت نفسه، وظل عالقاً في ذهنه حتى بدأ في تطويره إلى فيلم.

وأضاف أن الفكرة ارتبطت لديه بجيل من الرجال ينتمي هو نفسه إليه، وربما ينتمي إليه المشاهد أيضاً، وهم أشخاص عاشوا في لحظة ما وهم يعتقدون أن العالم بأكمله ينتظر منهم أن يتركوا أثراً فيه، مشيراً إلى أن هؤلاء الأشخاص يمكن النظر إليهم باعتبارهم «شخصيات مأساوية»، لأن المسافة بين الصورة التي يحملونها عن أنفسهم وبين العالم الذي يجدون أنفسهم يعيشون فيه قد تتحول إلى مصدر عميق للألم والصراع.

المخرج الروماني - (الشركة المنتجة)

وتدور أحداث العمل الحائز جائزة «الفهد الذهبي» أرفع جوائز مهرجان لوكارنو السينمائي في دورته الـ79، حول «ماريوس»، طبيب ناجح ورئيس الأطباء في مستشفى ببلدة رومانية صغيرة، يربي ابنه المراهق «إيوان» بمفرده بعد وفاة زوجته، وبينما يعتقد الأب أنه يعرف ابنه جيداً، يعيش إيوان حياة سرية، إذ يتنقل ليلاً مع مجموعة من الشباب المقنّعين، وخلال إحدى المواجهات، تتعرض المجموعة لرجل مسن من «الروما» وينتهي الاعتداء بوفاته.

وأوضح المخرج أن العلاقة بين الأب والابن صُممت منذ البداية لكي تكون صعبة على المشاهد، لأن جوهرها ليس مجرد خلاف مألوف بين جيلين، وإنما «غياب الاتصال» بين شخصين يفترض أن يكون الرابط بينهما هو الأقوى، مشيراً إلى أن انفصال المراهقين عن آبائهم أمر عرفته البشرية دائماً، لأن الأبناء في هذه المرحلة العمرية يميلون إلى الاعتقاد بأن آباءهم لا يفهمون شيئاً، لكنه رأى أن العلاقة في فيلمه أكثر قسوة، لأن الأب والابن لا يشتركان أصلاً في القيم نفسها، فالابن يمثل عكس الأب في كل شيء، لذلك كان من الضروري أن تبدو العلاقة بينهما «صعبة وغير طبيعية».

وشدد شيربان على أن العلاقة الأسرية ليست، رغم أهميتها، السؤال النهائي الذي يريد الفيلم طرحه، لأن اهتمامه الأساسي ينصب على تصور محدد لما يجب أن يكون عليه «الإنسان المثالي»، مشيراً إلى أن الأب يجسد هذا النموذج، ومن هنا جاء السؤال الذي يطارده الفيلم: «هل ما زال هذا النوع من الشخصيات، نموذجاً في هذا الزمن؟».

الفيلم حاز الإعجاب في مهرجان لوكارنو بسويسرا - (الشركة المنتجة)

وأضاف أن هذا السؤال هو بالنسبة إليه قلب الفيلم، لأن الأزمة لا تتعلق فقط بابن خرج عن طريق أبيه، وإنما بأب ربما اكتشف أن النموذج الذي بنى حياته كلها على أساسه لم يعد قادراً على إنتاج علاقة سليمة مع الجيل التالي، وهنا يصبح الصراع بين الأب والابن صراعاً بين تصورين للإنسان، وليس مجرد مواجهة داخل أسرة واحدة.

وعن عنوان الفيلم «أنت لا تنتمي إلى هنا»، قال شيربان إن العنوان لا يخص الابن وحده، وربما لا يخصه أصلاً، إذ يمكن أن ينطبق على الأب أيضاً، مؤكداً أن الفيلم يتعمد إبقاء هذا السؤال مفتوحاً. وقال إن الفيلم بالنسبة إليه لا ينبغي أن يُختزل في تفسير واحد، ولذلك عندما يُسأل عما يعنيه العمل، يفضل أن يعيد السؤال إلى المشاهد، «ماذا كان الفيلم بالنسبة لك؟»، موضحاً أن هذه، في رأيه، من أكثر الأشياء المدهشة في السينما، إذ يمكن للفيلم نفسه أن يتحدث إلى شخص عن العنصرية، وإلى آخر عن انفصال الأب عن ابنه، وإلى ثالث عن مجتمع لا يملك الصبر الكافي تجاه مخاوف أفراده، بينما قد يراه شخص آخر فيلماً عن العدالة، وما يهمه في النهاية ليس ما كان يفكر فيه هو وحده أثناء صناعة الفيلم، وإنما الطريقة التي يتحدث بها الفيلم إلى كل مشاهد.

تناول الفيلم خطورة الجماعات المتطرفة - (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أن شعور الابن بالحاجة إلى الانتماء هو أحد المداخل المهمة لفهم انجذابه إلى الجماعة المتطرفة، موضحاً أن وسائل التواصل الاجتماعي والوصول المبكر إلى كميات هائلة من المعلومات جعلا الشباب أكثر تعرضاً لنماذج وقدوات قد تكون مدمرة، والشباب في هذه المرحلة العمرية يميلون بطبيعتهم إلى قدر من التطرف، لأنهم يريدون تغيير العالم بسرعة، بينما تقدم لهم الجماعات المتطرفة وعداً بحل بسيط ومباشر لعالم شديد التعقيد.

وأضاف أن الشباب، خصوصاً الرجال الأصغر سناً، قد يكونون أكثر قابلية للانجذاب إلى هذه الأيديولوجيات مقارنة بالأجيال السابقة، في ظل اتساع مصادر المعرفة التي لم تعد محصورة في الأسرة والمحيط القريب، لافتاً إلى أن الطفل أو المراهق كان يتلقى في الماضي قدراً كبيراً من معلوماته عن العالم من والديه وعائلته، بينما أصبح اليوم قادراً على الوصول إلى نماذج وأفكار لا تمر بالضرورة عبر توجيه أو رقابة أسرية.

ناقش الفيلم جوانب مختلفة في العلاقة بين الأب والابن - (الشركة المنتجة)

وكشف شيربان أن اختيار الممثل الذي يؤدي دور الابن استغرق نحو عامين، لأن عملية اختيار الممثلين بالنسبة إليه ليست مجرد البحث عن شخص يستطيع أداء الدور، وإنما تمثل جزءاً من عملية الكتابة نفسها، فرؤية وجوه مختلفة وتجربة الشخصيات مع ممثلين متنوعين تساعده على اكتشاف ما يريده وما لا يريده، وعلى فهم الشخصية بصورة أعمق وأكثر دقة.

وأضاف أن العثور على ممثل في الثامنة عشرة من عمره يمثل تحدياً خاصاً، لأن معظم الممثلين في هذه السن لم يحصلوا بعد على تدريب احترافي كامل، ولذلك لا تنتهي عملية الاختيار بمجرد العثور على الشخص المناسب، وإنما تبدأ بعدها مرحلة بناء الثقة والتدريب والعمل على الشخصية، حتى يصبح الممثل قادراً على الوصول إلى المستوى الذي يحتاج إليه الفيلم.