استعمالات المشغل السردي عند محمد خضيّر

مقالات تقوم على فكرتين متمازجتين: نظرية وسردية

محمد خضير  -  غلاف الكتاب
محمد خضير - غلاف الكتاب
TT

استعمالات المشغل السردي عند محمد خضيّر

محمد خضير  -  غلاف الكتاب
محمد خضير - غلاف الكتاب

نادراً ما يُدخل أديب عربي قراءه إلى مختبره الكتابي، ويكشف لهم عن وعيه الأدبي، ومرجعياته القرائية، وخبراته الفنية، وتقنياته الأدائية، وفلسفته الجمالية، ولذلك يجيء كتاب محمد خضير المهم «السرد والكتاب - استعمالات المشغل السردي»، الصادر بنسخته الجديدة عن دار «شهريار»، كبادرة استثنائية في هذا الحقل. وهو عبارة عن مقالات سردية تقوم على فكرتين متمازجتين: نظرية وسردية. ويستعرض فيه سيرة الكاتب النظرية، بما تحتويه من «المؤثرات والمصادر والحوادث التي توسطت بين حياته الخاصة ونصوصه السردية»، حيث يستعرض جملة من الاستعمالات التي يعتمدها الكاتب في مشغله السردي، ابتداءً من تقاليد الاستعمال الأدبي التي يتجلى فيها استعمال بعض الأدباء للأدب استعمال الصحافة المؤدية إلى الشهرة، عبر الحوارات والبيانات والإيضاحات والمناقشات. وهذه هي طبيعة مستعمِل الأدب الذي يراكم شهرته على حساب رصيد نصوصه، وينسى أن الاستعمال الأدبي الصحيح هو الذي يستطيع أن «يبني نظاماً للذوات المنتجة مجاوراً لأنظمة النصوص المنتجة».
وفي حالة استعمال الواقع، يستخلص الكاتب قيمة جوهرية «تكمن في معرفة الواقع، واقع الحياة وواقع الكتابة، غزارة المرجع وحدود النص»، وذلك من خلال العبور نحو أسئلة فاصلة حول رؤية الواقع ذاته ورؤية النص، ومدى تطابقهما داخل فعل الكتابة. والغوص في تراث النظرية الواقعية المفرّعة للواقع في تشكيلين: مرئي ولا مرئي، بما يحملانه من أفق شاسع للكتابة الواقعية. كما تمثل الواقع المرئي في عصر الواقعيين الكبار، أو كما سمّاهم «بناة العالم»، مقابل عصر الواقع اللامرئي بأبطاله المنشطرين على أنفسهم، المغتربين عن ذواتهم، المتوارين خلف أقنعة مسرحية لا تكشف مرآة الواقع إلا عن خدوشهم التعبيرية، وتجلياتهم السردية المفكّكة. وهذا هو حال مستعمِل الواقع في سعيه للبحث عن واقع مجهول أو خفي داخل لجُة من المفاهيم والنظريات، اتكاءً على فاعلية الخيال للوصول إلى ما وراء الواقع. وكل ذلك ضمن جدلية مركز الإنساني كرائي لذلك الواقع، حيث تمادت النظريات السردية في فرط الواقع إلى عناصر سديمية متشابكة بشكل معقد، وضمن احتمالات وافتراضات، وهذا هو بالتحديد ما جعل محمد خضير يعيد ترسيم الواقع. فبرأيه «ليست الواقعية بلا ضفاف، وليس النص بلا حدود».
كذلك في استعمال القصة تظهر جدلية الإبداع مقابل الصنعة، وما يتبع ذلك من متوالية التحديث والتجريب واللاتجنيس، حيث تطل نزعة صون القصة من التدنيس حد التصنيم كفعل وقائي من احتمالات الاتجاه المفتوح اللامجنس. وهو تصور يبدأ وينتهي من نظرية النوع، بما في ذلك آليات الإنتاج والتلقي، الأمر الذي قد يربك معادلة المواءمة بين المتعة والصنعة، وذلك عند التعامل الواقعي مع مشكلات بناء القصة المتعلقة باللغة والفكرة والزمن والحكاية والربط والمونتاج وتنظيم عناصر البناء، في طور تنصيص الواقع، ليكتسب «صفات الواقع المكتوب»، مع مراعاة روح النص القصصي «المتعلق بالإحساس بالزمن الذي يجري في القصة مجرى النهر، أو يرتد إلى الوراء كومضة أو سقوط حر في هاوية الماضي». وهي اللحظة القصصية التي يحرك الكاتب زمنها غير الثابت من موقعه الثابت في الزمان.
وفي منعطف استعمال الرواية، يتنازل بتواضع وحذر عن الحديث حول حالته بصفته روائياً، لأنه يقف قبالة استحقاق مؤجل، وأحلام أو مخططات تركها وراء ظهره، وقد صارت اليوم تسبقه بمسافة. وعلى هذا الأساس، صار يتكلم عن استعمالات الرواية «كتلمّس العميان لجسد الفيل في الحكاية الهندية»، حيث يستشهد برواية علي بدر «مصابيح أورشليم» كمثال لرواية المدحورين، بما يختزنه هذا النمط من الروايات من استخدام تمثيلي ساخر للأسماء. كما يلتقط بُعد الملل في الروايات العظيمة عند دوستويفسكي وتوماس مان، وصولاً إلى أورهان باموك، حيث «عرفنا أن الأفكار وظلال الأفكار فواصل وانتقالات وروابط تتخلل محاكاة عصرية لحكايات قديمة. نستغرق في سرد الأفكار المملة لنكتشف أن حبكات الروايات فخاخ أدبية لاصطياد الإشارات والاستعارات الموجودة في نصوص قديمة». وعلى هذا الأساس، يمثل بتقاطعات رواية أورهان باموك «الكتاب الأسود» مع «مثنوي» جلال الدين الرومي و«منطق الطير» للعطار. ليطوح بعد ذلك بالقارئ في ثراء الممارسة الروائية التي تقع بين حدي: الوعي والتجربة، مستشهداً بروايات من مختلف العصور والثقافات والاتجاهات.
ولا تكتمل استعمالات القصة التي تعني «مجموعة من الألفاظ والجمل التي تترابط في نص لغوي لإنتاج حادثة أو حبكة أو موقف» إلا إذا انتظمت في «سياق علاقة رمزية، من عصر ما قبل إلى عصر ما بعد». وهذا هو جوهر الاستعمال الرمزي، إذ لا يمكن فهم النص إلا بإحالاته الرمزية ضمن واقع دلالي متغير، بالنظر إلى كونه نصاً لغوياً مشبعاً بالإيحاءات المرجعية. وذلك ضمن تكرارات شبه وصفية داخل منظومة البناء السردي، خصوصاً عند الإحالة إلى الأنظمة الرمزية المؤصلة، كما تتوفر في المرجعيات الدينية مثلاً. وحتى السرد البسيط يخفي في طيات بناه التحتية «مستويات عدة لاستعمال الرمز»؛ بمعنى أن النهج الرمزي خيار حتمي للكاتب. وهذا هو ما يحدث في الحقل الروائي، حيث المنظومات الرمزية «بابتكاراتها التي لا تُبارى ولا تُحاكى».
وتحتمل القصة أيضاً استعمال السرد التشكيلي، المتمثل في «الصورة الفوتوغرافية والسينمائية والكتلة الحجمية والفراغية للتمثال والعمارة»، حيث تحتل هذه العناصر مكانتها فيما يصفه بلغة «السرد الأيقونية»، على اعتبار أن «زمن السرد وزمن التشكيل مندمجان في زمن الأثر الخيالي الذي يحتويهما». وبالنظر إلى أصالة موقع الصورة الثابتة والمتحركة في سرد القصة لإحداث أثر وصفي، في مجمل القصص السيكولوجية والواقعية والتسجيلية، بما في ذلك تحريك «ماضوية الصورة»، وذلك في طور استعارة «تقنيات الشريط السينمائي الذي تعمل فيه لغة التوليف عمل لغة الاسترجاع في ذاكرة الشخصية الساردة المحفَّزة بالصور». وهذا هو الأسلوب الجديد القائم على تداعي الأفكار واستعادتها وسردها عبر الصور، كما اعتمدها كتقنية تشكيلية قوامها اللقطة السينمائية في جانب من مجموعته «المملكة السوداء»، بإدراك تام لأهمية الانتقال من المحاكاة إلى التصوّر، واللجوء إلى «وثائق الخيال التي لا تدحضها اللحظة الحياتية المؤقتة».
ودفتر اليوم أيضاً يشكل جزءاً حيوياً من الاستعمالات، بما يحتويه من «مسودات ومشروعات ناقصة وشذرات خابية في فضاء المشاغل»، حيث تشكل كتابة اليوميات كإنجاز هش، بتصوره، المرحلة الثانية بعد تعلم مرحلة الكتابة الأبجدية، كما تسجل المفكرات يوميات كُتّابها. وهو أداء أدبي يختفي من الحياة الثقافية العربية أو تخفت نبرته. ولذلك يبحث عن تلك الاستعمالات عند بوشكين وتوماس مان وفرجينيا وولف وغابريل غارثيا ماركيز لاصطياد «حياة النصوص المولودة من رماد المذكرات»، إذ يمكن النظر إلى المفكرات، حسب أناييس نن، كاحتياطي للذاكرة، يستعمل فيها الكاتب «أنواع المعرفة الحسية اليومية في تدوين فقرات من التحليل الارتجالي عن الذات بالعالم». وهكذا يمكن التعامل مع اليوميات كأصول أدبية. ومن هذه الزاوية التي تتموضع فيها اليوميات ككتابة عن الكتابة، يقرأ دفتره الخاص بكتابة قصص «رؤيا خريف»، بما فيه من «فوضى الأحلام، وعثرات الأفكار، وغزارة التحضير والتدبير، وما أدرت من وقت لإنتاج خلاصة نقية لقصة أو قصتين… تبدو لي مفكرات الماضي أشبه بأنصاب خرسانية تركتها القصص وراءها في معرض الذاكرة المغلق».
إن أربعين عاماً من الكدح السردي، كما يقول محمد خضير «لا بد تُشعر القصاص بالاغتراب عن نصوصه المتراكمة خلال هذه المدة الطويلة. ينشأ الاغتراب السردي مع تراكم ناتج السرد في عمل القصاص، وهو شبيه إلى حد كبير باغتراب ناتج العمل الآلي»، مع ملاحظة أن ناتج العمل الآلي مادي، أما ناتج العمل السردي فهو رمزي. ومن ذلك المنطلق، يفسر سبب اغتراب نصوصه «إن وقوع نصوصي في شبكة علاقات إنتاج واسعة، تناظر علاقات إنتاج العمل الآلي، ساعد على اغترابها وانزوائها في كراسات التجارب السردية اليومية». وهكذا يعايش القصاص حالات الكتابة معايشة مستديمة، بما تحتمله من انبثاق فكرة العمل، ومعاناة تشكّل النصوص، ومرحلة ما بعد الطباعة، فكل هذه المتوالية أفعال سردية «تؤول إلى ملكية الخطاب الذي يعمل القصاص تحت ظله». وهذا التواصل اللصيق بعلاقات إنتاج النص هو ما يسميه النقاد «لذة النص»، وهي «لذة مشوبة بالاغتراب لوقوعها تحت سلطة الخطاب، وقيمومته على حرية الكاتب والقارئ في إنتاجها، ولن تكتمل لذتاهما حتى يتخلصا من اغترابهما، كي يحصلا على لذة صافية (أي رمزية) في نهاية المطاف».

- كاتب سعودي



اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.


أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
TT

أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)

عبر عذوبة الصوت وخشوع القلب ورهافة الإحساس الصادق، يصدح جيل جديد من المقرئين في المساجد المصرية الكبرى مثل جوامع «الإمام الحسين» و«عمرو بن العاص» و«السيدة زينب» و«السيدة نفيسة» وهم يؤمون المصلين ويتلون القرآن في صلوات «المغرب» و«التراويح» و«الفجر» منذ بداية شهر رمضان.

وتشهد تلك المساجد إقبالاً كثيفاً من المصلين يقدر بالآلاف يومياً في طقس روحاني لافت يجمع بين عبق الطابع التاريخي الأثري للمكان أو المنطقة، وتصدي أسماء شهيرة من المقرئين والخطباء كى يؤموا الجموع الغفيرة في مختلف الشعائر والمواقيت.

وبرز اسم هؤلاء «المقرئين الجدد» من خلال برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» الذي انطلقت فعالياته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف اكتشاف جيل جديد من الموهوبين في قراءة آيات الذكر الحكيم ضمن تقاليد «المدرسة المصرية في فن التلاوة» التي قدمت للعالم الإسلامي قمماً شامخة في هذا السياق مثل الشيوخ مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري.

أصوات جديدة شابة في المساجد المصرية خلال رمضان (وزارة الأوقاف المصرية)

ومن أبرز القراء الجدد محمد وفيق ومحمود السيد وأبو بكر سيد وخالد عطية، فضلاً عن الخمسة المؤهلين إلى الحلقة النهائية من البرنامج، والتي تذاع في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهم أحمد محمد وأشرف سيف ومحمد أحمد عبد الحليم ومحمد محمد كامل ومحمد القلاجى.

وعدّ الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مشاركة نجوم «دولة التلاوة» في إمامة المساجد الكبرى في رمضان «خطوة رائعة تجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة في نهج يستلهم السيرة النبوية في اكتشاف من يتمتعون بحلاوة الصوت ويمنحهم الفرصة للتعبير عما يتمتعون به من نعمة وموهبة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسابقة (دولة التلاوة) أعادت إلى الأذهان أمجاد سير أعلام هذا الإبداع المصري الخالص الذي قدّم أسماء تختلف تماماً عن مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي، لأن القرآن كما يقولون نزل في مكة وفُسّر في العراق وقُرئ في مصر، وبالتالي فالقرّاء المصريون لا يكاد يباريهم أحد في هذا المجال ولا بد أن يكون هناك امتداد لجيل العمالقة الذين تربينا على أصواتهم».

ويأتي برنامج «دولة التلاوة» كنتيجة لتعاون مثمر بين وزارة الأوقاف و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، حيث أذيع عبر قنوات «cbc» و«الحياة» و«الناس» وسط تفاعل جماهيري لافت، متصدراً اهتمام الرأي العام، كما كسر حاجز الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، بحسب تصريح سابق للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم «الأوقاف».

الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى (وزارة الأوقاف المصرية)

وأضاف رسلان أن «الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى عبر محافظات الجمهورية، وليس القاهرة فقط، طوال شهر رمضان تعزيزاً للأجواء الروحانية والمفاهيم الإيمانية».

وقال الدكتور حازم مبروك عطية إن «التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة (دولة التلاوة) يثبت أن الشعب المصري يميل إلى القيمة، كما يميل إلى كل ذي قدر في كل فن، فما شهدناه من الإجماع والإقبال غير المسبوق يجعلنا نثق في هذا الشعب الكريم الذي يشيع البعض عنه بين الحين والآخر أنه يهتم بالأشياء البسيطة والسريعة والعابرة، لكنه يثبت عبر هذه المسابقة أنه شعب يحب القيمة ويحب الالتفاف حول الجمال وينحاز للمبدأ الصحيح».