إلياس العماري: قوتي تكمن في ضعفي.. ونفوذي يكتمل في هروبي من كل شيء اسمه الدولة

القيادي البارز في «الأصالة والمعاصرة» المغربي المعارض عد في حوار مع («الشرق الأوسط») ما تعيشه بعض الأحزاب حيوية داخلية وليس تصدعات

إلياس العماري: قوتي تكمن في ضعفي.. ونفوذي يكتمل في هروبي من كل شيء اسمه الدولة
TT

إلياس العماري: قوتي تكمن في ضعفي.. ونفوذي يكتمل في هروبي من كل شيء اسمه الدولة

إلياس العماري: قوتي تكمن في ضعفي.. ونفوذي يكتمل في هروبي من كل شيء اسمه الدولة

قال إلياس العماري، نائب الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة المغربي المعارض، إن التنسيق بين مجموعة الأحزاب الثمانية، الذي جرى في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، هو الذي مهد الطريق للتنسيق الحكومي الحالي، مشيرا إلى أن تحالف أحزاب «جي 8» لم يكن تحالفا بالمعنى السياسي للتحالف، بقدر ما كان تنسيقا مع أحزاب بمرجعيات مختلفة، بل متناقضة إلى حد ما على مستوى بعض النقاط ذات الاهتمام المشترك.
وقال العماري، الذي يعد ظاهرة في المشهد السياسي المغربي، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» أخيرا في الرباط: «في السياسة ليس هناك حرام دائم ولا حلال دائم، من خلال التقاء من لا يلتقي»، معدا أن التنسيق الذي جرى بين الأحزاب الثمانية هو الذي مهد لشرعية التحالف في الحكومة ما بين حزب يتخذ من الدين الإسلامي مرجعية، وحزب آخر يتخذ من المنظومة اليسارية أو الشيوعية مرجعية.
وردا على سؤال حول ما إذا كان سيترشح في الانتخابات البلدية والبرلمانية المقبلتين، قال العماري: «أنا ما ترشحت يوما، ولن أترشح يوما لأي منصب كان انتدابيا أو سياسيا أو إداريا». وأوضح أن السياسي الحقيقي «هو الذي يمارس السياسة من أجل أن يصل الأكفاء إلى المناصب وليس أن يصل هو إليها.. فقد وعدت أبي بأن جميع الأماكن التي ينزلون منها يوما أنا لا أطلع إليها أبدا». وفي ما يلي نص الحوار.

* لقد كاشف الملك محمد السادس في خطابه الأخير في البرلمان السياسيين المغاربة بأعطابهم، إلامَ تعزو أنت أسباب هذه الأعطاب الكثيرة، وكيف السبيل إلى التخلص منها؟
- المغرب أولا بلد من حيث الزمن هو جديد في الممارسة الديمقراطية، إن لم أقل إنه ما زال في مرحلة التمرين، وتجاوز هذه المرحلة والارتقاء بالعمل السياسي أو البرلماني إلى مستوى الديمقراطيات العريقة يتطلب أولا الارتقاء بالعمل المجتمعي قاطبة على مختلف المستويات، لأنه لا يمكن نهائيا أن تكون عندنا ممارسة سياسية نظيفة متطورة، وعمل برلماني يضاهي عمل الأنظمة البرلمانية العريقة أو الديمقراطيات العريقة، في ظل تخلف المستويات المجتمعية الأخرى. بمعنى آخر، إن الممارسة السياسية والبرلمانية تعكس بامتياز الصورة الحقيقية لتطور المجتمع المغربي اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
* لقد تساءل العاهل المغربي أيضا في خطابه هل جرت مواكبة هذا التقدم الحاصل في تطور الخيار الديمقراطي في البلاد من طرف جميع الفاعلين السياسيين على مستوى الخطاب والممارسة، وقال أيضا إن الخطاب السياسي لا يرقى دائما إلى مستوى ما يتطلع إليه المواطن لأنه شديد الارتباط بالحسابات الحزبية والسياسوية، ألا ترى أن حزبكم معني أيضا بهذا التساؤلات والملاحظات؟
- الفاعل السياسي والفاعل المجتمعي بشكل عام معني بهذه الملاحظات، ولكن الخيار الديمقراطي ليس رغبة ذاتية أو قرارا فرديا، بقدر ما هو إما أن يكون حصيلة لتراكم مجتمعي، كما سبق أن قلت، في ميادين متعددة، وإما أن يكون رغبة وقرارا، وفي هذه الحالة لا يمكن أن نسميه خيارا ديمقراطيا، ففي بلدنا الخيار الديمقراطي هو خيار مجتمعي ولكنه خاضع في تطوره لتطور المجتمع. إذن، ما نعيشه من هفوات ومن تعثرات ومن انتكاسات في بعض الأحيان ليس إلا نتيجة طبيعية لما يعيشه الفاعل السياسي من عدم المواكبة أو التخلف عن اللحظة التاريخية.
* لقد كان رد حزبكم سريعا بطرد البرلماني الذي دخل في عراك بالأيادي مع حميد أمين عام حزب الاستقلال عقب انتهاء الملك محمد السادس من خطابه الذي شدد فيه على ضرورة إصلاح السياسيين لأعطابهم، ما السر في سرعة هذا الطرد؟
- هو في نظرنا ليس قرارا سريعا، فربما اللحظة هي التي جعلت الناس ينظرون إليه على أنه قرار سريع. فالحزب اتخذ قرارات أسرع من هذا القرار في وقائع سابقة، سواء بالطرد أو التجميد أو الاستدعاء إلى غير ذلك من قرارات تأديبية، فلدى الحزب لجنة للأخلاقيات تعمل بشكل مستقل وبناء على ما تلاحظه أو ما تتوصل به من شكاوى. ففي نازلة المستشار البرلماني المعني بالأمر، عاينت لجنة الأخلاقيات بالصوت والصورة الواقعة لأنه كان من بين أعضائها من كان حاضرا في لقاء المعارضة في البرلمان، واشتغلت على الواقعة في حينها، وما كان على المكتب السياسي للحزب إلا المصادقة على توصية لجنة الأخلاقيات، وللمعني بالأمر حق الطعن في هذا القرار لدى الأجهزة الحزبية.
* المغرب الآن مقبل على الانتخابات البلدية في السنة المقبلة، وعلى تنظيم الانتخابات البرلمانية في السنة التي تليها. ماذا تشكل هذه الانتخابات كرهان بالنسبة إلى حزبكم؟ هل تضعون نصب أعينكم أنكم تريدون الوصول إلى تشكيل الحكومة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة؟ هل سنة 2016 أساسية بالنسبة إليكم؟
- أولا كل حزب سياسي في العالم لديه طموح التسيير، وهذا التسيير قد يكون تسييرا جماعيا (على مستوى البلديات) أو تسييرا حكوميا. وحزبنا له نفس الطموح أو يتقاسم نفس الطموح مع الأحزاب الأخرى، في ما يتعلق بالانتخابات الجماعية (البلدية). نحن كنا في الفترة السابقة قد حصلنا على ما يناهز تقريبا 20 في المائة من مجموع المستشارين الجماعيين (البلديين)، وفي الانتخابات المقبلة نسعى إلى نفس المكانة أو أكثر، ونشتغل على هذا الهدف ولكن بصيغة ومضمون مختلفين، فهذه المرة نشتغل في ظل دستور جديد، وأيضا في ظل قوانين انتخابية، وقوانين تنظيمية للتدبير الجماعي (البلدي) جديدة تنسجم مع روح دستور 2011.
* في الانتخابات النيابية السابقة أقمتم تحالفا أطلق عليه تحالف الثمانية (G8)، بعد هذه السنوات من تأسيس هذا التحالف، هل كان في نظركم تحالفا صائبا؟ هل من نقد ذاتي في هذا الموضوع؟
- أولا لم يكن الـ«جي 8» تحالفا بالمعنى السياسي للتحالف، بقدر ما كان تنسيقا مع أحزاب ذات مرجعيات مختلفة، بل متناقضة إلى حد ما على مستوى بعض النقاط ذات الاهتمام المشترك، وكانت النقطة الأساسية في هذا الإطار هي خلق دينامية سياسية أو رجة سياسية داخل المجتمع المغربي للوصول إلى نتيجة مشاركة في الاقتراع تفوق ما كانت عليه في 2007، وبالفعل فإن الهدف من هذا التنسيق جرى تحقيقه من خلال تلك الرجة السياسية الكبيرة جدا، حيث تناول مختلف المهتمين والفاعلين آنذاك هذه الظاهرة الفريدة من نوعها، بل هناك من الفاعلين من اعتبر أن هذا التنسيق موجه ضده، واشتغل ليل نهار على أساس إثبات قوته وإثبات مشروعيته، وهذه من حسنات هذا التنسيق، والنقاط التي كان يستهدفها. أما النقطة الثانية التي استهدفها التنسيق فهي أنه في السياسة ليس هناك حرام دائم ولا حلال دائم، من خلال التقاء من لا يلتقي، فهذا التنسيق الذي جرى بين الأحزاب الثمانية هو الذي مهد لشرعية التحالف في الحكومة بين حزب يتخذ من الدين الإسلامي مرجعية، وحزب آخر يتخذ من المنظومة اليسارية أو الشيوعية مرجعية، فالتنسيق بين الأحزاب الثمانية هو الذي مهد الطريق للتنسيق الحكومي الحالي.
* هل من إعلان قريب عن تحالف مع أحزاب المعارضة الحالية في أفق الانتخابات؟
- إلى حدود الساعة هناك تنسيق بين أحزاب المعارضة، ومن بين المواضيع التي دفع هذا التنسيق إلى نقاشها موضوع التحالف، هل سيكون التحالف أم لن يكون؟ فالتحالف مرتبط أولا بالدينامية التي سيعرفها التنسيق ما بين أحزاب المعارضة، ومرتبط ثانيا بالشروط الموضوعية التي على أساسها ستشتغل أحزاب المعارضة، وبالتالي فالجواب الآن سابق لأوانه حول التحالف من عدمه.
* في حالة قيام تحالف، ألا تخشون أن تؤدي الأوضاع الحالية التي تعيشها بعض أحزاب المعارضة، خصوصا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى إضعاف القوة التنسيقية لأحزاب المعارضة؟
- أبدا. أنا أعتبر ما تعيشه كل الأحزاب المغربية، وليس الاتحاد الاشتراكي فقط، حيوية داخلية، ولا أقول تصدعات، هي حيوية في نظري ستكون مصدر قوة لهذه الأحزاب، على عكس ما يقال. فأنا أرى أن هذه الحيوية والاختلاف والنقاش الذي وصل إلى حد التجريح في بعض الحالات، عكس ما يراه بعض المتتبعين والمحللين، سيحمل الاتحاد الاشتراكي إلى مكانة أقوى مما هو عليها، ذلك أن الأحزاب التي تعبر علنا عن اختلافها وتنوعها هي أحزاب صحية، بيد أن المشكلة بالنسبة لي تكمن في الأحزاب التي لا نسمع شيئا عما يحدث داخلها. أنا أخاف من حزب العدالة والتنمية أكثر مما أخاف من حزب الاتحاد الاشتراكي أو حزب الاستقلال أو حزب التجمع الوطني للأحرار أو الحركة الشعبية أو حزب اليسار الموحد، لأن ما يحدث في هذه الأحزاب يتابعه العموم، ولكننا لا نسمع شيئا عن التفاعلات الداخلية داخل حزب الأغلبية، وهذا يؤرقني كثيرا، في إطار حبي لبلدي.
* كيف؟
- لأنه لا يمكن لحزب كبير فيه كثير من المناضلات والمناضلين، ولديه كثير من الأتباع لا يختلفون، وإذا اختلفوا لا يتقاسمون هذا الاختلاف مع الرأي العام، فكيف يا ترى تعالج هذه الاختلافات؟ وكيف سيتقاسمون مع المغاربة تدبير الشأن العمومي إن لم يتقاسموا معهم الاجتهادات داخل الحزب؟ أنا هنا أطرح السؤال فقط.
* ماذا أعددتم في حزبكم من نخب وبرامج استعدادا للانتخابات المقبلة؟
- بحكم أن الانتخابات المقبلة سيكون لها طعم خاص ونكهة خاصة، نظرا لأنها أول انتخابات تنظم بعد الدستور الجديد، وتنظم بمقتضى القانون الانتخابي الجديد، تقطيعا واختصاصا، شكلنا لجانا علمية تعمل على وضع برامج جهوية سواء في مستوى السياسة العمومية أو على المستوى الاقتصادي أو الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي لأن هذه الانتخابات ستكون انتخابات جهوية بامتياز.
* هل ستترشح للانتخابات البلدية والبرلمانية المقبلتين؟
- أنا ما ترشحت يوما، ولن أترشح يوما لأي منصب كان انتدابيا أو سياسيا أو إداريا.
* أنت دائما تصف نفسك بأنك كائن سياسي، والكائن السياسي يمارس السياسة من أجل الوصول إلى مناصب، إلى مقعد نيابي أو رئاسة عمدية مدينة. لكن الأمر معك مختلف.
- لكن هناك من يمارسها من أجل وصول الآخرين.
* كيف؟
- السياسي الحقيقي هو الذي يمارس السياسة من أجل أن يصل الأكفاء إلى المناصب وليس أن يصل هو إليها. أولا، أنا أمارس السياسية وسأبقى أمارسها، ليس من أجل أن أصل ولكن من أجل أن يصل الأكفاء إلى هذا المنصب أو ذاك. ثانيا، وهذه مسألة شخصية، لقد وعدت أبي بأن جميع الأماكن التي ينزلون منها يوما أنا لا أطلع إليها أبدا.
* كلامك هذا يدفعني إلى القول إنه عرف عنك دائما أنك شخصية إشكالية في المشهد السياسي المغربي المعاصر، فهناك من يعتبرك رجلا قويا، وصديق صديق الملك، ومتحكما في الكثير من أمور الدولة من دون أن يكون لك منصب سياسي في دواليبها، حاضر في الشأن الدبلوماسي من خلال انغماسك في القضية الفلسطينية، وفي قضية مالي، وتحركاتك في أميركا الجنوبية، ومتحمس للثقافة الأمازيغية.. من أنت باختصار؟
- أنا إلياس العماري، ابن فقيه في قبيلة غير نائية، وخديجة مربية الدجاج والبقر. أمارس من موقعي قناعات ما قلت يوما إنها قناعات أحد غيري، وأمارس ثانيا السياسة ليس من أجل نفسي، كما قلت لأحد رفاقي القدماء في اليسار، أنا انخرطت في اليسار واقتنعت بأسلوبه وفكره ليس طمعا في السلطة ولكن حبا في الكرامة والديمقراطية. إذن، الهدف لم يكن بالنسبة لي السلطة، بل الخير لهذا الشعب. فإذا قلت اليوم إنني غيرت موقعي فإنني لم أغير هدفي. وبالتالي فإن القوة التي يتكلمون عنها تكمن في ضعفي، والنفوذ في دواليب الدولة، الذي يتكلمون عنه، يكتمل في هروبي من كل شيء اسمه الدولة، سواء كانت مسؤوليات سياسية أو إدارية، وانفتاحي على ما يحدث في فلسطين هو تعبير عن معاناة عشتها وما زلت أعيشها.
* ما هي؟
- معاناة عشق الحرية. أما حبي لأميركا الجنوبية فجاء من خلال ذلك الشعار الرائع الذي من خلاله يقدسون ثلاثة أشياء تذكرني بانتمائي الأمازيغي، هي الهواء والماء والشجر.
* شكلت منذ 2011 الخصم اللدود للإسلاميين، وخصوصا حزب العدالة والتنمية بقيادة عبد الإله ابن كيران، ولوحظ في الفترات الأخيرة أن لهجتك النقدية لابن كيران وحزبه خفت عما كانت عليه في السابق. هل الأمر يتعلق باتزان سياسي أم بتكتيك مرحلي؟
- أولا، أنا لم أكن يوما خصما للإسلاميين، لأنه لا يعقل أن أكون خصما لنفسي ولعائلتي ولقبيلتي ولوطني، ولكنني اختلفت وما زلت أختلف إلى حد التناقض مع جماعة من المغاربة لهم فهمهم الخاص للإسلام، سواء في حزب العدالة والتنمية أو غيره. لم أهاجم يوما عبد الإله ابن كيران كشخص، ولكنني انتقدت وصارعت بمختلف الأشكال القانونية فكر وأسلوب اشتغال الأستاذ ابن كيران وجماعته. وما غيرت نهائيا موقفي إلى حدود الساعة، وذلك في إطار احترام تام، لأن الذي استجد اليوم هو أن عبد الإله ابن كيران الذي اختلفت معه أمس كرئيس للجماعة الإسلامية أو مسؤول أو قائد لحزب العدالة والتنمية ليس هو ابن كيران اليوم، الذي أصبح رئيس للحكومة المغربية وليس لحكومة «العدالة والتنمية»، وإلياس العماري مغربي يعتز بمغربيته. إذن، فأسلوب مخاطبة رئيس الحكومة مختلف عن أسلوب مخاطبة رئيس جماعة سياسية رغم أنني شخصيا كنت أخاطبه باحترام هو وجماعته، وما زلت أخاطبه بنفس الاحترام.
* ما حقيقة دورك في المصالحة بين الأطراف المتصارعة في مالي؟
- ليس لدي أي دخل في ما بين الأطراف المالية، ولكن كما سبق أن قلت بحكم انتمائي إلى الحركة الأمازيغية التي تشكل حركة الطوارق، وبالخصوص الحركة الوطنية لتحرير أزواد، جزء منها، وبحكم علاقتي وارتباطاتي السابقة والحالية بهذه الحركة وبرموزها ومناضليها، هي التي دفعت ببعض الإعلاميين إلى تخيل أشياء غير موجودة أصلا.
* رغبت إبان الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة في زيارة القطاع زيارة تضامنية برفقة وفد من حزبكم، لكن هذه الزيارة لم تتم. ما أسباب ذلك؟
- أسباب ذلك بسيطة جدا لأننا طلبنا من الإخوة المصريين رخصة المرور عبر معبر رفح، ووصولنا إلى القاهرة تصادف مع وضع أمني معقد في المعبر، وجرى تأجيل الدخول إلى غزة أسبوعا، ولم يكن باستطاعة بعض أفراد وفد حزبنا أن يبقوا في مصر أكثر من ذلك، وحينما جرى الترخيص لنا كنا قد غادرنا مصر، فالأمر يتعلق بمشكلة لوجيستية بسيطة جدا.
* سمعت أنك تعتزم تقديم برنامج سياسي ثقافي في إذاعة «كاب راديو» في طنجة، هل هذا صحيح؟
- نعم، اتصلت بي إدارة «كاب راديو» لأتولى مهمة إدارة تحرير المحطة، واجتمعت مع الصحافيين والإداريين العاملين فيها، واطلعت على خريطة البرامج، ووجدت نقصا شيئا ما في الحوارات والبرامج ذات الطبيعة السياسية والثقافية، فاقترح علي بعض الأصدقاء الذين يعملون في المحطة وخارجها تولي تنشيط وتقديم وإعداد برنامج سياسي. وبعد التفكير في الموضوع وافقت من الناحية المبدئية، بيد أنني أنتظر توفر بعض الشروط الخاصة قبل الانخراط العملي في ذلك.
* هل لجوؤك إلى الإعلام هو محاولة للتخلص من سطوة السياسية؟
- أبدا، أنا ابن هذا المشهد الإعلامي، ولا أعرف مهنة من غير الإعلام، وما اشتغلت يوما إلا في عالم الكتابة والكتاب، والقراءة والطباعة، فتجربتي الأولى مع المحيط الوطني كانت عبر الإعلام، وأول اشتغال كان عبر الإعلام، ثم اشتغلت في ميدان الطباعة والنشر والورق، وبعد ذلك اشتغلت في المجلس الأعلى للاتصال المسموع والمرئي لمدة تفوق خمس سنوات، والآن وبعد مغادرتي المجلس اشتغلت في شركة مملوكة لخواص أجانب تعمل في مجال الاتصال والتواصل، والآن أنا مقبل على العمل في شركة عالمية تعنى بالنشر والاتصال والتواصل والطباعة والإذاعة. إذن هذا ليس رجوعا أو هروبا بقدر ما هو الميدان الوحيد الذي أوفر به لقمة عيشي وعيش أولادي.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.