الصمت النسوي من الأوديسا حتى الثَّقافة الغربية الرَّاهنة

المجتمعات الذكورية قمعت أصوات النساء منذ ثلاثين قرناً من الزمن

ماري بيرد
ماري بيرد
TT

الصمت النسوي من الأوديسا حتى الثَّقافة الغربية الرَّاهنة

ماري بيرد
ماري بيرد

تثير كتب ماري بيرد الناقدة والأستاذة في جامعة كمبردج اهتمام الأوساط الثقافية الغربية، وقد لاقت حضوراً واهتماماً كبيرين، نظراً لما تحتويه كتبها من أطروحات ثقافية تنتقد الذكورية منحازة إلى النسوية بوصفها الجانب المستضعف والمغلوب في التراث الإنساني عبر التاريخ.
وبحكم تخصصها في الأدب الكلاسيكي اليوناني والروماني تغدو كتبها (تاريخ روما القديمة - الضاحك في روما القديمة - انتصار الرومان ومواجهة الكلاسيكية) بمثابة إعادة تشخيص واستكشاف لما في تلك الآثار الأدبية القديمة من صور ذكورية ترسخت وانتقلت مع حضارات العالم وصارت بمثابة عقبة كأداء كبلت النسوية بتراكمات ذلك الرسوخ التاريخي الذي دق إسفينه في جذور صلبة، تتكئ عليها اليوم المنظومة الثقافية العالمية، حتى أنّ أي محاولة لزحزحة بعض ثوابت هذا الإسفين تبدو عديمة الجدوى إن لم تكن مستحيلة.
وكانت بيرد قد أشارت في كتاب اشتركت في تأليفه مع جون غراهام هندرسون عنوانه (التراث الكلاسيكي مقدمة قصيرة جداً) إلى أن التراث الكلاسيكي ظل كما هو في قوته مؤثراً في الثقافة الغربية، ومشكِّلاً المركز في السياسة الثقافية اليوم، وهو ما جعل المرأة في التراث كما هي اليوم في المعاصرة بلا حقوق سياسية. وقد أخذت بيرد على دارسي التراث الكلاسيكي المعاصرين أنهم (لا يعيبون وحسب على الإغريق والرومان كراهيتهم للنساء... وإنما يستكشفون كيف أن الأدب القديم أبقى على كراهية النساء تلك) (الكتاب، ص46)
وفي كتاب ماري بيرد الجديد (النساء والقوة: مانفيستو) بطبعته الأميركية عام 2017 عن دار ليفرايت ثم بطبعة ثانية بالفرنسية عام 2018 ـ والذي نأمل أن يترجم إلى العربية لأهميته ـ تقف بيرد عند واحد من الآثار الأدبية التراثية الشهيرة ألا وهو ملحمة الأوديسا التي كتبها هوميروس، ممحورة أطروحة كتابها حول قمع المجتمعات الذكورية أصوات النساء منذ ثلاثين قرناً من الزمن، بهدف إبقاء القوة بيد الرجال سلطة وتفوقاً. وهو ما نجد بوادره ظاهرة في شخصيتين من شخصيات الأوديسا هما بينيلوبي وتليماك.
وما تؤكده بيرد في تحليلها لهاتين الشخصيتين أنّ النساء لن يصلن إلى المساواة في الحقوق والواجبات ما دامت سلطة الرجال قائمة ومتسيدة، وهو ما يتطلب تغيير جوهر البنية وليس الإطار العام لها، مبيّنة أنَّ التفكير في قوة النساء أمر مهم، ولا مناص فيه من الإفادة من الآداب اليونانية والرومانية القديمة من أجل تغيير مجتمعاتنا الراهنة التي أخذت تسودها مفاهيم الاندماج والانفتاح والمواطنة العالمية والتعددية الثقافية وحرية الرأي وحقوق الإنسان... وغيرها.
ولن تكون النساء قوة إلا إذا تشكل من أصواتهن (مانفيستو) أي بيان نسوي، به يدخلن القرن الحادي والعشرين، يساعدهن في ذلك ما يشهده هذا القرن من شيوع تكنولوجيا الذكاء الصناعي والتقدم السيبراني وما بعد السيبراني، فضلاً عن الوسائط التفاعلية الرقمية في عالم الإنتريت.
وإذا كانت بيرد تبتغي من النساء أن يكنَّ قوة، فليس معنى ذلك أن يمتلكن السلطة ويتفردن بها فذلك ما تنتقده النساء في الذكورية، بل القوة المقصودة هنا قوة معنوية دلالية وليست مادية عيانية بها تخرج النساء من صمتهن ليكون لهن خطابهن الخاص المعبر عن كينونتهن. بمعنى أن القوة التي تقصدها بيرد هي قوة ناعمة أداتها الصوت - القول وليس اليد - الفعل وصوره العنيفة والتعسفية والخشنة والوحشية التي بها تمكنت الذكورية من فرض سيادتها وتوكيد جبروتها.
وافتتحت المؤلفة كتابها بمقدمة حددت فيها مطلبها وهو أنّ قوة الأجيال فتيات وفتياناً تكمن في المرأة. وتضرب على ذلك مثلاً بوالدتها التي كانت سبباً في لفت انتباهها نحو ما تعانيه المرأة من تضييق حتى لا يكاد يُسمع صوتها مهما علا، متذكرة كيف أن والدتها كانت تأسف أنها لم تذهب إلى الجامعة، وهي التي كانت ترجو أن تكون قادرة على فعل ذلك، وهو ما جعلها تشعر بالإحباط كون وجهة نظرها لم تؤخذ بجدية كما أن صوتها لم يصل كما أملت أن يكون.
وأدركت من ثم أن ليس كل ما يُراد يمكن أن يكون يسيراً في التحقق، وأن المساواة الحقيقية بين الرجال والنساء ما زالت شيئاً كامناً في المستقبل. ورغم كل الدعوات والحركات المطالبة بالمساواة، فإن أوان تلك المساواة لم يحن بعد.
وبناءً على هذه التصورات عكفت ماري بيرد على تأليف كتابها بمحاضرات كتبتها من عام 2014 إلى عام 2017. مبتغية أن يكون عملها فيه واقعاً خارج سياقات المنظومة الذكورية، شارحة لنفسها ولملايين النساء في العالم كيف يكون التساوي محبطاً في الثقافة الغربية بميكيانزمية الصمت النسوي، الذي ينبغي أن يواجه الذكورية بجدية مخلخلاً الهدوء الأدبي الذي تريده مراكز القوة.
وذهبت بيرد إلى أبعد مركز في العالم القديم فوجدته عند الإغريق والرومان، قائلة: «أنا أفكر في اللحظة التي بها خلدت أوديسا هوميروس قبل ثلاثة آلاف سنة مضت» ص3. وقصدها من وراء هذا التفكير مساعدتها في إلقاء الضوء على النسوية حينما كان الصمت خصوصيتها التي كان القدر قد كتبه عليها حتى بات تغييرها في الثقافة الغربية يحتاج إلى آلاف السنين من التمرين.
وابتدأت في الفصل الأول الذي عنونته بـ«صوت النساء العام» من ملحمة الأوديسا كأقدم تقليد من تقاليد الأدب الغربي وأول مثال مسجل فيه مطالبة الرجل للنساء أنْ يصمتن(shut up) لأن أصواتهن لن تُسمع بالعموم.
والملحمة التي بطلها أوديسيوس تعد من أدب المغامرات في العودة إلى الوطن وهي التي ألهمت أسخيلوس كتابة مسرحياته التي وصفها بأنها لا تعدو أن تكون فتاتاً من مأدبة هوميروس، لكن المهم بالنسبة لبيرد في الملحمة شخصيتان الأولى بينيلوبي الزوجة التي تنتظر عودة زوجها أوديسيوس التائه في البحر، مواجهة بدهاء محاولات تزويجها وقد تقدم لخطبتها أكثر من مائة رجل عريق النسب ليكون الذي ستتزوجه هو البازيليوس أي الزعيم. والشخصية الثانية تليماك الابن الذي كان يشكو أمه ويدعوها متحجرة القلب، لائماً إياها على ترك مكانها الحقيقي في القصر واتخاذها القبو مكاناً للحياكة التي متى تنتهي منها ستتزوج الرجل صاحب الرقم الأسعد. وبالمقابل كان لدى بينيلوبي شيء ما يمنعها أن تصمت كمثال أو دليل يؤرخ لبدايات تشكل الثقافة الغربية التي فيها أصوات النساء لا تُسمع على الصعيد العام.
وتأخذ بيرد على هوميروس أنه أسكت المرأة بينما جعل الرجل هو المتكلم الذي يمثل الجزء المتكامل للتعبير والكلام. ومن ذلك الكلمات العملية التي استعملها تليماك وكانت ذات أهمية حين قال: «إن الكلام رجل أعمال ككل الرجال» ص6 بالمعنى الميثولوجي للعبارة وليس بالمعنى الذي يهبط إلى الخرافة والأسطورة. وإن الخطاب الشعري والتدريب عليه طور تليماك من صبي إلى رجل له سلطة، وهو ما تضمنه الكتاب الأول من الملحمة الإغريقية، فضلاً عن إشارات أخرى إلى الخطاب الذكوري بوصفه سلطة عامة لا تستعمل القوة بالمعنى الطيب الذي هو معتاد عند النساء.
وما أثار حفيظة ماري بيرد هو هذه العلاقة بين لحظة الصمت النسوية في الملحمة الهومرية وبين الطرق التي بها لا تُسمَع أصوات النساء بالعموم في الثقافة المعاصرة على مختلف الصعد، بدءاً (من مقعد في العموم البريطاني وانتهاء بأرضية أي متجر أو محل بسيط) ص6. ورأت بيرد أن نظرة عن كثب للعلاقة الثقافية غير الملائمة بين أصوات النساء والصعيد العام لصناعة الكلام أو الخطاب الذكوري نقاشاً وتعليقاً سيتبين أن النساء اللائي يتحدثن خارج نطاق ما هو مراد منهن ما زلن يتعرضن للإساءة والسخرية. وأن أي تساؤل أو خطاب يدعم شعار الأنثوية تطرحه النساء بصوت علاني سيواجه بتهديدات شتى، منها الاغتصاب أو قطع الرأس أو الوضع البينيلوبي في أرضية تيلماكية.
ووجدت في مفهوم (كراهية النساء Misogyny) تشخيصاً لظاهرة الصمت النسوي التي كانت الفورة التليماكية هي أول من بدأتها، لتكون أكثر بروزاً في السياسات المعاصرة على نطاق المؤسسات الرسمية، مؤكدة (أن كراهية النساء وحدها هي الطريقة لوصف ما يجري الآن لكي نعرف حقيقة أن النساء حتى عندما لا يكن صامتات، فإنهن ما زلن يدفعن ثمناً غالياً ليظهرن ويتم سماع ما يُردن) ص8
وبسبب هذا الموقف المناهض للذكورية، قاومت ماري بيرد ـ كما تشير في الخاتمة ـ كثيراً من الإغراءات التي أرادت منها إجراء تغييرات جذرية أو تطوير بعض أفكار المانفيستو الذي طرحته في هذا الكتاب. وهو ما جعلها تعتزم مستقبلاً أن يكون تفكيرها متجهاً نحو إعادة تكوين مفاهيم القوة والسلطة، مركزة على فكرة (القيادة) التي هي صفة ذكورية بينما يفترض الأمر أن تكون مفتاحاً لنجاح المؤسسات من المدارس والجامعات إلى الأعمال والحكومات. ولا يحتاج الأمر جهداً كبيراً للتدليل على أن سطوة الذكورية جعلت النسوية تعاني من أنواع من التعسف والإساءات والإيذاء الجسدي والشرور، لأن ذلك متاح معرفته بسهولة عبر الإنترنت.
ومن الأمثلة التي عرضتها بيرد في كتابها موضع الرصد، مقابلة إذاعية جرت في أثناء الانتخابات البريطانية العامة في صيف 2017 بين رجل وامرأة يمثلان حزبين مختلفين وكيف أن الرجل لم تكن لديه أدنى فكرة عن التمييز العنصري أو تطوير التعليم العالي بينما كانت المرأة عارفة سياسة حزبها لكنها مع ذلك صارت موضع تندر وسخرية، ولم تخل المسألة من بعض العنصرية، مشيرة إلى أنه إذا كان لهذا الرجل فرصة أن يكون أفضل في المرة القادمة، فإن ما هو مؤكد أنه لن تكون لهذه المرأة مرة قادمة أصلاً. وهذا المثال يقودها إلى تأكيد أن لنا في تاريخ العالم القديم دروساً بسيطة عن قيام الجغرافيات السياسية وكيف أن السلطة لا تدوم. وما كان حصل سابقاً عند انهيار الإمبراطورية الرومانية يجعلنا نعرف أن التدخل العسكري الغربي الحديث في أفغانستان والعراق هو فكرة سيئة، وأن النظر بعمق إلى اليونان والرومان سيساعدنا في أن نرى أنفسنا بعمق ونفهم بشكل أفضل كي نفكر كيف نعمل (ص94ـ97) ومن ذلك التفكير باهتمام أكبر بأوديسا هوميروس التي يمكن أن تكون بحسب بيرد جريمة ثقافية إذا نحن قرأناها كقصيدة تستكشف طبيعة الفرق بين الحضارة والبربرية في العودة للوطن والولاء والانتماء لكي نتحقق بشكل فاعل من مسألة كراهية النساء في الغرب.
ومن أجل ذلك وضعت ماري بيرد كتابها (النساء والقوة) مؤكدة أنّ صورة توبيخ تليماك لأمه بنيلوبي حين تجرأت وفتحت فمها علناً ما زالت تتكرر مسرحتها في القرن الحادي والعشرين أيضاً.



كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
TT

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

أثار تطبيق مواعيد «الإغلاق المبكر» على التصوير الليلي موجة انتقادات من صُنّاع الأفلام، في حين رحّب سينمائيون بقرار رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مدّ مواعيد إغلاق المحال التجارية ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة. وفق قرار سابق بدأ تطبيقه في 28 مارس (آذار) الماضي.

وكان قرار «الإغلاق المبكر» قد تسبب في تعطّل تصوير كثير من الأعمال، في وقت تتسابق فيه شركات الإنتاج لحجز أماكن عرض ضمن موسمي عيد الأضحى والصيف، إضافة إلى مسلسلات «الأوف سيزون» للدراما التلفزيونية.

وأصدرت الحكومة المصرية، الخميس، قراراً جديداً بمدّ مواعيد عمل المحال التجارية والمطاعم ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً، وذلك حتى يوم 27 أبريل (نيسان) الحالي، تزامناً مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وفي إطار التيسير على المواطنين خلال فترة الأعياد. وأوضح رئيس الوزراء أن القرار يتماشى مع التطورات الأخيرة في «حرب إيران» والمفاوضات التي أسهمت في انخفاض نسبي في أسعار الوقود عالمياً.

ورأى سينمائيون أن قرار مدّ مواعيد فتح دور السينما حتى 11 مساءً يتيح إقامة عرض الساعة 9 مساءً، الذي يشهد إقبالاً جماهيرياً لافتاً، مؤكدين أن المنتجين تكبدوا خسائر بسبب قرارات الإغلاق خلال الأسبوعين الماضيين. وسارعت دور العرض إلى الإعلان عن تعديل مواعيد عروضها وإضافة عرض التاسعة مساءً.

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وأثار تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير الليلي جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب المخرج أمير رمسيس عبر حسابه على «فيسبوك»، مندداً بمنع التصوير السينمائي بعد الساعة 9 مساءً، ومطالباً المؤلفين بعدم كتابة مشاهد ليلية. ولفت إلى أنه حتى مع تدخل الدولة لتنظيم عدد ساعات العمل، فإن استهلاك الكهرباء يظل واحداً، لاعتماده على مولدات كهربائية خاصة بالتصوير، متسائلاً: «بأي منطق يُلغى التصوير الليلي من الدراما والسينما؟».

وقال رمسيس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «قرار تأجيل موعد الإغلاق حتى 11 مساءً، ومنح ساعتين إضافيتين، لا يمثل حلاً فعلياً لمشكلة التصوير، لأن المشاهد الليلية تمتد لساعات حتى الفجر. فهل يُعقل أن أُصوّر مشهداً واحداً يومياً داخل الاستوديو؟ هذا يضاعف التكاليف والخسائر».

وطالب رمسيس باستثناء تصوير المسلسلات والأفلام من مواعيد الإغلاق، مؤكداً أن منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقف مشروعات عدة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور خلال هذه الفترة.

وكان مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، قد أصدر بيانين، الخميس؛ أعلن في الأول أن منع التصوير بعد التاسعة مساءً، وغلق دور العرض، لهما آثار كارثية على اقتصاديات السينما والفن في مصر، مناشداً رئيس الوزراء استثناء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الدراما والاستوديوهات ودور العرض. وفي البيان الثاني، وجّه رسالة شكر لرئيس مجلس الوزراء على قرارات مدّ العمل والتصوير وعروض الأفلام حتى 11 مساءً.

ويرى المخرج سعد هنداوي أن «تحديد موعد لإنهاء التصوير يمثل صعوبة كبيرة للسينما عموماً، نظراً لوجود برنامج عمل يومي يجب تنفيذه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ظروف عالمية مرتبطة بالحرب وتأثيراتها، لكن يجب التعامل معها بتوازن»، مطالباً بفتح نقاش مع رئاسة الوزراء لاستثناء التصوير السينمائي والأعمال التلفزيونية، إضافة إلى دور العرض والمسارح، من مواعيد الإغلاق، نظراً لارتباطها بصناعة كبيرة ومصدر دخل لآلاف العاملين.

تسبب الإغلاق المبكر في خفوت الحركة وإظلام شوارع القاهرة (رويترز)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله أن «صناعة السينما تضررت كثيراً خلال الأسبوعين الماضيين مع تطبيق قرار الإغلاق المبكر في دور العرض»، مشيرة إلى أن «إتاحة عرض التاسعة مساءً خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال بعودة كافة العروض». وشددت على أن تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير السينمائي «أمر معطّل ومؤذٍ، يسبب خسائر يصعب تعويضها في صناعة تعاني بالفعل»، كما يؤثر على حجم الضرائب التي تتحصل عليها الدولة من صناعة الأفلام، ويخلّف آثاراً سلبية تفوق وفورات الطاقة المتوقعة.

ورحّب هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، بقرار مدّ العروض السينمائية حتى 11 مساءً، عاداً إياه انفراجة نسبية مع عودة عرض التاسعة مساءً، الذي يُعوَّل عليه كثيراً في إيرادات الأفلام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأفلام التي كانت تحقق نحو 8 ملايين جنيه يومياً قبل الإغلاق (الدولار يعادل نحو 53 جنيهاً مصرياً)، مثل فيلم (برشامة)، تراجعت إيراداتها إلى نحو مليونين يومياً، لكن مع عودة عرض التاسعة يمكن أن تصل إلى 5 ملايين يومياً، ما يزيد من حصيلة الضرائب». وأكد أن «الحكومة تبدي تفهماً عند توضيح أبعاد الأزمة وتقديم مطالب منطقية في ظل الظروف العالمية الراهنة».

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وكانت غرفة صناعة السينما قد وضعت تصوراً لحل مشكلة العروض السينمائية، يقوم على إلغاء الحفلات الصباحية ضعيفة الإقبال، التي تتحمل دور العرض تكلفتها دون عائد كافٍ، واقترحت أن يبدأ التشغيل من الساعة 4 عصراً حتى 12 ليلاً. وقال عبد الخالق: «أرسلنا خطاباً بذلك إلى رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة مدعماً بالأرقام، وقد وعد الدكتور مصطفى مدبولي بدرس المقترح، وهو أمر مُرضٍ بالنسبة لنا. كما نعتزم لقاء وزيرة الثقافة لعرض رؤيتنا ومطالبنا، أملاً في استثناء التصوير الليلي من مواعيد الإغلاق، حتى لا تتعطل الأعمال وتتراجع الصناعة».


حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
TT

حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)

جدّدت تصريحات المطرب المصري حمادة هلال الجدل حول توجّه بعض مؤدي المهرجانات والمطربين الشعبيين إلى التوصية بحذف أغنياتهم من المنصات الغنائية بعد رحيلهم، انطلاقاً من اعتقادهم بأن «الغناء حرام»، وأن حذفها يُعد نوعاً من التوبة وتصحيح المسار.

وقال هلال، في حديث لبرنامج «ميرور» على «يوتيوب»، إنه فكّر في الاعتزال سابقاً بعد مروره بضغوط نفسية وظروف صعبة، إثر تكبّده خسائر مادية في مشروعات خارج الوسط الفني، ما دفعه إلى إعادة التفكير في استمراره، غير أنه انتهى إلى أن العمل في هذا المجال هو الأنسب له والأقرب إلى طبيعته.

وفي الوقت نفسه، تطرَّق هلال إلى ظاهرة توصية بعض المطربين بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، مؤكداً أنه لن يفكر في حذف أعماله، مشيراً إلى أن هذه الأغنيات أصبحت ملكاً للجمهور ومرتبطة بذكرياته، ولا يرغب في حذف أي منها، فضلاً عن أنه لا يملك حقوقها بالكامل ليصدر قراراً بمنعها من الأساس.

وكان عدد من المطربين قد أعلنوا توصيتهم بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، استناداً إلى وصف بعضهم «الغناء بالحرام». وتصاعد الجدل حول هذه القضية عقب وفاة المطرب الشعبي ومؤدي المهرجانات أحمد عامر عام 2025، وإعلان حمو بيكا وآخرين حذف أغنياته، مع مناشدة شركات الإنتاج بذلك. وردّ بعض الجمهور على تصريحات بيكا آنذاك متسائلين: إذا كان يرى أن «الغناء حرام»، فلماذا لا يعتزل؟

الفنان حمادة هلال (فيسبوك)

ويرى الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «المطربين الذين يُحرِّمون الغناء بعد أن حققوا منه ثروات هائلة يفتقرون إلى الوعي والثقافة، ولا يدركون أهمية الفن»، مضيفاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الجدل المتكرر يعكس حالة من التذبذب وغياب الإيمان برسالة الفن، مقابل السعي إلى تحقيق المكاسب المادية».

وأشار السماحي إلى أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً بين مطربي «الراب» ومؤدي المهرجانات، ورأى أن هذا التفكير يعيدنا إلى عصور التراجع الحضاري، والثقافي، والفكري، داعياً من يرون الفن حراماً إلى التبرع بما كسبوه منه لأعمال الخير.

كما لفت إلى أن الفتاوى الدينية لم تُحرِّم الفن بشكل مطلق، مشيراً إلى كتاب صدر عام 1980 عن مفتي مصر آنذاك، تضمّن فتاوى تؤكد أن الموسيقى التي تُهذِّب النفس وترتقى بالوجدان ليست محرّمة، في حين يرى بعض العلماء أن المحرَّم هو الفن الذي يلهي عن العبادة. وأوضح أن «من لا يفهم رسالة الفن ودوره في تهذيب النفس وإمتاعها ويسعى إلى الربح فقط، عليه أن يبتعد عنه».

وكان المطرب المصري تامر حسني من بين من أثاروا هذا الجدل، ليس من خلال توصية بحذف أغنياته، وإنما عبر تصريحات سابقة أعرب فيها عن أمله في ألا يموت وهو مطرب. وقد لاقت هذه التصريحات تعاطفاً من بعض الجمهور، في حين رأى آخرون أنها تعكس «ازدواجية»، معتبرين أن من يرى الفن حراماً لا ينبغي أن يمارسه.

من جانبه، أيَّد الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد موقف حمادة هلال الرافض لحذف أغنياته، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الفني، بمجرد طرحه، يصبح ملكاً للجمهور، وهو أمر طبيعي.

وأضاف: «إن مسألة حذف الأغنيات بعد الوفاة ظهرت بشكل خاص بين المطربين الشعبيين ومؤدي المهرجانات، وفي رأيي أن الأولى بمن يرى هذا الفن مسيئاً له أن يمتنع عن تقديمه من الأساس».

وقد قدّم حمادة هلال كثيراً من الألبومات والأغنيات التي تتميَّز بخفة الظل والطابع الشبابي القريب من الشعبي، من بينها «دموع»، و«دار الزمان»، و«بخاف»، و«بحبك آخر حاجة»، و«ما تقولهاش»، كما شارك في أعمال سينمائية ودرامية، منها فيلم «عيال حبِّيبة» ومسلسل «المداح».


«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
TT

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«لديَّ اعتقادٌ شخصي بأنني عشتُ في عصر الملك أخناتون طالبَ فن، وكنتُ أعمل على رسم الجداريات في مقابر بني حسن، وحين انقلب كهنة آمون على أخناتون هربتُ من تل العمارنة وتوجَّهتُ إلى مقابر بني حسن، وأديتُ صلاة الخوف، لأجد نفسي في نقلة زمنية سحرية أتحول فيها إلى طالبٍ في كلية الفنون الجميلة بالمنيا (جنوب مصر) عام 1983».

بهذه الكلمات بدأ الفنان التشكيلي المصري حسن غانم حديثه عن معرضه الحديث «الهارب من بني حسن»، الذي يستضيفه غاليري «ضي» في الزمالك وسط القاهرة حتى 23 أبريل (نيسان) الحالي، ويضم أكثر من 50 لوحة من التصوير والحفر، تشير إلى مراحل متنوعة من مسيرة الفنان.

الفنان حسن غانم مع إحدى لوحاته (بوستر المعرض)

يُعدّ غانم واحداً من الفنانين المصريين البارزين في فن الحفر (الغرافيك)، وقد تخصَّص في هذا الفن منذ عام 1988 بوصفه فناناً محترفاً، ويُصنَّف ضمن أبرز فناني الحفر في مصر، إلى جانب فتحي أحمد، وحسين الجبالي، وعبد الوهاب عبد المحسن، وهو ما يتجلّى في أعماله التي تنتمي إلى مراحل زمنية متعددة.

يتحدث غانم عن رحلته عبر الزمن من الحياة في عصر أخناتون، وتجربة الرسم في مقابر بني حسن، التي تُعدّ من أهم الآثار المصرية القديمة في محافظة المنيا، إلى العصر الحالي الذي يزخر بآليات ووسائل حديثة للفن والإبداع؛ لكنه يصل الماضي بالحاضر، والحاضر بالماضي، ليقدم عبر هذا الوصل أعمالاً فنية تستدعي روح الفن المصري القديم وتتماس مع الواقع المعاش.

لوحات المعرض ربطت بين الماضي والحاضر (الشرق الأوسط)

ويقول غانم لـ«الشرق الأوسط»: «تأثرتُ كثيراً بحياة المصريين القدماء، ورموزهم، واحتفالاتهم الشعبية، وقد ظهر هذا التأثر في أعمال المعرض وفي لوحات قدمتها خلال مسيرتي الفنية. فجميع الموتيفات الموجودة في لوحات المعرض لها امتداد لدى المصريين القدماء، لكن انعكاساتها على سطح اللوحة تقدم معنى جديداً».

ويتابع: «لقد توارثنا كثيراً من الألعاب والعادات والتقاليد من المصري القديم، وقد اندمجت في بنية الفكر والوجدان المصري الحديث، ولذلك يمكن أن نجد تيمات شعبية في أعيادنا ومناسباتنا المختلفة حالياً، كانت موجودة في السابق بشكل أو بآخر، وبالدلالات نفسها لدى المصري القديم».

المعرض تضمن بانوراما لمشوار الفنان (الشرق الأوسط)

التجربة «الغرافيكية» في هذا المعرض لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره؛ فالخطوط المحفورة، والخدوش المتقاطعة، وتوتر الأبيض والأسود، كلها تُشكّل بنية بصرية أقرب إلى خريطة الوعي. يأتي ذلك في سياق ثقافي وتاريخي يُحدد لغته البصرية من خلال العودة إلى رمزية المقابر القديمة، والأشكال، والقصص، والأساطير، حسب كلمة للناقد والفنان التشكيلي الدكتور حكيم جماعين.

الحضور الطاغي للمرأة في اللوحات يشير أيضاً إلى أفكار مرتبطة برمزيتها في الحضارة المصرية القديمة ودورها المحوري فيها. فوفق الفنان: «المصري القديم أبدى احترامه وتقديره للمرأة التي تبني وتمثّل سنداً للأسرة، والمجتمعات الحديثة تؤكد أن المجتمع لا يمكن أن يتقدم من دون المرأة ودورها المحوري، خصوصاً حين تكون على درجة عالية من الوعي بقيمتها وتأثيرها في المجتمع، وهو ما انعكس في بعض اللوحات».

لوحات المعرض تنوعت بين التصوير والغرافيك (الشرق الأوسط)

وما بين فن التصوير، الذي استخدمه الفنان عبر تكوينات لونية ومواقف وأشكال تحمل فلسفة وفكراً معيناً، وفن «الغرافيك» الذي يحمل دلالات عالية في التكثيف والاختزال، يميّز الفنان بين الموضوعات التي تشغل لوحاته في كل منهما، مؤكداً الدور البارز للألوان في لوحات التصوير، على عكس الحفر (الغرافيك) الذي يميل إلى التكثيف والاختزال.

وبتقنياته الخاصة في الحفر على الخشب، ينتج الفنان لغة بصرية قائمة على التباين الحاد بين الأبيض والأسود، إلى جانب الإيقاع الخطي المتوتر، والكثافة التعبيرية الناتجة عن «التهشير» والتقاطع، وهي خصائص تجعل العمل الفني أقرب إلى حالة نفسية مكثفة منه إلى مشهد وصفي مباشر، وفق وصف الدكتور محمد عبد المنعم، أستاذ التصوير في كلية الفنون الجميلة بالمنيا.

الثيمات المصرية القديمة في أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

تمثل بعض اللوحات بانوراما أو إطلالة واسعة على مسيرة الفنان؛ من بينها لوحة شارك بها في ترينالي بولندا الدولي للغرافيك عام 1991، وحصل فيها على جائزة البينالي. كما تضم المعروضات أعمالاً تعود إلى الثمانينات، تمثل أساطير وقصصاً شعبية وتاريخية، مثل سيرة عنترة بن شداد.

وتحضر الحيوانات والحشرات والطيور بكثافة في أعمال الفنان، وهو ما يفسّره بأنها شريك أساسي للإنسان في الحياة، فضلاً عن دلالاتها الرمزية في التصورات الشعبية وفي الحضارة المصرية القديمة.

Your Premium trial has ended