ترمب يصعّد هجماته على الديمقراطيين ويتهمهم بالكذب

مشرعون يناقشون صفقة «بولتون مقابل بايدن»

رتبت الجلسات لفريق الدفاع والادعاء في مجلس الشيوخ على شكل قاعة محكمة (أ.ب)
رتبت الجلسات لفريق الدفاع والادعاء في مجلس الشيوخ على شكل قاعة محكمة (أ.ب)
TT

ترمب يصعّد هجماته على الديمقراطيين ويتهمهم بالكذب

رتبت الجلسات لفريق الدفاع والادعاء في مجلس الشيوخ على شكل قاعة محكمة (أ.ب)
رتبت الجلسات لفريق الدفاع والادعاء في مجلس الشيوخ على شكل قاعة محكمة (أ.ب)

مع انطلاق اليوم الرابع من إجراءات محاكمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مجلس الشيوخ، احتدم الجدل بين الطرفين الديمقراطي والجمهوري على خلفية استدعاء شهود. وبدأ الديمقراطيون اليوم الأخير المخصص لهم لعرض أدلتهم أمام المجلس بتركيز قضيتهم على تهمة عرقلة عمل الكونغرس، وهو بند من بندَي الاتهام اللذين يناقشهما فريقا الدفاع والادعاء أمام مجلس الشيوخ. واتهم فريق الادعاء الإدارة الأميركية بصد إفادات عدد من الشهود خلال جلسات الاستماع التي عقدها مجلس النواب، وبعدم الامتثال لطلب المحققين في الحصول على وثائق متعلقة بتجميد المساعدات لأوكرانيا. لكن ترمب لم يجلس ساكناً خلال إجراءات محاكمته التاريخية، بل استمر بتصعيد هجومه على الديمقراطيين، واتهمهم بالكذب والخداع في عرض الأدلة. كما تذمر ترمب في سلسلة من التغريدات من توقيت بدء الدفاع بعرض أدلته يوم السبت: «بعد أن تمت معاملتي بشكل غير عادل أبداً في مجلس النواب، وبعد أن عانيت من الاستماع لساعات وساعات من الأكاذيب والغش والخداع من قبل آدم شيف (الخائب) وتشاك شومر (الباكي) وفريقهما، يبدو أن أعضاء فريق الدفاع سوف يضطرون إلى البدء بمرافعاتهم يوم السبت، المعروف بوادي الموت في عالم التلفزيون».
ما يقصده ترمب هو أن فريق الدفاع سوف يبدأ في نقض أدلة الادعاء يوم السبت، بعد انتهاء مهلة الأربع وعشرين ساعة المخصصة لفريق الادعاء يوم الجمعة، وهو أمر تم التصويت عليه بأغلبية مجلس الشيوخ. ولم يتوقف ترمب عند هذا الحد من الانتقادات، بل اتهم الديمقراطيين بمحاولة التأثير على انتخابات عام 2020 من خلال إجراءات العزل. وكان الرئيس الأميركي قد حطّم رقمه القياسي الخاص في التغريدات التي كتبها يوم الأربعاء. فوفقاً لشركة «فاكتبايس» التي تتابع تغريداته، غرّد الرئيس الأميركي 142 مرة في يوم واحد فقط بعد انتهاء مشاركته بمؤتمر دافوس. وهذا يدلّ على استيائه الشديد من سير محاكمته. هذا، ويركز الديمقراطيون خلال عرض أدلتهم في جلسات المحاكمة على تصرفات ترمب حيال أوكرانيا. وبعد عرض أدلة مختلفة توجه كبير المدعين النائب آدم شيف إلى أعضاء مجلس الشيوخ خلال مرافعته قائلاً: «السؤال هو، ما إذا كانت تصرفات الرئيس الأميركي الخامس والأربعين تستدعي خلعه من منصبه لأنه استغل هذا المنصب وثقة الأميركيين من خلال استعمال سلطته لأهداف شخصية، وذلك من خلال طلب مساعدة خارجية غير شرعية للفوز بحملة إعادة انتخابه. إن هذا التصرف يجب أن يعتبر كافياً لخلعه من منصبه».
وبعد انتهاء فريق الادعاء من عرض أدلته يوم الجمعة، من المرجح أن يبدأ فريق الدفاع بنقض هذه الأدلة يوم السبت، خلال جلسة نادرة لمجلس الشيوخ الذي قلما يعقد في عطلة نهاية الأسبوع. وسوف يستريح أعضاء المجلس يوم الأحد قبل أن يباشر فريق الدفاع بعرض قضيته الأسبوع المقبل حتى انتهاء مهلة الأربع وعشرين ساعة المخصصة له. يأتي هذا في وقت تصاعد فيه الجدل القائم حول استدعاء شهود، وهي خطوة سيصوت عليها المجلس بعد انتهاء عرض الحجج وطرح أسئلة على فريقي الدفاع والادعاء. ويتحدث الطرفان الديمقراطي والجمهوري وراء أبواب مغلقة عن تسوية تقضي بموافقة الجمهوريين على استدعاء مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون للإدلاء بإفادته في حال وافق الديمقراطيون على استدعاء نائب الرئيس الأميركي الأسبق جو بايدن ونجله هنتر. وقد دافع الديمقراطيون بشكل مسهب عن بايدن خلال مرافعات اليوم الثاني؛ الأمر الذي فتح الباب أمام الجمهوريين لربط استدعاء شهود من الإدارة باستدعاء بايدن. وقال السيناتور الجمهوري جون كورنين: «إن الديمقراطيين جعلوا من تصرفات جو وهنتر بادين محوراً لقضيتهم، ونفوا وجود أي نوع من الفساد في أوكرانيا المرتبط بهنتر وجو بايدن. في حال استدعاء شهود، ألا يحق للرئيس إثبات العكس؟».
ويعكس موقف كورنين مواقف الكثير من الجمهوريين الذين بدأوا شيئاً فشيئاً بتصعيد الحديث عن دعمهم لعدم استدعاء أي شهود. ولوحوا بأن البيت الأبيض قد يستعمل صلاحيات ترمب التنفيذية لصد بولتون من الإدلاء بإفادته. وقال السيناتور الجمهوري رون جونسون، إن قرار استعمال الصلاحيات التنفيذية سيؤدي إلى تدخل المحاكم وإطالة وقت المحاكمة في مجلس الشيوخ: «هل نريد إطالة الوقت؟ لا أعتقد أننا نريد ذلك». وكان زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر قال للصحافيين، إنه يعارض أي تسوية تتضمن تقديم بولتون لإفادته مقابل إفادة بايدن: «هذا أمر غير مطروح. يحق للجمهوريين استدعاء أي شاهد يريدونه، لكنهم رفضوا ذلك. هذه الصفقة غير مطروحة على الطاولة».
موقف دعمه بايدن الذي رفض فكرة الإدلاء بإفادته في إجراءات محاكمة ترمب. وقال بايدن للناخبين في ولاية أيوا: «إن السبب الذي يدفعني إلى عدم القبول بهذه الصفقة هو أن هذه قضية دستورية. ولن نحولها إلى مهزلة أو مسرح سياسي. الجمهوريون يحاولون فعل هذا ولا أريد أن أشاركهم بذلك».
وتابع بايدن قائلاً: إنه في حال لم يدن مجلس الشيوخ ترمب، فإن هذا الأخير سيخرج من الصراع أقوى، وسيصبح من الأصعب هزيمته في الانتخابات. وأضاف: «لن ألعب لعبته. إن وظيفة مجلس الشيوخ الآن محاكمته ووظيفتي أنا هزيمته».
لكن موقف بايدن لم يلق استحساناً في صفوف بعض الناخبين الديمقراطيين الذين بدأوا يضيقون ذرعاً من الاستراتيجية الديمقراطية لمواجهة ترمب. ويقول الناخب ستيفين ديلغادو الذي يدعم بايدن: «على الديمقراطيين وقف هذا الهراء القاضي بعدم المواجهة بطريقة عدائية. هذه حرب شوارع». واعتبر ديلغادو أن إدلاء بايدن بإفادته أمام المجلس سيكون لصالح الديمقراطيين: «سوف يرى الناخبون أن بايدن رجل جيد ومحترم».

- استطلاعات الرأي
وتوافق أغلبية الأميركيين مع هذا رأي هذا الناخب، فبحسب استطلاع للرأي لـ«رويترز - ايبسوس»، يؤيد 72 في المائة من الناخبين استدعاء شهود خلال جلسات المحاكمة. ويقول 70 في المائة من الناخبين، إن أعضاء مجلس الشيوخ يجب أن يؤدوا واجبهم كهيئة محلفين غير حزبية خلال المحاكمة.
وبحسب الاستطلاع الذي نشر الأربعاء، يؤيد 44 في المائة من الناخبين خلع ترمب من منصبه، في حين يدعم 31 في المائة تبرئته، ويدعو 15 في المائة إلى وجوب توبيخه رسمياً.

- تبرعات جمهورية
وعلى الرغم من أرقام الاستطلاعات، فإن موضوع العزل أعطى الجمهوريين دفعاً كبيراً في التبرعات لحملاتهم الانتخابية. فقد تمكنت المجموعات الداعمة للجمهوريين من جمع أكثر من 68 مليون دولار في عام 2019 نتيجة لسعي الديمقراطيين لعزل الرئيس الأميركي، بحسب تقرير صادر عنها. وقال ستيفين لو، رئيس إحدى المجموعات الجمهورية، إن أكثرية المبالغ تم التبرع بها في آخر شهرين من عام 2019 عندما بدأ الديمقراطيون في إجراءات العزل. وتابع لو: «إن هذا الحماس في صفوف المتبرعين لم أشهده من قبل». هذا، وقد تمكن ديفين نونيز، كبير الجمهوريين في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، وأحد أشرس المدافعين عن ترمب في إجراءات عزله، من جمع أكثر من 7 ملايين دولار لحملته الانتخابية المقبلة.
وقد عوّل نونيز على دعمه ترمب لجمع هذه الأموال من المتبرعين الذين يعارضون إجراءات العزل. كما أعلنت حملة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الانتخابية أنه تمكن من جمع أكثر من 10 ملايين دولار في عام 2019 لخوض حملته الانتخابية. وقد تبرع الناخبون بنحو 4 ملايين من أصل 10 في الشهرين الأخيرين من العام.
وقالت حملة غراهام الانتخابية، إن هذا المبلغ هو أكبر مبلغ تمكن أي مرشح حكومي من جمعه في تاريخ ولاية ساوث كارولاينا، معقل غراهام الانتخابي.

- مشاهدات طريفة في المحاكمة
> مع دخول المحاكمة يومها الرابع وغياب الجوالات عن قاعة مجلس الشيوخ بدأ المشرعون بالتململ، ووجدوا وسائل خلّاقة لتمضية الوقت. فشوهد البعض منهم يحرّك ما يعرف بـ«لعبة دواليب التركيز» التي وزعها السيناتور الجمهوري ريتشارد بير على زملائه. كما لجأ بعضهم إلى حل الأحجية، وقراءة كتب. وبعضهم اختار اتخاذ قيلولة قصيرة في مقعده.
- دعا السيناتور الجمهوري راند بول الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحضور جلسات المحاكمة شخصياً. وقال بول في تغريدة: «سمعت أن الرئيس يود حضور المحاكمة. السيد الرئيس أدعوك لتكون ضيفي خلال هذه المسرحية الحزبية». وأرفق بول بالتغريدة صورة لبطاقة رسمية لحضور المحاكمة.
- صافح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام كبير المدعين الديمقراطي آدم شيف بعد انتهاء مرافعته. وقال غراهام لشيف إن خطابه الافتتاحي كان جيداً جداً: «لقد قمت بعمل جيد، أنت تتحدث بلباقة». غراهام، وهو من حلفاء ترمب المقربين، شغل منصب قاض عسكري في السابق.

- انخفاض نسب المشاهدة التلفزيونية للمحاكمة
> تابع نحو 8.9 مليون مشاهد إجراءات محاكمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مجلس الشيوخ يوم الأربعاء، وهو اليوم الأول الذي استعرض فيه الديمقراطيون تفاصيل قضيتهم ضد الرئيس؛ مما يمثل انخفاضاً كبيراً من قرابة 11 مليون مشاهد يوم الثلاثاء وفقاً لبيانات شركة «نيلسن» لنسب المشاهدة. وتركزت نسب المشاهدة من الساعة الواحدة ظهراً وحتى الخامسة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة على شبكات «إيه بي سي» و«سي إن إن» و«سي بي إس» و«إن بي سي» و«إم إس إن بي سي» و«فوكس نيوز».
واستمرت المحاكمة حتى الساعة 9:43 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة في تلك الليلة. ومن غير المرجح أن تنتهي ثالث محاكمة لعزل رئيس في تاريخ الولايات المتحدة بتصويت يزيح ترمب من منصبه؛ إذ يعبر الجمهوريون الذين يسيطرون على مجلس الشيوخ عن تأييدهم للرئيس باستمرار. وتشير نسب المشاهدة إلى أن جمهور التلفزيون تراجع 19 في المائة عن جلسة يوم الثلاثاء والتي ركزت على المسائل الإجرائية.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام، والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة، أو تجعلها ضحايا، والشركاء التجاريين إلى خصوم، وتُسبب اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.