كوب من الشاي.. مع إرهابي

جدل لا يتوقف حول حدود العلاقة بين المتطرفين والصحافيين

دانيال بيرل، اسامة بن لادن، أبو حمزة المصري
دانيال بيرل، اسامة بن لادن، أبو حمزة المصري
TT

كوب من الشاي.. مع إرهابي

دانيال بيرل، اسامة بن لادن، أبو حمزة المصري
دانيال بيرل، اسامة بن لادن، أبو حمزة المصري

كان سؤالا طرحه على مسامعي أحد المعارف أثناء زيارة لي في فترة السبعينات إلى دولة أورغواي لحضور اجتماع معهد الصحافة العالمي (IPI). من الطبيعي لأي مراسل أن يرحب بدعوة لتناول الشاي مع السكان المحليين. ولكن في هذه الحالة، رغم ذلك، كانت المشكلة في أن حركة توباماروس هي حركة متمردة انخرطت في أعمال إرهابية ضد حكومة أورغواي ولعدة سنوات.
غالبا ما يواجه الصحافيون الذين يعملون على تغطية الصراعات في مختلف أنحاء العالم مثل تلك المعضلات مع مزيج من القلق وأحلام البطولة. وفي حالتي تلك، لم يكن هناك مجال لأي طموحات بطولية إلا إذا كان السبب أنه في الوقت الذي تقابلت فيه فعليا مع قادة حركة توباماروس كانوا قد عقدوا العزم على إلقاء السلاح والدخول في مفاوضات من أجل تأمين قدر من السلطة في مدينة مونتيفيديو عاصمة البلاد. كان الرجال الـ5 الذين تناولت الشاي معهم في العقد الخامس أو السادس من أعمارهم ويبدون مسنين. ولم يكن أي منهما حازما بما يكفي ليدفع أوزة أمامه في الطريق فضلا عن ترويع جيش أميركي مجهز.
أينبغي على أحدنا إجراء مقابلة صحافية مع إرهابي من عدمه؟ ظل تساؤلا تدور حوله مناقشات الأخلاقيات الصحافية منذ القرن الـ19 حينما استخدم الفوضويون في أوروبا الغربية والشعبيون في الإمبراطورية القيصرية الإرهاب أداة سياسية.
مبدئيا، كان العائق أمام مثل تلك المقابلات هو رفض الإرهابيين تقبل فكرة حسن النية من جانب أي صحافي أو مراسل. وبالنسبة إلى نيشاييف، زعيم الإرهاب الروسي شبه الأسطوري، فإن جميع الصحافيين كانوا عملاء لدى جهاز أوكرانا، الشرطة السرية القيصرية. وفي المقابل، كان بيتر كروبوتكين، زميل نيشاييف المقرب وزعيم الفوضوية الروسية الأول، يفضل التحدث إلى الصحافيين ويتخذ من ذلك وسيلة في «نشر رسالته».
لم تقتصر الصعوبات الأولية على متاعب إقناع الإرهابيين بالحديث إلى الصحافيين. ولكن كانت هناك صعوبة أكبر من ذلك تكمن في كيفية صد ضغوط الشرطة السرية التي كانت ترغب في تحويل الصحافيين إلى جواسيس غير رسميين.
وعلى مر السنين، وكما هو الحال في غير واحد من مجالات الممارسات الصحافية، بدا أمر وكأنه نموذج فيما يخص التواصل مع الإرهابيين من خلال الأعمال التي قام بها صحافيون رواد. فقد أسند جورج سوريل، الموظف المدني الفرنسي الذي تحول إلى كاتب، أبرز أعماله حول العنف السياسي على سلسلة من المقابلات الشخصية التي أجراها مع الفوضويين والماركسيين الذين يستخدمون الإرهاب وسيلة لتحقيق مآربهم.
وجاء التساؤل التالي الكبير من حيث من الذي يمكن اعتباره إرهابيا؟ وقد خضع ذلك التساؤل للكثير من البحث والنقاش لما يربو على 150 عاما ولا يزال يثير الكثير من الجدالات المحتدمة في أروقة منظمة الأمم المتحدة. فلقد جعلت عبارة «إرهابي أحدنا هو مقاتل حر لدى آخرين» من الإجماع على تعريف بعينه أمرا عسيرا إن لم يكن مستحيلا.
يدفع غياب التعريف الموحد المقبول بالصحافيين إلى ادعاء أنهم إما أطباء أو متعهدو وفيات، أي أنهم يتعاملون مع الجميع بصرف النظر عن وضعيتهم في الحياة. وذلك القدر من الهراء دفع بعضنا إلى إجراء مقابلات مع شخصيات مثل رادوفان كارادزيتش، الإرهابي البوسني الصربي الذي انتهى به الحال إلى مجرم حرب.
وهو الهراء ذاته الذي دفع جون ميللر، أبرز مراسلي تلفزيون «إيه بي سي» الأميركي، لإجراء مقابلة مع أسامة بن لادن في أول أيامه كـ«أكثر الإرهابيين المطلوبين على مستوى العالم». كما أنه قام بدور الوسيط لعدد من الصحافيين السعوديين ومن بينهم السيد جمال خاشقجي من صحيفة «العرب نيوز».
يجب اعتبار بن لادن أكثر العقول الإرهابية المدبرة الساعية إلى الظهور واستجلاب الاهتمام لنفسه. وخلال السنوات الـ10 السابقة على اختفائه في عام 2002. تقابل بن لادن مع ما يقرب من 20 صحافيا، ومن بينهم الصحافي البريطاني روبرت فيسك وعبد الباري عطوان. وحتى عقب عزلته حاول بن لادن البقاء في بؤرة الاهتمام، تصدر الأنباء من خلال إرسال المواد الصوتية وأحيانا مقاطع الفيديو إلى قناة «الجزيرة» القطرية.
ولم يكن بن لادن وحده أبرز الشخصيات بين زعماء الإرهاب في العالم. فلقد كان لأبيمايل جوزمان، زعيم جماعة الدرب الساطع، وهي مجموعة إرهابية تعمل في دولة بيرو، قائمة طويلة من الاتصالات الصحافية التي كان يمكنه الاتصال بها هاتفيا في أي وقت من النهار أو الليل، مفترضا أنه سوف يدلي بتصريح «حصري» ولكن الاحتمال الأرجح هو من أجل كسر حدة الملل لديه. وتقول الأسطورة إنه وقع في غرام مراسلة صحافية لمدة 5 سنوات حتى إنه كتب فيها قصيدة شعر.
يمكن أن يؤدي التحدث مع الإرهابيين، بطبيعة الحال، إلى أن يخاطر المرء بحياته. وذلك تحديدا ما لاقاه صحافي جريدة «وول ستريت جورنال»، دانيال بيرل ذو الروح الجميلة بحق، والذي استدرج إلى فخ في باكستان مع وعد بمقابلة أحد كبار زعماء حركة طالبان الإرهابية، لينتهي به المطاف مذبوحا أمام الكاميرات كما تذبح الخراف.
لا ينتهي دائما المطاف بالصحافي الذي يدخل عرين الأسد بالقتل، ففي بعض الأحيان يجري احتجازه رهينة. وهذا ما لاقاه مراسل «أسوشييتد برس» تيري أندرسون الذي احتجزه «حزب الله» في بيروت منذ نحو 6 سنوات. كما استدرج «حزب الله» اللبناني صحافيين آخرين من خلال وعود بإجراء مقابلات، ثم يجري احتجازهم رهائن، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى الآيرلندي بريان كينان والأميركي جيري ليفين. وجدير بالذكر أن «حزب الله» اللبناني الذي يخضع لسيطرة إيران يتصرف بناء على أوامر من أسياده المناصرين للخميني في طهران. ومع ذلك، احتجز الملالي الإيرانيون أيضا صحافيين من تلقاء أنفسهم، بمن فيهم جيرالد سيب بصحيفة «وول ستريت جورنال» الذي استدرج من خلال وعود بإجراء مقابلات حصرية. وحتى تلك اللحظة، لا يزال مراسل صحيفة «واشنطن بوست» جيسون رازيان محتجزا في طهران.
هناك طريقة واحدة ليحصن المراسل نفسه من خلال تبني اتجاه يحظى بتقدير الإرهابيين الذين يطمح الصحافي إلى إجراء تغطية صحافية بشأنهم. وهذا ما يتبعه المراسلون الغربيون من خلال تبني موقف مناوئ للولايات المتحدة الأميركية من أجل إرضاء «حزب الله» والملالي في طهران، وحركة طالبان، وتنظيم القاعدة.
بعض العقول المدبرة الإرهابية تتظاهر بعدم الاهتمام عندما تتمتع بالنفوذ، ولكنهم يبدأون البحث عمن يجري مقابلات معهم عندما يتم إقصاؤهم، كما هو الحال مع الملا محمد عمر، قائد طالبان؛ فعندما كان يحتل منصبا مهما في كابل، أجرى مقابلة واحدة فقط مع مراسل وكالة الأنباء الألمانية بيزهان ترابي. وبمجرد استبعاده في 2002، أصبح الملا «متاحا» لإجراء مقابلة مع إذاعة «صوت أميركا» وخدمة اللغة البشتونية التابعة لـ«بي بي سي»، ناهيك عن نصف دزينة من المنشورات الباكستانية.
وقد قام بعض الإرهابيين بقتل صحافيين باعتباره شيئا مفروغا منه لأنهم يعدون ذلك التصرف من الوسائل الفعالة لإظهار مدى نفوذهم وقوتهم. ويمكن الإشارة هنا إلى آخر ضحايا هذا الأسلوب وهما الصحافيان جيمس فولي وستيفن سوتلوف، اللذان ذبحا على يد تنظيم داعش.
كانت قضية إجراء حديث مع الإرهابيين مصدر إلهام لعدد من الكتب التي جرى تأليفها، ومن بينها كتاب «التحدث إلى الإرهابيين» للكاتبة آن سبيكهارد؛ و«إرهاب باسم الله» للكاتبة جيسيكا ستيرن؛ وكذلك كتاب «إجراء مقابلات مع إرهابيين» للكاتب جو نافارو.
ومع ذلك، حتى تلك اللحظة، لا تزال مسألة التحدث أو عدم التحدث مع الإرهابيين موضع تساؤل.



استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.