إحسان عبد القدوس بعد ثلاثين سنة... شعبية واسعة وإهمال نقدي

كتاب ونقاد مصريون يدعون لإعادة قراءة أعماله

إحسان عبد القدوس
إحسان عبد القدوس
TT

إحسان عبد القدوس بعد ثلاثين سنة... شعبية واسعة وإهمال نقدي

إحسان عبد القدوس
إحسان عبد القدوس

هل ظلمت الحياة الثقافية إحسان عبد القدوس، الكاتب الذي شغل القراء بكتاباته التي تحول معظمها إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية، وانتصر لحرية المرأة ودافع عن حقوقها كشرط لحرية المجتمع؟ هناك من يرى ذلك، إذ إنه لم يلقَ الاهتمام النقدي اللائق به، وما يكتب عنه بالكاد يتناول حياته الصحافية ومواقفه السياسية متجاهلاً أعماله، هذا إلى جانب مقص الرقابة السينمائية الذي حرف كثيراً من رواياته.
في هذا الشهر، مرت ذكرى ميلاد ووفاة إحسان عبد القدوس (1 يناير / كانون الثاني 1919 - 12 يناير / كانون الثاني 1990). وفي هذا التحقيق، يدعو عدد من الكتاب والنقاد المصريين إلى إعادة قراءة وتقييم أعماله من قبل مجموعة من الكتاب والنقاد، لكشف المشترك الإنساني والفني فيها، وكذلك مدى تأثير كتاباته الصحافية على نوعية نتاجه الأدبي.

في البداية، يرى الكاتب الناقد السينمائي محمود قاسم أن السينما ظلمت أعمال إحسان عبد القدوس، ولم تقدمها كما تستحق، بخاصة فيما يتعلق بنهايات الأفلام التي حُرفت لصالح نهايات وعظية، مثلما حدث مع أفلام: «لا أنام»، و«لا تطفئ الشمس»، و«أنا حرة»، و«العذراء والشعر الأبيض»، مشيراً إلى أن إحسان كان يعرف دور الفن، ولذلك نجده في رواياته يقدم الواقع كما هو، من دون تزييف، مع العلم أن هناك أعمالاً كثيرة له استعصت على السينما، بخاصة كتاباته النفسية، مثل رواية «ثقوب الثوب الأسود».
ووصف قاسم إحسان عبد القدوس بأنه «أهم كاتب في مصر طوال القرن العشرين».
ورغم ذلك، فهو كما يضيف: «لم يلقَ التكريم المستحق من جانب الدولة التي منحته جائزتها بعد وفاته، وكأنها نوع من الترحم، أو قراءة الفاتحة على روحه». وأرجع قاسم السبب في ذلك إلى كونه كاتباً جريئاً وغير تقليدي، وكانت الدولة لا تنحاز لهذا النوع من الكتابة، بل تعطي جوائزها للكتاب التقليديين.
ونفى محمود قاسم ما يقال حول أن كتابات إحسان عبد القدوس سطحية، وذات لغة صحافية، وليست أدبية، قائلاً: «كانت لغته أدبية بسيطة، ابتعد فيها عن التجريب، لأنه اختار أن يكتب لكل الناس، وليس لفئة معينة، أو طبقة ثقافية بعينها»، لافتاً إلى أن الفترة التي كتب فيها مقالاته «على مقهى الشارع السياسي» كانت لغته جافة، نظراً لكونها كتابات سياسية، وربما انعكست تلك اللغة على رواياته في هذه المرحلة، مثل رواية «لا تتركوني هنا وحدي»، ولكن هذا بالطبع لا يجعلنا نصنف جميع أعماله بالتنصيف ذاته.

- إعادة قراءة
من جهتها، ترى الناقدة الأدبية أماني فؤاد أن الفترة الثقافية التي عاش فيها إحسان عبد القدوس كانت من أزهى المراحل الثقافية في مصر، إذ كان من الممكن طرح الأفكار الجريئة، بخاصة أنها كانت عقب الفترة التنويرية مباشرة، وكانت البلد لا تزال تتمتع بآثار المد الليبرالي، كما أنه بعد «ثورة يوليو» لم يكن هناك قيود كبيرة، حيث إن التيار السلفي لم يكن قد توغل في المجتمع.
وتضيف فؤاد: «هذه البيئة وفرت لإحسان عبد القدوس المناخ لأن يعبر عن حركة تحرر المرأة في هذا الوقت بجرأة، ولم يفعل ذلك عبر الشعارات، بل من خلال نماذج إنسانية لها نسق سياسي معين، يتضمن جوانب نفسية واجتماعية وإبداعية، وبرع في أن يجسد هذا المزج بين هذه الجوانب من خلال شخصية المرأة في رواياته، إذ حوّل الأفكار المجردة، وما كان ينبغي أن يتم تأصيله فكرياً، إلى نماذج بشرية؛ وهنا تكمن أهمية منتجه الأدبي».
وأشارت إلى أن كثيراً من النقاد يحصرون إبداعاته في الكتابة عن المرأة فقط، قائلة: «إن هذا ليس صحيحاً، فهو لم يقدم المرأة بصفتها (الجندرية) فحسب، بل كانت تجلياً للمجتمع بجميع ظروفه، وتجلياً لتلك المرحلة من عمر مصر»، مشيرة إلى بطلة رواية «الخيط الرفيع»، وكيف استطاع عبر الحوار الذي قيل على لسانها التعبير عن فساد المجتمع بأكمله، وكذلك روايته «أنا حرة» المختلفة كلياً عن الفيلم «إذ استطاع فيها تعرية ازدواجية المجتمع بقدرة فائقة، وكيف أظهره بأنه مجتمع ينادي بعكس ما يفعله».
وترى فؤاد أن الاتهامات التي وجهت له ظلمته، لكنها بالطبع أيضاً لا تقلل أبداً من قيمته ككاتب استطاع بقلمه صنع كاميرا شديدة الدقة في نقل حساسية المجتمع في الفترة التي عاش فيها، وتقول: «كانت لدى عبد القدوس قدرة على رصد وتصوير أدق قضايا المجتمع بطريقة أدبية فنية رائعة، وأن يعبر عن النموذج البشري، ويعكس عليه قضايا المجتمع من جوانبها كافة، وكأن هذه النماذج مرايا واسعة البراح»، مشيرة إلى أنه من أوائل الصحافيين الذين كانت تحقيقاتهم تهز مصر، مثل قضية السلاح الفاسد، وبعض الموضوعات السياسية، وبالطبع هذه القضايا أثرت في إبداعاته.
وأما الناقد الأدبي شريف الجيار، الحاصل على درجة الدكتوراه في النقد والأدب المعاصر عن أطروحته «روايات إحسان عبد القدوس ذات الاتجاه النفسي، ومصادرها الأجنبية...دراسة مقارنة في التقنيات»، فيرى أيضاً أن إحسان عبد القدوس ظُلم كثيراً حينما اتهمه النقاد، لا سيما العقاد، بأن كتاباته الروائية هي أدب فراش.
ويضيف: «وزاد على ذلك اتهام إحسان بأنه يستخدم اللغة الصحافية السهلة في كتاباته الروائية، والسردية بشكل عام. وهو ما يرد عليه بأنه استخدم هذه اللغة لأنها مناسبة للمستويات الفكرية كافة، حيث كان يريد أن ينتشر إبداعه وفكره الليبرالي بين الفئات المختلفة من المجتمع المصري، وبالتالي تصل آراؤه إلى أكبر عدد من المصريين من مختلف الشرائح، ويحسب له أنه كان كلما يُضيق عليه سياسياً، يبث أفكاره السياسية والاجتماعية والنفسية في نص روائي، ومن ثم استطاع طرح آراءه الفكرية في إطار سياسي بامتياز».

- شعبية واسعة
ومن جهته، يرى الناقد الأدبي رضا عطية أن الحركة الثقافية لم تظلم إحسان عبد القدوس، بل إنه حاز جماهيرية كبيرة في عصره، مرجعاً شعبيته إلى نوعية أدبه، قائلاً: «نوعية كتاباته قائمة على تقديم العلاقة الرومانسية بمفهومها الكلاسيكي في الحب. وبالتنويع على هذه التيمة، كان يخاطب شريحة كبيرة جداً من المتلقين الذين يبحثون عن كتابة تشبع الحث العاطفي لديهم، هذا بالإضافة إلى أنه في بعض كتاباته انحاز إلى حرية المرأة، كما في رواية «أنا حرة»، حتى أنه أصبح مدرسة في هذا الجانب، وحاول البعض تقليده».
إن نجاح إحسان عبد القدوس الجماهيري، كما يضيف عطية، كان محط أنظار عدد من الكتاب والكاتبات، لأنهم وجدوا الطريق الذي سلكه ناجحاً. ويشير، على سبيل المثال، إلى تجربة الروائية سحر خليفة: «حازت رواية (لم نعد جواري لكم) لسحر خليفة على صدى كبير في أثناء صدورها، ويبدو منها تأثرها باتجاه إحسان عبد القدوس، حتى يمكن القول إن كتاباتها خارجة من تربته».
ويلفت عطية إلى أنه إذا كان هناك ظلم وقع على إحسان، فلم يكن من جمهور الأدب، ولكن من المحافظين الذين ذهبوا إلى أن أدبه يحتوي على إسفاف وتجاوز أخلاقي: «بالطبع هذه الاتهامات ليست صحيحة، وهذا الكلام لم يمنع من انتشار أدب إحسان، بل كان مجرد فقاعات في الهواء». وهو يعتقد بأن السينما، حتى وإن قدمت معالجة سينمائية لأعماله ركزت فيها على الجانب التجاري، فإنها أيضاً روجت لكتاباته بشكل كبير، وحققت له قاعدة جماهيرية عريضة، وأصبحت رواياته عقب طرحها تجد طريقها سريعاً إلى الجمهور الذي شاهد أفلامه وأحبه، لافتاً إلى أن حجم جماهيريته ربما تكون قد حجبت الأضواء عن بعض الأدباء، أمثال نجيب محفوظ وفتحي غانم.

- رؤية شبابية
القاص الشاب محمد علام يرى أن «إحسان عبد القدوس من أكثر الأدباء الذين تعرضوا لسوء الفهم، حياً وميتاً، فقد تعرض لاتهامات نفت عنه صفة الأديب، وأخرى نفت عنه صفة الصحافي. ولا أرى أن ذلك شيء يمكن أن ندين به إحسان، وإلا كنا نفينا الصفة الأدبية عن كثير من كتابنا، حيث كان سائداً وقتها أن يعمل كثير من الكتاب في الصحافة».
ويعتقد علام أن البيئة التي خرج منها إحسان عبد القدوس، والظرف التاريخي الحرج الذي عاصره، انعكس على أدبه بشكل أو بآخر: «إحسان ابن الطبقة البرجوازية التي تنتقل من الملكية للجمهورية يقف على ربوة مرتفعة قليلاً، وينظر للمجتمع في الأسفل، ولا يرى أن شيئاً تغير بعد (23 يوليو) عن ما قبلها، مما دفعه ليكتب مقالاته الشهيرة (البحث عن ثورة)، ولذلك نلاحظ أن أدبه كان منشغلاً بالتأريخ للطبقة الجديدة، ورصد التغيرات التي تطرأ عليها، لذلك اهتم أكثر فيه بالبنية الواقعية أكثر من البنية الفنية، مما أغضب منه النقاد والأدباء، وجعلوه في مرتبة معلقة بين الأديب والصحافي».
هل كان عبد القدوس أديب الشباب والمراهقين؟ يقول علام: «هذه صفة لم ينفها إحسان نفسه، بل كان يجد في كسر حاجز السن للتواصل مع الأفكار والقضايا كافة ميزة تميزه عن باقي أدباء جيله، لكن هذا ليس إلا جانباً واحداً من كتابات عبد القدوس. فمثلاً، لا يمكن أن نعد رواية (في بيتنا رجل) رواية مراهقين، أو (لن أعيش في جلباب أبي)، أو (يا عزيزي كلنا لصوص)، أو حتى عدداً من قصصه التي ركزت على أدق التغيرات التي طرأت على المجتمع المصري من (الاشتراكية الناصرية) إلى الانفتاح، مثل (أنا لا أكذب ولكني أتجمل)، و(الراقصة والطبال)، أو حتى استعانته بعلم النفس، كما في رواية (بئر الحرمان)».
ويعبر علام عن اعتقاده بأن أدب إحسان عبد القدوس تعرض طوال الوقت للتجاهل والتهميش من قبل الباحثين والنقاد، وأن «عدد المرات التي وُضعت فيها أعمال إحسان عبد القدوس على طاولة النقد الأكاديمي لا تساوي عُشر ما قدمه من كتب ومؤلفات». ومن هنا، تأتي ضرورة إعادة النظر في أعماله، وتقييمها بما تستحق.



الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».