«قمة برلين» تقر خطوات لتطبيق حظر السلاح إلى ليبيا... وتحريك مسار التسوية

اتفاق على لجنة مشتركة من «الجيش الوطني» و«الوفاق»... ووقف التدخلات

ميركل وغوتيريش وسلامة وماس وستيفن سيبرت (المتحدث باسم الحكومة الألمانية) في المؤتمر الصحافي في ختام القمة ببرلين أمس (إ.ب.أ)
ميركل وغوتيريش وسلامة وماس وستيفن سيبرت (المتحدث باسم الحكومة الألمانية) في المؤتمر الصحافي في ختام القمة ببرلين أمس (إ.ب.أ)
TT

«قمة برلين» تقر خطوات لتطبيق حظر السلاح إلى ليبيا... وتحريك مسار التسوية

ميركل وغوتيريش وسلامة وماس وستيفن سيبرت (المتحدث باسم الحكومة الألمانية) في المؤتمر الصحافي في ختام القمة ببرلين أمس (إ.ب.أ)
ميركل وغوتيريش وسلامة وماس وستيفن سيبرت (المتحدث باسم الحكومة الألمانية) في المؤتمر الصحافي في ختام القمة ببرلين أمس (إ.ب.أ)

اختتمت في العاصمة الألمانية برلين، أمس، القمة الدولية الإقليمية المخصصة لليبيا، باتفاق على تطبيق حظر إرسال السلاح لليبيا وتحريك مسار التسوية، وأيضاً على تشكيل لجنة عسكرية من 5 ضباط من حكومة «الوفاق» و5 آخرين من «الجيش الوطني الليبي» بهدف تحويل الهدنة الحالية إلى وقف دائم لإطلاق النار.
وعقدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ووزير الخارجية الألماني هايكو ماس، والمبعوث الأممي الخاص لليبيا غسان سلامة، مؤتمراً صحافياً ختامياً، مساء أمس، أُعلنت خلاله أبرز الخلاصات التي انتهت إليها قمة برلين، التي استمرت يوماً واحداً.
وقالت ميركل للصحافيين إن القمة شكلت «بداية» لانطلاقة جديدة تسمح بدعم العملية التي تقودها الأمم المتحدة للسلام، والخطة التي أعدها الأمين العام غوتيريش وممثله الخاص سلامة. وأضافت أنه تمت دعوة 12 طرفاً للمشاركة في القمة، بما في ذلك الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، مشيرة إلى أن جميع المشاركين يؤمنون بالحاجة إلى «حل سياسي، إذ ليس هناك حل عسكري». وتابعت أن جميع المشاركين أكدوا التزامهم بحظر السلاح في ليبيا، مضيفة أن هذا الالتزام الذي ورد في البيان الختامي سينتقل الآن إلى مجلس الأمن لتبنيه. وتابعت أن المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة «الوفاق» فائز السراج كانا حاضرين في برلين، لكنهما لم يشاركا في القمة.
وتحدثت عن أن الجهد الآن سيركز على تحويل الهدنة إلى وقف دائم للنار، من خلال اللجنة العسكرية «خمسة زائد خمسة»، وشددت على «أننا حصلنا على تعهدات بعدم تقديم سلاح ودعم عسكري للأطراف المتقاتلة... لدينا الآن عملية ملزمة». أما غوتيريش، فقال إن الأطراف في برلين «أرسلت إشارة إلى نيتها العمل على حل الأزمة الليبية». وقال: «ليس هناك حل عسكري. جميع المشاركين أكدوا ذلك. وجميع المشاركين أكدوا التزامهم عدم التدخل في النزاع الليبي». وأشار أيضاً إلى التزام دولي بحظر السلاح، وإلى التزام آخر بالعودة إلى المسار السياسي الليبي. وقال هايكو ماس، من جهته: «إننا حققنا الهدف من عقد المؤتمر، ولدينا الآن مفتاح حل الأزمة. ستكون هناك لجنة متابعة تتولى الإشراف على تنفيذ الالتزامات التي تم الاتفاق عليها». أما غسان سلامة فتحدث عن «3 مسارات نحاول أن ندفع بها... اليوم كان يوماً عظيماً، ولجنة المتابعة ستتابع عملية تنفيذ الالتزامات».
وكان رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي قال في ختام القمة إنه تم التوافق على اللجنة العسكرية التي ستتشكل من طرفي النزاع الليبي، فيما أكد الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، استعداد بلاده لاستضافة حوار بين الأطراف الليبية، مطالباً بـ«خريطة طريق واضحة المعالم وملزمة للطرفين، تشمل تثبيت الهدنة والكف عن تزويد الأطراف الليبية بالسلاح... ودعوتهم إلى طاولة المفاوضات لحل الأزمة عبر الحوار» الذي عرض استضافته.
وانعقدت «قمة برلين» على وقع تباينات بين الأطراف المشاركة فيها، وفي ظل غياب ليبي لافت عن الجلسة الجماعية للقادة، إذ لم يشارك فيها رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» فائز السراج ولا قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، على رغم وجودهما في العاصمة الألمانية. لكن المستشارة ميركل ووزير خارجيتها عقدا لقاءات معهما بشكل منفصل في مقر المستشارية.
واختتمت القمة مساء ببيان مشترك، علماً بأنها عُقدت برعاية ألمانية ـ أممية وحضرها 11 زعيماً وممثلو هيئات دولية وإقليمية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي). وإلى جانب ميركل، ضمت قائمة المشاركين رؤساء روسيا فلاديمير بوتين وفرنسا إيمانويل ماكرون وتركيا رجب طيب إردوغان ومصر عبد الفتاح السيسي والجزائر عبد المجيد تبون ورئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون وآخرين.
وبعد التقاط صورة تذكارية للقادة المشاركين، جلس أعضاء الوفود حول طاولة مستديرة حيث جرت النقاشات في جلسات مغلقة.
وكانت ليبيا محور سلسلة من اللقاءات التي جرت على هامش القمة، وسط تلميح غربي إلى استعداد للدخول طرفاً في مراقبة وقف النار، وهو ما يعني إبعاد تركيا عن مسعاها لأن تكون طرفاً فيه، علماً أن هذه النقطة كانت إحدى الإشكاليات التي نسفت الجهود التي بذلتها موسكو قبل أيام (في 13 يناير (كانون الثاني) الجاري) عندما استضافت السراج وحفتر. وامتنع الأخير عن توقيع مسودة اتفاق عرضتها موسكو آنذاك لرفضه أن تكون تركيا طرفاً في مراقبة وقف النار.
وشكّلت ليبيا، وكذلك سوريا، محوراً أساسياً في لقاء جمع الرئيس فلاديمير بوتين بنظيره التركي رجب طيب إردوغان. وقال بوتين في اللقاء، بحسب ما نقلت قناة «روسيا اليوم»، إن «تركيا وروسيا حققتا خطوة جيدة جداً بالدعوة إلى الهدنة في ليبيا»، مضيفاً: «لم نتمكن من حل جميع المسائل بشأن ليبيا في موسكو، حيث لم يدعم أحد الطرفين الاتفاق ولكن يجب المضي قدماً في هذا الاتجاه». أما إردوغان فقال إن «تحقيق السلام في ليبيا يتطلب ضمان الهدنة ووقف سياسة حفتر العدوانية»، في مؤشر آخر إلى إصراره على السير في سياسته الليبية من خلال دعم حكومة «الوفاق» ضد «الجيش الوطني».
وعقد إردوغان أيضاً على هامش القمة لقاء مع فائز السراج الذي طالب بانسحاب قوات المشير خليفة حفتر من الأراضي التي سيطرت عليها في عملية تقدمها نحو طرابلس، بحسب ما قالت حكومة «الوفاق» في بيان أمس. وتناول اللقاء بينهما موضوع وقف إطلاق النار في ليبيا، وهو أمر يراهن المبعوث الدولي الخاص للأمم المتحدة، غسان سلامة، على تثبيته وجعله منطلقاً نحو إعادة الحوار الليبي – الليبي بين السراج وحفتر.
وكان موضوعا الهدنة و«المرتزقة» محوراً أساسياً في كلمة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون أمام قمة برلين، إذ قال إن على الأمم المتحدة التفاوض على بنود هدنة في ليبيا دون أن يفرض أي من الجانبين شروطاً مسبقة، مضيفاً أنه يشعر بقلق كبير من وصول قوات سورية وأجنبية إلى طرابلس، ومطالباً بإنهاء ذلك فوراً. وأكدت الرئاسة الفرنسية، في هذا الإطار، أن الرئيس ماكرون عقد محادثات مع حفتر على هامش قمة برلين، لكنها لم توضح ما دار بينهما.
كذلك عقد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو سلسلة لقاءات قبل افتتاح القمة شملت الرئيس السيسي. وقالت الخارجية الأميركية إنهما «اتفقا على الحاجة العاجلة لوقف دائم لإطلاق النار والعودة إلى عملية سياسية تسهلها الأمم المتحدة»، مضيفة أن «الوزير بومبيو شدد على التأثير المزعزع للاستقرار للتدخلات الخارجية في ليبيا». وكانت هذه النقطة أيضاً محور نقاشات أجراها بومبيو مع وزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد. إذ أوضحت الخارجية الأميركية أنهما «ناقشا النزاع المستمر في ليبيا، وشدد الوزير بومبيو على الحاجة إلى وقف دائم للنار، والعودة إلى عملية سياسية تسهلها الأمم المتحدة، وإنهاء كل التدخلات الخارجية في ليبيا». كما التقى بومبيو بنظيره التركي مولود جاويش أوغلو حيث ناقشا، بحسب وزارة الخارجية الأميركية، «ليبيا وسوريا وقضايا ثنائية متنوعة»، وأضافت أنهما «اتفقا على الحاجة العاجلة لوقف دائم لإطلاق النار والعودة إلى عملية سياسية تسهلها الأمم المتحدة». وكان لافتاً أن الخارجية الأميركية نقلت عن بومبيو تعبيره في اللقاء عن «القلق إزاء التدخل العسكري الأجنبي في النزاع»، علماً أن تركيا معنية بهذا الأمر بالطبع كونها متورطة في إرسال قوات ومقاتلين سوريين موالين لها من سوريا إلى ليبيا. كذلك التقى بومبيو على هامش القمة وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل ووزير خارجية ألمانيا هايكو ماس. وكان لافتاً أيضاً على هامش القمة الحديث عن دور غربي في مراقبة وقف النار في ليبيا.
فقد قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون لقناة «سكاي نيوز»: «إذا تم التوصل لوقف إطلاق نار، فنعم بالتأكيد يمكننا أن نقوم بدور نجيده جيداً، وهو إرسال أشخاص وخبراء لمراقبة وقف إطلاق النار». وأضاف: «النزاعات بالوكالة تنتهي فقط عندما يقرر الوكلاء الخارجيون أنهم يريدون وضع حد لها».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...