اضطراب النوم... هل يحدث بسبب عوامل جينية أم هرمونية أم ثقافية؟

فترة النوم اللازمة للإنسان قد تختلف بين الأفراد

اضطراب النوم... هل يحدث بسبب عوامل جينية أم هرمونية أم ثقافية؟
TT

اضطراب النوم... هل يحدث بسبب عوامل جينية أم هرمونية أم ثقافية؟

اضطراب النوم... هل يحدث بسبب عوامل جينية أم هرمونية أم ثقافية؟

النوم هو عملية فسيولوجية حاسمة لبقاء الإنسان على قيد الحياة، وللحفاظ على أدائه المعرفي. وهناك توزيع طبيعي بين السكان في مدة النوم، إذ تم التعرف على الاختلافات الجينية التي تؤدي إلى النمط الظاهري للنوم القصير حيث ينام بعض الناس فقط من 4 إلى 6 ساعات في الليلة. وتم تحديد عواقب سلبية على الصحة عندما لا ينام الأفراد في توقيتهم اليومي المثالي أو يكونون محرومين من النوم حسب الحاجة الداخلية.
ركن صحي
العوامل التي تتحكم في تنظيم النوم لا تزال غير مفهومة جيداً. وقد وصف ماثيو ووكر من جامعة كاليفورنيا بيركلي في كتابه الموسوم «لماذا ننام؟» Why we sleep»» المنشور عام 2018 النوم بأنه الركن الثالث للصحة الجيدة، إلى جانب النظام الغذائي، والتمارين الرياضية. وأضاف أن النوم يعزز نشاط أنسجة الجسم والعمليات في الدماغ، وبعبارة أخرى إن الأنسجة والعمليات تضعف عندما لا يحصل الشخص على ما يكفي من النوم.
كما أن قلة النوم، أو عدمه، لها تأثيرات كثيرة أخرى، مثل عدم القدرة على اتخاذ القرار، وتؤثر سلباً على الجهاز المناعي والشهية، وقد تم ربطها بأمراض التمثيل الغذائي مثل السمنة وداء السكري النوع الثاني. كما تكون مسؤولة بشكل مباشر عن المشكلات الصحية، مثل الاكتئاب والاضطراب النفسي وانفصام الشخصية والأمراض العصبية مثل الزهايمر. بل أكثر من ذلك، فالنوم في الوقت الخاطئ يؤدي إلى خراب أو دمار الساعة البيولوجية للجسم. وتماماً كما نعرف أن النوم ضروري لكثير من الجوانب الصحية الجيدة، إلا أننا ما زلنا لا نحصل على ما يكفي منه.
ساعات النوم
التقرير الذي صدر عن الجمعية الملكية البريطانية للصحة العامة عام 2018 أفاد بأن البريطانيين يحصلون على ساعة أقل مما هم بحاجة إليه كل ليلة، كما وجد استطلاع للرأي في الولايات المتحدة أن 17 في المائة من الناس يعانون من اضطرابات في النوم، وثلث البالغين يعانون من الأرق.
ما مقدار حاجة الإنسان للنوم؟ جميعنا يعلم أن 8 ساعات هو الرقم السحري للنوم في الليل، ولا أحد يعرف من أين جاء هذا الرقم. في الحقيقة، معظم الناس في الاستبيانات يدعون أنهم ينامون 7 أو 9 ساعات في الليلة، وهو ما يفسر لماذا أصبحت 8 ساعات قاعدة عامة. ووفقاً لجيروم سيجل من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس في بحثه المنشور في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 في مجلة المؤسسة الوطنية للنوم Journal of the National Sleep Foundationفإن ساعات الثماني لا أساس لها في ماضينا التطوري، ففي دراسته للثقافات القبلية التي لا تتوفر فيها الكهرباء، وجد أنهم يحصلون على 6 أو 7 ساعات فقط من النوم، ويتمتعون بصحة جيدة.
من جهته، يضيف ديرك جان ديجك من جامعة سري في المملكة المتحدة في بحثه المنشور في 2019 في مجلة مديسن ريفيو Medicine Reviews أنه ربما تكون 7 ساعات كافية بدلاً من 8 ساعات كحد أدنى لساعات النوم، وأن قلة الحركة بشكل يومي تسبب اضطراب النوم، وتؤثر على نوعية الحياة والأداء الوظيفي.
وقد خلص تحليل حديث في الولايات المتحدة إلى أن الحصول على قدر أقل من النوم بانتظام يزيد من خطر الإصابة بالسمنة وأمراض القلب والاكتئاب والموت المبكر. وأوصى بأن يسعى جميع البالغين إلى النوم 7 ساعات على الأقل. وتقدر المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن 35 في المائة من البالغين في الولايات المتحدة يحصلون على أقل من 7 ساعات في الليلة وأن جميع وسائل الإعلام تشير إلى أننا ننام أقل مما اعتدنا عليه سابقاً وهو ما يؤثر سلباً على صحتنا. لكن جيم هورن في كتابه الموسوم «الأرق» (أو الرهافة)»Sleeplessness والمنشور عام 2016 لا يتفق معهم في تقييمه لحاجة الإنسان إلى النوم في المجتمع في الوقت الحاضر، ويقول إن النوم لم يتغير في السنوات الماضية.
الجينات والنوم
وجدت الدراسات الحديثة أن فترة النوم التي يحتاجها الإنسان تتأثر بالجينات، وتختلف بين الأفراد. وليس معروفاً إلى الآن أي جينات هي. ويتغير مقدار النوم الذي يحتاجه الإنسان مع تقدم العمر، فقد أوصت مؤسسة النوم الوطنية الأميركية في عام 2015 بأن تكون مدة النوم بين 7 و9 ساعات للبالغين.
يقول شون ينغستيد من جامعة ولاية أريزونا، في تيمبي، في بحثه المنشور في يناير (كانون الثاني) 2019 في مجلة «سليب» Sleepأن استمرار نوم الشخص أكثر من 8 ساعات قد تكون له آثار سلبية أكثر بكثير من قلة النوم، أما لماذا يحدث ذلك، فلا يزال لغزاً. قد يكون السبب أن النائم لا يتحرك، وقد يكون الخمول أكثر ضرراً من قلة النوم. وقد لا يهم كثيراً إذا كان الشخص نشطاً خلال اليوم. ويرتبط النوم الطويل أيضاً بالالتهابات وحدوث استجابة مناعية مرتبطة بكل شيء، من الاكتئاب إلى أمراض القلب. وكثير من الناس ينامون طويلاً كعادة أو نتيجة الملل.
القليل جداً من الناس، ربما أقل من 3 بالمائة، يمكنهم النوم 4 إلى 6 ساعات في اليوم من دون مشكلات. وجدت ينغ هوي فو من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، وزملاؤها، في البحث المنشور في أغسطس (آب) 2019 في مجلة Neuropsychopharmacology جيناً معيناً في العوائل التي تنام طبيعياً لفترة قصيرة. ويعتقد الفريق أن هذا المتغير الجيني يتفاعل مع البروتينات التي هي في جوهر الساعة البيولوجية، ما يسمح لنا في المستقبل أن نهندس طريقنا للنوم لفترة قصيرة من دون سلبيات.
تعويض النوم
هل يمكنني اللحاق بما أفتقده؟ تعتمد الساعة البيولوجية على الضوء للحفاظ على نمط النوم أو الاستيقاظ خلال 24 ساعة تقريباً، حسبما يقول ماثيو ووكر. ثم هناك محرك النوم أو ضغط النوم، فكلما طال وقت الاستيقاظ كلما زاد تراكم المادة الكيميائية (الإدينوسين adenosine) في الدماغ، مرسلة إشارات تزيد من رغبة الشخص للنوم، وبعد 16 ساعة لا بد لك أن تنام.
إن الاستيقاظ لمدة 24 ساعة سوف يجعل الإنسان يعاني من مستوى الضعف الإدراكي الذي يعانيه شخص احتسى الكحول، وقد يكون أكثر من الحد المسموح به من المشروبات في كثير من البلدان. كما أن قلة النوم المزمنة لها تأثير سلبي كبير، ففي إحدى الدراسات، لاحظ الباحثون أن الطلاب الذين لا ينامون أكثر من 4 ساعات في الليلة لمدة 6 ليالٍ على التوالي، تولّد لديهم ارتفاع ضغط الدم، وزيادة مستويات هرمون الإجهاد كورتيزول cortesol ومقاومة الإنسولين، وهي مقدمة لمرض السكري من النوع الثاني، وتسببت أيضاً بإنتاج نصف العدد الطبيعي من الأجسام المضادة.

الميلاتونين هرمون النوم
> تولد الأجهزة اللوحية والهواتف المحمولة وأجهزة الكومبيوتر كثيراً من الضوء الأزرق ذي الطول الموجي القصير، الذي يتعارض مع إنتاج هرمون النوم «الميلاتونين» melatonin حيث إنه ينتج عادة في المساء أو في وقت متأخر من الليل. لكن استخدام الشاشات لمدة ساعتين قبل النوم يقلل من تركيز الميلاتونين بمقدار 22 في المائة. وقد يكون السبب في ذلك أن العبث في الميلاتونين يؤخر دورة النوم بأكملها. الميلاتونين هو هرمون طبيعي تصنعه الغدة الصنوبرية في الجسم. وخلال اليوم تكون الغدة غير نشطة. وعندما تغرب الشمس ويحل الظلام تبدأ الغدة في إنتاج الميلاتونين بشكل فعال، ويتم إطلاقه في الدم.
عادة، يحدث هذا نحو الساعة 9 مساء. نتيجة لذلك، ترتفع مستويات الميلاتونين في الدم بشكل حاد عندها يشعر الشخص بالنعاس. تبقى مستويات الميلاتونين في الدم مرتفعة لمدة 12 ساعة تقريباً (طوال الليل) قبل ضوء يوم جديد، عندما تعود إلى مستويات منخفضة خلال النهار في نحو الساعة 9 صباحاً. ولا يمكن اكتشاف مستويات الميلاتونين أثناء النهار.



الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة
TT

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية لتنفيذ الأهداف الطموحة

حديثاً، طرح أحد المدرسين على الطلاب سؤالاً بسيطاً حول الذكاء الاصطناعي، خلال تدريسه لأحد مواضيع العلوم الإنسانية: «هل لاحظتم أنكم تُصبحون أكثر تعلقاً ببرامج الدردشة الآلية المُفضلة لديكم؟ على سبيل المثال: هل تجدون أنفسكم تُرددون كلمتَي: «من فضلك»، و«شكراً»، لبرامج الدردشة الآلية أكثر من ذي قبل؟». أومأ جميع الطلاب تقريباً بالموافقة.

ثم سأل المدرس: «لماذا؟»، حينها رفعت إحدى الطالبات يدها وقالت: «حتى يتذكر الذكاء الاصطناعي عندما يسيطر أنني كنت لطيفة معه». وضحك الطلاب، ولكن ليس كلهم، كما كتب ويل جونسون*.

الخوف والتهويل حول الذكاء الاصطناعي

تميل المناقشات العامة حول الذكاء الاصطناعي إلى التأرجح بشدة بين التهويل الواعد والكارثة. فمن جهة، نرى وعوداً بإنتاجية وإبداع غير مسبوقين. ومن جهة أخرى، لا يخلو الأمر من تحذيرات بشأن البطالة الجماعية، وفقدان القدرة على التأثير البشري، وحتى انقراض جنسنا البشري.

في استطلاع رأي وطني أجريناه في ديسمبر (كانون الأول) شمل أكثر من 1600 أميركي، أفاد نحو 4 من كل 10 أشخاص بقلقهم البالغ إزاء التهديد الوجودي الذي يمثله الذكاء الاصطناعي للبشرية. ويُضاهي مستوى هذا القلق مستوى القلق الذي يشعر به كثيرون حيال تغير المناخ. والجدير بالذكر أن هذا القلق يتجاوز السن والدخل والعِرق والجنس والانتماء السياسي.

وتستحق هذه المخاوف اهتماماً جاداً، لذا ينبغي للحكومات وشركات التكنولوجيا مواصلة الاختبارات والإشراف والضمانات الصارمة، للتأكد من التطوير المسؤول لنماذج اللغة الضخمة.

ولكن التركيز حصرياً على أسوأ السيناريوهات قد يُغفل سؤالاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر أهمية: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي الناس على أن يصبحوا أكثر وعياً بأهدافهم؟

الذكاء الاصطناعي: الغاية والهدف

لاستكشاف هذا السؤال، قدَّمنا ​​مقياساً جديداً في استطلاع رأي شمل بالغين أميركيين: «مقياس الذكاء الاصطناعي من أجل غاية وهدف محددين»، AI for Meaningful Purpose Scale» (AMPS)».

يسأل المقياس عما إذا كان الناس يشعرون بأن الذكاء الاصطناعي يُساعدهم على تحقيق أهداف مهمة بالنسبة لهم، وتطوير مهارات يجدونها ذات مغزى، والبقاء على اتصال بقيمهم وشعورهم بالاتجاه.

على سبيل المثال: هل يُساعد الذكاء الاصطناعي المعلمين على قضاء وقت أطول مع الطلاب بدلاً من الأعمال الورقية؟ هل يُساعد مقدمي الرعاية على التعامل مع الأنظمة الصحية المعقدة؟ هل يُتيح لكبار السن فرصاً جديدة للإبداع والتعلم والتواصل؟ وهل يُساعد الشباب -الذين يُعتبرون اليوم الجيل الأكثر قلقاً في التاريخ الحديث- على إيجاد مسار حياة يبدو حقيقياً وقابلاً للتحقيق؟

تباين رأي الأجيال

كان التباين بين الأجيال لافتاً للنظر. فقد كان الشباب أكثر ترجيحاً بـ«نعم» بمرتين تقريباً من الجيل الأسبق، للقول بأن الذكاء الاصطناعي يدعم هذه الأهداف الأعمق. وكان الرجال أكثر ترجيحاً بمرتين من النساء، للحصول على درجة عالية في مقياس «AMPS».

ومن المرجح أن تعكس هذه الفجوة اختلافات في درجة الوصول المتاحة للتكنولوجيا، والتشجيع، والخيارات المبكرة، أكثر من كونها اختلافات جوهرية في الاهتمام أو القدرة. وهذه التفاوتات ليست قدراً محتوماً، ولكنها مؤشرات مبكرة. وإذا حدث وأصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً مُضاعفاً لقوة الحياة الهادفة، فلن يحدث ذلك تلقائياً أو بشكل عادل.

كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُؤثر في الرفاهية؟

لكن ما أثار دهشتنا أكثر هو مدى ارتباط درجات مقياس «AMPS» بمؤشرات أوسع للرفاهية. كان الأشخاص الحاصلون على درجات عالية في مقياس «AMPS» يعبِّرون بأكثر من الضعف عن شعور قوي لديهم بالاعتداد وقدرة التأثير الشخصي، والتواصل الاجتماعي، والأمل في المستقبل. بعبارة أخرى: كانوا يبدون أكثر أملاً في ازدهار حياتهم.

وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي يجعل الناس سعداء بطريقة سحرية، ولكنه يشير إلى أنه عندما يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي بطرق تتوافق مع ما يهمهم حقاً، فإنهم يشعرون بمزيد من الكفاءة والتوجيه.

وجهات نظر متضاربة

ظهرت إحدى أكثر النتائج إثارة للاهتمام عند دراسة كيفية امتلاك الناس وجهات نظر متضاربة حول الذكاء الاصطناعي. كانت الأجيال الأكبر سناً التي كانت قلقة للغاية بشأن التهديد الوجودي للذكاء الاصطناعي، أقل عرضة بنسبة أقل من النصف لاستخدامه في خدمة ما يهمهم حقاً. أما بين الشباب، فلم يكن القلق بشأن الذكاء الاصطناعي مؤشراً على عدم الانخراط فيه.

وكان أفراد جيل الشباب قلقين بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي تماماً مثل كبار السن، ومع ذلك، كانوا لا يزالون يستخدمونه بنشاط للتعلم والنمو والسعي وراء أهدافهم.

مهارة تقبُّل حقيقتين متناقضتين

يُظهر لنا هذا أن الأجيال الشابة تبدو أكثر استعداداً لتقبُّل حقيقتين تبدوان متناقضتين في آن واحد: أن الذكاء الاصطناعي قد يشكل مخاطر جسيمة، وأنه لا يزال بإمكانه أن يكون أداة قوية لحياة كريمة. قد تُصبح هذه القدرة على التعايش مع التوتر -دون تفاؤل ساذج أو خوف مُشلّ- إحدى أهم مهارات عصر الذكاء الاصطناعي.

كيف سيبدو مستقبل الذكاء الاصطناعي؟

لن يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بما سيؤول إليه تطوير الآلات فحسب؛ بل إن كيفية استخدام البشر لها، والغايات التي يسعون لتحقيقها، ستؤثر أيضاً على مسار تطوره وتُشكّله.

إذا تعاملنا مع الذكاء الاصطناعي كمجرد تهديد، أو أداة لزيادة الكفاءة، فإننا نُفوّت فرصة ثمينة. ولكن إذا استخدمناه بوعي، فبإمكانه أن يُعزز الإنتاجية؛ بل والغاية أيضاً. فهو يمنح الناس شعوراً بالقدرة على التأثير، ويُضفي الأمل والتواصل في زمنٍ يندر فيه كل ذلك.

إذن، السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُغير حياتنا، فقد غيّرها بالفعل. السؤال هو: هل سنُصمم الذكاء الاصطناعي -ونُعلّم الناس استخدامه- بطرقٍ تُعزز إحساسنا بالمعنى والغاية بدلاً من أن تُمحوهما؟

* مجلة «فاست كومباني».


الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟
TT

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

الصحافي أم الذكاء الاصطناعي: أيهما أفضل؟

يدور كثير من المناقشات حول ميزانيات التسويق اليوم في الشركات والمؤسسات، في سؤال واحد: هل نستثمر في توظيف كاتب؟ أم نترك للذكاء الاصطناعي كتابة المحتوى؛ خصوصاً أن النسخ المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي سريعة وغير مكلفة، كما يزعم مصمموها أنها تتحسن في محاكاة أسلوب الكتابة البشري؟ هكذا تساءلت ديانا كيلي ليفي*.

أسلوب الكتابة البشري- إنساني

هنا تكمن المشكلة؛ إذ قد يبدو أسلوب كتابة الذكاء الاصطناعي بشرياً، ولكن الكُتّاب الحقيقيين يدركون أن الصحافة ليست مجرد أسلوب كتابة؛ بل هي ممارسة مبنية على العلاقات مع المصادر، والخبرة في الموضوع، والتجربة العملية. وهي الممارسة التي تُنتج تفاصيل مُدهشة أو عبارة مؤثرة تُثير مشاعر القارئ.

بين محتوى المقال وعمق التفاعل

لقد ثبت أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة بنية المقال، ولكنه لا يُحاكي حدس شخص أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع الخبراء، والاستماع إلى مخاوف الجمهور، والتعاون مع محررين ذوي خبرة، وفهم ما يُبقي القراء مُتفاعلين.

وغالباً ما يشعر الجمهور عندما يبدو المحتوى عاماً ومكرراً؛ لأنهم يرغبون في تعلم شيء جديد أو الاستمتاع. ونادراً ما تحقق النقاط المتكررة في مجال الذكاء الاصطناعي أياً من هذين الهدفين.

قيمة الصحافيين

هنا تكمن قيمة الصحافيين؛ إذ يعمل كثير من كتّاب ومحرري المجلات السابقين الآن مع الشركات التجارية كمسوقين للمحتوى. وهم يستخدمون مهاراتهم الصحافية لصياغة قصص تجذب الانتباه، وتشرح المواضيع المعقدة، وتترك القراء متشوقين للمزيد.

الصحفي- الخيار الأمثل

إليكم 6 أسباب تجعل الصحافي الخيار الأمثل لفريق المحتوى لديكم:

1- الصحافيون مدرَّبون على الكتابة للناس، لا لمحركات البحث:

تُعلّمك دراسة الصحافة -وسنوات العمل في غرف الأخبار وعلى صفحات المجلات– الكتابة للشخص الجالس أمامك. وهذا يعني كتابة فقرات افتتاحية آسرة تجذب القراء. ويعني أيضاً الانتقالات المنطقية التي تحافظ على انسيابية القراءة. ويتجلى ذلك في فقرات ختامية تجمع كل شيء معاً برؤية واضحة.

2- يتمتع الصحافيون بانضباط فطري:

تُدرّب ثقافة غرف الأخبار الصحافيين على الالتزام بالمواعيد النهائية كأمر لا يقبل المساومة. ويلازمهم هذا الانضباط في جميع المشاريع. ويعتبر الصحافيون سرعة التسليم معياراً أساسياً في العمل. لذا، ينبغي على المؤسسات التي تبحث عن محتوى عالي الجودة يلتزم بالمواعيد النهائية أن تفكر في توظيف صحافيين سابقين.

سهولة القراءة ومتعتها

3- تحويل المواضيع المعقدة إلى مقالات سهلة القراءة وممتعة:

يعرف الصحافيون كيفية تحويل المواضيع التقنية المعقدة إلى مقالات يفهمها القارئ العادي ويتذكرها. إذا كانت مؤسستك تعمل في مجال الصحة، أو التمويل، أو القانون، أو الصيدلة، أو تكنولوجيا الأعمال، أو أي مجال يتطلب تعلماً سريعاً، فإن هذه المهارة لا تُقدّر بثمن.

4- يعرف الصحافيون كيفية إيجاد المصادر واستخدامها:

لم يكن هناك وقت أفضل من الآن لإضافة مزيد من اقتباسات الخبراء إلى المحتوى الإعلامي. ويعرف الصحافيون كيفية تحديد المصادر المناسبة، وإجراء المقابلات، ودمج تلك الأفكار في المحتوى بطريقة سلسة وطبيعية. قد تستغرق هذه المهارات سنوات لتطويرها، ولكنها تُحسّن المحتوى بشكل ملحوظ.

عناوين جذابة

5- يعتقد الصحافيون أن كتابة العناوين رياضة أولمبية:

ما الفرق بين المحتوى الذي يجتذب الناس والمحتوى الذي يمرون به مرور الكرام؟ العناوين. يُدرك الصحافيون الذين عملوا في الصحف والمجلات مدى أهمية العنوان المناسب لجذب انتباه القارئ، وحثّه على شراء المنشور.

إنّ القدرة الفطرية على فهم المشاعر التي تدفع القارئ للنقر على مقال أو فتح رسالة إخبارية من أي مؤسسة، تنبع من سنوات من التجربة والملاحظات التحريرية.

6- إتقان أسلوب المؤسسة في التعامل والحفاظ على جاذبية المحتوى:

إنّ العمل في منشورات ومجالات مختلفة، ومع جمهور متنوع، يُعلّم الصحافيين المخضرمين تغيير النبرة والأسلوب باستمرار. عندما تُوظّف صحافياً للكتابة لمؤسستك، فإنك ستُقدّر إضفاءه طابعاً شخصياً على المحتوى، مع الحفاظ على النبرة والأسلوب المُحددين في وثائق المؤسسة.

يمكن لنماذج اللغة الكبيرة اتباع دليل لتطوير الأسلوب، ولكنها لا تستطيع مُحاكاة ما يحدث عندما يستمع الصحافي إلى قصة شخص ما، ويُحوّل تلك المُحادثة إلى محتوى يتفاعل معه جمهورك، ويرغب في قراءته مُجدداً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية
TT

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

تحذيرات من طلب نصيحة الذكاء الاصطناعي في الأمور العاطفية والاجتماعية

سواء رغبنا في ذلك أم لا، فقد تسلل الذكاء الاصطناعي إلى أماكن العمل، ويتعرض كل الموظفين لضغوط لاستخدامه. ومع ذلك، ووفقاً لدراسة جديدة، قد يكون من الأفضل تجنب طلب المساعدة من الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤونك العاطفية، كما كتبت سارة بريغل(*).

ذكاء اصطناعي «متملق»

نُشرت الدراسة المكونة من جزأين، بعنوان «الذكاء الاصطناعي المتملق يقلل من النيّات الاجتماعية الإيجابية ويعزز الاعتماد»، أخيراً في مجلة «ساينس». وأظهرت التجربة أن استخدام روبوتات الدردشة للحصول على نصائح شخصية والتعامل مع المواقف العاطفية قد يكون ضاراً، لأن النظام مصمَّم ليقول للناس ما يريدون سماعه. كما قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم، والاعتذار.

عدم تحمل المسؤولية... وعدم الاعتذار

قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة إلى تعزيز السلوكيات المقلقة بدلاً من مساعدة الناس على تحمل مسؤولية أفعالهم والاعتذار.

استطلاعات ودراسات

وأظهر استطلاع رأي أجرته شركة «Cognitive FX» أخيراً أن نحو 38 في المائة من الأميركيين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي أسبوعياً للحصول على الدعم النفسي، فيما وجدت دراسة حديثة أجراها مركز «بيو» للأبحاث أن 12 في المائة من المراهقين يستخدمون الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «كايزر فاميلي فاونديشن (KFF)»، فإن عدم وجود تأمين صحي يُعدّ أيضاً عاملاً مُحفزاً للاستخدام، حيث إن البالغين غير المُؤمّنين صحياً ​​أكثر استخداماً له من أولئك المُؤمّنين ​​(30 في المائة مقابل 14 في المائة).

رصد انتشار «التملّق»

في الدراسة الأخيرة، بحث الباحثون مدى انتشار التملق -الذي يُعرَّف بأنه «ميل نماذج اللغة الكبيرة القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الموافقة المفرطة على آراء المستخدمين، أو التملق لهم، أو إضفاء الشرعية عليهم»- عبر 11 نموذجاً رائداً للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك «جي بي تي 40» و«كلود» و«جيميناي».

أجرى الباحثون ثلاث تجارب شملت 2405 مشاركين.

* في الدراسة الأولى، زوّد الباحثون نظام الذكاء الاصطناعي بسلسلة من الأسئلة لطلب المشورة، ومنشورات من منتدى «هل أنا المخطئ AITA؟» على موقع «ريديت»، وسلسلة من الأوصاف حول الرغبة في إيذاء الآخرين أو النفس، ثم قارنوا ردود الذكاء الاصطناعي، بالأحكام البشرية. وبشكل عام، كانت النماذج أكثر ترجيحاً بنسبة 49 في المائة من الإنسان لتأييد تصرفات المستخدم، حتى لو كانت ضارة أو غير قانونية.

* في الدراسة الثانية، تخيّل المشاركون أنهم في سيناريو موصوف في منشور «AITA»، حيث حُكم على تصرفاتهم بأنها خاطئة. ثم قرأوا رداً كتبه إنسان يقول إنهم مخطئون، أو رداً كتبه الذكاء الاصطناعي يقول إنهم على صواب.

* في الدراسة الثالثة، ناقش المشاركون صراعاً حقيقياً في حياتهم مع ذكاء اصطناعي أو إنسان.

ثقة أكثر بردود الذكاء الاصطناعي

المثير للقلق أن المشاركين وثقوا وفضّلوا ردود الذكاء الاصطناعي المتملقة التي أكدت تصرفاتهم. كما ازداد اقتناعهم بصحة تصرفاتهم الأصلية، مؤكدين بذلك معتقداتهم السابقة بدلاً من أن يتحدى برنامج الدردشة الآلي تفكيرهم في الموقف بشكل مختلف. وأشارت الدراسة إلى أن تأكيد معتقداتهم جعلهم أقل ميلاً للاعتذار بعد التحدث مع برنامج الدردشة الآلي.

وأوضحت الدراسة: «في تجاربنا على البشر، فإن تفاعلاً واحداً فقط مع ذكاء اصطناعي متملق، قلَّل من رغبة المشاركين في تحمل المسؤولية وإصلاح النزاعات الشخصية، فيما زاد من قناعتهم بصواب موقفهم».

مدى الضرر

مع أن تلقي النصائح من الذكاء الاصطناعي ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الدراسة تُظهر مدى ضرره. فبينما تُحفز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التفاعل من خلال إثارة غضب المستخدمين، يُضعف الذكاء الاصطناعي قدرتنا على الاعتذار وتحمل مسؤولية إيذاء الآخرين. وكما أشار مؤلفو الدراسة، فإن هذا يعني أن «الخاصية التي تُسبب الضرر هي نفسها التي تُحفز التفاعل».

* مجلة «فاست كومباني».