هدوء حوثي حذر عقب مقتل سليماني وتركيز على ترسيخ الوجود الانقلابي

حركة محدودة للقيادات وغموض حول مصير رجل استخبارات الجماعة

شكوى يمنية من انقطاع شبه تام لشبكات الإنترنت في مناطق سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
شكوى يمنية من انقطاع شبه تام لشبكات الإنترنت في مناطق سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

هدوء حوثي حذر عقب مقتل سليماني وتركيز على ترسيخ الوجود الانقلابي

شكوى يمنية من انقطاع شبه تام لشبكات الإنترنت في مناطق سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
شكوى يمنية من انقطاع شبه تام لشبكات الإنترنت في مناطق سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

على الرغم من ردة الفعل المتوقعة من قبل الجماعة الحوثية الموالية لطهران عقب مقتل القائد في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، فإنها اكتفت بالتصريحات والمظاهرات ورفع الصور في مناطق سيطرتها مع ملاحظة محدودية تحركات كبار قياداتها على غير ما هو المعتاد.
وفي حين يعتقد مراقبون أن كبار قيادة الجماعة على قدر ما كانوا موجوعين بالفعل من مقتل سليماني، إلا أنهم في الوقت نفسه، شرعوا يحسبون كلفة تهورهم إذا ما أقدموا على أي سلوك تصعيدي، بخاصة وقد رأوا الدرس الأميركي الواضح حول قدرة الولايات المتحدة على استهداف أي أشخاص تقرر التخلص منهم.
ولعل هذه الفرضية هي اللي دفعت بالقيادي البارز في الجماعة محمد علي الحوثي إلى حذف تغريداته حول مقتل سليماني من على «تويتر»، والتي تتضمن الدعوة إلى رد سريع وحاسم ضد القواعد الأميركية في المنطقة.
وكان الحوثي الذي يترأس ما تسمى اللجنة الثورية العليا كما يشغل عضوية مجلس حكم الانقلاب (المجلس السياسي الأعلى) قدم تعازيه للمرشد الإيراني علي خامنئي وحسن روحاني، وقال في تغريدة على «تويتر»، «إن هذا الاغتيال مدان، والرد السريع والمباشر في القواعد المنتشرة هو الخيار والحل».
وفي تغريدة أخرى، نصح محمد الحوثي النظام الإيراني بالاستعجال في الرد على مقتل سليماني، لكنه عاد وقام بحذف تغريداته، بما فيها تغريدة العزاء التي وجهها لخامنئي، وهو ما اعتبره المراقبون خوفاً من أن تتسبب تغريداته في جعله على قائمة الأهداف الأميركية المحتملة في اليمن إلى جانب القيادي الإرياني عبد الرضا شهلائي.
حتى على صعيد تهديدات زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، فهي لم تكن كالتهديدات الصريحة التي أطلقها زعيم «حزب الله» اللبناني حسن نصر الله عقب مقتل سليماني، بل كانت أقل حدة مكتفية بتجريم العملية الأميركية والاعتراف بالانحياز إلى إيران ووكلائها في المنطقة، وهو أمر غير جديد في خطاب الجماعة إلا من حيث وضوحه أكثر هذه المرة.
ووصف زعيم الجماعة الضربة الصاروخية الإيرانية على قاعدتين أميركيتين في العراق بأنها «بداية عظيمة موفقة لمسار عملي لاقتلاع الهيمنة الأميركية من المنطقة»، زاعماً أنها «جاءت انطلاقاً من معادلة إسلامية قرآنية ومن الموقف الحكيم والمسؤول» لنظام طهران، لكنه لم يشر إلى أي عمليات إرهابية محتملة للجماعة.
كما اكتفى الحوثي بما دأب عليه في خطبه السابقة من تقسيم العالمين العربي والإسلامي إلى «مؤمنين» وهم الموالون لطهران، وإلى «منافقين» وهم المناهضون للمد الإيراني في المنطقة.
وبخلاف ما سبق، لوحظ أن تحركات قادة الجماعة أصبحت محدودة وفي أماكن مدنية أكثر منها عسكرية، كما هو الحال مع محمد علي الحوثي أو مهدي المشاط، رئيس مجلس حكم الانقلاب وعبد الكريم الحوثي عم زعيم الجماعة وزير داخليتها الانقلابية. ويبدو أن الجماعة قررت في الأيام الماضية أن تستغل المئات من فعالياتها واحتفالاتها بصور قتلاها، لتناسي مقتل سليماني والتركيز على زيارة مقابر القتلى من عناصرها، فضلاً عن تكثيف جهودها في تنفيذ المزيد من السلوكيات الانقلابية لترسيخ وجودها الانقلابي.
في هذا السياق، خصصت وسائل إعلام الجماعة مساحات أكبر للحديث عن أنشطة مسؤوليها في حكومة الانقلاب ومساعيهم المزعومة لتنفيذ ما أطلقت عليه الجماعة تنفيذ «الرؤية الوطنية لبناء الدولة»، وكذا إطلاق الفعاليات لترسيخ ما وصفه زعيمها بـ«الهوية الإيمانية» التي يعني بها سلوك الجماعة وأفكارها الطائفية والراديكالية المنافية لروح العصر والمتنافية مع الحريات الشخصية والقيم اليمنية المجتمعية التي اكتسبت منذ 1962 عقب الثورة ضد نظام الإمامة.
وبينما تواصل الجماعة تمتين بناء نظامها الانقلابي عن طريق تعيين المزيد من أتباعها المنتمين إلى سلالة زعيمها الحوثي على رأس مؤسسات الانقلاب، حاولت في الوقت نفسه أن تمتص الغليان الناجم عن منعها تداول العملة الوطنية المطبوعة من قبل الشرعية خلال السنوات الثلاث الأخيرة بتقديم وعود بصرف ربع راتب شهري بشكل منتظم للموظفين في مناطق سيطرتها.
غير أن هذه المناورة لامتصاص الغضب الشعبي من قبل الجماعة، تتعارض تماماً مع السلوك اليومي لعناصرها على صعيد القمع والانتهاكات والمحاكمات غير القانونية لمناهضيها من الناشطين والسياسيين، فضلاً عن استمرار فرض الجبايات على التجار وافتعال أزمات الوقود ووضع قيود على خدمة الإنترنت.
ويعتقد أن ما زعمته الجماعة من أن رئيس مجلس حكمها مهدي المشاط أمر بإصلاحات اقتصادية يسعى إلى تهدئة الشارع واستدرار تعاطفه؛ إذ أوردت أنه قرر «إعفاء صغار المكلفين والمشاريع الصغيرة والأصغر من أنواع الضرائب كافة، وكذا مدخلات الإنتاج الدوائي ومدخلات واستثمارات الطاقة والإعفاء الجمركي والضريبي للسيارات والمعدات التي تعمل بالطاقة الشمسية والكهربائية».
وفي الوقت الذي تدور في أروقة حكم الجماعة الكثير من التسريبات حول الصراع المحتدم بين قيادات الصف الأول، برزت تكهنات بشأن الاختفاء الملحوظ لرئيس استخبارات الجماعة أبو علي الحاكم؛ إذ ترجح بعض المصادر أنه لقي مصرعه في عملية لتحالف دعم الشرعية، في حين تتوقع مصادر أخرى في صنعاء أنه تعرض للتصفية من قبل الجماعة نفسها، بخاصة في ظل غيابه عن مسرح التحرك والظهور لأكثر من شهرين متعاقبين.
وكانت وسائل إعلام الجماعة الرسمية تحدثت عن آخر ظهور للقيادي عبد الله يحيى الحاكم المعروف بـ«أبو علي الحاكم» في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما ذكرت أنه ظهر ليتفقد ساحة الاحتفال بـ«المولد النبوي الشريف» في العاصمة صنعاء.
وبعيداً عن تداعيات الصراع بين أجنحة الجماعة الحوثية وتسابق قادتها على الإثراء، يبدو أن التحركات الأممية التي يقودها المبعوث الدولي إلى اليمن مارتن غريفيث بين صنعاء والرياض ومسقط وعواصم أخرى في الأشهر الماضية، كان لها دورها في الحد من أي رد فعل انتقامي ملموس عقب مقتل سليماني، والاكتفاء بالتصريحات المنددة.
كما أنه يمكن ملاحظة حالة عدم الاستعداد للتصعيد جلية في تصريحات الكثير من قيادات الجماعة على غير المألوف كما هو الحال مع القيادي حسين العزي المشرف على خارجية الجماعة الذي اكتفى في تغريداته الأخيرة على «تويتر» بمحاولة تأجيج الصراع بين الأطراف المؤيدة للشرعية، وكذلك هو الحال مع القيادي محمد علي الحوثي.
ولا يستبعد أن تكون الجماعة الحوثية تحاول أن تستفيد إلى أقصى قدر من تحركات غريفيث للتهدئة من أجل التفرغ لترسيخ وجودها الانقلابي في الوقت الذي تواصل سعيها لتمييع تنفيذ اتفاق استوكهولم وانسحابات الحديدة، مع عدم الممانعة من الذهاب إلى جولة أخرى من المشاورات الخاصة بالوضع السياسي والعسكري النهائي، وهو الأمر الذي ترفضه الشرعية صراحة إلى حد الآن.
غير أن الكثير من المراقبين للسلوك الحوثي يتوقعون أن تستمر الجماعة في المراهنة على خيارات الحرب والعنف من أجل إنجاز مشروعها وتثبيت أقدامها في صنعاء وبقية المحافظات الشمالية، بخاصة بالنظر إلى عدم جديتها في إنهاء الانقلاب أو التخلي عن السلاح أو التفريط في مكاسبها التي حققتها على الأرض منذ إسقاطها صنعاء في 21 سبتمبر (أيلول) 2014.
في هذا السياق، يرجح المراقبون استحالة الجماعة الحوثية الخروج من المعطف الإيراني، حتى وإن حاولت حالياً انتهاج سياسة «ضبط النفس» مؤقتاً على خلفية مقتل سليماني وعدم الانسياق لأي تصعيد قد يكلفها كثيراً على المستويين الميداني والدولي.


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.