بوتين يدشن حقبة جديدة للاقتصاد الروسي برئيس حكومة عميق الخبرات

أولويات ميشوستين تبدأ بالإصلاحات وإزالة عقبات الاستثمار من اليوم الأول

بوتين يدشن حقبة جديدة للاقتصاد الروسي برئيس حكومة عميق الخبرات
TT

بوتين يدشن حقبة جديدة للاقتصاد الروسي برئيس حكومة عميق الخبرات

بوتين يدشن حقبة جديدة للاقتصاد الروسي برئيس حكومة عميق الخبرات

استقبل ممثلو الوسط الاقتصادي الروسي بارتياح ترشيح ميخائيل ميشوستين، مدير دائرة الضرائب الفيدرالية، لرئاسة الحكومة الروسية الجديدة. وأشار كثيرون إلى إنجازاته خلال سنوات عمله في دائرة الضرائب، والتي تؤكد امتلاكه المؤهلات والقدرات الإدارية والتنفيذية للقيام بمهامه الجديدة، ولا سيما في المجال الاقتصادي.
ويرى مراقبون أن الكرملين يعول على المرشح الجديد لرئاسة الحكومة في إنجاز أهداف سياسة بوتين الاقتصادية، بما في ذلك التدابير الإضافية التي أعلن عنها الرئيس الروسي في رسالته السنوية للمجلس الفيدرالي أول من أمس. ووفق تقديرات وزارة المالية الروسية، يحتاج تنفيذ التدابير الجديدة إلى إنفاق إضافي نحو 500 مليار روبل (8.19 مليار دولار تقريباً) خلال العام الحالي، وإلى أكثر من ذلك خلال السنوات المقبلة.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن أول من أمس (الأربعاء)، عن تقديمه مدير دائرة الضرائب الفيدرالية الروسية، مرشحاً أمام البرلمان لرئاسة الحكومة، خلفاً لدميتري مدفيديف، الذي سارع إلى تقديم استقالته، بعد أن أعلن بوتين في رسالته السنوية للمجلس الفيدرالي عن تدابير اقتصادية ركز فيها بصورة خاصة على الأزمة الديموغرافية التي تواجهها روسيا، والمستوى المعيشي للمواطنين، وقال إن «المهمة الرئيسية، والأكثر أهمية، أمام الحكومة والبنك المركزي هي تحسين دخل المواطنين». وحذر من أن «روسيا دخلت في مرحلة ديموغرافية معقدة للغاية»، لافتاً إلى أن التعقيد يعود إلى تدني معدل الولادات حالياً حتى 1.5 مولود جديد لكل امرأة في سن الإنجاب، وشدد على ضرورة رفع هذا المعدل حتى 1.7 مولود جديد لكل امرأة، بحلول عام 2024.
وللخروج من الأزمة الديموغرافية، اقترح بوتين حزمة دعم للأسرة الروسية، وأعلن عن قراره تمديد برنامج «رأسمال الأمومة»، الذي تقدمه الحكومة للأم عند إنجاب المولود الثاني، حتى عام 2026، واقترح توسيعه ليشمل الأم عند إنجاب المولود الأول. ووعد بزيادة قيمة هذا الدعم من 466 ألف روبل حالياً (7.6 آلاف دولار تقريباً) حتى 616 ألف روبل (10 آلاف دولار تقريباً). واقترح تقديم دعم للأسرة مع طفلين بعمر من 3 إلى 7 سنوات. وطالب المصارف الروسية بالانضمام الفعال إلى برنامج الرهن العقاري مع تسهيلات للأسر الروسية الشابة. وشدد على ضرورة توفير ما يكفي من دور الحضانة والمدارس، وتحسين مستوى الرعاية الصحية.
ولتحسين مستوى الدخل بشكل عام، اقترح بوتين إدخال فقرة جديدة إلى الدستور الروسي تنص بوضوح على أن قيمة الأجور الشهرية لا يجوز أن تكون أدنى من المستوى المعيشي، وفقرة أخرى تضمن تعديل المعاشات التقاعدية لتكون بقيمة تتناسب مع الوضع الراهن اقتصادياً ومعيشياً.
لتحقيق ما سبق، وبغية تحسين المستوى المعيشي ودخل المواطنين، يرى بوتين أنه لا بد من «تغيرات بنيوية ضرورية في الاقتصاد الوطني، وزيادة فعاليته». وقال إن «معدل نمو الاقتصاد الروسي العام المقبل يجب أن يكون أعلى من المعدلات العالمية»، وهو ما يتطلب «دورة استثمارية جديدة في جميع المجالات»، وشدد على «ضرورة العمل لزيادة حجم الاستثمارات من 21 في المائة حالياً، حتى 25 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي عام 2024». وإلى جانب ما سبق، شدد الرئيس الروسي في رسالته السنوية على ضرورة «إنجاز إصلاحات منظومة الرقابة المالية، لجعل نشاط الأعمال والاستثمار مريحاً وأكثر سهولة».
ويرى مراقبون أن وجود حكومة قادرة على تنفيذ هذه المهام، الجديد منها والقديم، كان خلف استقالة حكومة مدفيديف، وترشيح ميشوستين لتشكيل حكومة جديدة، ووصفه البعض بأنه «رئيس حكومة حقبة جديدة للاقتصاد الروسي».
وفي أول تصريحات له، خلال لقاءات يوم أمس مع قادة الكتل في البرلمان الروسي، وصف ميشوستين وضع الاقتصاد الروسي بأنه «مستقر»، وعبّر عن قناعته بأن التضخم «لن يخرج عن حدود 4 في المائة»، وقال إن أول ما يجب القيام به من موقع رئيس الحكومة «العمل بجدية على الإصلاحات المؤسساتية وإصلاح منظومة الإدارة»، فضلاً عن «إزالة العقبات أمام الاستثمار»، واعداً بأن يباشر العمل على ذلك منذ أول أيام عمله في الحكومة. كما توقف عند الضرائب ورفض اقتراح منح تسهيلات ضريبية لذوي الدخل المحدود، لكنه وعد بالمقابل بدعم حكومي «محدد الوجهة» لهذه الفئة من المواطنين.
وكذلك رفض إلغاء التعديلات التي أقرتها الحكومة السابقة على المنظومة التقاعدية. كما تعهد بالعمل على «المشروعات القومية»، ومنها «الاقتصاد الرقمي»، وقال «لا شك بأن الدولة يجب أن تكون منصة رقمية، يتم تأسيسها لخدمة الناس».
وكان لافتاً أن خلف الإعلان عن ترشيح ميشوستين لرئاسة الحكومة حالة ارتياح في الوسط الاقتصادي العام والرسمي على حد سواء. ورأى أليكسي كودرين، وزير المالية الروسي سابقاً، ورئيس غرفة الحساب حالياً، أن «التغيير الحكومي الذي جرى يعزز الآمال بأن يتمكن الفريق الحكومي الجديد من إنجاز الكثير من المهام»، وأشار إلى خبرة ميشوستين، وقال إنه «يتلمس وضع الأعمال اليوم بصورة أفضل، وقادر على الموازنة بين مصالح هذا القطاع ومصالح الدولة»، فضلاً عن أنه «يشعر بنبض عصب الأتمتة»، ويدرك معاني التطور التقني وأهميته للبيزنس والاقتصاد الوطني، لافتاً إلى نجاحه في التعاون مع قطاع الأعمال خلال عمله في دائرة الضرائب الفيدرالية، والتي تطور عملها بشكل ملموس تحت إدارة ميشوستين، منذ عام 2010.
ويتطلب تنفيذ التدابير الجديدة التي أعلن عنها بوتين إنفاقاً إضافياً خلال السنوات المقبلة، يصل حتى 450 مليار روبل عام 2020، وفق تقديرات ميشوستين. من جانبه، قال كودرين إن تنفيذ تلك المهام يتطلب نحو 400 إلى 500 مليار روبل العام الحالي، وعبّر عن قناعته بتوفر تلك الأموال، وقال: «بما أن الرئيس أعلن عن تلك التدابير في رسالته السنوية، يعني أنه تم التحضير لكل شيء، وحساب التكلفة بالتفصيل». وقالت وزارة المالية، إن 160 إلى 170 مليار روبل ستكون الجزء الأكبر من الإنفاق من الميزانية لتنفيذ تدابير دعم الأسرة مع أطفال، فضلاً عن 134 مليار روبل القيمة التقديرية لحجم الدعم الذي سيتم منحه هذا العام للأسرة مع أطفال بسن من 3 إلى 7 سنوات.



مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

شهدت الأسهم اليابانية أكبر تدفق أسبوعي لرؤوس الأموال الأجنبية الخارجة منذ عقدين، خلال الأسبوع المنتهي في 28 مارس (آذار) الماضي، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط، مدفوعاً بالحرب في الشرق الأوسط، إلى ازدياد المخاوف من ضعف النمو العالمي وأرباح الشركات. وباع المستثمرون الأجانب ما قيمته 4.45 تريليون ين (27.92 مليار دولار) من الأسهم اليابانية، مسجِّلين بذلك أكبر صافي مبيعات أسبوعي منذ يناير (كانون الثاني) 2005 على الأقل، وهو التاريخ الذي بدأت فيه وزارة المالية اليابانية بجمع هذه الإحصاءات. وقام المستثمرون الأجانب ببيع أسهم يابانية بقيمة نحو 8.35 تريليون ين منذ بدء الحرب في إيران في 28 فبراير (شباط). وشهدت الأسواق تراجعاً حاداً يوم الخميس مع تصاعد المخاوف من الحرب في إيران، حيث انخفضت أسعار الأسهم وارتفعت أسعار النفط بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنَّ واشنطن قد تشنُّ ضربةً «شديدة للغاية» على إيران في غضون أسابيع، مما بدَّد الآمال في وضوح موعد انتهاء الصراع في الشرق الأوسط. كما شهدت السندات اليابانية تدفقات أجنبية خارجة حادة بلغت 6.81 تريليون ين، وهي الأكبر خلال أسبوع منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022. وتخلى المستثمرون الأجانب عن سندات يابانية طويلة الأجل بقيمة 2.65 تريليون ين، وسندات قصيرة الأجل بقيمة 4.16 تريليون ين، مسجِّلين بذلك أكبر صافي مبيعات أسبوعي لهم منذ 27 ديسمبر 2025. وفي المقابل، أضاف المستثمرون اليابانيون صافي 140.6 مليار ين إلى أسهمهم الأجنبية، مواصلين بذلك سلسلة مشترياتهم الصافية للأسبوع السادس على التوالي. ومع ذلك، باعوا سندات أجنبية طويلة الأجل بقيمة 945.4 مليار ين، وسندات قصيرة الأجل بقيمة 224.4 مليار ين.

• تراجع «نيكي»

وفي التعاملات اليومية، انخفض مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم بأكثر من 2 في المائة يوم الخميس، متراجعاً عن مكاسبه خلال الجلسة، بعد أن تلاشت الآمال في إنهاء سريع للصراع في الشرق الأوسط، إثر تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشنِّ مزيد من الضربات على إيران. وأغلق مؤشر «نيكي» منخفضاً بنسبة 2.38 في المائة عند 52.463.27 نقطة، بعد أن ارتفع بنسبة 0.97 في المائة في وقت سابق من الجلسة. كما تراجع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً عن مكاسبه المبكرة، منهياً الجلسة منخفضاً بنسبة 1.61 في المائة عند 3.611.67 نقطة. وفي خطاب متلفز، قال ترمب إن الجيش الأميركي قد حقَّق أهدافه تقريباً في إيران. لكنه لم يقدِّم جدولاً زمنياً واضحاً لإنهاء الحرب المستمرة منذ شهر، وتعهد بقصف البلاد حتى تعود إلى «العصور الحجرية». وقال كازواكي شيمادا، كبير الاستراتيجيين في شركة «إيواي كوزمو» للأوراق المالية: «لم يكن في خطابه أي جديد. لو أعلن إنهاء الحرب فوراً، لكانت سوق الأسهم قد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً». وأضاف: «بدلاً من ذلك، بدأ المستثمرون ببيع الأسهم لجني أرباحهم من الارتفاع الأخير، وكأنهم كانوا يتوقَّعون ذلك». وشهد المؤشر ارتفاعاً هذا الأسبوع على أمل خفض التصعيد في الحرب، بعد أن سجَّل أسوأ أداء شهري له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 في مارس. وارتفع مؤشر «نيكي» إلى متوسطه المتحرك لـ25 يوماً عند نحو 54.258 نقطة في وقت سابق من الجلسة، وهو ما عدّه شيمادا إشارة إلى أن مؤشر «نيكي» قد بلغ أدنى مستوياته.

• ارتفاع العوائد

وبالتزامن مع تراجع الأسهم، ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية يوم الخميس، بعد أن بدَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الآمال في إنهاء سريع للحرب في الشرق الأوسط، مما أثَّر سلباً على نتائج مزاد السندات القياسية لأجل 10 سنوات. وقفز عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 2.39 في المائة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ فبراير 1999، والذي تم قياسه يوم الاثنين. وقفز عائد السندات لأجل 20 عاماً بمقدار 15 نقطة أساس ليصل إلى 3.21 في المائة، وارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 3.705 في المائة. وتتحرَّك العوائد عكسياً مع أسعار السندات. وقال شويتشي أوساكي، مدير محافظ أول في شركة «ميغي ياسودا» لإدارة الأصول: «ازدادت حالة عدم اليقين بشأن حرب الشرق الأوسط بعد خطاب ترمب، مما أثَّر على مزاد سندات الـ10 سنوات». وأضاف: «ربما كان المزاد مدعوماً بطلب من المتعاملين الذين احتاجوا لتغطية مراكز البيع المكشوف». بلغت نسبة العرض إلى التغطية في المزاد، وهي مقياس للطلب، 2.57 مرة، مقارنةً بـ3.3 مرة في المزاد السابق. وتتعرَّض عوائد سندات الحكومة اليابانية لضغوط تصاعدية، ويتوخَّى المستثمرون الحذر في شراء السندات وسط توقعات السوق برفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة في وقت مبكر من هذا الشهر. وأدى ضعف الين وارتفاع أسعار النفط إلى زيادة مخاطر التضخم، مما عزَّز التوقعات برفع أسعار الفائدة مبكراً. وقد تراجع الين بعد خطاب ترمب. وقال كينتارو هاتونو، رئيس قسم الدخل الثابت العالمي في شركة إدارة الأصول «أسيت مانجمنت وان»: «إضافةً إلى ذلك، هناك عوامل تدعم رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، حيث يُتوقَّع أن تُشدِّد البنوك المركزية الكبرى سياساتها النقدية». وتزداد توقعات شركات الوساطة العالمية بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في وقت مبكر من شهر أبريل (نيسان)، بينما تُقلل من توقعات خفض «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة، بعد أن حذَّر صناع السياسات من أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران تُؤجج مخاطر التضخم. وأضاف هاتونو: «إذا استمرَّت اليابان في سياستها النقدية المنخفضة، فإنَّ الفجوة في أسعار الفائدة ستتسع، وهذا قد يُضعف الين أكثر».


بعد عام من «تعريفات يوم التحرير»... الدولار يستعيد قوته كملاذ آمن

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

بعد عام من «تعريفات يوم التحرير»... الدولار يستعيد قوته كملاذ آمن

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

بعد مرور عام على فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعريفات «يوم التحرير» الشاملة، يبدو الدولار في وضع أقوى بكثير، إذ استعيدت مكانته كملاذ آمن في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

فقد ارتفع الدولار بنحو 1.6 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، مسجلاً أفضل أداء ربع سنوي له منذ أواخر 2024، مدعوماً بمكانة الولايات المتحدة كمصدر للطاقة، ولجوء المستثمرين إلى السيولة النقدية في ظل حالة عدم اليقين العالمية، وفق «رويترز».

ويمثل هذا تناقضاً صارخاً مع الوضع قبل عام، حين أدت تعريفات ترمب إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار، كرد فعل من المستثمرين على تصاعد حالة عدم اليقين بشأن السياسات الأميركية، فضلاً عن الهجمات الكلامية التي شنّها ترمب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي وابتعاده عن الحلفاء والمؤسسات الدولية.

على سبيل المثال، انخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل سلة من العملات العالمية الرئيسية، بنسبة تقارب 10 في المائة خلال العام الماضي، مسجلاً أسوأ أداء له منذ عام 2017.

ارتفاع الآن... ولكن إلى متى؟

على الرغم من انتعاش الدولار مطلع عام 2026، يشير المحللون إلى أن العملة لا تزال تواجه ضغوطاً هبوطية على المدى الطويل، في ظل استمرار التساؤلات بشأن هيمنتها على التجارة والتمويل العالميين.

احتياطيات النقد الأجنبي

تراقب البنوك المركزية من كثب أي مؤشرات على تحول الدول عن الدولار. وتشير أحدث بيانات لجنة احتياطيات النقد الأجنبي التابعة لصندوق النقد الدولي للربع الأخير من عام 2025 إلى انخفاض تدريجي طفيف في حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية.

ورغم ذلك، تظل عملات مثل اليورو واليوان أبرز المستفيدين من أي تراجع في حصة الدولار، لكن التحولات الأخيرة كانت طفيفة جداً بحيث لم تؤثر بشكل ملموس على مكانة الدولار الإجمالية. ولا يُتوقع أن يفقد الدولار موقعه كأكبر عملة احتياطية في العالم في أي وقت قريب، نظراً لهيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي والتجارة وأسواق الدين.

الاستثمار الأجنبي

تفوق قيمة الأصول الأميركية التي يمتلكها المستثمرون الأجانب بكثير على قيمة الأصول التي يمتلكها المستثمرون الأميركيون في الخارج، بفضل التدفقات الاستثمارية الخارجية المستمرة، مما يعزز قوة العملة الأميركية. ومع ذلك، يشير المحللون إلى أن أي تباطؤ في هذه التدفقات قد يؤثر سلباً على قوة الدولار.


صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

يواجه محافظو البنوك المركزية حول العالم مهمة بالغة التعقيد، تكاد تلامس المستحيل: فهم سلوك الشركات، والنقابات العمالية، والأسر في الوقت الفعلي، لتقدير كيفية تفاعلهم مع أوضاعهم المالية في ظل صدمة طاقة جديدة.

ويدرس صناع السياسات خيار رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، لكن اتخاذ هذه الخطوة يبقى مشروطاً بقناعتهم بأن ارتفاع تكاليف الطاقة الناتج عن الحرب في إيران سينتقل إلى بقية الأسعار، بما يؤدي إلى ترسيخ توقعات تضخم أعلى على مستوى الاقتصاد ككل، وفق «رويترز».

يتسوق الناس في أحد متاجر نيويورك (رويترز)

غير أن التحدي الأبرز يكمن في صعوبة قياس هذه التوقعات بدقة. فعلى الرغم من امتلاك البنوك المركزية طيفاً واسعاً من الأدوات، بما في ذلك الاستطلاعات والمؤشرات السوقية والنماذج التحليلية، فإنَّ جميعها تعاني من أوجه قصور، إن لم تكن عيوباً جوهرية.

ومنذ جائحة «كوفيد-19»، كثَّفت البنوك المركزية جهودها لتطوير أدوات جديدة تسدّ فجوات البيانات السلوكية، غير أن قياس توقعات التضخم لا يزال أقرب إلى فن قائم على التقدير منه إلى علم دقيق.

حذر متزايد في قرارات الفائدة

هذا الغموض قد يدفع صناع السياسات إلى رفع سقف الحذر قبل الإقدام على تشديد السياسة النقدية، إذ يفضّلون عادة انتظار دلائل أكثر صلابة، لتقليل مخاطر اتخاذ قرارات خاطئة.

وقال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، إن فهم طريقة تفكير واضعي الأسعار يمثل عنصراً حاسماً، مضيفاً أن قرار رفع الفائدة سيعتمد على ما إذا كانت توقعات التضخم ستبدأ بالفعل في التحرك صعوداً، وهو ما لم يتحقق بعد، وفق تقديره.

تحولات سلوكية منذ 2022

يتمثل أحد أبرز التعقيدات في تغير سلوك الأفراد والشركات. ففي عام 2022، ومع محدودية الخبرة في التعامل مع التضخم السريع، كانت عمليات تعديل الأسعار والأجور تتسم بالجمود النسبي.

لكن، وفق ما أشارت إليه إيزابيل شنابل، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، فإن تجربة التضخم المؤلمة في السنوات الأخيرة جعلت التوقعات أكثر هشاشة، وبالتالي أكثر حساسية لصدمات أسعار الطاقة.

وبالنسبة للشركات، لم يعد تعديل الأسعار حدثاً سنوياً كما كان قبل الجائحة، بل أصبح أكثر تكراراً، مما يجعل وتيرة التغيير - وليس حجمه فقط - مؤشراً مهماً على تحولات التوقعات.

أدوات تقليدية... وقيود واضحة

لطالما اعتمدت البنوك المركزية على الاستطلاعات ومؤشرات السوق لتقدير توقعات التضخم. غير أن هذه الأدوات تعاني من قيود واضحة؛ فالاستطلاعات تُجرى بوتيرة محدودة ولا تواكب التحولات السريعة، كما أن آفاقها الزمنية لا تتماشى دائماً مع احتياجات صناع القرار.

أما المؤشرات السوقية، فتتأثر بعلاوات المخاطر التي يطلبها المستثمرون، مما يجعلها تعكس مزيجاً من التوقعات الفعلية ومعنويات السوق، وبالتالي تُضعف دقتها.

وتكمن أهمية هذه التقديرات في أن المستثمرين باتوا يتوقعون حالياً رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات هذا العام، وبنك إنجلترا مرتين، في حين تراجعت توقعات خفض الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» خلال عام 2026.

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ابتكار لسد فجوات المعرفة

لمواجهة هذه التحديات، طوَّرت البنوك المركزية أدوات جديدة، تشمل متابعة توقعات الأجور من خلال اتفاقيات النقابات، وإجراء استطلاعات مباشرة مع الشركات، والتواصل مع المديرين التنفيذيين لرصد سلوك التسعير.

كما تراقب وتيرة تغيّر الأسعار بشكل أكثر دقة، وتعمل على تحسين النماذج الاقتصادية التي أخفقت سابقاً في توقُّع موجة التضخم المرتبطة بالجائحة والحرب في أوكرانيا.

ويُعد فهم الفروق بين صدمة التضخم الحالية وتلك التي شهدها العالم قبل أربع سنوات أمراً محورياً في رسم السياسات، إذ تختلف الظروف جذرياً اليوم.

بيئة اقتصادية مختلفة

فأسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، والسياسات المالية أكثر تشدُّداً، وسوق العمل تُظهر بوادر تباطؤ، كما أن الأسر لم تعد تمتلك فوائض نقدية كبيرة كما كان الحال خلال الجائحة.

وفي هذا السياق، أشار محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إلى أن الاقتصاد يدخل هذه المرحلة مع تباطؤ تدريجي في التضخم، وضعف في سوق العمل، ونمو دون إمكاناته.

كما تؤكد الشركات، وفق ما تنقله البنوك المركزية، تراجع قدرتها على تمرير زيادات الأسعار، مما يعكس ضعفاً في القوة التسعيرية عبر معظم القطاعات.

توازن دقيق ومخاطر قائمة

ورغم الثقة النسبية الحالية في استقرار توقعات التضخم على المدى الطويل، فإن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يؤديان إلى تغيير هذا المسار.

فمع ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، مثل الوقود، تزداد احتمالات ترسخ توقعات تضخم أعلى، غير أن توقيت حدوث ذلك يظل غير واضح، مما يترك لصناع السياسات مساحة واسعة للاجتهاد والتقدير.

وفي هذا الإطار، لخَّص بريموز دولينك، مسؤول السياسات في البنك المركزي الأوروبي، المشهد بالقول: إن علم الاقتصاد، رغم اعتماده على التحليل، لا يخلو بطبيعته من عنصر الحكم الشخصي والتقدير.