«محاكمة ترمب» تنطلق خلال أيام

الديمقراطيون يحددون فريق الادعاء... وجمهوريون يطالبون بايدن بتعليق حملته

بيلوسي لدى إعلانها فريق الادعاء في الكونغرس أمس (د.ب.أ)
بيلوسي لدى إعلانها فريق الادعاء في الكونغرس أمس (د.ب.أ)
TT

«محاكمة ترمب» تنطلق خلال أيام

بيلوسي لدى إعلانها فريق الادعاء في الكونغرس أمس (د.ب.أ)
بيلوسي لدى إعلانها فريق الادعاء في الكونغرس أمس (د.ب.أ)

تتحول الأنظار في العاصمة الأميركية واشنطن إلى مجلس الشيوخ، الذي يستعد لاستقبال المرحلة المقبلة من إجراءات عزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فقد عيّنت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي رسمياً ممثلين عن الديمقراطيين لعرض الأدلة في المحاكمة التاريخية التي ستعقد الأسبوع المقبل.
وأعلنت بيلوسي في مؤتمر صحافي عقدته في مبنى الكابيتول، أمس (الأربعاء)، عن تعيين 7 ديمقراطيين لحضور إجراءات المحاكمة، أبرزهم رئيس لجنة الاستخبارات آدم شيف، ورئيس اللجنة القضائية جارولد نادلر. وسيؤدي هؤلاء دور محامي الادعاء في جلسات المحاكمة، يقابلهم محامو الدفاع من فريق الرئيس الأميركي في البيت الأبيض.
وقد بدت الاستعدادات للمحاكمة واضحة في مجلس الشيوخ؛ حيث تم تكثيف الوجود الأمني لشرطة الكابيتول، التي بدأ عناصرها بالعمل على تحديد تحرك الصحافيين خلال تغطية المحاكمة. وتم إعلام الصحافيين المرخصين للعمل في مبنى الكابيتول بأن تحركاتهم سوف تكون محصورة في زاوية معينة في مجلس الشيوخ، وأنهم لن يتمكنوا من التجول بحرية في أروقة الكونغرس والحديث مع المشرعين كما جرت العادة.
إجراءات استثنائية تعكس جدية الحدث ووطأته التاريخية، وهذا ما تحدث عنه زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل، الذي قال إن المجلس سينعقد قبل نهاية الأسبوع لاستدعاء كبير قضاة المحكمة العليا جون روبرتس، الذي سيترأس جلسات المحاكمة، وسيشرف روبرتس على أداء كل أعضاء مجلس الشيوخ قسم اليمين قبل بدء المحاكمة رسمياً الأسبوع المقبل.
وشرح مكونيل للصحافيين الخطوات المقبلة قائلاً: «سوف نتمكن من البدء بالخطوات البروتوكولية الأولية للمحاكمة هذا الأسبوع، وهذا يتضمن حضور كبير القضاة إلى هنا لكي يؤدي أعضاء مجلس الشيوخ قسم اليمين أمامه، إضافة إلى إجراءات تمهيدية أخرى». وتابع مكونيل: «هذا سيسمح لنا بالبدء رسمياً يوم الثلاثاء المقبل».
هذا يعني أن مجلس الشيوخ سوف يبدأ بمناقشة أطر المحاكمة وقوانينها يوم الثلاثاء.
ومع بدء تبلور الصورة النهائية للمحاكمة، يبدو أن توقعات بعض المشرعين بانتهاء المحاكمة نهاية الشهر الحالي لن تتحقق. فإصرار الديمقراطيين على استدعاء شهود، ووجود كم هائل من الأدلة التي يجب أن يطلع عليها مجلس الشيوخ ويحللها سوف تطيل من فترة المحاكمة. وقد قال أحد أعضاء مجلس الشيوخ ممن شهدوا إجراءات عزل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في العام 1999: «هذه المحاكمة سوف تتطلب وقتاً أطول بكثير من التوقعات».
تصريح توافق معه السيناتور الجمهوري البارز جون ثون: «إذا قرر البعض أنهم يريدون استدعاء شهود، فسوف تستغرق المحاكمة وقتاً طويلاً». وسوف تشكل مسألة الوقت تحدياً كبيراً أمام بعض المرشحين الديمقراطيين للرئاسة الأميركية، تحديداً برني ساندرز وإليزابيث وارن وإيمي كلوبوتشار. فهؤلاء هم أعضاء في مجلس الشيوخ ويجب أن يلتزموا بحضور جلسات المحاكمة الطويلة من دون هواتفهم أو أي جهاز يربطهم بالعالم الخارجي، الأمر الذي سيؤدي إلى غيابهم عن حملاتهم الانتخابية والناخبين الأميركيين في وقت حساس للغاية. فالانتخابات التمهيدية في ولاية أيوا ستجري في 3 فبراير (شباط)، تليها انتخابات ولاية نيوهامشير بعد 8 أيام. وبما أن مجلس الشيوخ سوف ينعقد لـ6 أيام متواصلة خلال إجراءات المحاكمة، فإن هذا يعني غياب هؤلاء عن هذه الحملات الانتخابية طوال هذه الفترة. الأمر الذي سيجعل الكفة تميل لصالح مرشحين، كنائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، وحاكم «ساوث بند» بيت بوتاجيج.
هذا، وقد اتهم زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب كيفين مكارثي، رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، بمحاولة التأثير على السباق الانتخابي لصالح بايدن من خلال تجميدها لإجراءات العزل إلى التاريخ الحالي.
ودعا مكارثي بايدن إلى تجميد حملاته الانتخابية حتى انتهاء المحاكمة، وقال في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «يجب أن يتعهد جو بايدن بعدم خوض حملات انتخابية خلال إجراءات العزل، هذا إن كان يؤمن بالعدل وبأن نانسي بيلوسي لم تجمد إجراءات العزل من أجله».
اتهامات خطيرة تعكس تشنج الأجواء بين الديمقراطيين والجمهوريين، وقد بدأت الانتقادات الجمهورية لبايدن بالتزايد؛ حيث حذر مكونيل الديمقراطيين من أنه قد يستدعي كل من بايدن ونجله هنتر للإدلاء بإفادتيهما خلال المحاكمة إذا ما أصر الديمقراطيون على استدعاء مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، وكبير موظفي البيت الأبيض ميك مولفاني. وقال مكونيل: «سوف نتعامل مع موضوع الشهود عندما يحين الوقت خلال المحاكمة. ومن المناسب للجهتين الجمهورية والديمقراطية المطالبة بالاستماع إلى شهود».
وسوف يسلط استدعاء بايدن الأضواء على أبرز مرشح للرئاسة الأميركية عن الحزب الديمقراطي، وهو قال خلال مناظرة جمعت مرشحي الحزب، ليلة الثلاثاء، إن الديمقراطيين لم يكن أمامهم خيار سوى عزل ترمب. وتابع قائلاً إنه يتوقع أن يستمر ترمب والجمهوريون بادعاءاتهم القائلة أن بايدن وابنه متهمان بالفساد، بسبب علاقة هنتر بشركة «بوريزما» الأوكرانية.
وكان المرشحون الستة تواجهوا، أول من أمس (الثلاثاء)، في المناظرة الأخيرة قبل بدء الانتخابات التمهيدية الرئاسية. وقد بدت هيمنة إجراءات العزل واضحة على أجواء المناظرة؛ حيث سعى المرشحون إلى عدم مهاجمة بعضهم بعضاً بشراسة كما جرت العادة، وذلك في محاولة منهم لإظهار وحدة الصف الديمقراطي في ظل الأجواء الحالية. لكن برني ساندرز لم يتمالك نفسه من انتقاد سجل بايدن في حرب العراق، وقال إن تصويت نائب الرئيس السابق لصالح حرب العراق في العام 2003 تظهر سوء تقديره. وتابع ساندرز قائلاً عن إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش: «لقد عرفت أنهم يكذبون، ولم أصدقهم للحظة واحدة. أما جو (بايدن) فكان تقديره مختلفاً».
بايدن أعاد القول إن تصويته كان خاطئاً، لكنه لم يخض نقاشاً مطولاً مع ساندرز، بل أعاد التركيز على أهمية وجود مرشح ديمقراطي قادر على هزيمة ترمب في الانتخابات الرئاسية. وقال بايدن: «إن اختيار مرشح يجب أن يكون مبنياً على المزايا الأميركية، وليس على الخطاب الذي يتلفظ به ترمب، المبني على الكراهية والعنصرية. نحن لا نمثل ذلك كأمة».
وانتهزت إليزابيث وارن فرصة تركيز ساندرز على بايدن، فباغتته بانتقادات لاذعة متعلقة بتشكيكه بقدرة النساء على الفوز بمقعد الرئاسة. أمرٌ نفاه ساندرز بشكل قاطع، لكن وارن لم تستلم، بل بدأت بتعداد إنجازات النساء في الانتخابات، وانتقاد من يقول أن الولايات المتحدة غير جاهزة لامرأة في مقعد الرئاسة في البيت الأبيض.


مقالات ذات صلة

مركز كينيدي يزيل اسم ترمب من موقعه الإلكتروني

الولايات المتحدة​ مركز جون إف كينيدي للفنون المسرحية في واشنطن (أ.ب)

مركز كينيدي يزيل اسم ترمب من موقعه الإلكتروني

أزال مركز كينيدي، الاثنين، اسم الرئيس دونالد ترمب من موقعه الإلكتروني، ولو أنه لم يزله بعد عن واجهة قاعة العروض المهيبة في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

تقرير: ترمب حذر نتنياهو من العودة للحرب مع إيران

ترمب حذر نتنياهو من أنه قد يجد نفسه يقاتل وحيدا إذا عاد إلى الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قاضٍ: رسوم ترمب على تأشيرات «إتش-1 بي» للعمال الأجانب غير قانونية

أعلن قاضٍ ​اتحادي، الاثنين، أن الرسوم التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ‌بقيمة 100 ألف ‌دولار ​على ‌تأشيرات «إتش-1بي» ⁠الجديدة المخصصة للعمال الأجانب.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينزل من طائرة «إير فورس وان» بعد وصوله إلى مطار موريس تاون في ولاية نيوجيرسي في 5 يونيو 2026 (أ.ف.ب/غيتي)

ترمب بين اتفاق إيران ومخاطر التصعيد

يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب نجح في الضغط على الجانبين الإسرائيلي والإيراني لوقف تبادل الضربات العسكرية التي اندلعت، ليل الأحد - الاثنين.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهر يقف بوجه عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس» خارج قاعة تُستخدم مركز احتجاز في نيوارك - نيوجيرزي (أ.ف.ب)

صفارة «المونديال» تضغط على ترمب محلياً ودولياً

اقتربت ساعة انطلاق الصفارة الأولى لمباريات كأس العالم في كرة القدم، في حين تزايدت الضغوط على الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قضايا الهجرة والحرب والأمراض...

علي بردى (واشنطن)

رئيس الوزراء الأسترالي يتعهّد خفض الهجرة للعامَيْن المقبلَيْن

رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون (يسار) ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيزي خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع السنوي لقادة أستراليا ونيوزيلندا في نوسا... أستراليا 6 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون (يسار) ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيزي خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع السنوي لقادة أستراليا ونيوزيلندا في نوسا... أستراليا 6 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

رئيس الوزراء الأسترالي يتعهّد خفض الهجرة للعامَيْن المقبلَيْن

رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون (يسار) ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيزي خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع السنوي لقادة أستراليا ونيوزيلندا في نوسا... أستراليا 6 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
رئيس وزراء نيوزيلندا كريستوفر لوكسون (يسار) ورئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيزي خلال مؤتمر صحافي عقب الاجتماع السنوي لقادة أستراليا ونيوزيلندا في نوسا... أستراليا 6 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، الاثنين، أن الهجرة إلى أستراليا ستواصل انخفاضها بعدما أظهر استطلاع جديد للرأي تقدّم حزب يميني متطرف على حزب العمّال الحاكم.

وقال ألبانيزي للصحافيين في كانبيرا: «سنخفّض صافي الهجرة خلال العامين المقبلين إلى 225 ألف شخص. نعتقد أن هذا هو العدد الأمثل»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «نيوزبول» وشمل 1240 شخصاً، ونُشر الاثنين في صحيفة «ذا أستراليان»، تأييد 31 في المائة من الناخبين لحزب «أمة واحدة» اليميني المتطرف مقابل 30 في المائة لحزب العمال.

وفي استطلاع آخر نشرته صحيفة «أستراليان فاينانشال ريفيو» في مطلع يونيو (حزيران)، حصل الحزب اليميني المتطرف على 31 في المائة من الأصوات مقابل 28 في المائة لحزب العمال.

ويتزامن صعود اليمين المتطرف مع مواجهة البلاد أزمة سكنية في حين تُعد أسعار العقارات فيها من بين الأعلى في العالم، ويُحمّل اليمين المتطرف مسؤولية ذلك للهجرة.

بولين هانسون زعيمة حزب «أمة واحدة» الأسترالي خلال كلمة في مجلس الشيوخ بمبنى البرلمان في كانبرا بأستراليا (رويترز-أرشيفية)

وتُظهر إحصاءات الهجرة الرسمية أن صافي عدد الوافدين إلى أستراليا بلغ 538 ألف وافد في عام 2023، و429 ألف وافد في 2024، و306 آلاف وافد العام الماضي، بينما بلغ عدد سكان أستراليا 28 مليون نسمة في يونيو.

وأعلنت الحكومة أنّ ارتفاع عدد الوافدين في السنوات الأخيرة يعود إلى تدفق الطلاب والعمال عقب إغلاق الحدود خلال جائحة كورونا.

ويرى أنتوني ألبانيزي أنّ صعود الأحزاب السياسية الشعبوية يُعدّ منحى عالمياً، ويسعى إلى جعل التماسك الاجتماعي جوهر الهوية الأسترالية.

وقال رئيس الوزراء الأسترالي: «إن وجود أفراد من كل أنحاء العالم، يفخرون بأن تكون أستراليا وطنهم، يُعدّ ثروة وطنية لنا».

وتشير بيانات التعداد السكاني إلى أنّ حوالي نصف الأستراليين وُلد أحد والدَيهم في الخارج.

وفاز حزب «أمة واحدة» بقيادة بولين هانسون التي تدعو إلى خفض كبير في الهجرة وتشن حملات ضد «الإسلام المتطرف» بدائرة فارير الانتخابية الشهر الماضي، وهي منطقة زراعية وتعدينية شاسعة تقع في ولاية نيو ساوث ويلز في جنوب شرق البلاد.

وستُجرى الانتخابات العامة الأسترالية المقبلة بحلول مايو (أيار) 2028.


تقرير استخباراتي يكشف كيفية مساعدة الصين لبوتين في أوكرانيا

ضابط يمسك بالعلم الروسي قبل حفل ترحيب يقيمه الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين... خارج «قاعة الشعب الكبرى» في بكين بالصين يوم 8 يونيو 2018 (رويترز)
ضابط يمسك بالعلم الروسي قبل حفل ترحيب يقيمه الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين... خارج «قاعة الشعب الكبرى» في بكين بالصين يوم 8 يونيو 2018 (رويترز)
TT

تقرير استخباراتي يكشف كيفية مساعدة الصين لبوتين في أوكرانيا

ضابط يمسك بالعلم الروسي قبل حفل ترحيب يقيمه الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين... خارج «قاعة الشعب الكبرى» في بكين بالصين يوم 8 يونيو 2018 (رويترز)
ضابط يمسك بالعلم الروسي قبل حفل ترحيب يقيمه الرئيس الصيني شي جينبينغ للرئيس الروسي فلاديمير بوتين... خارج «قاعة الشعب الكبرى» في بكين بالصين يوم 8 يونيو 2018 (رويترز)

كشفت وثائق استخباراتية أوروبية سرية، اطّلعت عليها صحيفة «دي فيلت» الألمانية أواخر مايو (أيار) الماضي، عن توسّع غير مسبوق في التعاون العسكري بين الصين وروسيا، يتجاوز الدعم السياسي والاقتصادي المعروف بين البلدين.

ووفقاً للوثائق، فقد درّبت الصين أواخر عام 2025 مئات الجنود الروس في 6 مواقع عسكرية داخل أراضيها، مع التركيز على تشغيل الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية المضادة للمسيّرات، ومحاكاة المعارك الحديثة. وتشير المعلومات إلى أن عشرات من هؤلاء الجنود شاركوا لاحقاً في العمليات القتالية بأوكرانيا خلال عام 2026، بينهم عناصر من وحدة «روبيكون» الروسية المختصة بالطائرات المسيّرة، وبعض الضباط الذين تولوا مناصب قيادية، وفق ما نقلته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

في المقابل، تلقّى نحو 600 جندي من الجيش الصيني تدريبات داخل روسيا خلال العام الماضي، شملت استخدام المدرعات والمدفعية والهندسة العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي. وجرت هذه التدريبات بسرية كبيرة؛ مما يعكس مستوى متقدماً من التنسيق العسكري بين الجانبين.

الصين تستفيد من الحرب في أوكرانيا

وفق خبراء عسكريين غربيين، فإن الحرب الروسية - الأوكرانية تمنح الصين فرصة فريدة للاطلاع على الأداء الفعلي للأسلحة الغربية في ساحة قتال حقيقية. وتفيد الوثائق بوجود تبادل مكثف للمعلومات بين موسكو وبكين بشأن أنظمة التسليح الغربية التي تستخدمها أوكرانيا أو تستولي عليها القوات الروسية، بما في ذلك منظومتا «هيمارس» الأميركية و«باتريوت» للدفاع الجوي، إضافة إلى دبابات «أبرامز» ومركبات «ماردر» الألمانية.

ويرى محللون أن بكين تستفيد من الخبرة الروسية والإيرانية في مجال المسيّرات والصواريخ، بينما تزوّد روسيا بمكوّنات وتقنيات ذات استخدام مزدوج. كما تراقب الصين من كثب الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا لتطوير صناعاتها الدفاعية وتحديد أولوياتها العسكرية حتى عام 2030.

انعكاسات محتملة على تايوان

ويشير تقرير الصحيفة إلى أن التعاون العسكري بين البلدين يتجاوز التدريب وتبادل المعلومات؛ إذ يشمل أيضاً صفقات تسليح جديدة. ومن المتوقع أن تتسلم الصين خلال عام 2026 عدداً محدوداً من المركبات الروسية المحمولة جواً، وهي معدات يعتقد محللون أنها قد تكون مفيدة في أي سيناريو عسكري محتمل يتعلق بتايوان.

وتُضعف هذه المعطيات صورة الحياد التي تحاول الصين إظهارها في الحرب الأوكرانية، بينما يرى مراقبون أن الشراكة العسكرية المتنامية بين موسكو وبكين تعكس تشكّل محور استراتيجي يسعى إلى مواجهة النفوذ الغربي والاستفادة من الخبرات القتالية المكتسبة في النزاعات الجارية.


من طهران إلى موسكو: الذكاء الاصطناعي يحوّل كاميرات المراقبة أداةَ تهديدٍ أمني

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
TT

من طهران إلى موسكو: الذكاء الاصطناعي يحوّل كاميرات المراقبة أداةَ تهديدٍ أمني

كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)
كاميرات التَّعرُّف على الوجوه خلال عملية لشرطة لندن (رويترز)

كشفت تقارير ومصادر مطلعة عن أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أعاد رسم مشهد المراقبة والأمن السيبراني، وأثار مخاوف متزايدة داخل الدوائر الأمنية الروسية، خصوصاً فيما يتعلق بحماية الرئيس فلاديمير بوتين وكبار مسؤولي الدولة.

وأفادت المصادر بأن أجهزة الأمن الروسية علّقت جزئياً تشغيل منظومة مراقبة خاصة مرتبطة بحماية الرئيس وكبار مساعديه، وذلك عقب عملية اغتيال استهدفت المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران، وكيف يمكن للذكاء الاصطناعي استغلال بيانات كاميرات المراقبة لتحديد الأهداف وتعقبها. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

ويأتي هذا النظام منفصلاً عن شبكة المراقبة العامة في موسكو، التي تضم نحو 300 ألف كاميرا موزعة في أنحاء العاصمة. وقد جرى لاحقاً إعادة تشغيله بعد إخضاعه لفحوص تقنية دقيقة، شملت عزله بالكامل عن شبكة الإنترنت، في محاولة لتقليل مخاطر الاختراق أو الاستغلال الخارجي.

وحسب المعلومات المتداولة، دفعت هذه الإجراءات الاستثنائية إلى إعادة تقييم شاملة للبنية الأمنية، بعد أن أشارت تقارير استخباراتية إلى استخدام تقنيات تحليل متقدمة، يُعتقد أنها مكّنت جهات خارجية من الاستفادة من كميات ضخمة من تسجيلات كاميرات المراقبة؛ بهدف تتبع تحركات شخصيات بارزة وتحديد مواقعها بدقة.

وحذّر مدير جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) ألكسندر بورتنيكوف مسؤولي الأمن الإقليميين من أن منظومة المراقبة الروسية الواسعة قد تتحول نقطةَ ضعفٍ خطيرة يمكن للأعداء استغلالها.

وقال بورتنيكوف إن «القضاء الأخير على مسؤولين إيرانيين كبار يمثل إشارة تحذير واضحة»، مشيراً إلى أن مواقع الضحايا جرى تحديدها جزئياً عبر «أبواب خلفية» موجودة في أنظمة المراقبة المرئية الإيرانية.

ورغم أن اختراق كاميرات المراقبة ليس أمراً جديداً بالنسبة لأجهزة الاستخبارات المتقدمة، فإن التطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي أتاح قدرات غير مسبوقة على تحليل البيانات البصرية واستخراج الأنماط السلوكية من كميات هائلة من الصور والفيديوهات.

وحسب مسؤولين وخبراء أمنيين، استخدمت الاستخبارات الإسرائيلية هذه التقنيات لرسم خريطة دقيقة لطهران، وتحليل تحركات حراس المسؤولين الكبار، واستخراج أهداف محددة من ملايين الساعات المصورة. كما جرى دمج هذه البيانات مع معلومات استخباراتية أخرى، بينها مصادر بشرية.

ويؤكد خبراء أن قدرات الذكاء الاصطناعي البصرية شهدت تطوراً كبيراً منذ عام 2023، وتقدمت بشكل لافت خلال العام الماضي. فبدلاً من الاقتصار على عمليات بحث محددة مسبقاً، أصبحت الأنظمة الحديثة قادرة على إجراء عمليات بحث باللغة الطبيعية داخل الفيديوهات.

فعلى سبيل المثال، يمكن لمحلل استخباراتي أن يطلب من النظام البحث عن «شخصين يتبادلان حقيبة»، أو «شخص غيّر مظهره مرات عدة خلال يوم واحد»، أو «سيارة أعيد طلاؤها حديثاً»، ليعثر النظام على المشاهد المطلوبة وسط آلاف الساعات من التسجيلات خلال دقائق.

في هذا السياق، حذّر مسؤولون أمنيون روس من أن منظومات المراقبة الواسعة قد تتحول من أداة حماية إلى نقطة ضعف استراتيجية، في حال عدم تأمينها بشكل صارم، مؤكدين أن «أي ثغرة رقمية قد تُستغل في عمليات استهداف دقيقة».

وقال مسؤول أوروبي إن هذه التكنولوجيا تمثل «الكأس المقدسة للمراقبة»؛ لأنها تتيح البحث عن السلوكيات وليس فقط عن الأشخاص أو الأشياء، ما يفتح آفاقاً جديدة أمام أجهزة الأمن والاستخبارات.

ويرى خبراء أن هذه القدرات تحول شبكات كاميرات المراقبة المنتشرة في المدن الحديثة إلى مصادر معلومات استراتيجية يمكن للخصوم استغلالها لاستخراج أنماط الحياة والعلاقات والتحركات الخاصة بالأفراد والمنشآت الحساسة.

وقد سارعت الهند، على سبيل المثال، إلى فرض قيود على استخدام الكاميرات الصينية داخل البلاد بعد تزايد المخاوف من استغلالها أمنياً.

أما الصين، التي تُعدّ من أكبر مستخدمي أنظمة المراقبة الذكية في العالم، فتستثمر بكثافة في كاميرات وبرمجيات جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تستطيع تفسير المشاهد وتحليل السلوكيات والبحث داخل الفيديو باستخدام أوامر مكتوبة. لكن هذه القدرات نفسها قد تتيح لخصومها فرصاً أكبر لاختراق أنظمتها والاستفادة من البيانات التي تجمعها.

وتشير تقديرات خبراء أمنيين إلى أن بعض التقنيات الحديثة باتت قادرة على ربط بيانات الفيديو بمصادر معلومات أخرى، تشمل الاتصالات، ووسائل التواصل الاجتماعي، وسجلات التنقل؛ ما يخلق صورة شاملة عن تحركات الأفراد وسلوكهم اليومي.

ورغم هذا التطور، يؤكد محللون أن هذه الأنظمة ليست مطلقة الدقة؛ إذ لا تزال تواجه تحديات تقنية وعملانية، خصوصاً في البيئات المعقدة أو في مواجهة أساليب تمويه تقليدية تعتمدها بعض الجماعات المسلحة.

ويخلص مراقبون إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يمثل تحولاً جذرياً في عالم الاستخبارات والمراقبة؛ إذ نقل كاميرات المدن من أدوات تسجيل سلبية إلى شبكات تحليل نشطة، قادرة على إعادة تشكيل مفهوم الأمن والاختراق في آن واحد، بما يفرض على الدول إعادة النظر في استراتيجيات الحماية الرقمية والبنية التحتية الأمنية.