بواعث الهجرة في الأدب العراقي وأسبابها

رواية «تحت سماء داكنة» لجهاد مجيد نموذجاً

جهاد مجيد
جهاد مجيد
TT

بواعث الهجرة في الأدب العراقي وأسبابها

جهاد مجيد
جهاد مجيد

نستطيع القول إنّ الرواية الواقعية هيمنت على الواقع الأدبي في حقبة السبعينات، وأخذت حيّزاً مرموقاً على مستوى النتاج الأدبي والنقدي.
ويعد الكاتب الروائي جهاد مجيد من الذين استهواهم منهج التجريب فبرع فيه، وأجاد كما في رواية «تحت سماء داكنة» على سبيل المثال.
ولأننا بصدد دراسة بواعث الهجرة وأسبابها والظروف التي دفعت المثقفين والمفكرين ومعتنقي الفكر الحر خاصة إلى هجرة أوطانهم، فنجد أن الأسباب تتنوع بتنوع الزمان والمكان، وإذا كنا نتحدث عن الحالة العراقية فإنّ فترة الستينات والسبعينات وما تلاها من أحداث وأنماط حكم سياسية واجتماعية أجبرت الكثيرين على الهجرة.
ويمكن القول إنّ الأسباب السياسية احتلت الصدارة في مسببات الهجرة، إذ أدى التفرّد بالسلطة، والحكم الديكتاتوري، وأساليب العنف إلى هجرات متنوعة في أزمنة وأماكن مختلفة ولكل منها قصة ورواية.
بينما نجد أن الأسباب تغيرت كما تغيّرت الأماكن التي هاجر ونزح ولجأ لها الناس، ففي القرن الحادي والعشرين وفي العقدين الأوليين منه نجد أن سبب الهجرة الرئيس هو ما سمي بحرب الخليج الثانية والثالثة التي أدت إلى احتلال العراق من قبل الغزو الأميركي عام 2003 وكان من نتائجها هجرة مئات الآلاف بل الملايين بسبب أعمال الحرب وأعمال العنف التي تلت الحرب.
الألفاظ ودلالاتها في الرواية
لو تأملنا في رواية «تحت سماء داكنة» نجد أنّ الإيحاءات التي رسمها المبدع ركّزت على الجوانب القاتمة بدءاً من العنوان (تحت سماء داكنة) الذي يرسم صورة للقارئ للولوج إلى العمل والدخول إليه بوصفه بنية استهلالية، إذ إنّ العنوان يمنح المكان والمكين موضعاً تحتياً، كما أنّ إضافة صفة «داكنة» إلى السماء يعطي صورة قاتمة لما يجول في النفس إذ إنّ الدُّكنة توحي بحالة اليأس والحزن التي تملكت حياة المُبدع. والأصل أنّ السماء ولونها وانفتاحها على الأفق يعطي مساحة للرفعة والسمو، إلا أنّ الأجواء التي خيّمت على نفس الكاتب وما هدف إليه عبّر عنها بهذا الرمز السماوي.
من خلال استعراض الرواية نجد أنّ الروائي جهاد مجيد انتقى معجمه بعناية فائقة، ولانتقاء هذه الألفاظ دلالات كامنة لم يفسّرها الروائي، تاركاً المجال للقارئ كي يفسّرها بنفسه ويستجلي المغزى الكامن فيها. وقد برع في ذلك حينما رمز إلى قوى الحزب الحاكم وسجونه بـ«المصيدة»، وحينما وصف أجهزة النظام بـ«الجلادين»، وهو وصف ينم عن براعة بالغة فالجلاد لا يعي ما يفعل وإنما ينفذ أوامر الحاكم والسلطة ولا يهمه مَن يجلد ولماذا يجلده!
وباستعراض الرواية نجد أن الروائي استعار من معجمه اللغوي الألفاظ التي تصف النظام ورجاله وأجهزته ووسائله في التعذيب والاعتقال، وانتزاع الاعترافات، فهو يصفهم بالقتلة عندما يتحدث مع نفسه «مونولوج داخلي» في مطلع الرواية؛ «سيستقبل صدري الرصاص وصوتي يهدر بهتاف يغيض القتلة...»!، ويصور لنا بطل الرواية (سعدي) حالة فريدة من الصمود عندما يقول محدثاً نفسه، ولا يخفى أنّ حديث النفس يكون صادقاً وعفوياً؛ «قد ينهار جسدي ولكن هيهات أن ينالوا من قناعاتي»، فهنا البطل سعدي لا يخشى وسائل السلطة وإنما يخشى انهيار الجسد. ويحسن أن نشير إلى أنّ لفظة «انهار» واشتقاقاتها تكرر كثيراً في الرواية، ذلك أنّ الكثيرين انهاروا تحت وسائل التعذيب الرهيبة التي استخدمها رجال الأمن في تعذيب الرافضين للمساومة والاستسلام للحزب الحاكم ونظامه، فكلمة «انهار» في المعجم تدل دلالة عميقة على السقوط والخَوَر والضعُف.
ولم يترك (سعدي) فرصة إلا وبيّن حال السلطة الحاكمة التي تطارده ورفاقه واصفاً وسائلهم بالوحشية، بل إنه يصفهم بالحيوانات الهائجة، «إنهم حيوانات هائجة تنطح من تراه أمامها ولا تلتفت لأحد»، والعلاقة الدلالية العميقة بين هذا الوصف لأجهزة النظام بأنها حيوانات هائجة، فالهيجان يطلق على حالة من الاضطراب التي تكتنف الحيوانات الذكور وفي هذا الوصف الدقيق علاقة بين ما يقوم به النظام الحاكم ضد سعدي ورفاقه.
إنّ لمصطلح «الهروب» دلالة عظيمة الأثر، فهي تُنبئ عن معنى انتفاء الأمن ومحاولة اللوذ إلى ناحية آمنة، قد تكون بقصد العمل أو حفظ الحياة أو حفظ الكرامة والعيش تحت مظلّة المساواة والعدل وغيرها من الدوافع، ولم يفصح الكاتب على لسان بطل الرواية سعدي عن رغبته في الهرب إلا بعد أن وصل لدرجة الاستحالة بالبقاء في هذا الجو الذي يخيم عليه الخوف والرعب، فلم يفصح عن هذه الرغبة إلا بعد أن خشي الانهيار بسبب التعذيب الذي كان يرى رفاقه يتعرضون له وبعضهم انهار، وحيث لم يعد الاختفاء ممكناً فقد بثّ النظام العيون في كل مكان، ولم يشأ أن يقترض الروائي لفظة الهرب أولاً فجاء بلفظة السفر مرادفاً للفظة الهرب عندما جاءت التعليمات له ولرفاقه «من يستطع السفر فليسافر».
بعد ذلك يبدأ سعدي بالتفكير جدياً بالهرب من البلاد ونجد أن لفظة «الهروب» ومشتقاتها أخذت حيّزاً كبيراً في الرواية وفي حديث سعدي، وإذا كان كلمة الهروب ترادفها كلمة الفرار إلا أن كلمة الهروب بوقعها الصوتي تدل على حالة فزع شديد، ومن خلال حديث سعدي مع زوجته هدى يشي بما يمكن أن يكون عليه الحال عندما يقول: «سنعيش كحيوانات مذعورة». ولك أن تتخيل لفظة «مذعورة» ودلالاتها في هذا السياق. لكن سعدي متشبث بالبقاء وربما أراد أن يصور حالة من حالات الصمود فهو لم يرد الهرب ولكنه فضل الاختفاء، يظهر ذلك بجلاء من خلال حديثه مع نفسه: «سأختفي في أي بيت، في أي مكان، في كشك، في كهف، في حقل ولن أستسلم لهم...، لكن الخوف يسيطر على سعدي ولم يستطع إخفاء هذا الخوف رغم محاولات عدم إظهاره، فنجده يصف بيته وصفاً ينبئ عن حالة الخوف تلك التي تتملكه، «من ثقل اللحظات في هذا الحيز المظلم الموحش، في هذا الكهف المخيف الذي تتربص به الوحوش. فالبيت هو المسكن الذي يشعر فيها الناس بالأمان إلا أنه لم يعد كذلك بالنسبة لسعدي، بل أصبح كهفاً مخيفاً مرعباً تراقبه الوحوش لكي تنقضّ على سعدي.
كما نلحظ في ثنايا الرواية وصف توغّل السلطة في الظّلم واستخدام الوسائل البشعة والمكر من خلال مشاهد تعذيب رفاقه في البصرة التي يصفها أخوه «ستار»: «المدينة تبكي أبناءها...حلقوا رأس جليل وأركبوه على حمار وطافوا به شوارع البصرة... وعدنان حين رفض الاستسلام أذاقوه ألوان العذاب، ولما شارف على الموت ألقوه في الصحراء..... وتنبئ هذه الدلالة والصورة المتراكبة في بكاء المدينة أبناءها بحقيقة ما رمز إليه الروائي من ألوان القهر والتعذيب.
ويلاحظُ في لغة الكاتب أنّها لغة واضحة في تركيبها، إذ يعتمد الجمل القصيرة المتّسمة بقلّة أدوات الرّبط، مما سهّل على المتلقّي الفهم وسرعة الاسترسال بالقراءة دون توعُّرٍ أو حاجة إلى إعادة القراءة بُغية الفهم.
لا شك أنّنا من خلال هذه الألفاظ ودلالاتها نستطيع أن نتبين حقيقة ما يشعر به هؤلاء المثقفون والأدباء في مثل هذه الظروف والأحوال، فتنساب المعاني لتعبّر بجلاء عما كان يجري آنذاك، وهو يبرز حالة فنية نادرة يعطي من خلالها الأدب صورة الأحداث التي جرت خاصة أنّ المبدع عاش لحظاتها.
ولو غُصنا باستعراض الألفاظ يتجلّى لنا ذلك الكم الهائل من المشاعر الممزوجة بالخوف والحذر والترقّب من المجهول: «إنك لترتعدُ عند ذكر ما حلّ ببعض رفاقك الذين وقعوا في المَصيدة» فلو أمعننا النظرَ في لفظة «ارتعد» لوجدنا فيها كمّاً هائلاً من المعاني التي توضّح حجم الخوف والوجل، وتوقّعَ المصيرِ بعد السقوط في أيدي جلاديه المتربصين به وبرفاقه، فلفظة «ارتعد» تطلق على مَن أَخذته رِعدة من بَرْد أو حُمَّى أَو خَوْفٍ أَو انْفِعال، فهو يرسم صورة قاتمة لما يمكن أن يحدث له حينما تمر الخواطر متذكّرا أصدقاءه وزملاءه الذين سقطوا في المصيدة! ولفظة «المصيدة» كما يصف الروائي رفاقه الذين سقطوا فيها وكأن تلك الأماكن وذلك المصير ما هي إلا مصائد وشراك تُسقِط في حبائلها المعارضين للسلطة ورموزِها.

- أكاديمي، جامعة إسطنبول. والمنشور مقتطفات من ورقة قدمت في مؤتمر عن الأدب العراقي.



الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
TT

الوسط الفني في مصر يودِّع الممثل والمخرج ياسر صادق

الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)
الفنان ياسر صادق قدم العديد من الأدوار المهمة (وزارة الثقافة)

ودّع الوسط الفني في مصر، الخميس، الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق، الرئيس الأسبق للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الذي قدم العديد من الأعمال المسرحية المهمة على مدى تاريخه الفني الذي بدأ منتصف الثمانينات من القرن الماضي، كما شارك في العديد من الأعمال الدرامية لتي قدم فيها أداءً متميزاً.

ونعت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، الفنان القدير ياسر صادق، الذي وافته المنية، الخميس، «بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع، قدّم خلالها نموذجاً للفنان المثقف الملتزم بقضايا مجتمعه، فأسهم بإخلاص في إثراء الحركة المسرحية والفنية في مصر، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو إدارته للمؤسسات الثقافية، تاركاً بصمة واضحة في وجدان جمهوره وتلاميذه ومحبيه»، وفق بيان للوزارة.

ونعت نقابة المهن التمثيلية الفنان الراحل، وقالت في بيان: «رحل الفنان القدير بعد مسيرة فنية مشرفة قدّم خلالها العديد من الأعمال التي تركت أثراً واضحاً في الساحة الفنية، وكان مثالاً للفنان الملتزم صاحب الحضور الهادئ والروح الطيبة».

ونعى المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الفنان، قائلاً في بيان: «فقدنا اليوم شخصية فنية جادة، قدمت العديد من الأعمال الفنية الناجحة»، مشيراً إلى ما قدمه الفنان القدير ياسر صادق من جهود مخلصة بالوزارة أثْرت العمل الثقافي.

الفنان ياسر صادق (وزارة الثقافة)

وقدم الممثل والمخرج المسرحي ياسر صادق العديد من الأعمال في التلفزيون والسينما والمسرح، وحصل على جوائز عديدة بالمسرح الجامعي منذ بداية دخوله مجال الفن، منها مخرج أول جامعة القاهرة وممثل أول الجامعة، ثم ممثل أول الجامعات المصرية عام 1985، والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية قسم التمثيل والإخراج وتخرج فيه عام 1994، وشغل منصب مدير عام المسرح الحديث، ثم رئيس المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.

ونعى رئيس دار الأوبرا المصرية، الدكتور علاء عبد السلام، صادق وقال إن «الراحل ترك بصمات واضحة في الساحة الإبداعية بأعمال بارزة، كما شارك بجهود دؤوبة ورؤية فريدة فى إثراء ميدان الثقافة المصرية».

ونعى المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، الفنان الراحل، وقال: «لقد كان الراحل رئيساً للإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية لمدة أربع سنوات، قدم خلالها العديد من الإنجازات الإدارية الملموسة داخل هذا الصرح الفريد بوزارة الثقافة، كما أثرى الساحة الفنية المصرية بأعمال خالدة، وترك بصمة مميزة في وجدان الجمهور وذاكرة الفن المصري، وتميز الفقيد بإخلاصه لفنه».

وبالإضافة إلى شهرته في التمثيل والإخراج المسرحي، حيث قدم العديد من الأعمال من بينها «لكع ابن لكع» في مسرح الجامعة، ومسرحية «سي علي وتابعه قفة» و«حوش بديعة»، فقد شارك الفنان الراحل في العديد من الأعمال السينمائية والدرامية وعرف بأدواره البارزة في المسلسلات التاريخية مثل «أبو حنيفة النعمان»، و«عصر الأئمة» و«القضاء في الإسلام» و«ابن حزم»، وأحدث أعماله التاريخية كان ضمن مسلسل «الحشاشين»، وشارك في مسلسل «المداح» و«عهد أنيس» في السنوات الأخيرة، كما شارك في العديد من الأفلام من بينها «امرأة هزت عرش مصر» و«دانتيلا» و«بالألوان الطبيعية».


هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
TT

هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان يضر بالصحة؟

يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)
يُنصح بتنويع مصادر البروتين يومياً لصحة أفضل (جامعة هارفارد)

يمثل شهر رمضان المبارك فرصة للتأمل الروحي وتحسين العادات الغذائية، لكنه يشكل أيضاً تحدياً للجهاز الهضمي والجسم بشكل عام؛ نظراً لصيام ساعات طويلة يليها تناول وجبات دسمة بعد الإفطار.

ويسعى كثير من الناس خلال الإفطار لتعويض الطاقة المفقودة بسرعة، وغالباً ما يكون البروتين جزءاً كبيراً من وجبات الإفطار والسحور، سواء من اللحوم الحمراء أو البيضاء، أو منتجات الألبان.

ويؤكد خبراء التغذية أن البروتين عنصر أساسي لبناء العضلات، وصيانة الأنسجة، ودعم جهاز المناعة. وتحتوي اللحوم، والأسماك، والدواجن، والبيض، على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، في حين يمكن الحصول على البروتين النباتي من مصادر مثل البقوليات والمكسرات. والسؤال هنا: هل الإفراط في تناول البروتين خلال رمضان مفيد أو ضار للصحة؟

تشير الدكتورة فينا في، أخصائية التغذية السريرية في الهند، إلى أن البروتين الحيواني يمتصه الجسم بكفاءة أكبر مقارنة بالمصادر النباتية، ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ما يساعد على التحكم في الشهية خلال الإفطار بعد يوم طويل من الصيام، حسب شبكة «إنديا تي في» الهندية.

وتضيف أن قوائم الإفطار غالباً ما تركز على اللحوم، ويمكن أن يكون ذلك مفيداً إذا تم اختيارها بعناية، موضحة أن تناول البروتين باعتدال يبطئ امتصاص الكربوهيدرات، ويساعد على استقرار مستويات السكر في الدم.

وتوصي الدكتورة فينا باختيار مصادر بروتين منخفضة الدهون، وطهيها بطريقة صحية، مثل الدجاج المشوي، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب القلي الذي يزيد من الدهون غير الصحية ويؤدي إلى شعور بالكسل بعد الوجبة.

ووفق الدكتورة روزماي تراوت، أستاذة علوم الغذاء في جامعة دريكسل الأميركية، فإن اللحوم مصدر غني بالبروتين الكامل الذي يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية، إضافة إلى فيتامين «B12»، والحديد، والزنك، وفق صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

في حين تشير اختصاصية التغذية الأميركية لورين مانكر إلى أن تناول اللحوم يومياً ممكن إذا كانت طازجة وغير مصنعة وبحصص معتدلة، مع دمجها بالخضراوات والألياف لتحقيق توازن غذائي صحي.

مخاطر الإفراط في البروتين

رغم فوائد البروتين العديدة، يشير خبراء التغذية إلى أن الإفراط في تناوله بشكل يومي، خصوصاً خلال رمضان، قد يؤدي إلى عدة مشاكل صحية؛ فاللحوم الغنية بالدهون تحتوي على كولسترول ودهون مشبعة قد ترفع مستويات الكولسترول الضار في الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

عبء إضافي

كما أن تناول كميات كبيرة من البروتين يفرض عبئاً إضافياً على الكلى والكبد، خصوصاً لدى من لديهم مشاكل صحية سابقة. إضافة إلى ذلك، فإن اللحوم المصنعة مثل النقانق واللحم المقدد، تحتوي على ملح وسكر ودهون إضافية، وهي غير مناسبة للاستهلاك اليومي، وقد يرهق الإفراط في البروتين بعد صيام طويل الجهاز الهضمي، مسبباً شعوراً بالثقل أو الانتفاخ أو الإمساك، خصوصاً إذا قل تناول الألياف والخضراوات.

ولتجنب هذه المخاطر، ينصح خبراء التغذية بالاعتدال في حصص البروتين، بحيث لا تتجاوز الوجبة الواحدة 3 إلى 4 أونصات، مع مزج البروتين الحيواني بمصادر نباتية مثل الفاصوليا والمكسرات.

كما يُفضل اختيار البروتين الصحي، مثل الدجاج الأبيض، أو السمك، أو لحم الضأن قليل الدهون، مع تجنب اللحوم المصنعة والمقلية.

ويُنصح أيضاً بتوزيع البروتين على وجبتَي الإفطار والسحور لتقليل الضغط على الجهاز الهضمي، والحفاظ على مستويات الطاقة طوال اليوم، مع التركيز على تناول الخضراوات والألياف التي تساعد على الهضم وتحافظ على صحة الأمعاء، وشرب الماء بانتظام لتعويض السوائل اللازمة لترطيب الجسم بعد الصيام.

أما بالنسبة للكميات الموصى بها، فالجرعة اليومية من البروتين تبلغ 0.8 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم، وقد تختلف حسب مستوى النشاط البدني. ووفقاً لإرشادات النظام الغذائي الأميركي، يُنصح بتناول نحو 26 أونصة؛ أي نحو 736 غراماً، من اللحوم والدواجن والبيض أسبوعياً.


«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«قطار النهر»... رحلة طفولية لاختبار المجهول في بوينس آيرس

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

في الفيلم الأرجنتيني «قطار النهر»، لا يبدأ كلُّ شيء من لحظة الهروب، بل من لحظة الشكّ الأولى؛ تلك اللحظة الخفية التي يُدرك فيها طفلٌ أن العالم أكبر من حدود قريته، وأن الصورة التي رسمها في خياله عن المدينة قد تكون أوسع من قدرته على احتوائها.

هنا، لا تبدو المغادرة فعلاً بطولياً ولا نزوة عابرة، بل سؤالاً داخلياً ينمو بصمت حتى يصير قراراً. الفيلم، الذي عُرض للمرة الأولى في الدورة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، كتب السيناريو الخاص به وأخرجه الثنائي الأرجنتيني الشاب لورينزو فيرو ولوكاس فينيالي. لا يتعامل العمل مع الرحلة بوصفها مغامرةً طفولية، بل بوصفها عتبة عبور بين مرحلتين: براءةٍ تعتقد أن الحلم وحده يكفي، ووعيٍ يتعلّم تدريجياً أن الطريق إلى الحلم ليس كما تصوّره الأفلام.

ومن هذه المسافة بين الصورة والواقع، تتشكّل حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحوّل تدريجياً إلى تأمّل بصري وإنساني في معنى الحرية الأولى، وفي الثمن الصامت الذي يدفعه الإنسان حين يقرر أن يختبر العالم وحده.

مخرجا الفيلم الأرجنتيني (الشركة المنتجة)

تدور القصة حول «ميلو»، الطفل الذي يعيش في قرية أرجنتينية نائية، ويتدرّب يومياً على رقصة المالامبو تحت إشراف والده، ضمن إطار عائلي واضح التوقعات والملامح. ترى الأسرة فيه امتداداً لتقاليدها، بينما يرى هو في نفسه شيئاً آخر لم تتضح ملامحه بعد.

العاصمة الأرجنتينية، بوينس آيرس، ليست بالنسبة إليه مجرد مدينة؛ إنها صورة تعلّمها من السينما والتلفزيون، مساحة افتراضية للحرية والانطلاق. وحين يقرر أن يستقل القطار ويرحل، فإن الرحلة لا تقوده فقط من الريف إلى العاصمة، بل من طفولة ساكنة إلى تجربة أكثر تعقيداً.

يقول لورينزو فيرو لـ«الشرق الأوسط» إن الدافع الأول وراء «قطار النهر» كان الرغبة في العودة إلى سؤال الطفولة بوصفها أرضاً أولى نفقدها ولا نتوقف عن الحنين إليها، مشيراً إلى أن ما جذبه إلى شخصية «ميلو» هو هذا التناقض الحاد بين الجسد الصغير والحلم الكبير، وبين انضباط التدريب اليومي الصارم ورغبة داخلية في الانفلات واختبار المجهول.

ويضيف أن الطفل في السينما يمتلك قدرة استثنائية على كشف الحقيقة، لأن نظرته لم تُثقل بعد بالحسابات أو المجاملات، ولأنه يعيش اللحظة بعفوية كاملة. وبالنسبة إليه، لم يكن الهدف أن يروي قصة صبي هارب، بل أن يتتبع لحظة وعي تتكوّن ببطء؛ لحظة يبدأ فيها الإنسان الصغير في إدراك أن العالم لا يشبه تماماً ما تخيّله.

ويشير فيرو إلى أن فكرة القطار لم تكن عنصراً سردياً فحسب، بل هي رمز للحركة المستمرة، وللرغبة في تجاوز المألوف حتى من دون ضمانات. فالقطار، في نظره، هو المسافة بين ما نعرفه وما نظن أننا نريده، بين البيت بوصفه أماناً والمدينة بوصفها احتمالاً.

ويؤكد أن «الفيلم يتعمد ترك مساحات صمت طويلة، لأن الصمت ليس فراغاً، بل زمن داخلي يتشكل فيه الإدراك. لحظات الانتظار على الرصيف، والمشي في شوارع لا يعرفها الطفل، والتحديق في وجوه الغرباء؛ كلها ليست تفاصيل عابرة، بل جوهر التجربة»، مشيراً إلى أن «الكاميرا كانت مطالَبة بأن تصبر، وأن تمنح الزمن حقه، لأن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة صاخبة، بل في تراكم لحظات صغيرة لا تكاد تُرى».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في برلين (إدارة المهرجان)

أما لوكاس فينيالي فيؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم يقوم على مفارقة دقيقة تتعلق بـ«ميلو» نفسه؛ فهو يعتقد أنه يهرب من ضغط العائلة وتوقعاتها، لكنه يكتشف أن ما يرافقه في الرحلة ليس مجرد حقيبة صغيرة، بل خوفه وحيرته ورغبته العميقة في أن يُعترف به.

ويقول فينيالي إن الحرية، كما يتناولها الفيلم، ليست شعاراً سهلاً ولا حالة رومانسية، بل وضعية معقّدة؛ فهي تمنح الإنسان مساحة للاختيار، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية هذا الاختيار. ويشير إلى أن الإيقاع البطيء للفيلم كان قراراً مسبقاً اتخذه مع فيرو، لأن التجربة الإنسانية، وخصوصاً في الطفولة، لا تحدث في انفجار درامي واحد، بل في تراكم لحظات صغيرة قد تبدو عابرة.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد فينيالي أن «منح الزمن حقه داخل الكادر يسمح بظهور تفاصيل لا يمكن كتابتها في السيناريو: نظرة مترددة، وابتسامة خافتة، وخطوة متباطئة فوق رصيف محطة. هذه التفاصيل، في رأيه، هي التي تصنع صدق التجربة».

ويلفت إلى أن «العمل لا يسعى إلى تقديم رسالة مباشرة أو خاتمة مطمئنة، بل إلى خلق حالة شعورية تدعو المشاهد إلى أن يعيش الرحلة مع ميلو، لا أن يكتفي بتفسيرها من الخارج».