بواعث الهجرة في الأدب العراقي وأسبابها

رواية «تحت سماء داكنة» لجهاد مجيد نموذجاً

جهاد مجيد
جهاد مجيد
TT

بواعث الهجرة في الأدب العراقي وأسبابها

جهاد مجيد
جهاد مجيد

نستطيع القول إنّ الرواية الواقعية هيمنت على الواقع الأدبي في حقبة السبعينات، وأخذت حيّزاً مرموقاً على مستوى النتاج الأدبي والنقدي.
ويعد الكاتب الروائي جهاد مجيد من الذين استهواهم منهج التجريب فبرع فيه، وأجاد كما في رواية «تحت سماء داكنة» على سبيل المثال.
ولأننا بصدد دراسة بواعث الهجرة وأسبابها والظروف التي دفعت المثقفين والمفكرين ومعتنقي الفكر الحر خاصة إلى هجرة أوطانهم، فنجد أن الأسباب تتنوع بتنوع الزمان والمكان، وإذا كنا نتحدث عن الحالة العراقية فإنّ فترة الستينات والسبعينات وما تلاها من أحداث وأنماط حكم سياسية واجتماعية أجبرت الكثيرين على الهجرة.
ويمكن القول إنّ الأسباب السياسية احتلت الصدارة في مسببات الهجرة، إذ أدى التفرّد بالسلطة، والحكم الديكتاتوري، وأساليب العنف إلى هجرات متنوعة في أزمنة وأماكن مختلفة ولكل منها قصة ورواية.
بينما نجد أن الأسباب تغيرت كما تغيّرت الأماكن التي هاجر ونزح ولجأ لها الناس، ففي القرن الحادي والعشرين وفي العقدين الأوليين منه نجد أن سبب الهجرة الرئيس هو ما سمي بحرب الخليج الثانية والثالثة التي أدت إلى احتلال العراق من قبل الغزو الأميركي عام 2003 وكان من نتائجها هجرة مئات الآلاف بل الملايين بسبب أعمال الحرب وأعمال العنف التي تلت الحرب.
الألفاظ ودلالاتها في الرواية
لو تأملنا في رواية «تحت سماء داكنة» نجد أنّ الإيحاءات التي رسمها المبدع ركّزت على الجوانب القاتمة بدءاً من العنوان (تحت سماء داكنة) الذي يرسم صورة للقارئ للولوج إلى العمل والدخول إليه بوصفه بنية استهلالية، إذ إنّ العنوان يمنح المكان والمكين موضعاً تحتياً، كما أنّ إضافة صفة «داكنة» إلى السماء يعطي صورة قاتمة لما يجول في النفس إذ إنّ الدُّكنة توحي بحالة اليأس والحزن التي تملكت حياة المُبدع. والأصل أنّ السماء ولونها وانفتاحها على الأفق يعطي مساحة للرفعة والسمو، إلا أنّ الأجواء التي خيّمت على نفس الكاتب وما هدف إليه عبّر عنها بهذا الرمز السماوي.
من خلال استعراض الرواية نجد أنّ الروائي جهاد مجيد انتقى معجمه بعناية فائقة، ولانتقاء هذه الألفاظ دلالات كامنة لم يفسّرها الروائي، تاركاً المجال للقارئ كي يفسّرها بنفسه ويستجلي المغزى الكامن فيها. وقد برع في ذلك حينما رمز إلى قوى الحزب الحاكم وسجونه بـ«المصيدة»، وحينما وصف أجهزة النظام بـ«الجلادين»، وهو وصف ينم عن براعة بالغة فالجلاد لا يعي ما يفعل وإنما ينفذ أوامر الحاكم والسلطة ولا يهمه مَن يجلد ولماذا يجلده!
وباستعراض الرواية نجد أن الروائي استعار من معجمه اللغوي الألفاظ التي تصف النظام ورجاله وأجهزته ووسائله في التعذيب والاعتقال، وانتزاع الاعترافات، فهو يصفهم بالقتلة عندما يتحدث مع نفسه «مونولوج داخلي» في مطلع الرواية؛ «سيستقبل صدري الرصاص وصوتي يهدر بهتاف يغيض القتلة...»!، ويصور لنا بطل الرواية (سعدي) حالة فريدة من الصمود عندما يقول محدثاً نفسه، ولا يخفى أنّ حديث النفس يكون صادقاً وعفوياً؛ «قد ينهار جسدي ولكن هيهات أن ينالوا من قناعاتي»، فهنا البطل سعدي لا يخشى وسائل السلطة وإنما يخشى انهيار الجسد. ويحسن أن نشير إلى أنّ لفظة «انهار» واشتقاقاتها تكرر كثيراً في الرواية، ذلك أنّ الكثيرين انهاروا تحت وسائل التعذيب الرهيبة التي استخدمها رجال الأمن في تعذيب الرافضين للمساومة والاستسلام للحزب الحاكم ونظامه، فكلمة «انهار» في المعجم تدل دلالة عميقة على السقوط والخَوَر والضعُف.
ولم يترك (سعدي) فرصة إلا وبيّن حال السلطة الحاكمة التي تطارده ورفاقه واصفاً وسائلهم بالوحشية، بل إنه يصفهم بالحيوانات الهائجة، «إنهم حيوانات هائجة تنطح من تراه أمامها ولا تلتفت لأحد»، والعلاقة الدلالية العميقة بين هذا الوصف لأجهزة النظام بأنها حيوانات هائجة، فالهيجان يطلق على حالة من الاضطراب التي تكتنف الحيوانات الذكور وفي هذا الوصف الدقيق علاقة بين ما يقوم به النظام الحاكم ضد سعدي ورفاقه.
إنّ لمصطلح «الهروب» دلالة عظيمة الأثر، فهي تُنبئ عن معنى انتفاء الأمن ومحاولة اللوذ إلى ناحية آمنة، قد تكون بقصد العمل أو حفظ الحياة أو حفظ الكرامة والعيش تحت مظلّة المساواة والعدل وغيرها من الدوافع، ولم يفصح الكاتب على لسان بطل الرواية سعدي عن رغبته في الهرب إلا بعد أن وصل لدرجة الاستحالة بالبقاء في هذا الجو الذي يخيم عليه الخوف والرعب، فلم يفصح عن هذه الرغبة إلا بعد أن خشي الانهيار بسبب التعذيب الذي كان يرى رفاقه يتعرضون له وبعضهم انهار، وحيث لم يعد الاختفاء ممكناً فقد بثّ النظام العيون في كل مكان، ولم يشأ أن يقترض الروائي لفظة الهرب أولاً فجاء بلفظة السفر مرادفاً للفظة الهرب عندما جاءت التعليمات له ولرفاقه «من يستطع السفر فليسافر».
بعد ذلك يبدأ سعدي بالتفكير جدياً بالهرب من البلاد ونجد أن لفظة «الهروب» ومشتقاتها أخذت حيّزاً كبيراً في الرواية وفي حديث سعدي، وإذا كان كلمة الهروب ترادفها كلمة الفرار إلا أن كلمة الهروب بوقعها الصوتي تدل على حالة فزع شديد، ومن خلال حديث سعدي مع زوجته هدى يشي بما يمكن أن يكون عليه الحال عندما يقول: «سنعيش كحيوانات مذعورة». ولك أن تتخيل لفظة «مذعورة» ودلالاتها في هذا السياق. لكن سعدي متشبث بالبقاء وربما أراد أن يصور حالة من حالات الصمود فهو لم يرد الهرب ولكنه فضل الاختفاء، يظهر ذلك بجلاء من خلال حديثه مع نفسه: «سأختفي في أي بيت، في أي مكان، في كشك، في كهف، في حقل ولن أستسلم لهم...، لكن الخوف يسيطر على سعدي ولم يستطع إخفاء هذا الخوف رغم محاولات عدم إظهاره، فنجده يصف بيته وصفاً ينبئ عن حالة الخوف تلك التي تتملكه، «من ثقل اللحظات في هذا الحيز المظلم الموحش، في هذا الكهف المخيف الذي تتربص به الوحوش. فالبيت هو المسكن الذي يشعر فيها الناس بالأمان إلا أنه لم يعد كذلك بالنسبة لسعدي، بل أصبح كهفاً مخيفاً مرعباً تراقبه الوحوش لكي تنقضّ على سعدي.
كما نلحظ في ثنايا الرواية وصف توغّل السلطة في الظّلم واستخدام الوسائل البشعة والمكر من خلال مشاهد تعذيب رفاقه في البصرة التي يصفها أخوه «ستار»: «المدينة تبكي أبناءها...حلقوا رأس جليل وأركبوه على حمار وطافوا به شوارع البصرة... وعدنان حين رفض الاستسلام أذاقوه ألوان العذاب، ولما شارف على الموت ألقوه في الصحراء..... وتنبئ هذه الدلالة والصورة المتراكبة في بكاء المدينة أبناءها بحقيقة ما رمز إليه الروائي من ألوان القهر والتعذيب.
ويلاحظُ في لغة الكاتب أنّها لغة واضحة في تركيبها، إذ يعتمد الجمل القصيرة المتّسمة بقلّة أدوات الرّبط، مما سهّل على المتلقّي الفهم وسرعة الاسترسال بالقراءة دون توعُّرٍ أو حاجة إلى إعادة القراءة بُغية الفهم.
لا شك أنّنا من خلال هذه الألفاظ ودلالاتها نستطيع أن نتبين حقيقة ما يشعر به هؤلاء المثقفون والأدباء في مثل هذه الظروف والأحوال، فتنساب المعاني لتعبّر بجلاء عما كان يجري آنذاك، وهو يبرز حالة فنية نادرة يعطي من خلالها الأدب صورة الأحداث التي جرت خاصة أنّ المبدع عاش لحظاتها.
ولو غُصنا باستعراض الألفاظ يتجلّى لنا ذلك الكم الهائل من المشاعر الممزوجة بالخوف والحذر والترقّب من المجهول: «إنك لترتعدُ عند ذكر ما حلّ ببعض رفاقك الذين وقعوا في المَصيدة» فلو أمعننا النظرَ في لفظة «ارتعد» لوجدنا فيها كمّاً هائلاً من المعاني التي توضّح حجم الخوف والوجل، وتوقّعَ المصيرِ بعد السقوط في أيدي جلاديه المتربصين به وبرفاقه، فلفظة «ارتعد» تطلق على مَن أَخذته رِعدة من بَرْد أو حُمَّى أَو خَوْفٍ أَو انْفِعال، فهو يرسم صورة قاتمة لما يمكن أن يحدث له حينما تمر الخواطر متذكّرا أصدقاءه وزملاءه الذين سقطوا في المصيدة! ولفظة «المصيدة» كما يصف الروائي رفاقه الذين سقطوا فيها وكأن تلك الأماكن وذلك المصير ما هي إلا مصائد وشراك تُسقِط في حبائلها المعارضين للسلطة ورموزِها.

- أكاديمي، جامعة إسطنبول. والمنشور مقتطفات من ورقة قدمت في مؤتمر عن الأدب العراقي.



«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
TT

7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون في ​الهند، اليوم الثلاثاء، أن جميع الركاب السبعة الذين كانوا على متن طائرة إسعاف ‌من طراز ‌«بيتشكرافت» ​لقوا ‌حتفهم ⁠بعد سقوطها ​في ولاية ⁠جاركاند أمس الاثنين.

وكان على متن الطائرة اثنان من أفراد الطاقم ⁠ومريض وأقاربه.

حطام طائرة الإسعاف الجوي التي سقطت بالقرب من غابة في منطقة تشاترا بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

وقالت ‌المديرية ‌العامة للطيران ​المدني ‌في الهند ‌أمس الاثنين إن طائرة «بيتشكرافت سي 90»، التي تشغلها شركة ‌«ريد بيرد إيرويز»، أقلعت من رانشي في ⁠جاركاند، ⁠لكنها طلبت تغيير مسارها بسبب الأحوال الجوية.

وأضافت المديرية أن الطائرة فقدت الاتصال بعد ذلك واختفت ​من على ​شاشات الرادار.


بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
TT

بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)

بين محاولات عزيزة ترميم صورتها، وتورّط والدها وجارتهما في عاصفة من الإشاعات، تتشكّل ملامح الموسم الثاني من مسلسل «شارع الأعشى». هنا لا تبدو السمعة مجرد قيمة اجتماعية، بل ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها الشخصيات تحت ضغط مجتمع يضيق فيه هامش الخطأ وتتعاظم التأويلات.

مع انقضاء الأسبوع الأول من رمضان، يواصل المسلسل تصدّر قائمة الأعمال الأكثر متابعة في السعودية وعدد من الدول العربية، مستفيداً من العلاقة التي بناها مع جمهوره منذ الموسم الأول. غير أن العودة هذه المرة لا تكتفي باستثمار النجاح السابق، بل تدفع الشخصيات إلى مرحلة أشد قسوة؛ إذ تنتقل الحكاية من التعريف إلى الاختبار، ومن البناء إلى المواجهة، حيث تتحول النيات الحسنة نقاطَ اشتباك، وتصبح الشائعة أداة تدفع الأحداث نحو مسارات جديدة.

عزيزة... من الاندفاع إلى الاتزان

مشهد من ليلة زواج عزيزة الذي شهد مرحلة انتقالية للشخصية (شاهد)

تتمحور حكاية الموسم الأول حول الشابة المتهورة عزيزة (لمى عبد الوهاب)، التي تدفع نفسها باستمرار إلى قلب المتاعب، واضعة سمعتها على المحك. فبين محاولات الهروب المتكررة والبحث عن الحب بوصفه خلاصاً سريعاً من واقع ضاغط، تنجرف الشخصية نحو سلسلة من القرارات التي تقودها إلى نتائج قاسية. ويبلغ هذا المسار ذروته حين تفكر في الهرب مع حبيبها، قبل أن تنتهي الحكاية بمقتله في ختام الموسم الأول.

في الموسم الثاني، تعود عزيزة بقدر أكبر من الاتزان، مدفوعة بإحساس متزايد بالمسؤولية تجاه حياتها وخياراتها. وتبدأ ملامح التحول مع زواجها من خالد (ناصر الدوسري)، وهي تجربة تضعها أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ تواجه علاقة يغلب عليها الطابع العملي والقسوة، بعيداً عن الأحلام الرومانسية التي سعت إليها في السابق.

ورغم صعوبة هذا التحول، تختار عزيزة الصبر والتحمّل، محاولة الحفاظ على ما تبقّى من ثقة عائلتها وإثبات قدرتها على التكيّف داخل الإطار الاجتماعي الذي سعت يوماً إلى التمرد عليه وكسره. بذلك، ينتقل مسار الشخصية من الهروب الدائم إلى مواجهة يومية مع الواقع، في رحلة إعادة بناء الصورة أمام الأهل والمجتمع.

وضحى... مواجهة الثمن الأعلى

إلهام علي تؤدي شخصية وضحى التي تتعرض لمتاعب كبيرة في الموسم الثاني (شاهد)

على خط درامي موازٍ، تتقدّم شخصية وضحى (إلهام علي) إلى واجهة الأحداث بمساحة أوسع وتأثير أشد. وتبدأ افتتاحية المسلسل بالتحدّي المصيري الذي تواجهه بعد سجن ابنها متعب (باسل الصلي)؛ ما يدفعها إلى اتخاذ قرار قاسٍ ببيع منزلها من أجل تأمين إطلاق سراحه. ويحمل هذا القرار تضحية مضاعفة؛ إذ لا يمسّ الاستقرار المادي فحسب، بل يطول الذاكرة العائلية في عمقها.

وتتجلَّى المفارقة حين يكون المشتري جارها أبو إبراهيم (خالد صقر). ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الأقاويل بالانتشار داخل الحارة، وتتحول الصفقة من موقف شهم إلى مادة للشك والنميمة. ويجد أهل الحي في تصرفاتهما مساحة للتأويل والمراقبة، في حين يسبق الكلامُ الوقائع بخطوات، لتجد وضحى نفسها في قلب عاصفة اجتماعية تتَّسع دائرتها مع كل حلقة، وتتحول فيها النية الحسنة عبئاً يتطلب دفاعاً يومياً.

الخلوة... لحظة تغيّر المسار

خالد صقر يمر بتحولات جديدة في الموسم الثاني (حساب الفنان في إكس)

تبلغ هذه الحبكة ذروتها في الحلقة السادسة، حين يجتمع أبو إبراهيم ووضحى صدفة في منتصف الليل داخل محل ابنها. ويتحوَّل هذا اللقاء العابر أزمةً كبيرة بعد اقتحام الشرطة المكان والقبض عليهما بتهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة كانت تُواجَه بحزم شديد في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي يستلهم منها المسلسل عالمه الاجتماعي خلال الموسم الثاني.

ومنذ تلك اللحظة، تتَّسع دائرة الأقاويل، ويتعرض الاثنان إلى هجوم مباشر من أهل الحارة الذين يرتابون من سلوكهما، لتتحول النظرات والهمسات تدريجياً موقفاً علنياً يضعهما تحت ضغط اجتماعي كثيف.

أمام هذا الواقع، يقرِّر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، في خطوة تهدف إلى ردع الأقاويل ووضع حد للتأويلات المتزايدة؛ سعياً إلى حماية السمعة قبل أي اعتبار آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح جبهة جديدة داخل بيته، وتضع أسرته أمام اختبار صعب تتداخل فيه المشاعر مع ضغط المجتمع ونظرته.

وتدخل زوجته نورة (عائشة كاي) في تحدٍّ مختلف عمَّا عاشته في الموسم الأول؛ فبعدما تمحورت أزماتها سابقاً حول أبنائها وبناتها، تجد نفسها اليوم أمام أزمة تمس علاقتها الزوجية مباشرة. ومع تراكم الضغوط وتصاعد الكلام داخل الحارة، يلحظ الجمهور بداية تصدّع في هذه العلاقة، تحت وطأة المجتمع وثقل سمعته.

سعد... عودة بوجه مزدوج

براء عالم ملثماً في دور الهارب سعد (حساب الفنان في إكس)

في سياقٍ آخر، يعود الشاب سعد (براء عالم) بعد المسار الذي اتخذه في الموسم الأول، حين انحرف وانضم إلى فئات فكرية ضالّة، وانتشر خبر مقتله. غير أن الموسم الثاني يكشف عن أن سعد ما زال حياً، وأنه يتعامل سراً مع الشرطة للقبض على المطلوبين، ليتحرك بين أزقة الحي متلثماً بشماغه، ويظهر في صورة تجمع بين الغموض والخطر.

ويجعل هذا الحضور الملتبس بعضَ سكان الحارة يلمحونه ويشكّون في هويته، كما يضيف خط سعد طبقة جديدة من التوتر إلى عالم «شارع الأعشى». ويعزّز هذا المسار فكرة السمعة والذاكرة والهوية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات، مانحاً الموسم بُعداً إضافياً يتجاوز الصراع العائلي إلى صراع مع الماضي وصورته في عيون الآخرين.

وجوه جديدة... وشخصيات تتبدّل

وكذلك، يشهد الموسم الجديد تحولاً في شخصية فواز (محمد الحربي)، الذي كان حضوره هامشياً ومحدوداً في الموسم الأول بوصفه صبياً صغيراً، ليظهر اليوم في صورة مراهق يحاول فرض سيطرته على تصرفات أخواته، ويغار عليهن من شباب الحي، في محاولة لمحاكاة التحولات التي يمر بها الصبيان خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.

ويبدو لافتاً ما يحمله الموسم الثاني من «شارع الأعشى» من مشاركة جديدة لعدد من النجوم الذين انضموا إلى العمل، مثل ناصر الدوسري، ومهند الحمدي، ومها محمد، ومحمد الحجي إلى جانب أسماء أخرى؛ وهو ما أسهم في توسيع عالم الحكاية وفتح مسارات درامية جديدة، ومنح الحارة وجوهاً أخرى تتقاطع مع الشخصيات الأساسية.

في المقابل، شهد الموسم الثاني استبدال شخصية ضاري، التي كان يؤديها الممثل عبد الرحمن بن نافع في الجزء الأول، ليحل محله مصعب المالكي. وأثار هذا التغيير جدلاً واسعاً بين الجمهور خلال الأسبوع الأول من العرض، وفتحِ باب المقارنات بين أداء الممثلين، في نقاش يعكس حجم ارتباط المشاهدين بالشخصيات وتفاصيلها.

ديكور وأزياء أكثر ثراءً

على المستوى البصري، يبرز في هذا الموسم تطور واضح في ديكور الحارة؛ إذ جاء أكثر إتقاناً وغنًى بالتفاصيل، بما يعزّز الإحساس بالمكان والزمن، ويمنح المشاهد شعوراً أعمق بالاندماج في العالم الدرامي. فقد بدت الأزقة والبيوت والمحال وكأنها تحمل طبقات من الذاكرة، وتخدم فكرة الحارة بوصفها كائناً حيّاً يراقب ويحتفظ بالأسرار.

وينسجم هذا التطور مع عناية أكبر بتفاصيل الأزياء، التي جاءت مشغولة بدقة بمشاركة مستشارة الأزياء فوزية بن خميس. كما برز فستان زواج عزيزة من خالد، باللون الوردي المنفوش والمشغولات الذهبية، بوصفه أحد أكثر العناصر البصرية لفتاً للانتباه في الحلقات الأولى.

إلى جانب ذلك، يظهر جانب آخر في شخصية الجازي (أميرة الشريف)، يتمثل في اهتمامها بتصميم الأزياء لسيدات الحارة، وهو تفصيل يضيف بُعداً إنسانياً واجتماعياً جديداً إلى نسيج العمل، ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الأذواق والطبقات والهوية البصرية للشخصيات.

الحارة... محكمة مفتوحة

إجمالاً، يكشف الموسم الثاني عن تحوّل المكان نفسه إلى سلطة قائمة بذاتها؛ فالحارة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل محكمة مفتوحة لا تتوقف عن المراقبة وإصدار الأحكام. تتحول النظرات اتهاماً، والكلمات قرارات مصيرية، في حين تكتسب الشائعات قوة تفوق الحقيقة أحياناً، لتدفع الشخصيات نحو اختيارات قاسية لا يفرضها القدر بقدر ما يفرضها المجتمع.

ومع مواصلة المسلسل تصدُّر المشاهدة منذ أسبوعه الأول، يتضح أن الجمهور يتابع هذه التحولات بوصفها امتداداً طبيعياً لعالم تعرّف إليه سابقاً، ويراه اليوم في مواجهة أكثر حدة مع اختياراته ونتائجها. وهكذا يقدّم «شارع الأعشى» في موسمه الثاني حكاية شارع يحتفظ بذاكرته، وأشخاص يخوضون سباقاً يومياً على السمعة، ومجتمعاً يجعل من الصورة العامة ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها النيات الحسنة مع قسوة التأويل.