عالم تداعت فيه الفروق بين الجلاد والضحية

وحيد الطويلة يكشف عن أقنعته في «جنازة جديدة لعماد حمدي»

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

عالم تداعت فيه الفروق بين الجلاد والضحية

غلاف الرواية
غلاف الرواية

هناك دائماً جلادون يعبثون في فراغ المشهد من أجل أن يظل محكوماً ومنضبطاً على أمن النظام، أو على الأقل أمنهم الخاص، حتى وهم يصارعون أنفاسهم الأخيرة في الحياة... مشهد يتجدد بقوة في رواية وحيد الطويلة «جنازة جديدة لعماد حمدي»، الصادرة حديثاً عن دار الشروق بالقاهرة، وهو مشهد ليس ببعيد عن مشهد الختام في روايته السابقة «حذاء فلليني»، حيث يتدخل المخرج الإيطالي الشهير لضبط إيقاع الجريمة ومفارقاتها الدامية، لتليق بأبطالها الذين اختلطت في ذواتهم خيانة الذات بخيانة الوطن والحب والحياة.
كانت صرخة فلليني الشهيرة «استوب» كلمة السر لضبط هذا الإيقاع، لكن المشهد لم ينضبط على مسرح الرواية والواقع معاً، فلا يزال يعج بالدم والحروب وأشتات اللاعبين من كل صنف ولون في بلاد نخرها سوس السلطة حتى أصبحت غريبة عن نفسها... في الطريق نفسه شكلت جملة «كل شيء يحدث في الحمام» في روايته الأسبق «أبواب الليل» كلمة السر الموجعة في فضاء مقهى «لمة الأحباب» التونسية، حيث عالم متهرئ من البشر، يقتات على ما يتساقط من بلطة النضال من ذكريات وأحلام، صارت ومضاً متخثراً في أزقة العمر والثورة.
لا يبتعد عماد حمدي عن هذا السياق، فرغم أنه رمز عابر وشجي في الرواية، عاش البطل وقائع جنازته في أثناء خدمته بالبوليس، فإنه منح الرواية اسمها، ويتردد صداه في قصصها ومفارقاتها، وجرائمها كزمن هارب، ورمانة ميزان تبحث عن كفتين عادلتين، ربما تعيد إلى المشهد سخونته وهو يصرخ في وجه عبد الحليم حافظ، بعد أن لطمه «انت مش ابني... انت لقيط».
لطمة شهيرة، في فيلم شهير وبطل غادر الدنيا وحيداً مفلساً ليس في جعبته شيء من مجده الغابر، سوى زفرات من الألم والحزن، هي الزفرات نفسها التي يحصدها بطل الرواية في صراعه مع كينونة تساوى فيها الـمع والضد، تغلفها فجوة من عبث الحياة والأقدار، تضيق وتتسع كل يوم، لكنها لم تستطع أن تردم عاطفياً المسافة بين الرغبة والفعل، أو بين الحلم والواقع فيتحول كلاهما إلى عقدة، تتناثر حولها الحكايات والخطايا، يشد خيوطها الجلاد من طرف، بينما تشدها الضحية من الطرف الآخر، وكأن كليهما قناع للآخر، يمكن أن يتبادلا الأدوار، كلما اقتضت الحاجة... «اسمع قولاً واحداً، ضابط المباحث الناجح يقاس نجاحه بتعدد مصادره بالمسجلين خطراً، يتمشون داخل عباءته، ويربطهم من شواربهم في سلسلة مفاتيحه».
ينتصب سرادق عزاء «هوجان» ابن «ناجح»، الوريث الشرعي لوالده، الملك المتوج على عالم المسجلين خطراً، والذي قتل غدراً بعد أن ارتفع سقف نفوذه، مشكلاً بمفارقات الحزن والسخرية والحيرة في معرفة القاتل، زمن الرواية الخاص المفتوح على قوسي البداية والنهاية، بينما يشكل الإهداء الذي يستهل به الطويلة لعبته الروائية «إلى المسجلين خطراً: تصحبكم السلامة»، تحفيزاً للقارئ، للدخول في اللعبة، عبر ضمائر المخاطب بوتيرتها المباشرة، والمستترة، المسكونة بلطشات حريفة من العامية والحكم والنوادر والأمثال ابنة الذاكرة الخاصة والوجدان الشعبي، لإثارة حواس القارئ بشكل أعمق حتى لا يدخل إلى الحكاية بجسده فقط تاركاً روحه على العتبات. وفي الوقت نفسه، تجعل السرد وكأنه طائر يحلق باللغة.
يبدو الصراع مثقلاً بعذابات الضمير والواجب، فبطل الرواية، ضابط البوليس السابق، تحت وطأة ماضيه الطيب يقدم رجلاً ويؤخرها لتقديم واجب العزاء لرجل يدين له بالكثير عما حققه من نجاحات في مهنته... «ناجح» كبير مرشدي الحكومة ومرشده الخاص، وعينه الأخرى، والذراع التي لا تتأخر لمساعدته في الكشف عن الجريمة ومرتكبيها، وتقديم الأدلة ضدهم، بل تلفيقها أحياناً. حين ضاقت مسافة العلاقة بينهما بدوافع إنسانية محضة، تحولت إلى تهمة، غادر على أثرها المهنة، إثر تحقيق عبثي معه... «أنا ضابط مباحث يا باشا، إذا لم أقابل المجرمين والمسجلين والمرشدين لأمارس عملي فماذا أفعل، هل أقابل نقيب الأطباء؟!».
يحتدم الصراع محفوفاً بالخوف أحياناً، ومخاطر الغدر أحياناً أخرى، فالسرادق ضخم، عامر بحشود المعزين من كل صنوف الإجرام، وأيضاً صنوف الكيف، والضابط أصبح لا حول له ولا قوة، انتهت رقة المشهد وغلظته أيضاً، وحده ناجح من يملك ضبط الإيقاع، ولو بدمعة حارة، تنزلق عفوياً من عينيه على ابنه... ويعود الزمن بالضابط البطل خطوة للوراء: «ناجح يعمل لصالحي، لكن لصالح نفسه أولاً، يغنم نقوداً وسمعة وتقرباً من الحكومة، ويبقي رأسه بعيداً عن أي مقصلة».
تلعب صيغ السرد بتنويعاتها وحيويتها الفنية دور الوصل والقطع بين قوسي الحضور والغياب، كما توفر للكاتب السارد مسافة ما، بينه وبين الشخوص والوقائع ليرى ما وراء المشهد... وإمعاناً في الغرابة، كثيراً ما يتحول من راوٍ عليم إلى مراقب، ينظر بزاوية أعلى بصرياً من خط الأفق في اللوحة، بينما تومض وظيفة متخفية وراء توريط القارئ في اللعبة، الذي يحذره بين الحين والآخر: «لا تتهور احترس، لا تلتفت يميناً أو يساراً، لا تستجيب لنظرة أحد»، «لا تستغرب»، «قف مكانك»، «في هذه اللحظة ستبدو بهيئة لص أو قاتل، لا ترتكب أدنى حماقة يستشف منها أنه يمكن أن تكون عاشقاً، إلا إذا استطعت أن تبرز عشق الإجرام، وهذه حكاية أخرى».
لا يقتصر هذا التحفيز على تهيئة القارئ للدخول في اللعبة فحسب، وإنما ليلعب دور الونيس، أو بلغة السينما «السنيد» للبطل المتردد في دخول السرادق، كأنه مجس اختبار لما يكمن وراء الحكاية، وما تخفيه في لفائفها من أسرار وألغاز، وأن مفتاحها ليس بيده، ولا بيد الكاتب نفسه، وإنما كلاهما متورط في دهاليز عالم شائك وملتبس، تختلط فيه الألوان والمصائر، فلا الأبيض أبيض، ولا الأسود أيضاً، ثمة منطقة مبهمة تتشكل في عالم القاع ودهاليزه، حيث تتسع الهوة، وتنقلب معادلات الوضوح والغموض: لصوص ومحتالون، نصابون وتجار ممنوعات ومخدرات، باعة ضمير وشهود زور، ضحايا وجلادون محتملون وعابرون، مجرمون بالصدفة وبالسخرة، يعرفون كيف يموهون على جرائمهم، حتى في جيوب النظام... «مخطئ من يتصور أن المسجلين لا يحبون الحكومة، هم يعرفون نظرية المقص جيداً، إذا ما انفتح وجرح رؤوساً، تعود أطرافه لتتجاور، ولو بمسافة، كلاهما يحتاج إلى الآخر، مع أن كل طرف ينظر في طرف آخر».
تحت هذه المظلة تتنوع الحكايات، وينفرط عقدها في الرواية، فلكل مسجل، ولكل ضابط حكاية، وراءها أخرى تتصل بها من طرف ما، تعري الشخوص، وتسقط أقنعة التواطؤ بينهم وبين ذواتهم، وصورتهم البائسة المراوغة في الخارج، صورة مشوشة ومضطربة تثير التعاطف والسخرية والسخط معاً، فهم مهانون تحت الطلب، اغتالتهم ضرورة الحياة والوجود، أدمنوا اللعب على كل الحبال، بأجسادهم ونزواتهم، تتكشف طبيعتهم من أسمائهم (عبقرينو - رجل المطافئ، أبو شفة، قنبل، عماد لون، آيات - جسد المشارط والأمواس، كلبش.. وغيرها)، بل وصل الأمر إلى ما يمكن تسميته «غسل الجريمة»، لتبرئة الجناة الأصليين... «أحياناً تحس أنه مشتاق للحبس كأنه بيته، أحياناً يحضر كأنه ذاهب لامرأة يعرفها جيداً، لا يريدها ولا يرفضها»، «شحتة يأتي لسعادتك كل يوم وأنتم تعيدونه، إنه يسألني كل ساعة، جذمته ذاب قعرها، أصبحت من غير نعل، وصار يمشي على الجورب... إنه يسألني متى تحبسونه يا سعادة البيه». لكن الحبس لعشرات المرات، وبالأجر، لم يستر حياة شحتة، أول مسجل يعتزل بلا مؤثرات خارجية ولا مباراة اعتزال، ويتزوج من آيات بالمحبة، بعد أن دهسها الجميع، ولتأمين حياته فكر أن يبيع كليته، ثم انتهى به المطاف لبيع إحدى خصيتيه، إنه مثل أقرانه من أخوة القاع، مهما ارتفع شأنهم يدركون أن دورهم الحقيقي ومكمن بطولتهم المقموعة أن يظلوا على الحافة لا يبرحون ثوب المسجل خطراً الذي فصله النظام على مقاسهم فقط، ليظلوا هكذا أشبه بعالم لقيط، لا يملك شرف الانتساب للوطن.
يعي ذلك برهافة بطل الرواية «فجنون» عاشق الرسم والموسيقى خريج المدارس الفرنسية، الذي أطلق عليه زملاؤه هذا الاسم كدعابة تمزج الفن بالجنون، يطارده إجبار والده لواء الشرطة السابق في أن يورِث أبناءه هذه المهنة حفاظاً على مكانة العائلة، ليتحول إلى ضحية لصراع خفي في الداخل، يجعله مشتتاً بين دوره الصارم المحدد كضابط بوليس كل مهمته تعقب الجريمة وحفظ الأمن والنظام، وبين حلمه المكبوت الممسوس بروح الفن والولع بالألوان؛ «لا تكذب على نفسك، أنت استمرأت هذه الحالة لتنسى بها كل رغباتك، كل يوم قضية جديدة تغوص فيها، كي لا تسمع أي صوت يذكرك بحالك، البيت أصبح فندقاً يتيماً، تعود إليه لتستحم، وتنام مثل القتيل».
إنها معادلة اللوحة في عين الرسام، طاقة من التجسيد يبتلعها الواقع كل يوم بنمطيته وجرائمه وحكاياته التي تتناسل في حبل لا بداية له ولا نهاية، لكنها في كل الأحوال تحتاج إلى طاقة أعلى من التجريد، من الحذف والبتر والإضافة، حتى يمكن التشبث بإرادة الحياة، ولو في صدى صرخة تعلو فيها نوازع الإدانة والعجز، في داخل البطل... «ما يطمئنك قليلاً أن معظمهم وربما كلهم ينظرون لك كمسجل خطر حقيقي، وهذه رتبة لم يصل إليها أي ضابط آخر، موقنون أنك تعرف عنهم أكثر مما تعرف أيديهم».
بهذا الإيقاع الموجع يبلغ زمن الرواية الخاص، زمن سرادق العزاء الضخم ذروته درامياً، ويمهد له الكاتب، بـ«أربع لوحات ورقصة»، عنوان مميز بين فصول الرواية الثلاثين المرقمة، كأنها رقصة الذبيح الأخيرة، حيث ينهي «فجنون» مع منتصف الليل مساحة التردد المشتعلة في داخله ويدخل العزاء، لا أحد يلتفت إليه، بل لا يجد كرسياً شاغراً إلا في أحد الصفوف الخلفية، وحين يصل إلى «ناجح» يفاجأ بأنه يسلم عليه بفتور، وبالكاد يتبادل معه كلمات العزاء المعتادة.



مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء

«القافر»... مسلسل عُماني يكشف عن رحلة المجهول في البحث عن الماء (الشرق الأوسط)
«القافر»... مسلسل عُماني يكشف عن رحلة المجهول في البحث عن الماء (الشرق الأوسط)
TT

مسلسل «القافر» في عُمان... حين يصبح الماء كلمة السرّ للوجود والفناء

«القافر»... مسلسل عُماني يكشف عن رحلة المجهول في البحث عن الماء (الشرق الأوسط)
«القافر»... مسلسل عُماني يكشف عن رحلة المجهول في البحث عن الماء (الشرق الأوسط)

يكشف المسلسل الدرامي العُماني «القافر» عن صراع الوجود في رحلة البحث عن الماء في إحدى القرى العُمانية التي تعاني شحّ المياه، فيصبح الماء عنواناً رمزياً للحياة.

المسلسل الذي تعرض حلقاته على شاشة تلفزيون سلطنة عُمان خلال شهر رمضان، ويضم عدداً من الممثلين العمانيين، مقتبس من رواية «تغريبة القافر» للروائي العُماني زهران القاسمي الفائزة بجائزة البوكر العربية 2023.

يتناول المسلسل بدلالة عميقة الأرض «القافر»، العطشى التي تحنّ إلى الماء، ما يُشكل طبيعة علاقة السكان بالطبيعة؛ حيث يصبح الماء كلمة السرّ لمعنى الوجود وللحياة، ونقصه يعني العطش والجفاف وهلاك الزرع والضرع.

يكشف المسلسل عن رحلة البحث عن الماء في إحدى القرى العُمانية (الشرق الأوسط)

«القافر» في المسلسل يرمز أيضاً إلى مهمة شاقة يحملها رجل ظلّ يسعى دوماً للبحث عن الماء، رغم علاقته المتشابكة به؛ إذ فقد والدته التي قضت غرقاً في إحدى الآبار وهو صغير، كما توفي والده تحت أحد الأفلاج. لذلك يثير الماء في نفسه حزناً لا فكاك منه.

المسلسل من إخراج المخرج السوري تامر مروان إسحاق، ويساعده في الإخراج مخلص الصالح، بالإضافة إلى حسين البرم وأسامة مرعي، أما المخرجان المنفذان فهما نهلة دروبي وعلي عبدو. ويشارك في العمل، الفنانون: سميرة الوهيبي، ومحمد بن خميس المعمري، وعبد السلام التميمي، وزكريا الزدجالي، ويؤدي دور «القافر» في مرحلة الطفولة الطفل فراس الرواحي، وفي مرحلة الشباب محمد بن خلفان السيابي.

وبين الجفاف والسيول تتشكّل علاقة الإنسان بالماء في تلك القرية. وفي رواية «تغريبة القافر» للروائي العُماني زهران القاسمي، يبرز من بين الجوانب اللافتة في النص وصفُ المؤلف لسيول عمان، وما تُخلِّفه من أثر في البسطاء من سكان القرى: «فالشمس ترتفع قليلاً وتصل لأعالي الجبال. تزحف ناحيتها من الجنوب سحابة رمادية داكنة، ليست كبيرة جداً لكنها كفيلة بأن تحجب ضوء الشمس، وتزداد برودة الريح وتصبح رطبة كأنها محملة بالماء البارد. يتحول الصيف فجأة إلى شتاء قارس، تزمجر الرياح الباردة في الحواري وبين الجبال، فيهرب الناس إلى بيوتهم ليحتموا بها، لكن الريح عاتية، فيسقط بعض النخل وتتكسر أغصان الأشجار الكبيرة، وتكاد أسطح المنازل تسقط على ساكنيها. تظلم الدنيا ويهبط الضباب على رؤوس الجبال، ويبدأ المطر ينهمر بشدة كأن السماء قد دلقت نفسها على القرية. تجرف السيول البساتين وتذوب جدران البيوت الطينية فتتساقط الأسطح، ويهرب الناس بأمتعتهم وطعامهم إلى مغاور الجبال، ويحتمون بالكهوف الكبيرة لعدة أيام، ويبقون هناك يراقبون الماء وهو يغمر البلدة ويأخذ في طريقه كل شيء، فتصير بيوتهم أثراً بعد عين».

تمكن المسلسل من تمثيل واقع الحياة اليومية في القرية العُمانية (الشرق الأوسط)

تمكّن المسلسل من تمثيل واقع الحياة اليومية في القرية العُمانية، في زمن يعود بالذاكرة إلى عقود مضت، ونقل صورة تضجّ بالحياة والكفاح في سياق تراثي ثقافي واجتماعي متكامل. كما تمكن من تحويل الرواية الأدبية إلى عمل فني يشهد تقاطعات بصرية غنية بالتفاصيل، وسط حياة قروية تتصاعد فيها الأحداث التي لا تنفصل عن الإنسان لتُشكل وقائع وثيقة تستحق أن يحتفى بها بصرياً.


غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
TT

غابت الأبقار عن صالون الزراعة في باريس فانخفض عدد الزوار

حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)
حيوانات تجتذب الصغار (الشرق الأوسط)

بعد أسبوع على افتتاح صالون الزراعة الدولي، لا يزال العارضون ينتظرون الزوار المتردّدين. والسبب هو غياب الأبقار الشهيرة التي كانت «نجمات» الدورات السابقة ونقطة الجذب للعائلات، ولا سيما الأطفال. ووفق المعلومات، فإنَّ الإقبال تراجع بنسبة 25 في المائة، على أمل التعويض في الأسبوع الثاني من المعرض.

جَمَل وصل باريس (الشرق الأوسط)

سبب غياب الأبقار هو احتجاج مربّيها على تصفية أعداد منها بسبب انتشار مرض الجلد العقدي بين الماشية. وقرَّر المربّون الامتناع عن جلب قطعانهم، وكذلك استجابةً لتوصية الهيئات المنظِّمة حتى لا ينتشر المرض.

تونس وزيوتها وتمورها (الشرق الأوسط)

صالون الزراعة هو الحدث الاقتصادي السنوي الأبرز في فرنسا؛ مخصَّص لعرض المنتجات الزراعية والحيوانية التي حقَّقت شهرة عالمية وباتت مصدر فخر للبلد. ونظراً إلى التغطية الإعلامية الواسعة التي يحظى بها، فإن السياسيين وقادة الأحزاب يتسابقون لزيارته والتقاط الصور مع المزارعين ومربّي المواشي ومَن يرافقهم من منتجي الأجبان واللحوم المقدَّدة والمخبوزات والحلويات. ولم يحدث أن تخلَّف أي رئيس من رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة عن زيارة الصالون وقضاء ساعات فيه، يتبادل الحديث مع المزارعين ويتذوَّق المنتجات الغذائية، منذ الجنرال ديغول الذي افتتح دورته الأولى، وحتى إيمانويل ماكرون الذي حرص على أن يمضي نهار الافتتاح بين العارضين، الأحد الماضي. هذا مع استثناء الرئيس فرنسوا ميتران الذي زار الصالون حين كان مرشَّحاً يسعى إلى كسب أصوات الناخبين، لكنه لم يعد إليه بعد فوزه بالرئاسة.

شيراك في المعرض (الأرشيف الوطني الفرنسي)

ضيفة الشرف هذا العام دولة كوت ديفوار. وكان المغرب ضيف العام الماضي وأول دولة أجنبية تنال هذا الشرف في تاريخ المعرض. ورغم بعض المصاعب والتحدّيات، يبقى المعرض منصة عالمية للتبادُل الزراعي الدولي والإضاءة على ثقافات زراعية متنوّعة من كلّ قارة.

ديغول في المعرض الزراعي (الأرشيف الوطني الفرنسي)

ما يلفت نظر الزوار العرب هذا العام حضور السودان بجناح جميل يُشجّع على الاستثمار والتعارف بين رجال الأعمال في هذا البلد العربي الزراعي الذي أنهكته الحروب ومزَّقته، بعدما كان يوصف بأنه «سلّة غذاء العرب». وأبرز معروضات الجناح، الصمغ العربي وعشبة الكركديه وحبوب الكمّون الطبيعي والسمسم.

كما حضر المغرب بعدد من الأجنحة تحت شعار «قرون من النكهات». وتعدَّدت المعروضات ما بين الزعفران وزيت الأرغان والتوابل والمنتجات العطرية والطبّية التي زاد عددها على 700 منتج، أشرفت النساء على إنتاج 60 في المائة منها.

الجزائر وجناحها متعدِّد المعروضات (الشرق الأوسط)

وكان للجزائر حضور تمثَّل بجناح كبير للتمور وزيت الزيتون، وبالأخص ذاك الآتي من معاصر منطقة القبائل. وكذلك العسل الجبلي والأغذية وبعض الملابس التقليدية التي تلقى إقبالاً من أبناء الجالية الجزائرية الكبرى في فرنسا. وحين نتحدَّث عن التمور، فلا بدَّ من الإشارة إلى جناح تونس وما فيه من تمور رفيعة، وحلويات وزيوت عالية الجودة أخذت طريقها إلى التصدير في بلدان العالم.

700 عارض مغربي (الشرق الأوسط)

ومن بين الأجنحة التي تستوقف الزوار، واحد عن الزراعة والثقافات العالمية. ويجذب الانتباه فيه وجود مجموعة من الجمال والنوق التي تأتي بها جمعية فرنسية معروفة في أوروبا وتهتم بالحفاظ على السلالات المنسية. ويتيح الجناح لمرتاديه فرصة تذوّق حليب الإبل.


اللقاءات الاجتماعية في رمضان... بين ذكريات الأجيال وتحدي الشاشات

يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
TT

اللقاءات الاجتماعية في رمضان... بين ذكريات الأجيال وتحدي الشاشات

يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)
يحل رمضان في كل عام ليضاعف من قيم الترابط الاجتماعي ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات (واس)

تنسج ليالي شهر رمضان تفاصيل اجتماعية فريدة، يملؤها دفء المجالس ورائحة القهوة العربية التي تفوح بعد صلاة التراويح، حيث تزداد وتيرة اللقاءات وتتحول الاجتماعات من مجرد واجبات اجتماعية إلى طقوس بطابع رمضاني تعيد صياغة العلاقات الإنسانية، رغم التحديات المعاصرة المتمثلة في تأثير زحف مواقع التواصل الاجتماعي ومجتمعات الشاشات الصغيرة على وتيرة التواصل واللقاءات.

الأجيال الجديدة ترث العادة تقليدياً من خلال حضورها هذه الاجتماعات (واس)

المقاهي تعد خياراً مفضلاً بالمدينة التي تغرق في الزحام وتنائي المسافات (واس)

اللقاءات الرمضانية... جيل يتصل بآخر

في دول الخليج وكثير من المجتمعات العربية، تبرز وجبة «الغبقة» التي تقدم بين الإفطار والسحور، وتعد تظاهرة اجتماعية رمضانية شهيرة في المنطقة. تأخذ أشكال اللقاءات الاجتماعية الدورية أسماء وصفات مختلفة، والمجتمعات الخليجية على نحو ما اشتهر به العرب عموماً، تتمتع بقوة حضور البعد الاجتماعي في حياتها، وتتصف حياتها بالترابط الاجتماعي والتواصل الوثيق داخل المجتمع الواحد، ويحل رمضان في كل عام ليضاعف قيم الترابط الاجتماعي، ويعزز من تواصل الأفراد والعائلات مع بعضهم.

وتكتسب الاجتماعات العائلية في ليالي رمضان طابعاً فريداً يتمثل في تعدد الأجيال، على مائدة واحدة، أو في جلسة سمر ليلية، حيث يجلس الحفيد بجانب الجد، وتتصل من خلال هذا المشهد سردية اجتماعية متماسكة ترعاها ليالي رمضان. يقول الباحث الاجتماعي أحمد بن إبراهيم إن ليالي رمضان تعد بيئة ملائمة لتجديد العلاقات والصلات الاجتماعية التي تجد في رمضان فرصة لتعزيزها وتطويرها، مشيراً إلى أن الأجيال الجديدة ترث هذه العادة تقليدياً من خلال حضورها هذه الاجتماعات التي تكتسي بالألفة والتسامح والسلام، بتأثير مباشر من طبيعة وطقوس ليالي شهر رمضان.

ويشير إلى أنه قد تركت موجات التقنيات الجديدة وزحام الشاشات تأثيراً قاسياً على طبيعة التواصل في المجتمعات، لكن ليالي رمضان بطبيعتها الاجتماعية، قد تساعد في استعادة وتيرة هذه العلاقات واللقاءات وتعزيزها.

وعن لقاءات المقهى المفتوح، يقول الباحث الاجتماعي إن ذلك يعد شكلاً للتواصل الاجتماعي، يجمع بين التقليد والمعاصرة، لافتاً إلى أن الكثير بدأ يفضل اختيار هذا الفضاء العمومي لتجديد التواصل مع شبكة علاقاته بدرجة أقل من الرسمية، وشكل أكثر حيوية في التفاعل.

وقال إن المقاهي تعد خياراً مفضلاً في المدينة التي تغرق في الزحام وتنائي المسافات، ويضيف: «أحياناً، يقع عليها الاختيار للتخفيف من رسمية اللقاءات، أو بوصفها خياراً وسطاً بين الأطراف الذين يتوزعون في أنحاء المدينة، وبعيداً عن المنازل، تتحول المقاهي الشعبية والأماكن العامة إلى خلية نحل، ويكتسب التواصل طابعاً عفوياً، وقد يصبح الغرباء أصدقاء حول لعبة طاولة أو شرب الشاي، أو حتى أثناء نقاش محتدم حول أحداث مباراة مفصلية أو مسلسل درامي».

في الخليج تأخذ أشكال اللقاءات الاجتماعية الدورية أسماء وصفات مختلفة (واس)

التواصل الرقمي يعيد تشكيل طقوس رمضان

تشهد ليالي شهر رمضان، طفرة رقمية غير مسبوقة، حيث تتحول المنصات الاجتماعية إلى «مجالس افتراضية» لا تنام. يقول بن إبراهيم إن البيانات السلوكية لمستخدمي الإنترنت في المنطقة العربية تشير إلى أن استهلاك وسائل التواصل الاجتماعي يرتفع خلال الشهر الفضيل.

وهذا الارتفاع يشمل أنشطة مختلفة مثل البحث عن الوصفات، والتفاعل مع المسلسلات والبرامج الحوارية، وموجات من النشاط تتركز على المحتوى الديني، لكنه في المقابل هو نشاط يتعلق بالتواصل بين الأفراد، وتعزيز العلاقات الاجتماعية ببث التهاني والسؤال عن الأحوال.

ويشير إلى أن وسائل التواصل لم تعد مجرد أداة للترفيه، بل تحولت إلى أداة حيوية لصلة الرحم، وأن المجموعات العائلية تشتعل بالتبريكات، ومقاطع «ستوري» توثق تفاصيل الموائد، مما يخلق حالة من المشاركة الوجدانية التي تتجاوز المسافات الجغرافية. ورغم الإيجابيات، يرى الباحث الاجتماعي أن هذه الوتيرة المتسارعة لها وجه آخر، فـ«إدمان الشاشة» قد يهدد الجوهر الروحاني للشهر.