مؤسسة «الفن جميل»... أحلامها محلقة وجناحاها الإبداع المحلي والتعاون الدولي

فادي جميل لـ«الشرق الأوسط»: دوافعنا كانت ولا تزال إقامة مراكز فنية من أجل المجتمع ومن خلاله

TT

مؤسسة «الفن جميل»... أحلامها محلقة وجناحاها الإبداع المحلي والتعاون الدولي

تعد مؤسسة «فن جميل» من أبرز اللاعبين على الساحة الفنية العربية وتحديداً السعودية والإمارات وعلى مدى سنوات طويلة، بدأت من 2003، أطلقت المؤسسة مشاريع عدة غيرت الكثير في الخريطة الفنية، واكتشفت فنانين واعدين وقدمت للعالم العربي والغربي ملامح من الفن العربي والإسلامي من خلال جائزتها للفنون بالتعاون مع متحف «فيكتوريا آند ألبرت»، وأيضاً من خلال «جناح جميل للفن الإسلامي» في المتحف ذاته. ولم تقف المؤسسة عند ذلك بل أسست مركزاً ضخماً للفنون في دبي والآن في مراحل العمل الأخيرة من تنفيذ مشروعها الواعد في مدينة جدة بالسعودية تحت اسم «حي: ملتقى الإبداع». كل ذلك لا ينسينا الجهد الذي تبذله المؤسسة لإنعاش الحرف التراثية عبر الشراكة مع «مدرسة الأمير تشارلز للحرف التراثية» ورعايتها لنشاطاتها في مصر والسعودية حيث ينضم الكثيرون لبرامجها المختلفة لإعادة الفنون التراثية الجميلة قبل أن تغيب عن أعيننا بفعل الزمن واختفاء ممارسيها القدامى.
فادي جميل رئيس المؤسسة خص «الشرق الأوسط» بحوار مستفيض فتح أمامنا أبواباً كثيرة لمعرفة ما الذي يحمله المستقبل للمؤسسة ونشاطاتها المتعددة وكان فرصة للاقتراب من العقل المنظم والرجل خلف تلك الاستراتيجية الفنية. أبدأ حواري مع فادي جميل بسؤال عام لعلي أستشف منه رؤيته وتقييمه لعمل المؤسسة على مدى 16 عاماً، أسأله: «ما هو تقييمك لتأثير مؤسسة فن جميل على الساحة العربية؟» يجيب بتقديم رؤية زمنية لمنجزات المؤسسة: «أسست عائلتي مؤسسة (فن جميل) في عام 2003، كجزء من مساعيها الخيرية الأوسع ضمن (مجتمع جميل). فقد ساعد جدي، الراحل عبد اللطيف جميل، على مدار حياته عشرات الآلاف من المتضررين في مجالات الرعاية الصحية والتعليم. واليوم، تكّرس (مجتمع جميل) جهودها لدعم الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية؛ ومن جانبها تحمل (فن جميل) نفس الشغف والاهتمام إلا أنها تطبقها في مجال الثقافة». ويستطرد حول «فن جميل» والرؤية من خلفها وتأثيرها المأمول: «نحن نؤمن بمبدأ أن الفن للجميع؛ بدءاً من أطفال المدارس إلى البالغين من جميع الخلفيات والبيئات، وأن الإبداع هو مقوّم أساسي لأي مجتمع صحي وخطابي ومقاوم للمستقبل.
بالنسبة لتأثير المؤسسة على المجتمع يقول فادي جميل: «أعتقد أنه يجب أولاً وقبل كل شيء أن أحدثك عن (فن جميل) كمؤسسة. فنحن نعمل في المملكة العربية السعودية ومصر وأماكن أخرى في المنطقة منذ سنوات عديدة، ولدينا شراكات مع المنظمات الحكومية والخاصة التي تدير مدارس فنون التراث، بالإضافة إلى مشاريع محلية ثقافية أخرى. كما أننا لدينا شراكات طويلة الأمد مع مؤسسات كبيرة مثل متحف (فيكتوريا وألبرت) في لندن ومتحف (المتروبوليتان) للفنون في نيويورك، وذلك من بين مؤسسات دولية أخرى، للتأكد من تمثيل فنانين من الشرق الأوسط في متاحف العالم الأكثر شهرة». وكإضافة لكل ذلك قامت المؤسسة في عام 2018 بافتتاح أول مؤسسة كبرى للفنون المعاصرة وهو «مركز جميل للفنون» في دبي والذي يعد أول مساحة فنية معاصرة في دبي، والتي سجلت حضوراً سريعاً على المشهد الفني هناك وحسب ما يذكر جميل فقد لاقت برامج المركز خلال العام الماضي إقبالاً وتجاوباً واسعاً محلياً وعلى صعيد المنطقة من المجتمع المحلي والمدارس والفنانين المحليين والعالميين».
التعليم جانب مهم في استراتيجية «الفن جميل» وهو من أهداف المؤسسة، يؤكد فادي جميل على أن هناك تصميماً على أن تكون المؤسسة «معنية بالتعليم» وأن توفر مركز بحوث مفتوحاً للجميع يضم العديد من البرامج الفنية إلى جانب تنظيم المعارض. ويستطرد قائلاً: «لقد كفلنا الدخول المجاني للجميع بحيث نشجع الزوار على جعل المركز (بيتهم الثاني)، والعودة للقيام بزيارات متعددة إلى المعارض والمكتبات ومساحات المشاريع وحديقة (جداف) و(وترفرونت) للفنون والتي أنشئت بالتعاون مع دبي القابضة والتي تعد أول متنزه فني مفتوح يعرض المجسمات الفنية على ضفاف خور دبي «إيماناً منّا بأن الفنون فقط هي التي لديها إمكانية فتح هذه المساحات للحوار والتعلم».
يبدو من إجابات فادي جميل الإصرار على تحقيق المزيد ولكن هل ترصد المؤسسة ردود الفعل من الجمهور وتتفاعل معها؟ يقول: «نحن نقدر جميع التعليقات ووجهات النظر التي نتلقاها تماماً. وبالطبع، في هذه الأيام، يمكن للجميع أن يكون لهم رأي في وسائل التواصل الاجتماعي، ومنطقة الخليج ليست استثناءً من ذلك. ففي الواقع، ولا سيما في السعودية، يعبر الناس بشكل خاص عن أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولا يشعرون بالخجل من إبداء آرائهم. وبالمثل، نحن أيضاً نقوم بعمل استطلاع يشمل جماهيرنا بعد الفعاليات الكبرى التي ننظمها ونتعلم من ملاحظاتهم. فقد كانت دوافعنا دائماً ولا تزال إقامة مراكز فنية «من أجل المجتمع ومن خلاله»، وهذا الشعور بالملكية المجتمعية مهم جداً لنا لنجاح برامجنا. ولحسن الحظ، لقد غمرتنا حتى الآن الكثير من ردود الفعل الإيجابية، لكنني دائماً ما أنصح فريق (فن جميل) بالبقاء على أهبة الاستعداد لأي نوع من ردود الفعل سواء كانت إيجابية أو سلبية!»

- مدرسة الفنون التراثية
المتابع للتأثير الذي تحدثه مدرسة الفنون التراثية في القاهرة وفي جدة يستطيع رؤية بعض النتائج وأيضاً التفاعلات معها، ففي جدة على سبيل المثال يتوافد الشباب والشابات على ورش العمل التي تقام بشكل مستمر ويبادرون لمشاركة أقرانهم في نشاطاتهم وفي إنتاجاتهم في الرسم والنجارة وغيرها. أسأله عما يلمسه هو شخصياً عن ذلك التأثير وعما إذا ما كان يلمس نتيجة لذلك الجهد من حيث الدارسين والخريجين وتأثيرهم على الساحة الفنية؟ يجيب: «نعتقد أن الفنون التقليدية في مدن مثل جدة والقاهرة هي من الفنون المعاصرة التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية وجزءاً من ماضينا ومستقبلنا. لقد شهدنا في السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في الاهتمام بالحفاظ على تاريخنا وهيكليتنا. يتزايد عدد الطلبات المقدمة للانضمام لكلتا المدرستين كل عام، وبشكل كبير ولا سيما في جدة. وفي مصر، يتم تدريس الطلاب لمدة عامين للحصول على شهادة دبلوم، وأصبح الحصول على مكان في الدورة الآن أمراً تنافسياً للغاية». يشير إلى أن «الفن جميل» استمراراً منها في دعم المدارس التراثية بدأت العمل على إنشاء أعمال تجارة إلكترونية مع منصات إلكترونية عالمية مثل «أمازون»، فضلاً عن التدريب التقليدي في مجال الحرف اليدوية، يستطرد قائلاً: «نقدم أيضاً مشغلاً لعرض أعمال خريجينا، حيث يمكنهم تلقي مزيد من التدريب وإنشاء شركاتهم الخاصة ليس فقط من أجل المساهمة في الفنون في المجتمع ولكن أيضاً العمل في نفس المجال التجاري».

- فنون جدة التراثية تنتعش
بالنسبة لمدينة جدة يتميز مشروع مدرسة الفنون التراثية بأنه يستغرق عاماً واحداً فقط ويقام في قلب المدينة القديمة (البلد) ويشرح لنا أكثر: «ذلك بالإضافة إلى العمل الميداني لدراسة وتفهُم التراث المعماري الغني للبلدة القديمة، بما في ذلك واجهات الجبس ونوافذ المباني المصممة على شكل «روشان» والمصنوعة من خشب المنجور، وأحياناً يُطلَق عليه (المنقور). إلى جانب الوحدات النظرية في الهندسة الإسلامية وتناغم الألوان، كل ذلك يعكس الغنى التراثي للبلدة القديمة. وتشتمل الوحدات العملية في البرنامج على صناعة الأصباغ والرسم والسيراميك ونحت الجبس وخشب الباركيه والمنجور.
يضرب المثل بنجاح المدرسة بتزايد دور المشاركين والخريجين على المستوى المحلي وبالمشاركة في «مهرجان الفنون السنوي» الذي ينظمه المجلس السعودي للفنون، ومعرض «21,39» في جدة؛ ومعرض «منور» الذي ينظمه مركز المدينة للفنون؛ بالإضافة إلى المشاركة في «أسبوع التصميم السعودي» في الرياض؛ والمساهمة في ترميم بيت الجمجوم، أروع بيوت الأبراج الحجرية التاريخية في البلد، كما أننا كنا جزءاً من برنامج التعزيز الهيكلي لوزارة الثقافة السعودية.

- من المحلي للعالمي وبالعكس
الشراكات مع جهات عالمية، ما هو تأثيرها برأيكم وهل هناك شراكات أخرى قادمة؟ يقول إن المؤسسة تتبع نهجاً ذي شقين في ذلك الخصوص، الأول هو استمرار النشاط على مستوى المجتمع والثاني العمل مباشرة مع الفنانين والمجتمعات، ولكن أيضاً من خلال تعزيز ودعم الفنون في الشرق الأوسط على أعلى مستوى دولياً. «لدينا شراكة مع متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، منذ عام 2003. حيث نعمل في كل من مجالات الفن الإسلامي والفن المعاصر مع أكبر متحف في العالم للفنون التطبيقية والزخرفية. ومنذ خمس سنوات، بدأنا بعقد شراكة مع متحف «المتروبوليتان» للفنون، نيويورك، حيث يدعم صندوق «فن جميل» الفنانين من الشرق الأوسط، ويضمن عرض أعمالهم في أحد المتاحف الأكثر زيارة في العالم. دعيني أخبرك عن عمل فني مذهل قام متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك باقتنائه، وهو مجموعة فنية للفنانة الكبيرة سلوى شقير «مجموعة من ألف قطعة (1966 – 1968) تم إنتاجها بدعم من خلال صندوق «فن جميل».
هناك شراكة أكثر حداثة مع مؤسسة دلفينا، وهي من أكبر الجهات التي توفر برامج الإقامة الفنية للفنانين، فهو موطن حقيقي لكثير من الفنانين من الشرق الأوسط وحول العالم. فنحن لا نهدف إلى توسيع شركائنا الأساسيين، لكننا نعمل بشكل وثيق معهم لضمان الحفاظ على المكانة المركزية لفناني الشرق الأوسط على المسرح العالمي وأفكارهم.

- المحطة القادمة: «حي: ملتقى الإبداع»
وفي المسيرة نحو تحقيق الرؤية الواسعة والطموحة للمؤسسة يتطلع الجمهور السعودي للمشروع المخصص لهم وهو مركز جديد بعنوان «حي: ملتقى الإبداع» والذي يعتبره فادي «أكبر مشروع فني على مستوى (فن جميل) حتى الآن وهو، مجمع ثقافي متعدد التخصصات في مدينتنا جدة، والذي من المقرر افتتاحه في فصل الشتاء المقبل».
ويشرح جميل أن سكان مدينة جدة سيمكنهم الاستمتاع بنشاطات متنوعة في مركزهم الجديد ويضيف: «حي: ملتقى الإبداع» لا يشمل الفن فحسب، بل يتضمن أيضاً داراً سينمائية ونوادي الأداء والكوميديا والعروض المسرحية وريادة الأعمال والعمارة والتصميم.
يشير إلى أن أعمال البناء تسير على المسار الصحيح، ويضيف: «سنعلن قريباً عن مزيد من التفاصيل حول أنشطتنا الخاصة وكذلك شركائنا في هذا الصرح خلال الأشهر المقبلة. في الوقت الحالي، يمكننا القول بأن (فن جميل) ستدير معارض الفنون والتصميم ومركز الفنون المركزي والمسرح، بالإضافة إلى استوديوهات الفنانين واستوديوهات الأفلام الرقمية والمرئية ومساحة ريادة الأعمال من المشاريع المستقلة، وسينضم إلينا شركاء آخرون يديرون مساحات أخرى، بما في ذلك المقاهي والمعارض ونوادي الأداء ومساحات العمل، وغيرها الكثير».
وتكمن الفكرة وراء ذلك في أن «حي: ملتقى الإبداع» سيصبح أول حاضنة للفنون والإبداع تقام في جدة، داخل مجمع متعدد التخصصات والمجالات بالمنطقة في حي واحد. سيكون «حي: ملتقى الإبداع» بلا أدنى شك وجهة للسياح والزوار إلى جدة، إلا أن مهمته الرئيسية هي احتضان ورعاية المواهب الواعدة من الفنانين السعوديين، وتمكين التبادل الدولي بين السعودية وبقية العالم.
ولكن قبل إطلاق المركز الجديد بدأت المؤسسة العام الماضي في إطلاق بعض البرامج التجريبية؛ مثل برنامج «حي: التعليم»، وهو منصة تعليمية مُقدمة للفنانين والمُبدعين المقيمين في السعودية، وهي دورة مُكثفة مُقدمة للفنانين، تقدم مهارات عملية وكذلك تعزز من القدرة النقدية والمهارات النظرية حول أحدث الفنانين التشكيليين الموجودين حالياً. كما أعلنت المؤسسة عن عقد مسابقة دولية لتصميم (سينما حي) ضمن مركز «حي: ملتقى الإبداع»، وفاز فيها استوديو «بريك لاب» الذي يتخذ من جدة مقراً له حيث سيقوم بتصميم (سينما حي)، وهي أول دار عرض سينمائية غير تجارية في جدة، والذي تم اختياره من خلال عملية التصويت التي تتم دون معرفة هوية أصحاب الأعمال من قبل لجنة تحكيم عالمية.



بيوت الكويت القديمة تفتح نوافذها في القاهرة

عبد الرسول سلمان يستعيد في لوحاته ملامح من ذاكرة الكويت (الشرق الأوسط)
عبد الرسول سلمان يستعيد في لوحاته ملامح من ذاكرة الكويت (الشرق الأوسط)
TT

بيوت الكويت القديمة تفتح نوافذها في القاهرة

عبد الرسول سلمان يستعيد في لوحاته ملامح من ذاكرة الكويت (الشرق الأوسط)
عبد الرسول سلمان يستعيد في لوحاته ملامح من ذاكرة الكويت (الشرق الأوسط)

في القاهرة، يواصل الفنان الكويتي عبد الرسول سلمان حواره مع الذاكرة الخليجية، لكن هذه المرة أمام المتلقّي المصري الذي يشاركه تأمّل تفاصيلها وما تختزنه من ملامح إنسانية وحنين لا يخفت.

ومن خلال معرضه «جذور معاصرة»، المُقام في قاعة «حامد ندا» بغاليري ضي في الزمالك (وسط القاهرة)، تبدو التجربة أقرب إلى حوار بين موروث تشكّل على امتداد سنوات طويلة، ورؤية فنّية تستحضر التراث وتُعيد صياغته من دون أن تحاصره في صورة الماضي.

وتستعيد الأزقّة القديمة دفأها، وتطلّ البيوت بملامحها الحميمة في أعماله، فيما تحضر وجوه الناس وحكاياتهم جزءاً أصيلاً من ذاكرة المكان. فمن أحياء جبلة وشرق والمرقاب، يستدعي الفنان عالماً تتداخل فيه تفاصيل الحياة اليومية مع ملامح التراث الكويتي، لتتحوّل لوحاته إلى نوافذ على زمن لا يزال حاضراً في الوجدان، رغم ما تبدّل من ملامح المدينة وإيقاع الحياة فيها.

ولا يكتفي سلمان باستعادة المَشاهد القديمة، وإنما يمنحها حياة جديدة، مستعيناً بحسّ مرهف في التقاط التفاصيل الإنسانية التي تمنح المكان روحه وخصوصيته.

الفنان الكويتي عبد الرسول سلمان في معرضه «جذور معاصرة» بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وبين وجوه ألفتها الحارات وبيوت احتضنت حكايات أجيال متعاقبة، تتشكّل عوالمه التشكيلية مُحمَّلة بالحنين إلى الجذور والاحتفاء بجماليات الحياة البسيطة، وما تختزنه الذاكرة الشعبية من مشاعر وعادات وتقاليد.

ويمنح تجربته خصوصيتها ارتباطه الوثيق بموروث بلاده، من دون أن يتحوَّل إلى قيد يُحاصر خياله. ويقول سلمان لـ«الشرق الأوسط»: «أكتشف مفردات تراث بلادي برؤية فنية تنفتح على التجريب، وتمنح اللون قدرة على التعبير تتجاوز حدود المشهد المرسوم».

ويستمر المعرض حتى الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، مقدّماً مجموعة من أعمال سلمان التي تكشف عن تجربة ممتدّة بدأت ملامحها الأولى في ستينات القرن الماضي، حين كان منخرطاً في الحركة الفنية الكويتية الناشئة، وشارك في معارض الربيع بصالة المدرسة المباركية، ثم في فعاليات الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية منذ تأسيسها عام 1967، داخل الكويت وخارجها.

كما شارك في معارض المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب منذ انطلاقه في سبعينات القرن الماضي، وأقام معارض شخصية عدّة في قاعات كويتية وعربية، إلى جانب مشاركاته الفنّية خارج المنطقة.

بين الواقع والتجريد تتشكّل عوالم عبد الرسول سلمان البصرية (الشرق الأوسط)

ولا تنفصل تجربة سلمان عن مسيرته في المشهد التشكيلي الكويتي والخليجي؛ فقد تولّى رئاسة الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية منذ عام 2004، ورئاسة اتحاد جمعيات الفنون التشكيلية الخليجية منذ عام 2008، كما شغل منصب نائب رئيس الرابطة الدولية للفنون منذ عام 2006.

ويقول الفنان: «هي مسؤوليات جاءت متزامنة مع تجربة فنية بقيت فيها مشغولاً بالسؤال عن كيفية انتقال الهوية من جيل إلى آخر، وكيف يمكن التراث أن يظلَّ حاضراً من دون أن يتحول إلى صورة جامدة من زمن مضى».

البحر ومراكب الصيد والخيل والبيوت القديمة والأحياء التي تحمل ذاكرة أهلها، إلى جانب تفاصيل العمارة والحرف التقليدية، كلّها مفردات تتكرَّر في ذاكرة الفنان البصرية. لكنه لا يتعامل معها بوصفها عناصر للزينة أو إشارات إلى زمن مضى، وإنما يجعلها نقطة انطلاق نحو صياغة أكثر رحابة، يلتقي فيها المألوف بالمتخيَّل، وما تعرفه العين بما تبحث عنه خلف الشكل.

ولا تمنح اللوحة عند سلمان أسرارها كلّها للمتلقي من النظرة الأولى. ويقول: «هناك دائماً مساحة أتركها للمُشاهد، ليتوقّف قليلاً أمام العلاقات التي أصنعها بين الخطوط والألوان والكتل والفراغات».

ويتنقل الفنان بين الواقعية والتجريد، داعياً المشاهد إلى الانتقال معه من الصورة التي يعرفها إلى المعنى الذي يمكن أن يكتشفه.

البحر والصيد والعمارة مفردات راسخة في ذاكرة عبد الرسول سلمان البصرية (الشرق الأوسط)

وهذه المسافة بين الواقع والتجريد إحدى السمات اللافتة في تجربته؛ إذ لا يتخلّى عن ملامح البيئة التي جاءت منها أعماله، وفي الوقت نفسه لا يسمح لها بأن تقيّده. ويقول: «أعمل على أن تتحوَّل العناصر التراثية إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل، وتصبح الذاكرة نفسها مجالاً للتجريب، لا مجرّد سجل بصري لما كان».

وتزخر لوحاته بطاقة إنسانية دافئة، تتماهى مع رؤيته التي ترى أنّ الفن يبدأ من الإحساس قبل أي شيء آخر، وأنّ مهمّة الفنان لا تتوقف عند التعبير عما يراه، وإنما تمتدّ إلى نقل أثره إلى الآخرين، بصورة مباشرة أو عبر إيحاءات أكثر هدوءاً.

ومن هنا، تتمتّع أعماله بنبرة إنسانية تتجاوز حدود المكان؛ فحتى عندما يستعيد مشهداً من البيئة الكويتية القديمة، يترك فيه منفذاً لمشاعر يمكن للمتلقّي أن يتعرَّف إليها من تجربته الخاصة.

ويتوقف الفنان عند التحوّل الذي طرأ على مفهوم الجمال وأساليب التعبير الفنّي: «الجيل الأول من التشكيليين في الحركة الفنّية الكويتية كان أكثر التصاقاً بما عاشه من تفاصيل البيئة الخليجية، من الألعاب والرقصات الشعبية إلى العمارة القديمة، فيما أصبح من الضروري اليوم أن يُعاد النظر في طريقة تناول تلك المفردات من خلال أدوات الفنّ المعاصر».

وهنا تكمن المسألة التي تشغل سلمان: كيف نحافظ على جذورنا من دون أن نكرّرها؟ وكيف نستفيد من التراث من دون أن نحوّله إلى قالب جاهز؟

من أحياء الكويت القديمة يستمدّ عبد الرسول سلمان مفرداته البصرية (الشرق الأوسط)

وبالنسبة إليه، «لا تكمن المعاصرة في إدارة الظهر للماضي، وإنما في القدرة على إعادة اكتشافه، ثم منحه لغة جديدة يستطيع بها أن يخاطب إنسان اليوم».

ويستحضر الفنان في هذا السياق أثر الحضارات المختلفة في تطوّر الفن، مشيراً إلى أن الحضارة الإسلامية تركت حضوراً واضحاً في الزخرفة واللون والتكوين، وأنّ تفاعل الفنون بين الشرق والغرب ظلَّ عبر التاريخ طريقاً متبادلاً للتأثير والتأثر.

وينهي عبد الرسول سلمان كلامه قائلاً: «الفنان العربي يمتلك إرثاً بصرياً ثرياً يعبّر عن إبداع معاصر أصلي وأصيل».


المشي يترك أثره في دماغ المراهق وصحته النفسية

خطوات قد تترك أثراً أبعد من المسافة (جامعة أركاديا)
خطوات قد تترك أثراً أبعد من المسافة (جامعة أركاديا)
TT

المشي يترك أثره في دماغ المراهق وصحته النفسية

خطوات قد تترك أثراً أبعد من المسافة (جامعة أركاديا)
خطوات قد تترك أثراً أبعد من المسافة (جامعة أركاديا)

خلصت دراسة دولية إلى أنّ المراهقين الذين يمشون خطوات أكثر يومياً في بداية مرحلة المراهقة قد يعانون مشكلات نفسية أقل في العام التالي.

وأوضح باحثون في جامعة كينغز كوليدج لندن البريطانية، بالتعاون مع جامعة ماساتشوستس أمهرست الأميركية، أنّ هذا الارتباط استمر حتى بلوغ متوسّط عدد الخطوات 12 ألف خطوة يومياً أو أكثر، من دون مؤشّرات على تراجع الفائدة ضمن نطاق النشاط الذي شملته الدراسة. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «جاما نتورك أوبن».

وتُعدّ المراهقة مرحلة مهمّة لنمو الدماغ وتطوّر الصحة النفسية، وقد يواجه خلالها المراهقون مشكلات مثل القلق وانخفاض المزاج والمشكلات السلوكية.

وتتبعت الدراسة بيانات 5515 مراهقاً أميركياً شاركوا في دراسة طويلة الأمد بالولايات المتحدة تبحث في تطوّر الدماغ وصحة الأطفال.

وارتدى المشاركون أجهزة «فيتبيت» لتتبُّع نشاطهم البدني لمدة 3 أسابيع تقريباً، عندما تراوحت أعمارهم بين 11 و12 عاماً. وبعد عام، قيّم الباحثون صحتهم النفسية باستخدام «قائمة فحص سلوك الطفل»، وهي استبانة واسعة الاستخدام يملؤها المراهقون وأولياء أمورهم، وتقيس عوارضَ، من بينها القلق وانخفاض المزاج والمشكلات السلوكية.

وقارن الباحثون النتائج بمتوسّط عدد الخطوات التي كان يقطعها كلّ مراهق يومياً، فوجدوا أنّ زيادة عدد الخطوات ارتبطت بانخفاض المشكلات النفسية بعد عام.

وكان المراهقون الذين يقطعون أقل من 5 آلاف خطوة يومياً يعانون أكبر عدد من العوارض، فيما ظهرت عوارض أقل لدى مَن كانوا يقطعون نحو 8 آلاف خطوة. وسُجّلت أدنى مستويات المشكلات النفسية لدى مَن بلغ متوسط خطواتهم 12 ألف خطوة يومياً أو أكثر.

ولم يجد الباحثون دليلاً على أن هذا الارتباط يتوقّف عند مستوى معين من الخطوات ضمن نطاق البيانات التي تمكّنوا من قياسها، ممّا يشير إلى أنّ العلاقة بين زيادة عدد الخطوات وانخفاض المشكلات النفسية استمرّت حتى أعلى مستويات النشاط المسجّلة لدى المشاركين.

ولاحظ الباحثون أيضاً أنّ المراهقين الذين سجّلوا أعلى عدد من الخطوات أظهروا اختلافات طفيفة في سماكة أنسجة منطقتين من الدماغ ترتبطان بالحركة وتنظيم المشاعر.

وأظهرت النتائج أنّ هذه الاختلافات في بنية الدماغ أسهمت في تفسير جزء من العلاقة بين ارتفاع عدد الخطوات وانخفاض المشكلات النفسية، ممّا يشير إلى أنّ التغيّرات المرتبطة بالنشاط البدني في الدماغ قد تكون أحد المسارات التي تستحقّ مزيداً من الدراسة.

وقال الباحثون إنّ المراهقة مرحلة مهمّة لتطوّر الدماغ والصحة النفسية، وإن من المشجّع أن تمتد فوائد النشاط البدني إلى المجالين. وأضافوا أنّ الأمر لا يتطلّب ممارسة رياضة مكثَّفة، أو أن يكون المراهق رياضياً محترفاً، مشيرين إلى أن زيادة عدد الخطوات اليومية بنحو 1000 إلى 2000 خطوة، انطلاقاً من أي مستوى للنشاط، ارتبطت بتحسّن في بنية الدماغ ومؤشرات الصحة النفسية، وأنّ هذا الارتباط تعزَّز مع ارتفاع عدد الخطوات.

وأضاف الباحثون أنّ الهدف هو إيجاد طرق واقعية ومستدامة لزيادة الحركة، من خلال أنشطة يومية مثل المشي إلى المدرسة واللعب النشط وممارسة الأنشطة التي يستمتع بها الأطفال، بما يتيح هذه الفوائد للمراهقين، بغضّ النظر عن مستوى نشاطهم الحالي.


ميشيل ميلاد يخرج من عباءة الكوميديا: «معتصم» اختبر قدراتي

ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد مسلسل «القصة الكاملة» (الشركة المنتجة)
ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد مسلسل «القصة الكاملة» (الشركة المنتجة)
TT

ميشيل ميلاد يخرج من عباءة الكوميديا: «معتصم» اختبر قدراتي

ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد مسلسل «القصة الكاملة» (الشركة المنتجة)
ميشيل ميلاد في أحد مَشاهد مسلسل «القصة الكاملة» (الشركة المنتجة)

استطاع الفنان المصري ميشيل ميلاد أن يلفت الأنظار بأدائه شخصية «معتصم»، المريض النفسي الذي يُتهم بارتكاب مذبحة وقتل 10 أشخاص، في مسلسل «ما لم يُحك عن بني مزار». ولم تكن المفارقة في أدائه، الذي أشاد به جمهور ونقاد، فحسب، وإنما أيضاً في انتقاله من أدوار الكوميديا التي عرفه بها الجمهور، ويراهن عليها صنّاع الأفلام، ليقدّم دوراً في اتجاه معاكس من نوعية «السيكودراما» أو «الدراما النفسية»، في وقت يحقّق فيه نجاحاً بوصفه ممثلاً كوميدياً يخطو بثقة نحو أدوار البطولة.

ويؤكد ميلاد أن شخصية «معتصم» انطوت على تحدّيات، ويقول في حواره مع «الشرق الأوسط»: «الجمهور اعتاد أن يراني كوميدياً، فكان الانتقال من الكوميديا إلى السيكودراما مسألة صعبة، وكان لا بدّ أن أكون على قدرها، وأن أقدّم الدور بدرجة كبيرة من الإتقان».

ويكشف عن مخاوفه عندما عُرض عليه الدور: «كنتُ متخوّفاً في البداية، لكنني رأيت أنني بحاجة إلى اختبار قدراتي أمام الجمهور في نوعية مغايرة من الأدوار، لا سيما أنني قدّمت مختلف الأدوار على المسرح، من كوميديا وتراجيديا، في مسرح الجامعة، وكذلك مسارح الدولة ومركز الإبداع. لكن السيكودراما كانت جديدة عليّ، واستلزمت اجتهاداً كبيراً».

الممثل المصري ميشيل ميلاد خاض تحدّياً جديداً بعيداً عن أدواره الكوميدية (حسابه في «فيسبوك»)

وقد أجهده الدور كثيراً، كما يوضح: «تركيبة مريض الانفصام، بدوافع عدّة للقتل والذي تُحرّكه عوالم خفية، كانت متعِبة في جميع تفاصيلها».

والنقلة التي أحدثها ميشيل ميلاد بسرعة استغرقت سنوات من العمل في منطقة الأمان لدى كبار الممثلين. ويعلّق: «كان هذا التحدّي مثيراً للقلق بالنسبة إليّ، لكنني كنت أراهن على الجودة».

وفي السينما، حقّق خطوات مهمة في أفلام عدّة، من بينها «السادة الأفاضل»، و«برشامة»، و«إيجي بست». وفي هذا الموسم، يشارك في بطولة فيلم «خلي بالك من نفسك» مع ياسمين عبد العزيز وأحمد السقا، ويؤدّي دور طبيب نفسي تستشيره البطلة في كلّ موقف يواجهها؛ ما يثير مواقف كوميدية.

ويرى ميلاد أنّ كلّ دور يقدّمه يطرح تحدياً ورهاناً جديداً، ويضيف: «لو كسبت الرهان، فسيقودني إلى منطقة أوسع، وإذا لم أكسبه، فإن رهاني الدائم هو كيف أُسعد الجمهور، سواء في حلقة أو ضيف شرف أو في أي مشاركة. هذا هو هدفي طوال الوقت».

ورغم أن فيلم «السادة الأفاضل» لم يكن أول الأفلام التي صوّرها، فإنه كان أول أفلامه عرضاً في السينما، بينما كانت مسلسلات «النص التاني» و«6 شهور» و«أشغال شقة» من أوائل المسلسلات التي عُرضت له، كما شارك في فيلم «برشامة»، الذي حقّق نجاحاً كبيراً في شباك التذاكر، وفي رمضان الماضي شارك في عملين كوميديين هما «هي كيميا» و«فخر الدلتا».

وعمّا إذا كان يجد نفسه أكثر في الكوميديا أم التراجيديا، يردّ: «الكوميديا هي الأصعب، لكنها الأسرع في الوصول إلى قلب الجمهور والأسرع تطوّراً. ورغم أن مسلسل (ما لم يُحك عن بني مزار) بعيد تماماً عن الكوميديا، فإنه خطفني لأنّ مفهوم الإجادة ينطبق عليه؛ لذا يظلّ من الأعمال المرهقة جداً والمتعبة، لكنه أيضاً ممتع».

وفي ظلّ تعدُّد العروض والخيارات أمامه، يؤكد ميلاد أنّ السيناريو الجيّد هو ما يحسم قراره تجاه أي عمل فنّي: «لا بدّ أن نكون، قبل أي شيء، على معرفة بما نفعله وما المحتوى الذي نقدّمه للناس، وبعد ذلك يأتي أي شيء آخر».

ميشيل ميلاد مع ياسمين عبد العزيز في فيلم «خلي بالك من نفسك» (الشركة المنتجة)

وارتبط ميشيل ميلاد بالفنّ منذ طفولته، من خلال الراديو، إذ كان يستمع إلى البرنامج الثقافي الذي يعرض المسرحيات العالمية، وكذلك من خلال والده الذي كان يُجيد العزف على آلة القانون، واهتم بتنشئة أولاده على حبّ الفنّ، فعمل شقيقه الأكبر جون مغنّياً، والأوسط بيتر عازفاً على الغيتار. ويلفت ميلاد إلى أنه سيفعل ذلك مع طفلته ميليسا التي لم تتجاوز العامين.

ويعترف بفضل زملاء شاركهم أعمالهم، من بينهم أحمد أمين وهشام ماجد وأحمد مكي، ويقول عنهم: «يتعاملون مع كلّ موهبة، ويمنحونها كلّ الفرص لإظهارها بعقلية تتخطّى فكرة المنافسة إلى احتضان المواهب. كنت محظوظاً بالعمل معهم».

ويرى ميلاد، الذي بدأ مشواره ممثلاً عام 2011، أي قبل نحو 15 عاماً، وتوالت عليه الفرص مؤخراً، أن مدّة انتظاره للحصول على فرص جيدة كانت مفيدة له، إذ جعلته مستعداً طوال الوقت. ويلفت إلى أنه لو لم يكن مستعداً لدوره في مسلسل «ما لم يُحك عن بني مزار»، لما حقّق ردود الفعل الواسعة هذه، مؤكداً أنه لا يوجد وقت يذهب سدى، وأن الإنسان الذي يتعب سيُكافأ.

ويصوّر ميشيل ميلاد حالياً فيلم «سلايف النينجا»، الذي يشارك في بطولته مع منة شلبي وهنا الزاهد وخالد كمال، ومن إخراج أحمد الجندي، ومسلسل «فرصة سعيدة» مع أحمد مالك وجميلة عوض، ويطلّ في رمضان المقبل بمسلسل «فرق شاسع»، الذي يشارك في بطولته أمام مي عز الدين.