النظام يجدد «الأخد عسكر» العثماني

وسيلة جديدة للتجنيد الإجباري دفعت السوريين لتسفير وتهريب أبنائهم إلى الخارج

النظام يجدد «الأخد عسكر» العثماني
TT

النظام يجدد «الأخد عسكر» العثماني

النظام يجدد «الأخد عسكر» العثماني

«الأخد عسكر» مصطلح عاد من التاريخ العثماني في سوريا ليتجدد اليوم في الشارع السوري مفجرا مزيدا من الرعب والمخاوف، مع شن النظام السوري حملات اعتقال للشباب في سن الخدمة الإلزامية وفي مختلف المناطق، حيث يشكل سحب الشباب للخدمة الإلزامية أحد الهواجس الأكثر قلقا للشباب وذويهم، ويكاد يكون هذا الهاجس السبب الرئيس في سعي غالبية السوريين لتسفير أو تهريب أبنائهم إلى خارج البلاد بأي وسيلة كانت حتى لو كانت ركوب الموج ومواجهة الموت.
ويتذكر السوريون بمرارة قصص «الأخد عسكر» أيام الاحتلال العثماني لسوريا حين كان يساق الشبان رغما عنهم إلى الحرب، تلك القصص التي سمعوا عن مآسيها من آبائهم وسجلتها الدراما السورية «الشامية» عادت لتصبح واقعا يتجرعون مرارته يوميا، فعاد سوق الشباب بسن الخدمة الإلزامية (18 عاما) بدأ النظام مؤخرا بسحب الاحتياط ممن أدوا الخدمة سابقا، ومن دون تبليغ مسبق كما جرت العادة، خشية هروبهم إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام أو خارج البلاد.
وتتحدث مها.ك عن رؤيتها جنود النظام وهم يسوقون الشباب من شارع الثورة وسط دمشق الشهر الماضي حيث كانوا يلتقطونهم بشكل عشوائي، وبعد النظر في بطاقاتهم الشخصية يشدون قميصهم القطني من الظهر ويسدلونه على الوجه، ويقيدون أيديهم خلف الظهر ليرموا بعدها في شاحنة كما الخرفان فوق بعضهم البعض مع الضرب والرفس والشتم.
وتقول مها بأنها لم تتوقف عن البكاء ليومين بعد رؤيتها هذا المشهد، وقد أقلقها مصير أبنائها فلديها ابن شاب عمره 17 عاما وهذا العام سيقدم فحص بكالوريا وابن آخر سنة رابعة جامعة، والاثنان في سن الخدمة ولا هم لديها الآن سوى تأمين سفرهم إلى خارج البلاد بأي طريقة حتى لو اضطرت إلى بيع منزلها. أما جمال.ع فقد أنهى دراسته الجامعية وباق له شهر واحد فقط لانتهاء مدة التأجيل فإذا فشل بالحصول على تأجيل جديد لمدة عام آخر فليس أمامه خيار فإما الالتحاق بالخدمة الإلزامية أو الهروب من البلد.
إلا أن خالد.ر (20 عاما) الذي نزح مع عائلته من المليحة إلى حي الميدان وبعد أشهر من الانزواء في المنزل خشية الاعتقال والسوق إلى العسكرية، وجد أن الحل الأمثل والأفضل هو التطوع في جيش الدفاع الوطني. حيث تزامنت حملات سحب الاحتياط افتتاح مكاتب للتطويع في صفوف اللجان الشعبية والدفاع الوطني. براتب شهري يقدر بـ25 ألف ليرة سورية مع منح سلاح وبطاقة أمنية وخدمة في المدينة التي يتم التطوع فيها. ويقول خالد: «بما أني غير قادر على الهروب من البلد ولا يمكنني السير بالشارع ولا العمل فإن أفضل الحلول هو التطوع، ففي كل الأحوال أنا بحكم الميت».
وكان ناشطون في (تجمع شرق دمشق) المعارض قد وثقوا الشهر الماضي اعتقال مئات الشباب من ساحة العباسيين والسبع بحرات وشارعي بغداد والثورة وعموم مركز مدينة دمشق، كما سجلوا حملات اعتقالات قامت بها دوريات وحواجز للدفاع الوطني للشباب سواء على الحواجز أو من المنازل، مشيرين إلى حالات اعتقال شملت عددا كبيرا من عمال النظافة في حي الميدان وأحياء أخرى من جنوب دمشق، وبحسب ناشطي تجمع دمشق أن الهدف من تلك الاعتقالات استخدام في حفر الأنفاق والخنادق ورفع السواتر الترابية، إذ «لم يعد من المعتقلين سوى عامل نظافة واحد بعد ضربه والتنكيل به من قبل عناصر النظام أثناء تلك الأعمال».
وفيما يبقى الشك قائما في صحة المعلومات حول استخدام المعتقلين في حفر الأنفاق فإن المؤكد هو اتساع حملات الاعتقال لتشمل الكثير من المحافظات والمناطق الخاضعة لسيطرة النظام، مع صدور عدد من التعميمات عن سحب الاحتياط إلى صفوف قوات النظام من الشبان الذين سبق أن أدوا خدمتهم العسكرية، وتشير معلومات إلى صدور تعميم بالتعبئة العامة إلى صفوف الاحتياط لمن هم من مواليد 1984ـ 1992. مع التركيز على اختصاص المدافع الثقيلة والجويّة. في ظل شائعات عن صدور تعميم على شُعب التجنيد بعدم منح ورقة لا مانع من السفر الضرورية للحصول على جواز سفر لكل شاب مسرح منذ 12 عاما ولم يلتحق بالعسكرية بعد.
بالتوازي مع ذلك كثفّت الشرطة العسكرية حملات المداهمة بحثا عن المتخلفين عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، وكثرت أعداد الحواجز الطيارة. ففي مدينة حلب قال ناشطون بأن الأجهزة الأمنية اعتقلت خلال الأيام الماضية مئات الشبان من أحياء حلب الغربية واقتادتهم إلى الخدمة الإلزامية العسكرية عنوة، وبينهم مسرحون منذ نحو 10 سنوات، كما شملت الاعتقالات طلبة جامعات وموظفين، وجاء ذلك بعد تعميم وصل إلى شعب التجنيد في حلب أن الإدارة العامة تطلب من شعب التجنيد عدم إعطاء ورقة لا مانع، وتؤكد على السحب الاحتياطي، كما توكل لفرع الشرطة العسكرية مهمة سحب الشبان المتخلفين عن الخدمة العسكرية، واقتياد المسرحين إلى الاحتياط بقوة السلاح إن مانعوا، وشمل القرار كل سوري دون الـ30 عاما سواء كان طالبا أو موظفا أو معفى من الخدمة حسب القرارات القديمة، وسحب كل ضابط مسرح من عام 2001. بينما أفاد الأهالي أن النظام يقتاد بعض الشبان الذين يبلغون الـ40 عاما أيضا.
وفي حماه أكد ناشطون أن النظام بدأ سحب الشباب المطلوبين للتعبئة العامة في صفوف الاحتياط بالمدينة منذ نحو أسبوع، وشملت نحو 1500 شاب، بينهم 200 شاب من حي جنوب الملعب وحده، وذلك بعد تعميم على الأفرع الأمنية لإنشاء حواجز طيّارة بحثا عن المطلوبين للاحتياط، ولوحظ وجود تركيز على سحب من كان تاريخ تسريحه من الخدمة الإلزامية 2010 - 2011.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».