رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ـ السوري: الأكراد قرروا أن يتوقفوا عن كونهم جنودا لآخرين

صالح مسلم دعا في حوار مع {الشرق الأوسط} المعارضة السورية للخروج من تحت «الحكم التركي»

صالح مسلم
صالح مسلم
TT

رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ـ السوري: الأكراد قرروا أن يتوقفوا عن كونهم جنودا لآخرين

صالح مسلم
صالح مسلم

دعا رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري صالح مسلم، تركيا، إلى التخلص من «الفوبيا الكردية»، إذا ما أرادت أن تعيش بسلام مع جيرانها الأكراد والعرب. وأكد مسلم في حوار مع «الشرق الأوسط» أن الأكراد تخلوا عن فكرة الدولة الكردية، وأنهم يريدون نموذجا مشابها للنموذج الألماني، في التعامل مع أوروبا، حيث لا تتغير الحدود المرسومة، لكن مع المحافظة على الروابط القومية، مشددا على أن «الأكراد كانوا تاريخيا جنود الآخرين.. واليوم قرروا أن يتوقفوا عن ذلك».
وهاجم مسلم القيادة التركية التي اجتمع معه رئيسها رجب طيب إردوغان ليصفه في اليوم التالي بأنه «إرهابي»، منتقدا الازدواجية التركية في التعامل، ورأى أن الأتراك يقولون شيئا ويفعلون عكسه، ملمحا إلى استمرار الدعم التركي لـ«داعش» مباشرة، أو بغض الطرف عن استمرار الإمداد للتنظيم من الأراضي التركية. وطالب مسلم المعارضة السورية بالخروج من الحكم التركي، ودعا فصائلها إلى الانتقال للمناطق الكردية لممارسة عملهم بدلا من إسطنبول، مؤكدا الترحيب بأي طرف علماني، ومشددا على أن النموذج الذي رسمه الأكراد في مناطقهم يصلح لأن تكون عليه صورة سوريا المستقبلية.
وفيما يأتي نص الحوار:

* كيف هو الوضع في كوباني؟
- لا تغيير، فالوضع يراوح مكانه، حيث إن المدينة محاصَرة، وتقاوم الهجمات التي يستمر «داعش» في تنفيذها من الجهات الـ3، وسط عمليات كر وفر. هم دخلوا من الجهة الشرقية إلى حارة من حارات المدينة، كذلك من الجهة الجنوبية، ويجري التصدي لهم، لكن إمداداتهم متواصلة، وتستمر بالوصول إلى محيط المدينة، وآخرها، أمس، حيث فجر الشباب (المقاتلون الأكراد) إحداها (شاحنة)، وقتلوا سائق الثانية.
* وما أفق هذه المعركة؟
- استنزاف من قبل الطرفين، إلا إذا تغير شيء في الوضع القائم، حيث إنه ورد إلينا أخيرا معلومات عن عزمهم استعمال الأسلحة الكيماوية، عبر مدفعية «المورتر». وفي المقابل، إذا وصلت إلينا أسلحة نوعية نستطيع من خلالها ضرب الدبابات والمدرعات التي يستعملونها، قد نستطيع إحداث تغيير نوعي في أرض المعركة.
* يحاصرونكم بالدبابات؟
- نعم، لديهم دبابات ومدرعات استولوا على بعضها من الجيش النظامي (السوري)، وحصلوا على بعضها الآخر بطرق ملتوية.
* كم عددها؟
- لدينا معلومات موثقة عن وجود 40 دبابة في محيط المدينة وعدد غير محدد من عربات «الهامفي» أميركية الصنع.
* ماذا قصدت بقولك إنهم حصلوا عليها بطرق ملتوية؟
- لا أعتقد أن 2000 مقاتل يستطيعون أن يستولوا على 6 فرق (عراقية) بكل مدرعاتها وأسلحتها.
* من تتهم؟
- لا أريد أن أتهم أحدا، لكنني فقط أشير إلى الوقائع.
* ألم تغير المساعدات التي حصلتم عليها من الجو، وغارات التحالف، من موازين القوى؟
- لم تكن كافية لتغيير موازين القوى، لكنها لو استمرت لأمكن لها أن تحقق تغييرا. الغارات حتى اليوم محدودة. هم يستهدفون بعض الدبابات وعربات النقل، في مخطط مزاجي. و«داعش» أصبح لديه تكتيكات لإخفاء الأسلحة وتجنيبها الضربات. وعموما، فإن العنصر الحاسم هو العنصر الموجود على الأرض.
* ماذا عن الدور التركي؟
- لا يزال الدور التركي غامضا؛ يقولون الشيء ويفعلون عكسه، فالدلائل تقول إنهم مستمرون بدعم «داعش» وتقديم التسهيلات، عبر غض النظر عن هذه الإمدادات، إن لم نقل إنها تتم عمدا. وأمس (أول من أمس) أفدنا بأن 120 مقاتلا من التنظيم دخلوا إلى تل أبيض من سوريا، ويجري نقلهم إلى محيط كوباني.
* هل الحدود التركية مفتوحة لكم أيضا؟
- هناك مضايقات شديدة لعبور المدنيين.
* ماذا عن العسكر، قيل إن البيشمركة قادمون عبر الأراضي التركية؟
- لم يصل أحد بعد. فهذا الموضوع لا يزال قيد النقاش حول حجمها. الأتراك يحاولون جعل الموضوع مادة ابتزاز لنا. عموما، الموضوع لا يزال قيد البحث من الناحية التقنية.
* أين المشكلة؟
- في عددهم، وهذا أمر لا يزال موضع نقاش مع الإخوة في كردستان العراق. وهناك نوعية محددة من الأسلحة والعتاد لاستعمالها في بعض المجالات.
* بإدارة مَن سيقاتلون في كوباني؟
- حسبما فهمت، ستكون هناك قيادة مشتركة، وستأتي فرق إسناد من البيشمركة، وليس فرقا كاملة. والموجودون على الأرض هم من سيدير الأمور في نهاية المطاف.
* لقد خضتَ شخصيا نقاشات مع الأتراك، وذهبت أكثر من مرة إلى أنقرة.. فماذا كانت النتيجة؟
- لمست سياستهم التقليدية، فهم يقولون شيئا ويفعلون شيئا آخر. ونحن نتعامل مع هذه الحقيقة لأننا نعرفهم جيدا. طمأنّاهم عشرات المرات بأننا نفكر بوضعنا الداخلي، ولن نشكل أي تهديد لهم، لكن هذا الكلام كله لا يفيد، فهم يفعلون ما هم مقتنعون به.
* هم يقولون إنكم جزء من تنظيم «حزب العمال الكردستاني» الذي يصنفونه «إرهابيا»؟
- قلنا لهم إننا حالة منفصلة، لكنهم منفصمون، خاصة رئيس الجمهورية رجب طيب إردوغان الذي استقبلني شخصيا في منزله، ثم في اليوم التالي يتهمني بأنني إرهابي، وهذا يدل على تخبط سياساتهم. لقد أكدنا لهم مئات المرات أننا لن نشكل خطرا على تركيا، وأننا فقط ندافع عن أنفسنا. ومنذ بداية الثورة في سوريا، نحن ندافع عن أنفسنا فقط، وأتحدى أي شخص أن يثبت أننا تعرضنا لأحد في غير موقع الدفاع، ولو بطلقة واحدة، أو أننا حاولنا تخطي الحدود (التركية).
لقد قلنا لهم إن علاقاتنا الأخوية قد تصبح معها الحدود حدود محبة وأخوة. نحن جزء من أكراد سوريا، لكنهم يلصقوننا بالنظام (السوري) الذي حاربناه منذ عام 2004. أما علاقاتنا مع الأحزاب الكردية الأخرى، ومن ضمنها «ب.ك.ك» (الكردستاني)، فهي موجودة، لكن هذا لا يعني أننا لسنا حزبا سوريا، ومن يتعامل معنا فعليه أن يتعامل معنا على هذا الأساس، وهو ما قلناه للجميع، ولم نكذب على أحد يوما.
* هل يقاتل تنظيم الـ«ب.ك.ك» معكم في كوباني وغيرها؟
- كلا، هناك عناصر من كل الأحزاب. وبالأمس، استشهد رفيق من شرق كردستان، وكذلك من السليمانية. الكردي أينما كان يشعر بواجب الدفاع معنا، بحكم وجود قرابة بين العائلات الكردية تتخطى الحدود المتعارف عليها. من الطبيعي أن يأتي أناس لمساعدتنا، ونحن لا نسألهم لأي تيار أو حزب ينتمون. كل من يريد أن يدافع معنا نرحب به.
* يقاتلون تحت رايتكم؟
- نعم. وحدات الحماية الشعبية فيها اليوم مَن ليسوا من الأكراد. فيها سريان يقاتلون معنا، وإخوة عرب يدافعون معنا عن المدن.
* ألا تطمحون في كيان كردي مستقل؟
- تقليديا، الناس تحلم بذلك. لكن الآن موازين القوى تغيرت. والأتراك إذا أرادوا أن يعيشوا بسعادة واطمئنان في محيطهم وفي الشرق الأوسط عموما، فعليهم أن يتخلصوا من «الفوبيا» الكردية. والأمر لا يقتصر على الأكراد، فهم يتخوفون من كل شيء غير تركي. نحن نقول لهم: الأكراد إخوتكم، والعرب كذلك. والكردي المقموع أمر لم يعد ممكنا. هم اعترضوا على أكراد الداخل (التركي)، ورأينا ما حصل بسبب هذا الموقف. ونحن نقول لهم أن يتعاملوا مع الأكراد في تركيا بطريقتهم الخاصة، لكن معنا يجب أن يتعاملوا بطريقة مختلفة.
* ماذا قصدت بتغيير الموازين؟
- نحن الأكراد نطمح اليوم في الوضع الألماني ضمن الاتحاد الأوروبي. وهذا الوضع يمكن أن يكون نموذجا جيدا بالنسبة للأكراد، من دون تغيير في الحدود.
* ماذا عن علاقتكم بالنظام؟
- مع الأسف، لا يوجد أي اتصال. هناك أكاذيب؛ وزير (الإعلام السوري) يقول إن النظام يرسل إلينا المساعدات، لكن هذا لا يحصل. نحن نتمنى لو يرسل إلينا النظام مساعدات، فنحن نشحد السلاح والمساعدات. أما فيما يخص العلاقات، فهي غير موجودة إطلاقا، لأنه منذ عام 2004 ونحن في حال مواجهة مع هذا النظام، وهذا يعود إلى ما قبل الثورة السورية بكثير. هناك شائعات ودعايات عن وجود تعاون مع النظام، وهذا أمر مدروس ومقصود من قبل بعض الأطراف التي تريد أن تشوه حراكنا. وهذا أمر تعامل معنا الائتلاف (السوري المعارض) على أساسه، وهو ما أضر كثيرا بالائتلاف.
* لكن النظام انسحب من مناطقكم من دون معارك، فكيف تفسرون ذلك؟
- الأمر غير صحيح وغير وارد. النظام حاول خلال الانتخابات الرئاسية وضع صناديق اقتراع في مناطقنا، ولم ينجح، رغم أن الأمر كان مسألة حيوية ومصيرية له. مقاومتنا أخرجت النظام من مناطقنا. النظام انسحب من المناطق الساخنة، وأي عاقل كان ليفعل ذلك. فهو لم يكن يريد أن يفتح جبهة ثانية مع الأكراد، وهو يعرف تماما مدى شراستهم في الدفاع عن أنفسهم، ومدى توحدهم. الأكراد كانوا لزمن طويل، وعبر التاريخ، جنودا للآخرين، وفي القرن الـ21 قررنا أن لا نكون جنود أحد إلا أنفسنا.
* ما طموحكم في سوريا؟
- ما نسعى إليه هو سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية. وما أسسناه في مناطقنا خلال السنوات الماضية جزء من سوريا المستقبل، ويمكن الاقتداء به في كل المناطق. وهذا لا بد أن يكون شكل الحل النهائي في سوريا، ونحن مستعدون لأي تعاون. أما أن يأتينا من يضع نفسه ضمن تيار سلفي جهادي، ومن يريد أن يعيد عصر الفتوحات، فهذا ما لن نقبل به.
* كيف هي علاقتكم مع المعارضة السورية؟
- هناك تواصل كبير، خاصة على أرض الواقع. هناك فصائل من الجيش الحر تتعاون معنا في كوباني وغيرها. ونحن نرحب بأي تعاون، وبأي شيء علماني. لكن مع الأسف فإن المعارضة السورية يجب أن تخرج في البداية من الحكم التركي، ونحن نرحب بها في مناطقنا. فيمكنهم أن يجتمعوا في المناطق الكردية بدلا من أن يجتمعوا في إسطنبول.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».