أطلق «الحرس الثوري» الإيراني عشرات الصواريخ أرض - أرض الباليستية على قاعدتين لقوات تقودها الولايات المتحدة في العراق أمس، رداً على ضربة أميركية قضت على الرجل الأول في تنفيذ العمليات العسكرية والمخابراتية الإيرانية، قاسم سليماني؛ ما عمّق المخاوف من نشوب حرب جدية في الشرق الأوسط، رغم أنها لم تسجل أي خسائر في القوات الأميركية.
وأعلن «الحرس الثوري»، الموازي لـ«الجيش» الإيراني، في بيان رسمي، أمس، أن وحدته الصاروخية، نفذت «الوعد بالثأر الصعب» لمقتل سليماني بإطلاق عشرات صواريخ على قاعدة عين الأسد، أكبر قاعدة جوية عراقية تستخدمها القوات الأميركية في العراق، وذلك في عملية حملت اسم سليماني رمزياً، قبل أن تكمل مراسم دفنه بعد ساعتين على الهجوم.
وعادت وسائل الإعلام الإيرانية بعد ساعة ونصف الساعة على الهجوم الأول لتعلن أن «الحرس الثوري»، أطلق موجة ثانية من الهجمات الصاروخية، واستهدفت قاعدة الحرير، بالقرب من أربيل مركز إقليم كردستان.
وبث التلفزيون الرسمي، مباشرة أولى لحظات إطلاق صواريخ متوسطة المدى من طراز قيام مداه 750 كلم وذو الفقار الذي يتراوح مداه بين 700 و750 كلم. وفي الوقت نفسه، أشارت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس» إلى استخدام صاروخ فاتح 313 البالغ مداه 500 كلم. وذكرت وكالة «تسنيم» الناطقة باسم جهاز استخبارات «الحرس»، أن الصواريخ أطلقت من قاعدة كرمانشاه. وقالت في تقريرها الرئيسي: «استهدفنا العاصمة الأميركية في العراق».
قال التلفزيون الرسمي نقلاً عن «مصدر مطلع» في «الحرس»، إن إيران أطلقت 15 صاروخاً باليستياً من أراضيها على أهداف أميركية في العراق. مضيفاً أن 80 «إرهابياً أميركياً» قتلوا ولحقت أضرار بطائرات هليكوبتر ومعدات عسكرية أميركية. ولم يورد دليلاً على مصدر معلوماته.
ونفت الولايات المتحدة وقوع إصابات. وقال جوناثان هوفمان، المتحدث باسم البنتاغون «في إطار تقييمنا للموقف ولردنا، سنتخذ كل الإجراءات الضرورية لحماية أفراد القوات الأميركية وشركائنا وحلفائنا في المنطقة». وقالت ألمانيا والدنمرك والنرويج وبولندا وايطاليا والنروج، بأنه لا إصابات وقعت بين قواتها في العراق.
ونقلت وكالة «تسنيم» عن نائب قائد عمليات الحرس، عباس نيلفروش، أن قواته اتخذت قراراً لـ«عطل» القاعدة التي وصفها بـ«غرفة عمليات إصدار القرار (مقتل سليماني) ومركز قيادة عمليات الاستكبار في المنطقة». لكنه أشار إلى الجاهزية التامة للقوات الأميركية لحظة الهجوم. ومع ذلك، قال إن ذلك «لم يؤدِ إلى تحريف مسار سقوط الصواريخ الباليستية»، مشدداً على أنها «أصابت أهدافها بدقة».
ووجّه «الحرس الثوري» في بيان رسمي أربع رسائل تحذير، أولاها إلى الولايات المتحدة التي سماها «الشيطان الأكبر»، من أن «أي خطوة ستواجه رداً أكثر إيلاماً وقسوة». أما الرسالة الثانية، فكانت لـ«الدول التي تستضيف قواعد أميركية»، ومفادها أنها «ستُستهدف إذا ما كانت منطلقاً للخطوات المعادية أو لاعتداءات». وخص إسرائيل بالرسالة الثالثة التي شدد فيها على أنه «لا يعتبر إسرائيل منفصلة» عن استهداف سليماني. ونقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية بعد البيان، عن مصادر لم تسمها أن «أي رد أميركي على هجوم عين الأسد سيقابل بهجوم صاروخي على إسرائيل».
أما الأخيرة، فوجهها إلى الشعب الأميركي «لمنع المزيد من الخسائر في صفوف الجنود الأميركيين باستدعائهم من المنطقة»، مطالباً الأميركيين بـ«ألا يسمحوا للنظام الحاكم بقبض مزيد من أرواح الجنود».
وقال نائب قائد فرقة «ثأر الله»، في «الحرس الثوري» المسؤولة عن حماية طهران، إسماعيل كوثري، إن الهجوم الصاروخي على قاعدة عين الأسد في الأنبار فجر اليوم (أمس) «خطوة أولى»، مشدداً على أن قواته «لن تترك الأميركيين». وأضاف لوكالة «مهر» الحكومية «على الأميركيين أن يعلموا أن عليهم مغادرة المنطقة». كما دعا المسؤولين الأميركيين إلى «التصدي لترمب»، وطالب بالضغط على الرئيس الأميركي «لوقف خطواته الشريرة، وإلا ستتضرر قواتكم في المنطقة، وأقل خطوة سيقابلها رد».
ونقل التلفزيون الإيراني عن مسؤول بمكتب خامنئي قوله، إن الهجمات الصاروخية هي السيناريو «الأضعف» ضمن الكثير من السيناريوهات. وأفاد «موقع نور نيوز»، الناطق باسم مجلس الأمن القومي الإيراني، بأن «كل مدن (مخابئ) الصواريخ الإيرانية تحت الأرض في حالة تأهب بنسبة 100 في المائة لاستهداف أهداف محددة سلفاً». ونقل الموقع عن مصدر مسؤول لم يسمه، أن «أي خطوة غير حكيمة رداً على الهجوم الانتقامي ستواجه بهجمات قاسية ضد جميع الأهداف المحددة».
وعلى غرار تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعَلم بلاده بعد قتل سليماني، غرّد ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي في مجلس الأمن القومي سعيد جليلي بعَلم إيران بعد الهجمات الصاروخية. وبعد ساعة من الهجوم الصاروخي الإيراني عرض التلفزيون الحكومي لقطات لدفن سليماني، حيث بدأ مئات الأشخاص يكبّرون عندما تم الإعلان عن الضربات عبر مكبرات الصوت. وقال التلفزيون «أخذنا بثأره».
وقضى نحو 59 شخصاً في حادث تدافع أول من أمس أثناء مرور نعش سليماني بوسط مدينة كرمان مسقط رأسه في جنوب شرقي إيران.
في بغداد، قالت قيادة العمليات المشتركة العراقية، أمس في بيان، إن 22 صاروخاً سقطت في خلال نصف ساعة على قاعدتي عين الأسد في غرب العراق، وأربيل في الشمال. وقالت وكالة الصحافة الفرنسية، إن البيان نشر بعد نحو سبع ساعات من الهجوم ولم يشر إلى إيران. وأشار إلى أن القصف نفذ في التوقيت ذاته الذي اغتيل فيه سليماني قرب مطار بغداد الجمعة، واستمر «من الساعة 01.45 (22.45 ت غ) إلى الساعة 02.15 (23.15 ت غ)».
وسبق إطلاق الصواريخ، خطاب سنوي للمرشد الإيراني علي خامنئي أمام أنصار بمدينة قم، معقل المحافظين في إيران. واعتبر خامنئي الهجوم بأنه «صفعة على وجه» الولايات المتحدة التي وصفها بـ«الكاذبة وغير المنصفة»، وإنه ينبغي لها سحب قواتها من المنطقة. وكان يخاطب حشداً يردد «الموت لأميركا» بحسب وكالة «رويترز».
واستبعد خامنئي استئناف المحادثات مع واشنطن في عبارة بدا منها أنها موجهة للداخل الإيراني. وقال إن «التراجع أمام الولايات المتحدة خطأ فادح». وكان خامنئي يخاطب من قال في وصفهم «البعض (الذي) يعتقد تراجعنا خطوة سيؤدي إلى توقف أميركا عن العداء». وبوضوح أكبر وصف مطالب التفاوض بـ«غير مقبولة».
وبعد ذم التفاوض، انتقل خامنئي للإشادة بقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني الذي يعد أبرز الخسائر العسكرية الإيرانية على مدى أربعين عاماً. وعاد مرة أخرى لمخاطبة «البعض» قائلاً إنهم «حاولوا أن يظهروا نهاية الثورة في إيران، لكن سليماني أزاح الغشاوة من العيون».
وقال خامنئي «مثل هذا العمل العسكري لا يكفي. المهم هو إنهاء الوجود الأميركي المفسد في المنطقة». وقال: «هذه المنطقة لن تقبل وجود أميركا». واتهم الولايات المتحدة بأنها «جلبت الفتن والدمار إلى المنطقة وتصر على تنفيذ الفساد والدمار بشأن إيران».
في الأثناء، هدد الرئيس الإيراني حسن روحاني الأميركيين بقطع قدمهم عن المنطقة، وصرح خلال اجتماع الحكومة بأن إيران «أثبتت بوضوح أنها لا تتقهقر أمام أميركا». وقال: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن ترتكب جريمة أخرى، عليها أن تعلم أنها ستلقى رداً أكثر حزماً»، مضيفاً في كلمة لمجلس الوزراء «لكن إذا كانوا عقلاء، لن يفعلوا أي شيء آخر في هذه المرحلة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.
وأضاف روحاني «إذا قاموا بخطوة إضافية، فإن شعبنا وقوانا المسلحة جاهزة» للرد. لكنه اعتبر أن «كل ذلك ليس كافياً»، متابعاً «من وجهة نظري أن الرد الأساسي على أميركا يجب أن تقوم به أمم المنطقة». وقال أيضاً «لقد قطعوا يد عزيزنا سليماني (...) ينبغي الثأر له عبر قطع الطريق أمام أميركا في هذه المنطقة»، في تكرار للخطاب الإيراني الرسمي لجهة أن مقتل سليماني يجب أن يكون فاتحة لطرد القوات الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط. وأضاف روحاني «إذا قطعت الطريق أمام أميركا في هذه المنطقة، وإذا قطعت يدها (الشريرة) في شكل نهائي، (فإن ذلك يعني) رداً فعلياً ونهائياً لأمم المنطقة على أميركا».
بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، إن بلاده اتخذت «إجراءات محسوبة» في إطار الدفاع عن النفس ولم تحاول تصعيد المواجهة. ويبدو أن الخطوة التالية ستقوم بها واشنطن. وقال إن الضربات «أكملت» رد إيران على مقتل سليماني. وأضاف على «تويتر»: «لا نسعى إلى التصعيد أو الحرب، لكن سندافع عن أنفسنا في وجه أي عدوان».
وأفادت وكالة «رويترز» نقلاً عن مصادر حكومية أميركية وأوروبية مطلعة على تقديرات المخابرات، بأن من المعتقد أن إيران سعت عمداً إلى تجنب وقوع أي خسائر في صفوف الجنود الأميركيين.
وأضافت المصادر، أن من المعتقد أن الإيرانيين تعمدوا أن تخطئ الهجمات القوات الأميركية للحيلولة دون خروج الأزمة عن نطاق السيطرة مع توجيه رسالة عن قوة العزم لدى إيران. وقال مصدر في واشنطن خلال الليل، إن الدلائل الأولية تشير إلى عدم سقوط قتلى في صفوف الأميركيين بعد الضربات التي تعرضت لها قاعدة عين الأسد الجوية وقاعدة أخرى في أربيل.
وقالت ثلاثة مصادر، إنه يُعتقد أن إيران حاولت ضرب أجزاء معينة بالقاعدتين لتقليل الخسائر البشرية إلى أدنى حد، ولتفادي قتل
أميركيين على وجه الخصوص. وأضافوا، أن التقدير تضمن بعض معلومات المخابرات من داخل إيران تؤكد طبيعة خطة الهجوم.
وقال مصدر أميركي «أرادوا الرد مع عدم التصعيد بشكل يقترب من اليقين».
