صواريخ إيران تعمّق الانقسامات الداخلية في العراق

إدانة سنيّة ـ كردية لـ«انتهاك السيادة» وصمت شيعي... وفصائل مسلحة تهدد بالانتقام لمقتل المهندس والصدر يعتبر أن الأزمة انتهت

صورة عبر الأقمار الصناعية من معهد «ميدلبوري للدراسات الدولية» و«بلانيت لابس إنك» تُظهر آثار الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة «عين الأسد» في الأنبار غرب العراق (أ.ب)
صورة عبر الأقمار الصناعية من معهد «ميدلبوري للدراسات الدولية» و«بلانيت لابس إنك» تُظهر آثار الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة «عين الأسد» في الأنبار غرب العراق (أ.ب)
TT

صواريخ إيران تعمّق الانقسامات الداخلية في العراق

صورة عبر الأقمار الصناعية من معهد «ميدلبوري للدراسات الدولية» و«بلانيت لابس إنك» تُظهر آثار الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة «عين الأسد» في الأنبار غرب العراق (أ.ب)
صورة عبر الأقمار الصناعية من معهد «ميدلبوري للدراسات الدولية» و«بلانيت لابس إنك» تُظهر آثار الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة «عين الأسد» في الأنبار غرب العراق (أ.ب)

سلّط القصف الصاروخي الإيراني الذي استهدف، ليلة الثلاثاء - الأربعاء، قاعدتين عسكريتين يتمركز فيهما جنود أميركيون في العراق، في إطار «الثأر» لمقتل قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الجنرال قاسم سليماني، الضوء على الانقسامات العراقية - العراقية. ففي حين سُجّل صمت شيعي إزاء ما قامت به طهران، صدرت إدانات سنيّة وكردية لـ«انتهاك» الإيرانيين سيادة العراق، بينما حذّرت فصائل شيعية مسلحة من أن دورها قد جاء الآن للانتقام من الأميركيين لقتلهم نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، في العملية ذاتها التي استهدفت قاسم سليماني، فجر يوم الجمعة الماضي.
وأعلنت الحكومة العراقية، أمس، أن إيران أبلغتها بقرارها شن هجوم صاروخي (باليستي) على قاعدتي «عين الأسد» بالأنبار غرب العراق و«حرير» بإقليم كردستان، اللتين يوجَد فيهما أميركيون. وقال الناطق العسكري باسم رئيس الوزراء اللواء الركن عبد الكريم خلف إن «العراق يرفض أي انتهاك لسيادته والاعتداء على أراضيه»، مضيفاً أن «الحكومة مستمرة بمحاولاتها الجاهدة لمنع التصعيد واحترام الجميع لسيادة العراق وعدم التجاوز عليها وعدم تعريض أبنائه للخطر». ودعا «الجميع إلى ضبط النفس وتغليب لغة العقل والتقيد بالمواثيق الدولية واحترام الدولة العراقية وقرارات حكومتها ومساعدتها على احتواء وتجاوز هذه الأزمة الخطيرة التي تهددها والمنطقة والعالم بحرب مدمرة شاملة».
وأدان رئيس الجمهورية برهم صالح «انتهاك» السيادة العراقية، وقال في بيان إن رئاسة الجمهورية «تجدد رفضها الخرق المتكرر للسيادة الوطنية وتحويل العراق إلى ساحة حرب للأطراف المتنازعة».
كذلك أدان رئيس البرلمان محمد الحلبوسي انتهاك سيادة العراق بسبب الضربة الإيرانية، داعياً الحكومة العراقية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ السيادة العراقية من الانتهاكات الحاصلة، وإبعاد البلاد عن دائرة الصراع. وقال الحلبوسي، في بيان صحافي نقلته وكالة الأنباء الألمانية: «في الوقت الذي ندين فيه الانتهاك الإيراني للسيادة العراقية فجراً، نؤكد رفضنا القاطع لمحاولة الأطراف المتنازعة استخدام الساحة العراقية في تصفية الحسابات». وأضاف: «في هذا الظرف العصيب، نجدد دعوتنا إلى الحكومة العراقية لاتخاذ الإجراءات والتدابير السياسية والقانونية والأمنية اللازمة لإيقاف مثل هذه الاعتداءات، والعمل على حفظ السيادة العراقية من الانتهاكات، وإبعاد العراق عن الصراع الدائر، وأن لا يكون ساحة للتصفيات والاقتتال، أو طرفاً في أي صراع إقليمي أو دولي».
كما دعا «جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتغليب الحكمة»، مؤكداً أهمية «وحدة الموقف الوطني وتضامن القوى والفعاليات الوطنية، لمواجهة التحديات وحفظ استقرار البلد وأمنه ومصالحه، وتجنيب شعبنا ويلات الحروب».
في المقابل، التزم رئيس حكومة تصريف الأعمال عادل عبد المهدي وعدد من القيادات السياسية الشيعية البارزة الصمت حيال القصف الإيراني، بينما عدّت القوى والفصائل المسلحة، القريبة من إيران، أن الردّ العراقي على مقتل نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس قد حان عراقياً، بعدما أخذت إيران بـ«الثأر» لسليماني.
وفي موقف لافت، أفادت وكالة «رويترز»، مساء أمس، بأن رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر قال إن الأزمة التي عانى منها العراق قد انتهت، وذلك في أعقاب تصريحات صادرة عن إيران والولايات المتحدة والتي تنم عن عدم وجود نية للتصعيد، ودعا الفصائل العراقية المسلحة إلى عدم تنفيذ هجمات.
ودعا الصدر في بيان إلى وجوب تشكيل حكومة عراقية قوية قادرة على حماية سيادة واستقلال العراق خلال الخمسة عشر يوماً المقبلة وإجراء انتخابات مبكرة، مضيفاً أن العراقيين ما زالوا يسعون إلى إنهاء الوجود الأجنبي بالبلاد.
وقال الصدر: «أدعو الفصائل العراقية إلى التأني والصبر وعدم البدء بالعمل العسكري وإسكات صوت التشدد من بعض غير المنضبطين إلى حين استنفاد جميع الطرق السياسية والبرلمانية والدولية».
وفي أربيل، أعلن إقليم كردستان رفضه للعملية الإيرانية، ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إلى ضرورة ضبط النفس واحترام خصوصية إقليم كردستان، وإبعاده عن الصراعات الجانبية.
وعقدت رئاسات إقليم كردستان العراق، أمس، اجتماعاً طارئاً على خلفية إطلاق إيران صاروخين على القاعدة الأميركية في أربيل. وجاء في بيان صادر عن الاجتماع أنه «بحث بشكل مفصّل الأحداث الأخيرة في العراق وموقف الإقليم منها، حيث أعربت الرئاسات الثلاث عن أسفها الشديد للأحداث التي شهدها العراق والمنطقة، في وقت لا يزال خطر الإرهاب قائماً على الإقليم والعراق والمنطقة». وفيما يتعلق بالقصف الإيراني للقواعد الأميركية، أكد البيان الذي أوردته وكالة الأنباء الألمانية أن «الخيار العسكري لا يحل المشكلات بأي شكل من الأشكال»، مشيراً إلى أن الإقليم مع تهدئة الأوضاع والحوار واللجوء إلى الطرق الدبلوماسية، داعياً جميع الأطراف إلى إبعاد إقليم كردستان عن الخلافات والصراعات.
وأشار إلى أن إقليم كردستان يعتبر دعم التحالف الدولي للإقليم والعراق في مواجهة الإرهاب أمراً مهماً، لا سيما أن الأشهر الماضية شهدت تحركات للإرهابيين، داعياً المجتمع الدولي إلى «عدم ترك المجال للإرهاب للعودة مجدداً».
إلى ذلك، وفي ظل أجواء انقسام حاد في المواقف الداخلية بين الكتل السياسية، أعلنت وزارة الخارجية العراقية أن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو سيصل إلى بغداد، اليوم (الخميس)، من أجل البحث عن حلول لتطويق الأزمة. وقالت الوزارة، في بيان مقتضب، إن وزيري الخارجية العراقي محمد علي الحكيم ونظيره التركي جاويش أوغلو سيعقدان، اليوم (الخميس)، مؤتمراً صحافياً في بغداد.
وفي ردود الفعل الأخرى، اعتبرت «جبهة الإنقاذ» التي يتزعمها أسامة النجيفي أن «السيادة العراقية أصبحت محل شك»، في حين أعلن زعيم «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، أن الرد العراقي على مقتل أبو مهدي المهندس لن يقل عن الرد الإيراني على مقتل قاسم سليماني. ونشر المكتب الإعلامي للخزعلي تغريدة قال فيها: «الرد الإيراني الأول على مقتل القائد سليماني، حصل. الآن وقت الرد العراقي الأولي على مقتل القائد المهندس». بدوره، شكر المتحدث باسم «حركة النجباء»، نصر الشمري، إيران «على مساعدتها العراق باستعادة سيادته وهيبته، عندما استهدفت قواعد قوات الشرّ الأميركية»، على حد قوله. وحذّر الشمري الجنود الأميركيين قائلاً: «لا تغمضوا أعينكم، فإن ثأر أبي مهدي المهندس قادم لا محالة وبأيدٍ عراقية، حتى يتم إخراج آخر جندي منكم».
ولوحظ أن «ائتلاف النصر»، برئاسة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، أدان «الانتهاك الإيراني» للسيادة العراقية. وقال بيان لـ«النصر» أمس: «سبق وأن أدنّا بتاريخ 3/ 1/ 2020 و29/ 12/ 2019 الانتهاكات الأميركية للسيادة العراقية، واليوم ندين الانتهاك الإيراني للسيادة العراقية». وأضاف: «لسنا أعداء لأحد، ونطلب الصداقة والتعاون مع جميع دول العالم على قاعدة المصالح المشتركة». وتابع: «إننا نؤكد رفضنا لأي صراعات أو تصفية حسابات إقليمية دولية على حساب الدم والأرض والسيادة العراقية، وعلى الشعب والرئاسات الثلاث والقوى الوطنية حفظ وحدة العراق واستقراره ومصالحه». ودعا إلى «الوحدة والتضامن الوطني، وأن نجعل مصالح العراق وسلامة شعبه خطاً أحمر في سياساتنا».
من جهته، دعا «تحالف القوى العراقية» الذي يمثّل غالبية النواب السنّة إلى عقد جلسة استثنائية للبرلمان، لمناقشة خرق سيادة العراق. وقال عضو البرلمان عن التحالف رعد الدهلكي، في بيان، إن «على مجلس النواب عقد جلسة استثنائية لمناقشة الاعتداء والخرق الإيراني لسيادة العراق واستهدافه بصواريخ عمياء سقط أحدها على مناطق مدنية»، محملاً «الجهات التي طبّلت مع إيران وشجعتها على إضعاف سيادة العراق، المسؤولية الكاملة عن سلامة وحياة أي مدني عراقي جراء تلك التصعيد غير المسؤول من إيران». وأضاف أن «حكماء العراق طالما أكدوا على خطورة زج العراق بسياسة المحاور والتخندقات المذهبية إقليمياً، لكن، وكما يبدو، فإن أذرع إيران بالعراق لا تريد إلا الدمار للعراق لإنجاح المشروع الفارسي في تصدير الثورة على جثث العراقيين ودمائهم، من خلال التصعيد والتهديد الذي كانت نتيجته تمادي إيران بالاستهتار وإطلاق صواريخ عمياء على الأراضي العراقية دون أدنى احترام للمواثيق الدولية». وشدد على أن «الحكومة ورئيسها ووزارة خارجيتها مثلما تسابقوا على إصدار البيانات المنددة بالقصف الأميركي، وتسارعوا للمطالبة بموقف برلماني، فاليوم نريد أن نسمع صوتهم بعد العدوان الإيراني». وأكد الدهلكي «أهمية أن يكون للبرلمان موقف جاد وحقيقي لإبعاد العراق عن هذه المعادلة المخجلة، في زج العراق وشعبه بمعركة سيكون الخاسر الوحيد فيها الشعب العراقي».
وفي هذا السياق، قال عبد الله الخربيط، عضو البرلمان العراقي عن محافظة الأنبار التي تقع فيها قاعدة «عين الأسد»، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»، إن «إيران ارتكبت في هذه العملية حماقة كبرى بضرب قاعدة عين الأسد، لأن مَن زلزل الأرض تحت أقدام إيران والموالين لها في العراق لم يأت من الأنبار ولا من عين الأسد، بل جاء من قبل أبناء شيعة الوسط والجنوب الذين انتفضوا على كل السياسات الخاطئة دون أن يكون لأحد من خارجهم فضل عليهم». وأضاف الخربيط أن «السنّة سواء كانوا قادة أو جماهير لم يكن لهم دور في الانتفاضة الشعبية المستمرة حالياً، التي رفضت أي وجود أجنبي في البلاد أياً كان، ومِن ضمنه الوجود الإيراني، وهو الأمر الذي أدى إلى كل ردّات الفعل ضد المتظاهرين من قبل الأطراف المؤيدة لإيران في العراق». وأكد الخربيط أن «إيران ضربت الأنبار وأربيل بعد أن لعقت جراحها، نتيجة ما حصل لها عبر المتظاهرين الذين وقفوا ضد مشروعها في العراق».
من جهته، أكد الدكتور خالد عبد الإله، عميد كلية العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن القصف الإيراني لقاعدتي عين الأسد في الأنبار وحرير في أربيل «حمل رسائل عديدة للداخل والخارج معاً»، معتبراً أن من بينها رسائل موجّهة للسنّة والأكراد الذين تحتضن أراضيهم القواعد الأميركية «حيث أرادت هذه الرسائل أن تقول لهم إن أراضيكم لم تعد آمنة».
وأضاف عبد الإله أن «إيران أرسلت عبر هذه الصواريخ رسائل للأميركان بشأن قدرتها على الرد في الوقت المناسب وبطريقة ترى فيها أنها ذات تأثير على الأميركيين، فضلاً عن رسالة إلى المجتمع الدولي، خصوصاً أن وزير خارجية إيران، جواد ظريف، أعلن أن كل شيء قد انتهى، وهو ما يعني أن إيران مستعدة للجلوس حول طاولة المفاوضات».



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.