العالم العربي يدخل مرحلة الجيل الخامس للاتصالات

«الشرق الأوسط» تختبر أول موجّه متعدد الأنماط لشبكاته

تعتبر شريحة «بالونغ 5000» المدمجة أول شريحة متعددة الأنماط لشبكات الجيل الخامس في العالم
تعتبر شريحة «بالونغ 5000» المدمجة أول شريحة متعددة الأنماط لشبكات الجيل الخامس في العالم
TT

العالم العربي يدخل مرحلة الجيل الخامس للاتصالات

تعتبر شريحة «بالونغ 5000» المدمجة أول شريحة متعددة الأنماط لشبكات الجيل الخامس في العالم
تعتبر شريحة «بالونغ 5000» المدمجة أول شريحة متعددة الأنماط لشبكات الجيل الخامس في العالم

ما رأيك بالحصول على اتصال بالإنترنت أسرع بنحو 20 ضعفا مقارنة بشبكات الجيل الرابع للاتصالات، وفي دولة عربية؟ أصبح بالإمكان الآن تقديم اتصال لا سلكي بالإنترنت يفوق سرعات الألياف الضوئية، من أي مكان توجد به تغطية لأبراج الجيل الخامس، وبأسعار مناسبة.
هذا الأمر أصبح ممكنا من خلال موجه «هواوي 5 جي سي بي إي» HUAWEI 5G CPE الصغير الذي يمكن حمله وتشغيله من أي مكان يحتوي على منفذ للكهرباء. واختبرت «الشرق الأوسط» هذا الموجه عبر إحدى شركات الاتصالات التي تدعم شبكات الجيل الخامس في السعودية، ونذكر ملخص التجربة.

- تصميم أنيق
أول ما سيلاحظه المستخدم هو جمال وبساطة تصميم الموجه، وخصوصا أنه لا يستخدم أي هوائيات ظاهرة، ولونه لؤلؤي ولا يحتوي على أطراف حادة، بل منحنية تتناسب مع جميع الغرف التي يوضع فيها. ويبلغ ارتفاع الموجه نحو 21 سنتيمترا، وطوله وعرضه 10 سنتيمترات في كل جهة، ويبلغ وزنه 700 غرام فقط. وسيلاحظ المستخدم أيضا أن الجهة العلوية من الموجه أضيق من السفلى، وذلك بهدف رفع كفاءة تبديد الطاقة التي ستنجم عن نقل البيانات بالسرعات الكبيرة لعدة أجهزة متصلة في الوقت نفسه.
وتعرض الجهة الأمامية من الموجه حالة شبكة الجيلين الرابع والخامس، وحالة شبكة «واي فاي» التي يقدمها الموجه في المنزل، إلى جانب شعار الموجه الذي يمكن الضغط عليه لتفعيل ميزة الترابط الآلي بينه وبين أي جهاز يدعم هذه الميزة. ويمكن تشغيل الموجه عبر زر موجود في الجهة الخلفية منه، مع تقديم منفذ للشبكات السلكية في المنطقة الخلفية أيضا، ومأخذ محول الكهرباء، ومنفذين لهوائيات خارجية إضافية في حال رغب المستخدم برفع مدى تغطية شبكة «واي فاي» المنزلية أكثر. وتقدم الجهة السفلية من الموجه منفذا لشريحة اتصالات الجيل الخامس بمقاس «نانو سيم» Nano SIM.

- معالج متخصص
ويستخدم الموجه شريحة «بالونغ 5000» Balong 5000 التي تمت صناعتها بدقة 7 نانومتر، والتي تعتبر أول شريحة متعددة الأنماط لشبكات الجيل الخامس في العالم، حيث تدعم نمطي Standalone SA وNon - Standalone NSA للاتصال بالشبكات، وهي آلية بالغة الأهمية في بداية انطلاق شبكات الجيل الخامس حول العالم. وتستطيع هذه الشريحة مع دعم شبكات «واي فاي» المدمجة ومقويات الإشارة الأربع تقديم مدى لا سلكي أكبر بنحو 30 في المائة مقارنة بالأجهزة الأخرى، وفي جميع الزوايا.
ويدعم الموجه ربط الأجهزة المختلفة بشبكات «واي فاي» بتقنيات a وb وg وn وac وax بترددي 2، 4 و5 غيغاهرتز، أو سلكيا عند الرغبة، وسينتقل إلى استخدام شبكات الجيل الرابع في حال عدم توافر تغطية لشبكات الجيل الخامس في أي وقت، ودون أن يلاحظ المستخدم أي انقطاع اتصال خلال عملية الانتقال هذه.
إعداد الموجه كان بسيطا، حيث يكفي إدخال الشريحة في الموجه ووصله بالكهرباء وتشغيله، ومن ثم إدخال كلمة السر الخاصة بشبكة «واي فاي» القياسية الموجودة على ملصق في الجهة السفلية للدخول إلى عالم شبكات الجيل الخامس. وإن رغب المستخدم بتخصيص إعدادات الموجه، فيمكن القيام بذلك من خلال تحميل تطبيق خاص اسمه AI Life يتصل بالموجه عبر شبكة «واي فاي» ويعرض الإعدادات أمام المستخدم التي تشميل تغيير اسم الشبكة وكلمة السر، وإعداد شبكة خاصة للضيوف، واختيار أفضل بقعة في المنزل أو المكتب من حيث جودة الاتصال، وعرض سرعة التحميل والاتصال، والكثير غيرها من الإعدادات الأخرى المفيدة.
أحرف CPE في اسم الموجه لا ترمز لتقنية محددة، بل للفئة المستهدفة، حيث إنها ترمز إلى Customer Premise Equipment، أي أجهزة توضع بالقرب من المستخدم، وذلك للدلالة على صغر حجمها وسهولة حملها.

- تجربة الاتصال
ووفقا للأرقام النظرية، يستطيع الموجه تقديم سرعات تحميل قصوى تصل إلى 1.65 غيغابت في الثانية (نحو 211 ميغابايت في الثانية، ذلك أن الميغابايت الواحد يعادل 8 ميغابت).
وتعتمد هذه السرعات على التقنيات المستخدمة في برج الاتصال القريب من المستخدم، والمسافة بين المستخدم والبرج، وكمية ونوعية العوائق الموجودة، إلى جانب عدد المستخدمين المتصلين بالبرج في ذلك الوقت.
ولدى تجربة سرعة التحمل والرفع لدى واحد من مشغلي شبكات الاتصالات في السعودية يدعي بأن الحي الذي تمت به التجربة مغطى بالكامل، كانت السرعات تتراوح بين 1 و900 ميغابت في الثانية للتحميل (بين 0.1 و112.5 ميغابايت في الثانية)، و60 ميغابت في الثانية للرفع (نحو 7.5 ميغابايت في الثانية)، علما بأن السرعات كانت متقلبة جدا، حيث كانت تنخفض إلى أقل من 1 ميغابت في الثانية للتحميل في بعض الأحيان، وتقفز إلى 100 ميغابت في أحيان أخرى، بينما كانت سرعة رفع البيانات تتوقف بالكامل، رغم تغيير موقع الموجه داخل مكان التجربة، وتغيير الحي، وتغيير الهواتف وترددات شبكات «واي فاي» (2.4 و5 غيغاهرتز). وتمت تجربة السرعات في حي آخر وكانت أكثر ثباتا، الأمر الذي يدل على أن تغطية شبكات الجيل الخامس لم تكن صحيحة في الحي الأول، رغم أن خريطة التغطية للحي في موقع الإنترنت الخاص بشركة الاتصالات تؤكد بأن التغطية يجب أن تكون مثالية في ذلك الحي، ولكن التجربة برهنت عكس ذلك، وبشكل مستمر. ويدل هذا الأمر على أنه يجب على شركات الاتصالات المحلية إعداد أبراجها بشكل أفضل مما هي عليه حاليا، وذلك بهدف تقديم خدمة ذات جودة عالية للمشتركين، وبشكل متواصل.
ولدى الحصول على اتصال سريع، كان يمكن تحميل فيلم كامل بحجم 2 غيغابايت في نحو 3 ثوان فقط، وكان من السهل التنقل بين أجزاء الفيلم أثناء مشاهدة عروض «نتفليكس» وكأن الفيلم مسبق التحميل على التلفزيون دون أي تأخير أو انتظار. كما كان من السهيل مشاهدة عروض الفيديو فائقة الدقة 4K من «يوتيوب» على التلفزيون، ودون أي تأخير في التشغيل أو انخفاض بالجودة. الأمر المثير للاهتمام هو الزمن المنخفض للتواصل بين الطرفين عبر العالم المسمى Ping، حيث يبلغ معدله 13 ملي ثانية.
ومن الواضح أن هذا الموجه يقدم قدرات أعلى بكثير من قدرات شبكات الجيل الخامس الحالية التي ما تزال في بدايات تأسيسها، والتي يُفترض أن يتم حل مشاكل تذبذب سرعاتها مع مرور الوقت وإصلاح المشاكل الموجودة فيها.
ويقدم الموجه سرعات مبهرة وزمن Ping منخفض جدا عندما تكون شبكة الاتصالات في حالة جيدة، مع تقديم مدى كبير لتغطية «واي فاي» داخل المنزل واتصال 10 أجهزة مختلفة (تلفزيون وأجهزة ألعاب وهواتف جوالة وكومبيوتر) بالموجه في بعض الأوقات. ويُتوقع أن تفتح سرعات شبكات الجيل الخامس آفاقا جديدة للترفيه الشخصي، والتي يمكن الدخول إلى عالمها باستخدام موجه عالي الأداء مثل الموجه الذي تمت تجربته.
ويبلغ سعر الموجه 1999 ريالا سعوديا (نحو 533 دولارا)، ويمكن الحصول عليه ابتداء من يوم غد الأربعاء من متاجر بيع الأجهزة الإلكترونية أو من شركات الاتصالات التي تقدم خدمات شبكات الجيل الخامس أو من متجر الشركة الإلكتروني أو من متاجرها في المملكة. وتجدر الإشارة إلى أن الشركة تقدم عرضا خاصا للحجز المسبق يقدم للمستخدم شريحة اتصال بشبكات الجيل الخامس لمدة شهر واحد بكمية بيانات غير محدودة، وبطاقة شحن لمتجر «سوني بلايستيشن» الإلكتروني، بقيمة تتجاوز 400 ريال سعودي (نحو 107 دولارات أميركية).


مقالات ذات صلة

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

تكنولوجيا نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

باحثو «MIT» يطورون طريقة تمكّن الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراته بدقة ووضوح، ما يعزز الشفافية والثقة دون التضحية بالأداء.

تكنولوجيا تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

غوغل تطلق «الذكاء الشخصي» لربط بيانات المستخدم عبر خدماتها بهدف تقديم إجابات مخصصة مع الحفاظ على الخصوصية والتحكم الكامل للمستخدم.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

روبوت دراجة يحقق توازناً ديناميكياً ويتجاوز العقبات بسرعة مستفيداً من تصميم بسيط وتحكم متكيف يحاكي مهارات الإنسان في بيئات معقدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات معززا الكفاءة والابتكار، لكن تحديات البيانات والتكلفة تعيق التوسع رغم زيادة الاستثمارات الكبيرة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

خاص كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الذكاء وينقل القيمة للمعنى مهدداً الهوية والتفكير النقدي فارضاً إعادة تصور التعليم والاقتصاد ودور الإنسان مستقبلاً

نسيم رمضان (لندن)

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
TT

دراسة من ستانفورد: الذكاء الاصطناعي قد يعزز التفكير الوهمي

الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)
الدراسة حللت أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة لاكتشاف أنماط تفاعل روبوتات الدردشة (شاترستوك)

مع ازدياد استخدام روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في المحادثة وتقديم النصائح وحتى الدعم العاطفي، بدأت أبحاث جديدة تدرس تأثير هذه الأنظمة على المستخدمين مع مرور الوقت. وتكشف دراسة حديثة لباحثين مرتبطين بجامعة ستانفورد الأميركية عن خطر أقل وضوحاً، يتمثل في ميل هذه الأنظمة إلى تعزيز بعض المعتقدات بدلاً من تحديها.

تعتمد الدراسة على تحليل واسع لتفاعلات حقيقية، بهدف فهم كيفية استجابة نماذج اللغة في المحادثات الممتدة، وما الذي قد تعنيه هذه الاستجابات على إدراك المستخدم وصحته النفسية.

تحليل واسع النطاق

استندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 391 ألف رسالة عبر نحو 5 آلاف محادثة مع روبوتات الدردشة. ويتيح هذا الحجم الكبير من البيانات رصد أنماط متكررة، بدلاً من الاكتفاء بحالات فردية. وضمن هذه البيانات، حدد الباحثون نسبة من المحادثات التي تضمنت مؤشرات على تفكير وهمي. ووفقاً للدراسة، فإن نحو 15.5في المائة من رسائل المستخدمين أظهرت هذه الخصائص، ما أتاح فرصة لفهم كيفية استجابة الأنظمة لهذه الحالات.

التحدي يكمن في تحقيق توازن بين دعم المستخدم وتعزيز التفكير النقدي دون ترسيخ معلومات مضللة (أدوبي)

أنماط تأكيد متكررة

أحد أبرز النتائج يتمثل في تكرار ميل روبوتات الدردشة إلى تأكيد ما يقوله المستخدم. فقد أظهرت البيانات أن الأنظمة غالباً ما تستجيب بطريقة داعمة أو متوافقة مع طرح المستخدم، بدلاً من التشكيك فيه. ورغم أن هذا الأسلوب قد يكون مفيداً في سياقات الدعم، فإنه يصبح إشكالياً عندما يتعلق الأمر بمعتقدات غير دقيقة أو وهمية، حيث قد يؤدي إلى تعزيز هذه الأفكار بدلاً من تصحيحها.

دوامات وهمية متصاعدة

يصف الباحثون هذه الظاهرة بمصطلح «الدوامات الوهمية»، حيث تؤدي التفاعلات المتكررة بين المستخدم والنظام إلى ترسيخ المعتقدات الخاطئة تدريجياً. ولا يحدث التأثير نتيجة استجابة واحدة، بل يتشكل مع مرور الوقت. فكلما استمر النظام في تأكيد وجهة نظر المستخدم، زادت قوة هذا الاعتقاد. وتتيح طبيعة المحادثة المستمرة لهذا النمط أن يتطور بشكل تدريجي دون انقطاع واضح.

تشير الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المعتقدات من الصفر، بل يتفاعل مع أفكار موجودة مسبقاً لدى المستخدم.

وتزداد المخاطر في المحادثات الطويلة، حيث تتراكم أنماط التأكيد عبر الزمن. وفي هذه الحالة، يتحول النظام من مجرد أداة استجابة إلى عنصر مؤثر في توجيه مسار الحوار.

نحو 15.5 % من رسائل المستخدمين أظهرت مؤشرات على تفكير وهمي أو معتقدات غير دقيقة (غيتي)

تحديات في التصميم

تعكس هذه النتائج تحدياً أساسياً في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي. إذ يتم تطوير كثير من روبوتات الدردشة لتكون مفيدة ومهذبة وداعمة، ما يدفعها إلى تبني أسلوب قائم على التوافق مع المستخدم. لكن هذه الخصائص نفسها قد تقلل من قدرتها على تصحيح الأخطاء أو تقديم وجهات نظر نقدية. ويظل تحقيق التوازن بين الدعم والتفكير النقدي تحدياً رئيسياً.

تتجاوز دلالات هذه الدراسة الجانب التقني لتصل إلى قضايا تتعلق بالسلامة. فمع استخدام هذه الأنظمة في مجالات تتضمن تقديم نصائح أو دعم شخصي، تصبح طريقة استجابتها أكثر حساسية.

وفي بعض الحالات، قد يؤدي تعزيز المعتقدات غير الدقيقة إلى تأثيرات فعلية على قرارات المستخدم أو حالته النفسية، ما يطرح تساؤلات حول كيفية تصميم هذه الأنظمة ومراقبتها.

نحو استخدام مسؤول

تشير الدراسة إلى ضرورة تطوير آليات أفضل للتقييم والضبط. فبدلاً من التركيز فقط على دقة الإجابات، ينبغي أيضاً فهم كيفية تصرف الأنظمة في المحادثات الطويلة والمعقدة.

ويشمل ذلك تحديد متى يجب على النظام التشكيك في بعض الطروحات أو تقديم توضيحات أو تجنب تأكيد معلومات غير موثوقة. ويعد تحقيق هذا التوازن خطوة أساسية في تطور الذكاء الاصطناعي.

الحاجة لمزيد من البحث

رغم أهمية النتائج، تؤكد الدراسة الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم تأثير هذه التفاعلات على المستخدمين على المدى الطويل.

فمع تحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقدم معلومات إلى نظام يشارك في الحوار، يصبح من الضروري ضمان أن هذه التفاعلات تدعم الفهم ولا تعزز أنماطاً ضارة. وفي هذا السياق، لم يعد التحدي مقتصراً على تطوير أنظمة أكثر ذكاءً، بل يشمل أيضاً ضمان أن تكون أكثر وعياً بتأثيرها على الإنسان.


نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.