أميركا منعت إسرائيل من اغتيال سليماني سنة 2008

نتنياهو يقطع عطلته في أثينا إثر مقتل سليماني والجيش الإسرائيلي يعلن حالة تأهب

TT

أميركا منعت إسرائيل من اغتيال سليماني سنة 2008

كشفت إسرائيل أنه كان بإمكانها أن تغتال قاسم سليماني قبل 11 عاما خلال العملية نفسها التي اغتيل فيها قائد الجهاز العسكري في «حزب الله» اللبناني عماد مغنية، لكن الولايات المتحدة منعتها من ذلك بحزم. ورحبت إسرائيل الرسمية باغتيال سليماني أمس في بغداد، لكنها تتوقع انتقاماً إيرانياً لذا أعلن الجيش حالة تأهب بين قواته وأغلق هضبة الجولان السورية المحتلة أمام الزوار والسياح. من جانبه قطع رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، زيارته إلى اليونان، وبدأت حالة ترقب وتأهب واستنفار.
وكشفت مصادر أمنية في تل أبيب أن إسرائيل كانت قد وضعت قاسم سليماني على لائحة المرشحين للاغتيال. وفي فبراير (شباط) 2008. أتيح لها ذلك، عندما نفذت عملية اغتيال عماد مغنية في دمشق، إذ في حينها رافق سليماني مغنية وقام بتوصيله إلى السيارة التي انفجرت فيه. وأضافت المصادر أن الإدارة الأميركية كانت شريكاً كاملاً في تلك العملية، وعندما شاهد الإسرائيليون قاسم سليماني في المكان قرروا تفجيره من الجو، لكن الأميركيين فرضوا حق النقض (الفيتو) ومنعوها من ذلك.
من جهة أخرى، قالت مصادر سياسية في تل أبيب إن نتنياهو كان ينوي الاستمرار في زيارته لأثينا وقضاء نهاية الأسبوع في عطلة عائلية، ليعود مساء اليوم السبت. لكن عندما سمع الانتقادات أصدر مكتبه بياناً جاء فيه أن «رئيس الحكومة يتلقى تقارير أمنية بشكل متواصل»، فيما أكدت مصادر أمنية عودته لمواجهة أي تدهور عسكري. وأصدر نتنياهو بياناً وهو في طريق العودة، قال فيه «مثلما تمتلك إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها فهكذا تمتلك الولايات المتحدة نفس الحق. فقاسم سليماني يتحمل المسؤولية عن مقتل مواطنين أميركيين وأبرياء كثيرين آخرين وقام بالتخطيط لتنفيذ أعمال هجومية أخرى».
وكان نتنياهو قد تكلم مع وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، قبيل مغادرته اليونان، قائلاً إن «إسرائيل تدعم كافة خطوات الولايات المتحدة بالكامل، وكذلك حقها الكامل في الدفاع عن نفسها وعن مواطنيها». وأضاف «منطقتنا صاخبة بالأحداث الدراماتيكية جدا. نحن نتابع بيقظة وعلى اتصال دائم مع صديقتنا الكبرى، وندعم بالكامل خطواتها».
من جهتها، رفعت أجهزة الأمن الإسرائيلية حالة التأهب عند الحدود، خاصة الحدود مع لبنان وفي هضبة الجولان السورية المحتلة، تحسباً من «انتقام إيراني على اغتيال سليماني». وفي هذا الإطار أغلقت الجولان أمام زوار وسياح التزلج، وأعلنت وزارة الخارجية وأجهزة الأمن الإسرائيلية عن حالة استنفار عليا في السفارات والقنصليات في العالم. وتقرر تعزيز الحراسة في بعض السفارات والقنصليات في أماكن حساسة. وعقد وزير الأمن الإسرائيلي، نفتالي بنيت، مداولات طارئة لتقييم الوضع الأمني في مقر وزارة الأمن في تل أبيب، بمشاركة رئيس أركان الجيش، أفيف كوخافي.
كما رحب قادة أحزاب الائتلاف الحاكم وغالبية نواب المعارضة بعملية الاغتيال، وقال جدعون ساعر من حزب الليكود إن «الاغتيال أزال من طريق الشرق الأوسط قائدا شريرا». وقال بيني غانتس، رئيس «كحول لفان» المعارض إن «هذه العملية تتضمن رسالة لكل مناصري الإرهاب بأنهم يضعون رؤوسهم على أكفهم». وقال زميله في الحزب، موشيه يعلون، «تحررنا من إرهابي كبير بث أجواء الرعب والموت في سوريا ولبنان وقطاع غزة ودول الخليج ومناطق أخرى في العالم». وقال زميله الثالث في قيادة الحزب، يائير لبيج، إن «سليماني مسؤول عن قتل آلاف الأبرياء من العراق وحتى البرازيل». وقال رئيس حزب العمل، عمير بيرتس، إن «سليماني كان مهندسا لعمليات قتل رهيبة في العالم طيلة سنين طويلة». وقال رئيس حزب اليهود الروس، أفيغدور ليبرمان، إن «قرار الرئيس ترمب اغتيال سليماني يستحق كل التقدير. فالعالم من دون سليماني والشرق الأوسط بشكل خاص سيكون أفضل بكثير». أما في «القائمة المشتركة» فقد اعترض البعض على الاغتيال، إذ قالت عايدة توما سليمان إن «الاغتيال الأميركي سيشكل خطراً على إسرائيل وكل سكان الشرق الأوسط».
وقد أثارت هذه التطورات أجواء توتر في إسرائيل جعل المواطنين يشعرون بأنهم على عتبة حرب، لكن مصادر أمنية حرصت على التطمين بأن المسألة تتعلق بإجراءات ضرورية لكن ذلك لا يعني أن إسرائيل ستخوض حرباً. ونقلت صحيفة «معريب» على لسان مسؤولين عسكريين وأمنيين قولهم إن «الأميركيين أبلغوا إسرائيل نيتهم اغتيال سليماني قبل دقائق من العملية لكن هذا لا يعني أنها كانت شريكة». وقال توقع البروفسور عوزي رابي، رئيس مركز «موشيه ديان» لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب، «إن اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني قد يقود إيران إلى الانتقام من إسرائيل. ولكننا لسنا في قمة الخط، إسرائيل ليست أول الأهداف ولكنها من ضمنها». وأضاف «سيكون على إيران أن ترد من أجل إثبات أن قوتها لا تزال على مستوى. لكنها لن تكون قادرة على دفع نفسها إلى حرب شاملة. ولهذا، فإن إيران سترد على هذا الاغتيال بشكل لا يقود إلى حرب شاملة ومدمرة».
وكتب محرر الشؤون العسكرية في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن «القرار الأميركي باغتيال قاسم سليماني، هو رهان على الرصيد الشرق أوسطي كله. به أصاب البنتاغون نقطة إيرانية حساسة جدا، لأن سليماني يعتبر الرجل الذي تحتل أهميته الرمزية والفعلية بالنسبة للنظام المرتبة الثانية بعد الزعيم الروحاني، علي خامنئي». وتوقع هرئيل أن «رداً إيرانياً عنيفاً سيأتي، ويمكن أن يستمر فترة طويلة وأن يمتد على جبهات كثيرة، تقرب الولايات المتحدة وإيران إلى حرب لا تريدها كلتا الدولتين، وهذا سيكون صداماً وجهاً لوجه وقد يورط إسرائيل أيضا».
وأضاف هرئيل: «الرد الإيراني الأولي قريب. وميدان المعركة المطلوب سيكون في العراق وسيركز على أهداف أميركية بالتأكيد. وقد تتلقى السعودية ضربات أيضا. والسؤال المقلق، بالنسبة لإسرائيل، هو هل ستحاول إيران إدخالها بواسطة عمليات انتقامية. وفي الأيام المقبلة سيتهم الإيرانيون إسرائيل بالضلوع في الاغتيال. إذ لا يمر أسبوع دون أن يهدد مسؤول إسرائيلي إيران، أو أن تكشف وسائل إعلام إسرائيلية تفاصيل جديدة عن عمليات إسرائيلية سرية ضد المصالح الإيرانية في المنطقة». وكتب الخبير العسكري في «معريب»، طال ليف رام، إن «في إسرائيل يرون بالإيجاب العملية الأميركية، ويرونها انعطافا، من الأفضل أن يأتي متأخرا على إلا يكون على الإطلاق، ولكن لا يزال هذا لا يعد تغييرا ثابتا في السياسة الأميركية من حيث تثبيت معادلات رد جديدة على العدوان الإيراني في المنطقة».
وحذر ليف رام: «الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعيش في معضلة استراتيجية، فهو من جهة يتطلع إلى تقليص الوجود العسكري الأميركي والتدخل في العراق، ومن جهة أخرى لا يمكنه أن يتنكر لحقيقة أن الإيرانيين يواصلون تشديد قبضتهم على الجمهورية الممزقة والمنهكة. والأمر الوحيد الذي سيقرر استمرار طريقه هو المصلحة الأميركية التي لا تتطابق دوماً مع مصالح إسرائيل».
ورأى محلل الشؤون العربية في القناة 12 التلفزيونية الإسرائيلية، إيهود يعري، أن «طهران ليست معنية بمواجهة كبيرة ومفتوحة مع القوة العسكرية الأميركية الهائلة. وسيبحث الإيرانيون عن طريقة للرد من دون إشعال حريق شامل. ولديهم عدة إمكانيات، وربما بضمنها، تجاه إسرائيل. وفي هذا السياق، ينبغي الانتباه إلى أن قادة الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق تتهم إسرائيل بأنها ضالعة بطريقة ما في تصفية سليماني، وتصريحات كهذه استخدمت في الماضي للتمهيد لمحاولة تنفيذ عمل ما».
وقال المحلل العسكري في موقع «واللا» الإلكتروني، أمير بوحبوط، إنه «لا توجد مصلحة للإيرانيين بدخول حرب. إنهم يريدون العودة إلى الاتفاق النووي الأصلي ولكن ليس بأي شرط. وعمليا، النظام الإيراني موجود في الأسبوع الأخير في حالة تصعيد مع الدولة العظمى رقم واحد في العالم، ورئيسها موجود في معركة انتخابية ساخنة جدا».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended