التدخل التركي في ليبيا يضع المنطقة على حافة الحرب

تخوفات من اتساع رقعة المواجهة بحراً

التدخل التركي في ليبيا يضع المنطقة على حافة الحرب
TT

التدخل التركي في ليبيا يضع المنطقة على حافة الحرب

التدخل التركي في ليبيا يضع المنطقة على حافة الحرب

تسعى تركيا جاهدة، عبر مسارات مختلفة، للاستفادة «قدر الإمكان» من أجواء الحرب الليبية، للخروج بحزمة مكاسب تمكنها من رسم خريطة البلد الغني بالنفط، على نحو يخدم مصالحها. وهي إذ تعلل بحماية «جغرافيتها وإرثها القديم»، تتزايد المخاوف من أن تشرع «الانتهازية التركية» الباب أمام حرب إقليمية ربما تطول، سيكون الخاسر فيها الشعب الليبي بكل أطيافه ومناطقه.
وبعد مضي أكثر من ثلاثة قرون من الاستعمار العثماني لليبيا، تتهيأ أنقرة الآن للعودة رسمياً إلى البلاد، لكن هذه المرة تود دخولها بعدتها وعتادها، بغطاء من المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق»، وتحت عباءة قوى وتيارات بعضها «إرهابية». وهذا تحرك وصفه سياسيون وأكاديميون لـ«الشرق الأوسط» بأنه «براغماتية تستهدف توسيع النفوذ، وبيع وتجريب السلاح، والاستحواذ على أكبر قدر من «كعكة» النفط الليبي مستقبلاً»!

لئن كانت تركيا قد ادعت أنها تبتغي من تحركها دعم اتفاق «الصخيرات» حول ليبيا، فإنها سارعت مبكراً بإرسال إمدادات عسكرية إلى حكومة «الوفاق» المدعومة أممياً، في مواجهة «الجيش الوطني». وهي خطوة تتجاهل الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة، وهذا، فضلاً عن تقارير تترى عن «الدفع بمقاتلين إلى ليبيا عبر خطوط طيران يمتلكها أصولي ليبي موال لأنقرة والدوحة».
بدأت أنقرة التخطيط لوضع أقدامها في ليبيا عبر توقيع مذكرتي تفاهم بين رئيس حكومة «الوفاق» فائز السراج والرئيس رجب طيب إردوغان في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الأولى تتعلق بالتعاون الأمني والعسكري، والثانية بتحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، إلا أنها عملياً تحضّر لهذه الخطوة منذ أتى «الربيع العربي» على ليبيا، وأسقط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011. وحقاً، صادق البرلمان التركي، نهاية الأسبوع الماضي، على مشروع قرار يسمح بإرسال قوات عسكرية مدة عام لمساندة حكومة «الوفاق» التي تعترف بها الأمم المتحدة في مواجهة «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

- طريق الإخوان
على غرار ما فعلته أنقرة بالانفتاح على «الحالة المصرية» عقب «ثورة» 25 يناير عام 2011. بالتقارب مع تنظيم الإخوان، قبل أن تتحول إلى «عدو» للدولة المصرية حالياً، فإنها اتبعت الأسلوب ذاته مع ليبيا. وهكذا استقطبت جل القيادات والكوادر المحسوبة على الإخوان، و«الجماعة الليبية المقاتلة»، وجعلت من أراضيها ملاذا لمنتسبي تيار «الإسلام السياسي»، بل كل مُدرج على قوائم الإرهاب. وبالتالي، أضحى الطريق من مصراتة إلى إسطنبول محبباً إلى قلوبهم.
أول ترجمة لهذا التقارب، كانت استعجال إخوان ليبيا للدعم العسكري التركي، وفقاً لـ«مذكرة التفاهم الأولى»، بهدف التصدي لضربات «الجيش الوطني». وهذا ما وصفه عارف النايض، رئيس مجمع ليبيا للدراسات، والسفير الليبي السابق في دولة الإمارات، «بأننا نشهد الآن لعبة مصالح كبيرة بين قيادات غرب ليبيا وإردوغان، جعلت من الأخير يظن أنه السلطان عبد الحميد، (أحد خلفاء الدولة العثمانية) وأن طرابلس الغرب، لا تزال تعيش تحت سطوة الاستعمار العثماني لبلادنا».
وحول عمق التقارب الحاصل، تحدث النايض عما سمّاهم «شرذمة في غرب ليبيا وضعوا مليارات الدنانير في بنوك تركية... وكأن الخزائن الليبية تحولت إلى بيت مال لولي طرابلس تُجبى للسلطان العثماني». في إِشارة إلى ما كان يحدث في الماضي.
قيادات تنظيم الإخوان من جانبهم لم يدخروا جهداً في تبرير مجيء القوات العسكرية التركية إلى بلادهم، ورأوا أنها «تستهدف حماية مصالح أنقرة البحرية في البحر المتوسط من جهة، وصد (العدوان) على طرابلس من جعة ثانية»، وهو التبرير الذي تبناه سعد الجازوي القيادي بالتنظيم، وعضو مجلس النواب (المقاطع). وفي مقابل ذلك، توعّد الشيخ جمال أبو فرنة أحد مشايخ مدينة سلوق (جنوبي مدينة بنغازي) في حديث إلى «الشرق الأوسط» بأنهم حال دخول القوات التركية إلى ليبيا فإنهم «سيعلنون حالة الجهاد في عموم البلاد لمقاتلتها، كما فعل أجدادنا مع الطليان». ورأى أبو فرنة أن هذه «التحركات التركية المقصود منها حصار مصر أولاً، ثم الاستحواذ على ثروات ليبيا النفطية، بالإضافة إلى تجريب وبيع السلاح لحكومة غرب البلاد».

- مصر والجامعة العربية
جامعة الدول العربية، من جهتها، سارعت عقب قرار البرلمان التركي، واعتبرت هذه الخطوة «إذكاءً للصراع» الدائر في ليبيا. وقالت إن هذا التصعيد العسكري «سيفاقم الوضع المتأزم هناك»، كما «يهدد أمن واستقرار دول الجوار الليبي والمنطقة ككل بما فيها المتوسط». ولفتت إلى أن التسوية السياسية تظل هي الحل الوحيد لعودة الأمن والاستقرار إلى ليبيا، وهو ما نظر إليه عضو مجلس النواب الليبي علي الصول، بأن الأيام المقبلة ستشهد تغيراً على المستوى العسكري على الأرض، قبل أن يؤكد أن «الجيش الوطني سيحسم المعركة في طرابلس، خاصة، بعد تقدمه في كثير من المناطق والمحاور القتالية».
من ناحية أخرى، عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اجتماعاً بـ«مجلس الأمن القومي» نهاية الأسبوع الماضي، «تناول التطورات الراهنة المتصلة بالأزمة الليبية، والتهديدات الناشئة عن التدخل العسكري الخارجي في ليبيا». ونقل السفير بسام راضي، المتحدث باسم الرئاسة المصرية، أنه تم تحديد مجموعة من الإجراءات على مختلف الأصعدة، لم يكشف عنها، للتصدي «لأي تهديد للأمن القومي المصري».
أيضاً رأت وزارة الخارجية المصرية أن تمرير البرلمان التركي للمذكرة المقدمة من إردوغان بتفويضه لإرسال قوات تركية إلى ليبيا، «جاء تأسيساً على مذكرة التفاهم الباطلة الموقعة بين السراج، والحكومة التركية». وحذرت من مغبة «أي تدخل عسكري تركي في ليبيا»، وقالت إن «مثل هذا التدخل سيؤثر سلباً على استقرار منطقة البحر المتوسط، وأن تركيا ستتحمّل المسؤولية».
على إثر ذلك، اعتبر المتحدث باسم البرلمان الليبي عبد الله بليحق في تصريح لـ«الشرق الأوسط» القرار التركي «غزواً استعمارياً لليبيا، وانتهاكاً صارخاً لسيادتها»، وتابع «سنواجهه بكل قوة، وقواتنا المسلحة ستستهدف أي تواجد عسكري تركي على أراضينا».
وكان مجلس النواب الليبي المنعقد في طبرق (شرقي ليبيا) قد دعا جميع أعضائه لحضور جلسة بعد غد (الاثنين)؛ لمناقشة مذكرتي التفاهم اللتين أبرمهما السراج وإردوغان. لكنه عقب موافقة البرلماني التركي على إرسال قوات إلى ليبيا، عجّل من أدائه ودعاهم إلى جلسة طارئة بمدينة بنغازي لمناقشة تداعيات ما سماه «التدخل التركي السافر في ليبيا، بالموفقة على إرسال قوات غازية» إلى البلاد.

- تصعيد تركي
الجانب التركي لم يأبه بهذه التخوّفات، وذهب فؤاد أوقطاي، نائب الرئيس التركي، إلى أن اتفاق بلاده مع حكومة «الوفاق» الذي وصفه بأنه مشروع سلام يصب في مصلحة المنطقة، لكنه في الوقت ذاته قال من قبيل الطمأنة، إن مذكرة التفويض حول إرسال جنود إلى ليبيا «تسري لعام واحد، ويجري إرسال القوات في التوقيت وبالقدر اللازم».
ونوّه أوقطاي بأن محتوى المذكرة يتيح كل شيء لبلاده، بدءا من المساعدات الإنسانية وحتى الدعم العسكري. وفي لهجة لم تخل من تهديد، قال «نأمل أن يؤدي ذلك دوراً رادعاً، وأن تفهم الأطراف هذه الرسالة بشكل صحيح». وتابع أن «هدف أنقرة في ليبيا وقبرص، يتمثل في إحباط المكائد التي تستهدف بلادنا»، مستطرداً «أفشلنا مؤامرة حبسنا في مياهنا الإقليمية عبر الاتفاق مع ليبيا» و«أي خطة دون تركيا في المنطقة لا فرصة لها للنجاح مهما كان الطرف الذي يقف وراءها».
تبريرات أوقطاي كشفت عن رغبة بلاده في التمدد في مياه البحر المتوسط، وهو ما حذرت منه قوى محلية وعربية قبل ذلك. من أن أنقرة تريد السيطرة على ثروات الغاز هناك، والبحث عن استفادة مستقبلية حال ما انتهت الحرب، تتمثل في المشاركة بإعمار ليبيا. ولكن، في مواجهة التصعيد التركي، رأى صالح أفحيمة عضو مجلس النواب الليبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر محسوب لقوات (الجيش الوطني) التي قال إنها «اقتربت من قلب العاصمة». وشدد على «عجز القوات التركية للوصول المطارات والموانئ الليبية... هذا غير ممكن، وهذه خطوة غير محسوبة». وقلل أفحيمة من إمكانية وقوع حرب في المنطقة، واصفاً إردوغان بأنه «مجرد تاجر سلاح»، والأمر بالنسبة له «تحقيق مكاسب لبلاده وحزبه».

- «الاستسلام أو الانتحار»
فور موافقة البرلمان التركي على نشر قوات في ليبيا، صعّدت حكومة «الوفاق» من لهجتها باتجاه من أسمتهم بـ«الأعداء» واستهل فتحي باش أغا وزير داخليتها، المنتمي إلى مدينة مصراتة، حديثه بأن «المسؤول عن قرار الهجوم على طرابلس لم يعد لديه إلا واحد من خيارين الاستسلام أو الانتحار».
ورغم اللهجة التي تعكس نوعاً من الثقة، شرعت الوزارة في إنشاء بوابات أمنية داخل العاصمة، تاجوراء، والقربوللي بهدف الحفاظ على الأمن والاستقرار، وصد أي هجوم قادم. ودافع باش أغا عن حكومته «في بيان نشرته صفحة الوزارة على «فيسبوك»، فقال «إن لها كامل الحق في الدفاع عن شرعيتها، وحماية المدنيين من (عدوان غاشم) تقوده ثلة من الانقلابيين مدعومة من بعض الجهات الخارجية». واستطرد «نحن ندافع عن شرعية سياسية تنبثق من حق مقدس كفلته كافة الشرائع وهو حق الدفاع عن النفس». وانتهى إلى توقيع «مذكرات التفاهم مع الجمهورية التركية جاء بالطرق القانونية وبشكل معلن ودون مواربة عكس الذين يستجلبون المرتزقة من جميع الملل بتسهيلات من بعض الدول التي تعترف بحكومة (الوفاق) في العلن وتدعم العدوان في جنح الظلام».
هذا، ورحبت جميع المؤسسات التابعة لحكومة «الوفاق» بالخطوة التركية، وقال مجلس الدولة إن الحكومة اضطرت إلى «الاستعانة بشكل شرعي بالأصدقاء الأتراك للدفاع عن الشعب وحماية المدنيين» لـ«مواجهة العدوان الخارجي الداعم للانقلاب على السلطة الشرعية والراغب في السيطرة على الحكم».
غير أن مجلس النواب الليبي ورئيسه عقيلة صالح، سارعوا فور توقيع السراج - إردوغان على الاتفاق للتأكيد على عدم شرعيته، ووجه صالح خطاباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تضمن تفنيداً لـ«مذكرة التفاهم»، بأنها تمثل خطورة على الدولة الليبية. كذلك وجه صالح خطاباً لأمين عام جامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، وطالب بعرض الموضوع على مجلس الجامعة، كي يصدر قراراً بسحب اعتماده لحكومة الوفاق، واعتماد الجسم الشرعي الوحيد وهو مجلس النواب.

- تحركات داخليا وخارجيا
وفي رد فعل طبيعي، تحركت كل المؤسسات والهيئات التابعة للحكومة المؤقتة في (شرق ليبيا)، ودعت إلى اجتماعات عاجلة لتدارس الموقف، وتعهدت الحكومة في اجتماع لها أنها «ستسخّر كل إمكاناتها لدعم المجهود الحربي للقوات المسلحة، لصد (الغزو التركي)».
وأكد النائب إفحيمة لـ«الشرق الأوسط» أن كل إمكانيات الدولة سيُدفع بها خلف القوات المسلحة، «لردع أي تواجد تركي على أراضينا»، بينما ذهب النائب سعيد امغيب إلى القول إن برلمان أنقرة بموافقته على نشر قوات في أراضينا «منحنا الحق في الدفاع عن أنفسنا باستهداف كل تواجد تركي على الأراضي الليبية أو في مياهنا الإقليمية... هذا البرلمان يدعم السياسة الاستعمارية لإردوغان». ونوه أمغيب إلى أن الأمر الآن لم يعد يهمّ الشعب الليبي فقط، «بل أن العالم كله معني بهذه الموافقة التي ستهدد الأمن القومي لدول الجوار وكل الدول المطلة على البحر المتوسط».
التحذيرات الدولية جاءت تترى للتأكيد على خطورة «التدخل الأجنبي» في ليبيا، وهو ما ترجمه اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإردوغان، وقال الناطق باسم البيت الأبيض، هوغان جيدلي، إن ترمب أشار «إلى أن التدخل الأجنبي يعقد الوضع في ليبيا»، كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن «قلقه البالغ» بشأن قرار تركيا بالتدخل عسكريا في الحرب الأهلية المتصاعدة في ليبيا، ويأتي هذا التحذير إضافة إلى تحذيرات مشابهة أعربت عنها الولايات المتحدة وروسيا. وقال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي «لا يوجد حل عسكري للأزمة الليبية. الإجراءات التي تدعم هؤلاء الذين يقاتلون في الصراع ستزيد من زعزعة استقرار البلاد والمنطقة ككل».
وفي هذه الأثناء، زادت مصر من اتصالاتها بالأطراف الدولية، وأجرى وزير خارجيتها سامح شكري، عدداً من الاتصالات الهاتفية مع روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي الأميركي ونظرائه في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة واليونان وقبرص، لتباحث تداعيات القرار التركي. وقال المستشار أحمد حافظ الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية، إن مجمل الاتصالات «شهدت توافقاً في الآراء حول خطورة هذا التطور على الأمن القومي العربي والأمن الإقليمي وأمن البحر المتوسط وعلى استقرار المنطقة بأسرها». بينما طالب الدكتور مشعل بن فهم السلمي، رئيس البرلمان العربي، المجتمع الدولي بـ«التحرك الفوري والعاجل لإلزام الجمهورية التركية بقرارات مجلس الأمن الدولي وإيقاف تدخلها العسكري في دولة ليبيا»، مُعتبراً أن هذا التدخل «يُعد تهديداً مباشرا للأمن القومي العربي، ويُعرض أمن واستقرار المنطقة والأمن والسلم الدوليين للمخاطر».

- الإرث القديم
على صعيد آخر، العلاقة الجديدة، التي عمقتها حرب طرابلس بين حكومة «الوفاق» وأنقرة سمحت للأخيرة بالتفتيش في دفاترها القديمة، لتتذكّر أنها كانت يوماً تحتل ليبيا مدة قرابة 360 سنة تحت راية «الغزو العثماني». وهذا ما أشار إليه إردوغان نهاية ديسمبر (كانون الأول) بكلامه عن وجود مليون تركي يعيشون في ليبيا، وقوله إن «الزعيم كمال أتاتورك كان مقاتلاً بالجيش العثماني في ليبيا، وكان يكافح هناك في الجبهات، لذا يجب علينا اليوم أن نوجد هناك ونقاتل أيضاً، لدينا مليون تركي يعيشون في ليبيا».
مغردون كثيرون استقبلوا تصريحات إردوغان بحالة من السخرية، ودشنوا هاشتاغ، «أنا ليبي ولست من ضمن المليون» على موقع التغريدات القصيرة «تويتر»، معتبرين تصريحاته امتدادا للاحتلال العثماني لليبيا. وقرأ الأكاديمي الليبي أستاذ التاريخ عثمان البدري فترة الاحتلال العثماني لبلاده، وقال إن النظام العثماني لم یهتم بالشؤون الاقتصادية والثقافية في ولاية طرابلس الغرب، التي كان يحتلها، مركزاً فقط على جمع الضرائب (المیري) من المواطنين. وأفاد البدري في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن «العثمانیین ضربوا حاجزاً بینهم وبین الأهالي ما أدی إلی انعدام الاختلاط بين الثقافتين، وهو ما انعكس في أن المصطلحات العثمانية لم تنتشر رغم بقائهم فی هذه الولایة لمدة طویلة زادت عن ثلاثة قرون».
كذلك، ونتيجة لسياسة القمع التي اتبعها العثمانیون إبان وجودهم في ليبيا، سادت حالة من السخط والتذمر بين المواطنين، نتج عنها اندلاع ثورات عديدة، كما يوضح أستاذ التاريخ الليبي، منها ثوره یحيی بن یحيی السویدي في الجبل الغربي، وثوره عبد الجلیل سیف النصر في فزّان (جنوب ليبيا) وثوره غومة المحمودي في طرابلس وثوره قبیلة العواقیر في بنغازي وثورة قبیلة الجوازي التي هجّروها إلی مصر؛ وانتهى إلى أنه في عام 1912 تنازلت الدولة العثمانیة عن لیبیا لإیطالیا مقابل بعض الجزر بموجب اتفاقیة (أوشي لوزان).
ومع اقتراب إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا لمواجهة «الجيش الوطني» ومنعه من دخول طرابلس، تتباين مخاوف الليبيين مما هو قادم، بين من يرى ذلك «فتحاً مبيناً»، ومن ينظر إليه على أنه «عودة إلى الاستعباد، يجب التصدي له».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.