التدخل التركي في ليبيا يضع المنطقة على حافة الحرب

تخوفات من اتساع رقعة المواجهة بحراً

التدخل التركي في ليبيا يضع المنطقة على حافة الحرب
TT

التدخل التركي في ليبيا يضع المنطقة على حافة الحرب

التدخل التركي في ليبيا يضع المنطقة على حافة الحرب

تسعى تركيا جاهدة، عبر مسارات مختلفة، للاستفادة «قدر الإمكان» من أجواء الحرب الليبية، للخروج بحزمة مكاسب تمكنها من رسم خريطة البلد الغني بالنفط، على نحو يخدم مصالحها. وهي إذ تعلل بحماية «جغرافيتها وإرثها القديم»، تتزايد المخاوف من أن تشرع «الانتهازية التركية» الباب أمام حرب إقليمية ربما تطول، سيكون الخاسر فيها الشعب الليبي بكل أطيافه ومناطقه.
وبعد مضي أكثر من ثلاثة قرون من الاستعمار العثماني لليبيا، تتهيأ أنقرة الآن للعودة رسمياً إلى البلاد، لكن هذه المرة تود دخولها بعدتها وعتادها، بغطاء من المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق»، وتحت عباءة قوى وتيارات بعضها «إرهابية». وهذا تحرك وصفه سياسيون وأكاديميون لـ«الشرق الأوسط» بأنه «براغماتية تستهدف توسيع النفوذ، وبيع وتجريب السلاح، والاستحواذ على أكبر قدر من «كعكة» النفط الليبي مستقبلاً»!

لئن كانت تركيا قد ادعت أنها تبتغي من تحركها دعم اتفاق «الصخيرات» حول ليبيا، فإنها سارعت مبكراً بإرسال إمدادات عسكرية إلى حكومة «الوفاق» المدعومة أممياً، في مواجهة «الجيش الوطني». وهي خطوة تتجاهل الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة، وهذا، فضلاً عن تقارير تترى عن «الدفع بمقاتلين إلى ليبيا عبر خطوط طيران يمتلكها أصولي ليبي موال لأنقرة والدوحة».
بدأت أنقرة التخطيط لوضع أقدامها في ليبيا عبر توقيع مذكرتي تفاهم بين رئيس حكومة «الوفاق» فائز السراج والرئيس رجب طيب إردوغان في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الأولى تتعلق بالتعاون الأمني والعسكري، والثانية بتحديد مناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، إلا أنها عملياً تحضّر لهذه الخطوة منذ أتى «الربيع العربي» على ليبيا، وأسقط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011. وحقاً، صادق البرلمان التركي، نهاية الأسبوع الماضي، على مشروع قرار يسمح بإرسال قوات عسكرية مدة عام لمساندة حكومة «الوفاق» التي تعترف بها الأمم المتحدة في مواجهة «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

- طريق الإخوان
على غرار ما فعلته أنقرة بالانفتاح على «الحالة المصرية» عقب «ثورة» 25 يناير عام 2011. بالتقارب مع تنظيم الإخوان، قبل أن تتحول إلى «عدو» للدولة المصرية حالياً، فإنها اتبعت الأسلوب ذاته مع ليبيا. وهكذا استقطبت جل القيادات والكوادر المحسوبة على الإخوان، و«الجماعة الليبية المقاتلة»، وجعلت من أراضيها ملاذا لمنتسبي تيار «الإسلام السياسي»، بل كل مُدرج على قوائم الإرهاب. وبالتالي، أضحى الطريق من مصراتة إلى إسطنبول محبباً إلى قلوبهم.
أول ترجمة لهذا التقارب، كانت استعجال إخوان ليبيا للدعم العسكري التركي، وفقاً لـ«مذكرة التفاهم الأولى»، بهدف التصدي لضربات «الجيش الوطني». وهذا ما وصفه عارف النايض، رئيس مجمع ليبيا للدراسات، والسفير الليبي السابق في دولة الإمارات، «بأننا نشهد الآن لعبة مصالح كبيرة بين قيادات غرب ليبيا وإردوغان، جعلت من الأخير يظن أنه السلطان عبد الحميد، (أحد خلفاء الدولة العثمانية) وأن طرابلس الغرب، لا تزال تعيش تحت سطوة الاستعمار العثماني لبلادنا».
وحول عمق التقارب الحاصل، تحدث النايض عما سمّاهم «شرذمة في غرب ليبيا وضعوا مليارات الدنانير في بنوك تركية... وكأن الخزائن الليبية تحولت إلى بيت مال لولي طرابلس تُجبى للسلطان العثماني». في إِشارة إلى ما كان يحدث في الماضي.
قيادات تنظيم الإخوان من جانبهم لم يدخروا جهداً في تبرير مجيء القوات العسكرية التركية إلى بلادهم، ورأوا أنها «تستهدف حماية مصالح أنقرة البحرية في البحر المتوسط من جهة، وصد (العدوان) على طرابلس من جعة ثانية»، وهو التبرير الذي تبناه سعد الجازوي القيادي بالتنظيم، وعضو مجلس النواب (المقاطع). وفي مقابل ذلك، توعّد الشيخ جمال أبو فرنة أحد مشايخ مدينة سلوق (جنوبي مدينة بنغازي) في حديث إلى «الشرق الأوسط» بأنهم حال دخول القوات التركية إلى ليبيا فإنهم «سيعلنون حالة الجهاد في عموم البلاد لمقاتلتها، كما فعل أجدادنا مع الطليان». ورأى أبو فرنة أن هذه «التحركات التركية المقصود منها حصار مصر أولاً، ثم الاستحواذ على ثروات ليبيا النفطية، بالإضافة إلى تجريب وبيع السلاح لحكومة غرب البلاد».

- مصر والجامعة العربية
جامعة الدول العربية، من جهتها، سارعت عقب قرار البرلمان التركي، واعتبرت هذه الخطوة «إذكاءً للصراع» الدائر في ليبيا. وقالت إن هذا التصعيد العسكري «سيفاقم الوضع المتأزم هناك»، كما «يهدد أمن واستقرار دول الجوار الليبي والمنطقة ككل بما فيها المتوسط». ولفتت إلى أن التسوية السياسية تظل هي الحل الوحيد لعودة الأمن والاستقرار إلى ليبيا، وهو ما نظر إليه عضو مجلس النواب الليبي علي الصول، بأن الأيام المقبلة ستشهد تغيراً على المستوى العسكري على الأرض، قبل أن يؤكد أن «الجيش الوطني سيحسم المعركة في طرابلس، خاصة، بعد تقدمه في كثير من المناطق والمحاور القتالية».
من ناحية أخرى، عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اجتماعاً بـ«مجلس الأمن القومي» نهاية الأسبوع الماضي، «تناول التطورات الراهنة المتصلة بالأزمة الليبية، والتهديدات الناشئة عن التدخل العسكري الخارجي في ليبيا». ونقل السفير بسام راضي، المتحدث باسم الرئاسة المصرية، أنه تم تحديد مجموعة من الإجراءات على مختلف الأصعدة، لم يكشف عنها، للتصدي «لأي تهديد للأمن القومي المصري».
أيضاً رأت وزارة الخارجية المصرية أن تمرير البرلمان التركي للمذكرة المقدمة من إردوغان بتفويضه لإرسال قوات تركية إلى ليبيا، «جاء تأسيساً على مذكرة التفاهم الباطلة الموقعة بين السراج، والحكومة التركية». وحذرت من مغبة «أي تدخل عسكري تركي في ليبيا»، وقالت إن «مثل هذا التدخل سيؤثر سلباً على استقرار منطقة البحر المتوسط، وأن تركيا ستتحمّل المسؤولية».
على إثر ذلك، اعتبر المتحدث باسم البرلمان الليبي عبد الله بليحق في تصريح لـ«الشرق الأوسط» القرار التركي «غزواً استعمارياً لليبيا، وانتهاكاً صارخاً لسيادتها»، وتابع «سنواجهه بكل قوة، وقواتنا المسلحة ستستهدف أي تواجد عسكري تركي على أراضينا».
وكان مجلس النواب الليبي المنعقد في طبرق (شرقي ليبيا) قد دعا جميع أعضائه لحضور جلسة بعد غد (الاثنين)؛ لمناقشة مذكرتي التفاهم اللتين أبرمهما السراج وإردوغان. لكنه عقب موافقة البرلماني التركي على إرسال قوات إلى ليبيا، عجّل من أدائه ودعاهم إلى جلسة طارئة بمدينة بنغازي لمناقشة تداعيات ما سماه «التدخل التركي السافر في ليبيا، بالموفقة على إرسال قوات غازية» إلى البلاد.

- تصعيد تركي
الجانب التركي لم يأبه بهذه التخوّفات، وذهب فؤاد أوقطاي، نائب الرئيس التركي، إلى أن اتفاق بلاده مع حكومة «الوفاق» الذي وصفه بأنه مشروع سلام يصب في مصلحة المنطقة، لكنه في الوقت ذاته قال من قبيل الطمأنة، إن مذكرة التفويض حول إرسال جنود إلى ليبيا «تسري لعام واحد، ويجري إرسال القوات في التوقيت وبالقدر اللازم».
ونوّه أوقطاي بأن محتوى المذكرة يتيح كل شيء لبلاده، بدءا من المساعدات الإنسانية وحتى الدعم العسكري. وفي لهجة لم تخل من تهديد، قال «نأمل أن يؤدي ذلك دوراً رادعاً، وأن تفهم الأطراف هذه الرسالة بشكل صحيح». وتابع أن «هدف أنقرة في ليبيا وقبرص، يتمثل في إحباط المكائد التي تستهدف بلادنا»، مستطرداً «أفشلنا مؤامرة حبسنا في مياهنا الإقليمية عبر الاتفاق مع ليبيا» و«أي خطة دون تركيا في المنطقة لا فرصة لها للنجاح مهما كان الطرف الذي يقف وراءها».
تبريرات أوقطاي كشفت عن رغبة بلاده في التمدد في مياه البحر المتوسط، وهو ما حذرت منه قوى محلية وعربية قبل ذلك. من أن أنقرة تريد السيطرة على ثروات الغاز هناك، والبحث عن استفادة مستقبلية حال ما انتهت الحرب، تتمثل في المشاركة بإعمار ليبيا. ولكن، في مواجهة التصعيد التركي، رأى صالح أفحيمة عضو مجلس النواب الليبي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الأمر محسوب لقوات (الجيش الوطني) التي قال إنها «اقتربت من قلب العاصمة». وشدد على «عجز القوات التركية للوصول المطارات والموانئ الليبية... هذا غير ممكن، وهذه خطوة غير محسوبة». وقلل أفحيمة من إمكانية وقوع حرب في المنطقة، واصفاً إردوغان بأنه «مجرد تاجر سلاح»، والأمر بالنسبة له «تحقيق مكاسب لبلاده وحزبه».

- «الاستسلام أو الانتحار»
فور موافقة البرلمان التركي على نشر قوات في ليبيا، صعّدت حكومة «الوفاق» من لهجتها باتجاه من أسمتهم بـ«الأعداء» واستهل فتحي باش أغا وزير داخليتها، المنتمي إلى مدينة مصراتة، حديثه بأن «المسؤول عن قرار الهجوم على طرابلس لم يعد لديه إلا واحد من خيارين الاستسلام أو الانتحار».
ورغم اللهجة التي تعكس نوعاً من الثقة، شرعت الوزارة في إنشاء بوابات أمنية داخل العاصمة، تاجوراء، والقربوللي بهدف الحفاظ على الأمن والاستقرار، وصد أي هجوم قادم. ودافع باش أغا عن حكومته «في بيان نشرته صفحة الوزارة على «فيسبوك»، فقال «إن لها كامل الحق في الدفاع عن شرعيتها، وحماية المدنيين من (عدوان غاشم) تقوده ثلة من الانقلابيين مدعومة من بعض الجهات الخارجية». واستطرد «نحن ندافع عن شرعية سياسية تنبثق من حق مقدس كفلته كافة الشرائع وهو حق الدفاع عن النفس». وانتهى إلى توقيع «مذكرات التفاهم مع الجمهورية التركية جاء بالطرق القانونية وبشكل معلن ودون مواربة عكس الذين يستجلبون المرتزقة من جميع الملل بتسهيلات من بعض الدول التي تعترف بحكومة (الوفاق) في العلن وتدعم العدوان في جنح الظلام».
هذا، ورحبت جميع المؤسسات التابعة لحكومة «الوفاق» بالخطوة التركية، وقال مجلس الدولة إن الحكومة اضطرت إلى «الاستعانة بشكل شرعي بالأصدقاء الأتراك للدفاع عن الشعب وحماية المدنيين» لـ«مواجهة العدوان الخارجي الداعم للانقلاب على السلطة الشرعية والراغب في السيطرة على الحكم».
غير أن مجلس النواب الليبي ورئيسه عقيلة صالح، سارعوا فور توقيع السراج - إردوغان على الاتفاق للتأكيد على عدم شرعيته، ووجه صالح خطاباً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تضمن تفنيداً لـ«مذكرة التفاهم»، بأنها تمثل خطورة على الدولة الليبية. كذلك وجه صالح خطاباً لأمين عام جامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، وطالب بعرض الموضوع على مجلس الجامعة، كي يصدر قراراً بسحب اعتماده لحكومة الوفاق، واعتماد الجسم الشرعي الوحيد وهو مجلس النواب.

- تحركات داخليا وخارجيا
وفي رد فعل طبيعي، تحركت كل المؤسسات والهيئات التابعة للحكومة المؤقتة في (شرق ليبيا)، ودعت إلى اجتماعات عاجلة لتدارس الموقف، وتعهدت الحكومة في اجتماع لها أنها «ستسخّر كل إمكاناتها لدعم المجهود الحربي للقوات المسلحة، لصد (الغزو التركي)».
وأكد النائب إفحيمة لـ«الشرق الأوسط» أن كل إمكانيات الدولة سيُدفع بها خلف القوات المسلحة، «لردع أي تواجد تركي على أراضينا»، بينما ذهب النائب سعيد امغيب إلى القول إن برلمان أنقرة بموافقته على نشر قوات في أراضينا «منحنا الحق في الدفاع عن أنفسنا باستهداف كل تواجد تركي على الأراضي الليبية أو في مياهنا الإقليمية... هذا البرلمان يدعم السياسة الاستعمارية لإردوغان». ونوه أمغيب إلى أن الأمر الآن لم يعد يهمّ الشعب الليبي فقط، «بل أن العالم كله معني بهذه الموافقة التي ستهدد الأمن القومي لدول الجوار وكل الدول المطلة على البحر المتوسط».
التحذيرات الدولية جاءت تترى للتأكيد على خطورة «التدخل الأجنبي» في ليبيا، وهو ما ترجمه اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وإردوغان، وقال الناطق باسم البيت الأبيض، هوغان جيدلي، إن ترمب أشار «إلى أن التدخل الأجنبي يعقد الوضع في ليبيا»، كما أعرب الاتحاد الأوروبي عن «قلقه البالغ» بشأن قرار تركيا بالتدخل عسكريا في الحرب الأهلية المتصاعدة في ليبيا، ويأتي هذا التحذير إضافة إلى تحذيرات مشابهة أعربت عنها الولايات المتحدة وروسيا. وقال متحدث باسم الاتحاد الأوروبي «لا يوجد حل عسكري للأزمة الليبية. الإجراءات التي تدعم هؤلاء الذين يقاتلون في الصراع ستزيد من زعزعة استقرار البلاد والمنطقة ككل».
وفي هذه الأثناء، زادت مصر من اتصالاتها بالأطراف الدولية، وأجرى وزير خارجيتها سامح شكري، عدداً من الاتصالات الهاتفية مع روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي الأميركي ونظرائه في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة واليونان وقبرص، لتباحث تداعيات القرار التركي. وقال المستشار أحمد حافظ الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية، إن مجمل الاتصالات «شهدت توافقاً في الآراء حول خطورة هذا التطور على الأمن القومي العربي والأمن الإقليمي وأمن البحر المتوسط وعلى استقرار المنطقة بأسرها». بينما طالب الدكتور مشعل بن فهم السلمي، رئيس البرلمان العربي، المجتمع الدولي بـ«التحرك الفوري والعاجل لإلزام الجمهورية التركية بقرارات مجلس الأمن الدولي وإيقاف تدخلها العسكري في دولة ليبيا»، مُعتبراً أن هذا التدخل «يُعد تهديداً مباشرا للأمن القومي العربي، ويُعرض أمن واستقرار المنطقة والأمن والسلم الدوليين للمخاطر».

- الإرث القديم
على صعيد آخر، العلاقة الجديدة، التي عمقتها حرب طرابلس بين حكومة «الوفاق» وأنقرة سمحت للأخيرة بالتفتيش في دفاترها القديمة، لتتذكّر أنها كانت يوماً تحتل ليبيا مدة قرابة 360 سنة تحت راية «الغزو العثماني». وهذا ما أشار إليه إردوغان نهاية ديسمبر (كانون الأول) بكلامه عن وجود مليون تركي يعيشون في ليبيا، وقوله إن «الزعيم كمال أتاتورك كان مقاتلاً بالجيش العثماني في ليبيا، وكان يكافح هناك في الجبهات، لذا يجب علينا اليوم أن نوجد هناك ونقاتل أيضاً، لدينا مليون تركي يعيشون في ليبيا».
مغردون كثيرون استقبلوا تصريحات إردوغان بحالة من السخرية، ودشنوا هاشتاغ، «أنا ليبي ولست من ضمن المليون» على موقع التغريدات القصيرة «تويتر»، معتبرين تصريحاته امتدادا للاحتلال العثماني لليبيا. وقرأ الأكاديمي الليبي أستاذ التاريخ عثمان البدري فترة الاحتلال العثماني لبلاده، وقال إن النظام العثماني لم یهتم بالشؤون الاقتصادية والثقافية في ولاية طرابلس الغرب، التي كان يحتلها، مركزاً فقط على جمع الضرائب (المیري) من المواطنين. وأفاد البدري في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن «العثمانیین ضربوا حاجزاً بینهم وبین الأهالي ما أدی إلی انعدام الاختلاط بين الثقافتين، وهو ما انعكس في أن المصطلحات العثمانية لم تنتشر رغم بقائهم فی هذه الولایة لمدة طویلة زادت عن ثلاثة قرون».
كذلك، ونتيجة لسياسة القمع التي اتبعها العثمانیون إبان وجودهم في ليبيا، سادت حالة من السخط والتذمر بين المواطنين، نتج عنها اندلاع ثورات عديدة، كما يوضح أستاذ التاريخ الليبي، منها ثوره یحيی بن یحيی السویدي في الجبل الغربي، وثوره عبد الجلیل سیف النصر في فزّان (جنوب ليبيا) وثوره غومة المحمودي في طرابلس وثوره قبیلة العواقیر في بنغازي وثورة قبیلة الجوازي التي هجّروها إلی مصر؛ وانتهى إلى أنه في عام 1912 تنازلت الدولة العثمانیة عن لیبیا لإیطالیا مقابل بعض الجزر بموجب اتفاقیة (أوشي لوزان).
ومع اقتراب إرسال قوات عسكرية تركية إلى ليبيا لمواجهة «الجيش الوطني» ومنعه من دخول طرابلس، تتباين مخاوف الليبيين مما هو قادم، بين من يرى ذلك «فتحاً مبيناً»، ومن ينظر إليه على أنه «عودة إلى الاستعباد، يجب التصدي له».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.