برلمان تركيا يصوّت اليوم في جلسة طارئة على إرسال قوات إلى ليبيا

إجراءات التنقيب عن النفط والغاز ستبدأ خلال أشهر قليلة بموجب الاتفاق مع السراج

الرئيس التركي أعلن مساء أول من أمس أن بلاده ستنفذ جميع بنود الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج (أ.ب)
الرئيس التركي أعلن مساء أول من أمس أن بلاده ستنفذ جميع بنود الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج (أ.ب)
TT

برلمان تركيا يصوّت اليوم في جلسة طارئة على إرسال قوات إلى ليبيا

الرئيس التركي أعلن مساء أول من أمس أن بلاده ستنفذ جميع بنود الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج (أ.ب)
الرئيس التركي أعلن مساء أول من أمس أن بلاده ستنفذ جميع بنود الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج (أ.ب)

يعقد البرلمان التركي جلسة طارئة اليوم (الخميس) للمناقشة والتصويت على مذكرة مقدمة من حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان للحصول على تفويض بإرسال جنود إلى ليبيا، بناء على طلب حكومة الوفاق الليبية، التي يرأسها فائز السراج، وذلك بموجب اتفاقية التفاهم في مجال التعاون العسكري والأمني، الموقعة بين الجانبين في 27 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وتبدأ الجلسة بتلاوة نص المذكرة، التي تقدمت بها الحكومة إلى البرلمان يوم الاثنين الماضي، وتمنح 20 دقيقة لكل حزب من الأحزاب الخمسة الممثلة في البرلمان (العدالة والتنمية الحاكم والشعب الجمهوري والشعب الديمقراطي والحركة القومية والجيد) لمناقشة المذكرة، بعدها يتم الانتقال إلى عملية التصويت.
وأعلن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، رفضه إرسال قوات إلى ليبيا، موضحا أنه سيصوت ضد منح التفويض للحكومة، بينما كان حزب الحركة القومية، المتحالف مع العدالة، والتنمية في إطار «تحالف الشعب»، هو الوحيد الذي أعلن أن نوابه البالغ عددهم 49 نائبا سيصوتون لصالح المذكرة.
ويعول حزب العدالة والتنمية على أغلبيته، ودعم حزب «الحركة القومية» له في تمرير مذكرة التفويض خلال جلسة اليوم. وكان البرلمان التركي قد دخل عطلة عقب مداولات الميزانية الجديدة، بدأت في 21 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وكان مقررا أن تستمر حتى 7 من يناير (كانون الثاني) الجاري، لكنه قطع العطلة بناء على طلب حزب العدالة والتنمية لمناقشة المذكرة والتصويت عليها.
وجاء في مذكرة التفويض المقدمة للبرلمان أن الجهود، التي بدأتها ليبيا عقب أحداث فبراير (شباط) 2011 لبناء مؤسسات ديمقراطية، ذهبت سدى بسبب النزاعات المسلحة المتزايدة، التي أدت إلى ظهور هيكلية إدارية مجزأة في البلاد. مضيفة أن من الاعتبارات التي تدفع تركيا إلى إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، حماية المصالح الوطنية، انطلاقاً من القانون الدولي، واتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة ضد المخاطر الأمنية، التي مصدرها جماعات مسلحة «غير شرعية» في ليبيا، إلى جانب الحفاظ على الأمن ضد المخاطر المحتملة الأخرى، مثل تيارات الهجرة الجماعية، وتقديم المساعدات الإنسانية التي يحتاجها الشعب الليبي، وتوفير الدعم اللازم للحكومة الشرعية (حكومة السراج) في ليبيا.
ولفتت المذكرة إلى أن تقدير زمن إرسال قوات تركية إلى ليبيا، ومكان انتشارها، سيكون في عهدة رئيس الجمهورية، وفقاً للمبادئ التي حددها الرئيس بشأن اتخاذ جميع أنواع التدابير للقضاء على المخاطر والتهديدات، مبرزة أن مدة التفويض ستكون عاماً واحداً قابلة للتمديد، وفقاً للمادة 92 من الدستور التركي، المتعلقة بإرسال قوات عسكرية إلى دول أجنبية.
واستبق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان انعقاد جلسة البرلمان بتصريحات قال فيها إن تركيا «بصدد اتخاذ خطوة جديدة في ليبيا وشرق البحر المتوسط... ونأمل أن يحقق جنودنا في شرق المتوسط ملاحم بطولية كتلك التي حققها أمير البحارة العثمانيين خير الدين بربروس (1478 - 1546)، وهم بالفعل سيواصلون كتابة تلك الملاحم».
في السياق ذاته، قالت وزارة الخارجية التركية إن اتفاق الصخيرات في ليبيا «يقتضي دعم حكومة الوفاق الوطني»، التي وصفتها بـ«الشرعية والمعترف بها دوليا». وذكر المتحدث باسم الخارجية التركية حامي أكصوي، ردا على سؤال حول اجتماع الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين حول الشأن الليبي، أول من أمس، والبيان الصادر عنه برفض التدخل الأجنبي في ليبيا، أن «الخارجية التركية اطلعت على بيان الجامعة العربية، الذي يؤكد دعم العملية السياسية من خلال التنفيذ الكامل لاتفاق الصخيرات في ليبيا، وترى أنه من المفيد التذكير بأن ذلك الاتفاق يقتضي دعم حكومة الوفاق الوطني الشرعية».
وأضاف المتحدث التركي، في بيان صدر أمس: «لقد سجلنا إشارة البيان الختامي عقب الاجتماع إلى الاتفاق السياسي الليبي عام 2015 (اتفاق الصخيرات)، وتأكيده على أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في ليبيا... ومن المفيد في هذا الإطار التذكير بأن نص وروح الاتفاق السياسي الليبي، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2259 يهدفان إلى دعم حكومة الوفاق وتقويتها».
ولفت أكصوي إلى أن قرار مجلس الأمن تضمن دعوة جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لدعم حكومة الوفاق، وقال في هذا السياق: «في المقابل، من الواضح أن الجامعة العربية تلتزم الصمت حيال هجمات قوات خليفة حفتر، بدعم عسكري خارجي، والمتواصلة منذ أشهر، لا سيما على العاصمة طرابلس، بخلاف الاتفاق السياسي الليبي، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2259، ولم تتمكن الجامعة من اتخاذ موقف حازم إلى جانب الشرعية الدولية».
وتابع المتحدث التركي موضحا أن تركيا «تدافع منذ البداية عن ضرورة إيقاف الهجمات أولا، وتحقيق وقف إطلاق نار فوري شامل، من أجل تحقيق حل سياسي في ليبيا»، معتبرا أن تركيا «أسهمت بشكل فاعل وبناء في مسار برلين في هذا الإطار».
في سياق ذلك، أبرز أكصوي أن تحقيق الحل السياسي الدائم والشامل بقيادة الليبيين «لا يمكن أن يتم عبر تشجيع الساعين لفرض أمر واقع عبر وسائل عسكرية، بل عبر ردعهم، وتركيا ستواصل دعم حكومة الوفاق الوطني، الممثل الشرعي لليبيا، وبذل الجهود من أجل وصول الشعب الليبي إلى السلام الدائم والاستقرار».
إلى ذلك، قال فؤاد أوكطاي، نائب الرئيس التركي، إن هدف أنقرة في ليبيا وقبرص يتمثل في إحباط ما سماها بـ«المكائد التي تستهدف تركيا».
وأضاف أوكطاي، في مقابلة مع وكالة «الأناضول» أمس: «أخاطب من يسألوننا: ما شأنكم في ليبيا وقبرص؟ نحن هناك لإحباط المكائد التي تستهدفنا... أفشلنا مؤامرة حبسنا في مياهنا الإقليمية عبر الاتفاق مع ليبيا».
وتابع موضحا: «أي خطة من دون تركيا في المنطقة لا فرصة لها للنجاح، مهما كان الطرف الذي يقف وراءها... والاتفاق - التركي الليبي يصب في مصلحة المنطقة أيضاً، وهو مشروع سلام».
وبخصوص جلسة البرلمان التركي اليوم، قال أوكطاي إن مذكرة التفويض حول إرسال جنود إلى ليبيا «تسري لعام واحد، حيث يتم إرسال القوات في التوقيت وبالقدر اللازم، ويتيح محتواها كل شيء، بدءا من المساعدات الإنسانية وحتى الدعم العسكري، ونأمل أن يؤدي ذلك دوراً رادعاً، وأن تفهم الأطراف هذه الرسالة بشكل صحيح».
في سياق متصل، قال فاتح دونماز، وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، إن إجراءات التراخيص للتنقيب المتعلقة بمناطق الصلاحية البحرية المحددة وفق الاتفاق الأخير مع ليبيا، ستبدأ في الأشهر المقبلة.
وأكد دونماز في اتصال مع طاقم سفينتي «ياووز» و«الفاتح» للتنقيب، اللتين تعملان في شرق البحر المتوسط خلال زيارته لمنشأة لتخزين الغاز في إسطنبول، أن تركيا «تمسك بحقوقها وحقوق أشقائها القبارصة الأتراك في شرق المتوسط». مشيرا إلى أن أنشطة التنقيب متواصلة بكل تصميم في المنطقة، دون أي تأخير، وإجراءات الترخيص بشأن المناطق، في إطار مذكرة التفاهم البحرية، المبرمة مع حكومة السراج في ليبيا بشأن تحديد مناطق السيادة البحرية، ستبدأ على وجه السرعة في الأشهر المقبلة.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.